Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:275–281, continued
فَلِأجْلِ هَذِهِ الأحادِيثِ السِّتَّةِ أثْبَتَ الفُقَهاءُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ لِلرِّبا في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: الأوَّلُ: رِبا الجاهِلِيَّةِ وهو زِيادَةٌ عَلى الدَّيْنِ لِأجْلِ التَّأْخِيرِ.
الثّانِي: رِبا الفَضْلِ وهو زِيادَةُ أحَدِ العِوَضَيْنِ في بَيْعِ الصِّنْفِ بِصِنْفِهِ مِنَ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ.
الثّالِثُ: رِبا النَّسِيئَةِ وهو بَيْعُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأصْنافِ بِمِثْلِهِ مُؤَخَّرًا، وزادَ المالِكِيَّةُ نَوْعًا رابِعًا: وهو ما يَئُولُ إلى واحِدٍ مِنَ الأصْنافِ بِتُهْمَةِ التَّحَيُّلِ عَلى الرِّبا، وتَرْجَمَهُ في المُدَوَّنَةِ بِبُيُوعِ الآجالِ، ودَلِيلُ مالِكٍ فِيهِ حَدِيثُ العالِيَةِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن زَعَمَ أنَّ لَفْظَ الرِّبا يَشْمَلُ كُلَّ بَيْعٍ فاسِدٍ أخْذًا مِن حَدِيثِ عائِشَةَ في تَحْرِيمِ تِجارَةِ الخَمْرِ، وإلَيْهِ مالَ ابْنُ العَرَبِيِّ.
وعِنْدِي أنَّ أظْهَرَ المَذاهِبِ في هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَّ أحادِيثَ رِبا الفَضْلِ تُحْمَلُ عَلى حَدِيثِ أُسامَةَ: إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ. لِيُجْمَعَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ. وتَسْمِيَةُ التَّفاضُلِ بِالرِّبا في حَدِيثَيْ أبِي سَعِيدٍ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ دَلِيلٌ عَلى ما قُلْناهُ، وأنَّ ما راعاهُ مالِكٌ مِن إبْطالِ ما يُفْضِي إلى تَعامُلِ الرِّبا إنْ صَدَرَ مِن مَواقِعِ التُّهْمَةِ رَعْيٌ حَسَنٌ، وما عَداهُ إغْراقٌ في الِاحْتِياطِ، وقَدْ يُؤْخَذُ مِن بَعْضِ أقْوالِ مالِكٍ في المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ أنَّ انْتِفاءَ التُّهْمَةِ لا يُبْطِلُ العَقْدَ.
ولا مُتَمَسَّكَ في نَحْوِ حَدِيثِ عائِشَةَ في زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ في أمْرِهِمُ الأوَّلِ كانُوا قَرِيبِي عَهِدٍ بِرِبا الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ حالُهم مُقْتَضِيًا لِسَدِّ الذَّرائِعِ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: كانَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ مُتَفاضِلًا إنَّما ورَدَ في الدِّينارِ المَضْرُوبِ والدِّرْهَمِ المَضْرُوبِ لا في التِّبْرِ ولا في المَصُوغِ، فَرَوى مُسْلِمٌ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: غَزَوْنا وعَلى النّاسِ مُعاوِيَةُ فَغَنِمْنا غَنائِمَ كَثِيرَةً، فَكانَ فِيما غَنِمْنا آنِيَةٌ مِن ذَهَبٍ، فَأمَرَ مُعاوِيَةُ رِجالًا بِبَيْعِها في أُعْطِياتِ النّاسِ، فَتَنازَعَ النّاسُ في ذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ فَقامَ فَقالَ
صفحة ٩٠
«سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ إلّا سَواءً بِسَواءً عَيْنًا بِعَيْنٍ، مَن زادَ وازْدادَ فَقَدْ أرْبى»، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاوِيَةَ فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: ألا ما بالُ أقْوامٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أحادِيثَ كُنّا نَشْهَدُهُ ونَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْها مِنهُ ؟ فَقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: لَنُحَدِّثَنَّ بِما سَمِعْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ وإنْ كَرِهَ مُعاوِيَةُ.
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها إلّا رِبا الجاهِلِيَّةِ، وأنَّ ما عَداهُ مِنَ المُعامَلاتِ الباطِلَةِ الَّتِي فِيها أكْلُ مالٍ بِالباطِلِ مُنْدَرِجَةٌ في أدِلَّةٍ أُخْرى.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ الآيَةَ. تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ .
والمَجِيءُ بِمَعْنى العِلْمِ والبَلاغِ، أيْ: مَن عَلِمَ هَذا الوَعِيدَ. وهَذا عُذْرٌ لِمَنِ اسْتَرْسَلَ عَلى مُعامَلَةَ الرِّبا قَبْلَ بُلُوغِ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ، فالمُرادُ بِالمَوْعِظَةِ هَذِهِ الآيَةُ وآيَةُ آلِ عِمْرانَ.
والِانْتِهاءُ مُطاوِعُ نَهاهُ: إذا صَدَّهُ عَمّا لا يَلِيقُ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّهى - بِضَمِّ النُّونِ - وهو العَقْلُ، ومَعْنى ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ: ما سَلَفَ قَبْضُهُ مِن مالِ الرِّبا لا ما سَلَفَ عَقْدُهُ ولَمْ يُقْبَضْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الآتِي: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ فَرَضُوا فِيهِ احْتِمالاتٍ يَرْجِعُ بَعْضُها إلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى (مَن جاءَهُ) وبَعْضُها إلى رُجُوعِهِ إلى (ما سَلَفَ) والأظْهَرُ أنَّهُ راجِعٌ إلى (مَن جاءَهُ) لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وأنَّ مَعْنى ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾، أنَّ أمْرَ جَزائِهِ عَلى الِانْتِهاءِ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِنَ الإيهامِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّفْخِيمُ، فالمَقْصُودُ الوَعْدُ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
وجُعِلَ العائِدُ خالِدًا في النّارِ إمّا لِأنَّ المُرادَ العَوْدُ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ عادَ إلى اسْتِحْلالِ الرِّبا وذَلِكَ نِفاقٌ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ التَّعامُلِ بِالرِّبا، فَعَلِمَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ وجَعَلَ عَدَمَ إقْلاعِهِمْ عَنْهُ أمارَةً عَلى كَذِبِ إيمانِهِمْ، فالخُلُودُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ العَوْدُ إلى المُعامَلَةِ بِالرِّبا، وهو الظّاهِرُ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ والخُلُودُ: طُولُ المُكْثِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
فَوَقَفْتُ أسْألُها وكَيْفَ سُؤالُنا ∗∗∗ صُمًّا خَوالِدَ ما يَبِينُ كَلامُها
ومِنهُ: خَلَّدَ اللَّهُ مُلْكَ فُلانٍ.
صفحة ٩١
وتَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها الخَوارِجُ القائِلُونَ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ كَما تَمَسَّكُوا بِنَظائِرِها، وغَفُلُوا عَنْ تَغْلِيظِ وعِيدِ اللَّهِ تَعالى في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ، إذِ النّاسُ يَوْمَئِذٍ قَرِيبٌ عَهْدُهم بِكَفْرٍ، ولا بُدَّ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
2:276Page 47
يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦
Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ الرِّبا في الدُّنْيا بَعْدَ أنْ بُيِّنَتْ عاقِبَتُهُ في الآخِرَةِ، فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِتَوَقُّعِ سُؤالِ مَن يَسْألُ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَنْتَهُونَ بِمَوْعِظَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ اسْتِطْرادٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ الصَّدَقَةِ في الدُّنْيا أيْضًا بِبَيانِ أنَّ المُتَصَدِّقَ يَفُوزُ بِالخَيْرِ في الدّارَيْنِ كَما باءَ المُرابِي بِالشَّرِّ فِيهِما، فَهَذا وعْدٌ ووَعِيدٌ دُنْيَوِيّانِ.
والمَحْقُ هو كالمَحْوِ: بِمَعْنى إزالَةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ مُحاقٌ القَمَرِ ذَهابُ نُورِهِ لَيْلَةَ السِّرارِ، ومَعْنى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أنَّهُ يُتْلِفُ ما حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا، ويُرْبِي الصَّدَقاتِ أيْ يُضاعِفُ ثَوابَها لِأنَّ الصَّدَقَةَ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ إلّا بِمَعْنى زِيادَةِ ثَوابِها، وقَدْ جاءَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طِيبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَيُرْبِيها لَهُ كَما يُرْبِي أحَدُكم فَلُوَّهُ» ولَمّا جُعِلَ المَحْقُ بِالرِّبا وجُعِلَ الإرْباءُ بِالصَّدَقاتِ كانَتِ المُقابَلَةُ مُؤْذِنَةً بِحَذْفِ مُقابِلَيْنِ آخَرَيْنِ، والمَعْنى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، ويُرْبِي الصَّدَقاتِ ويُبارِكُ لِصاحِبِها، عَلى طَرِيقَةِ الِاحْتِباكِ.
وجُمْلَةُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أحْكامِ الرِّبا، ولَمّا كانَ شَأْنُ الِاعْتِراضِ ألّا يَخْلُوَ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِياقِ الكَلامِ، كانَ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ جَمِيعَ الكافِرِينَ مُؤْذِنًا بِأنَّ الرِّبا مِن شِعارِ أهْلِ الكُفْرِ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ اسْتَباحُوهُ فَقالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، فَكانَ هَذا تَعْرِيضًا بِأنَّ المُرابِيَ مُتَّسِمٌ بِخِلالِ أهْلِ الشِّرْكِ.
ومُفادُ التَّرْكِيبِ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ أحَدًا مِنَ الكافِرِينَ الآثِمِينَ لِأنَّ (كُلَّ) مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَهي مَوْضُوعَةٌ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ ما تُضافُ إلَيْهِ ولَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلدَّلالَةِ عَلى
صفحة ٩٢
صُبْرَةٍ مَجْمُوعَةٍ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ هي مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ الجَمِيعِيِّ، وأمّا الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ فَلا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ (كُلُّ) إلّا مَجازًا، فَإذا أُضِيفَتْ (كُلُّ) إلى اسْمٍ اسْتَغْرَقَتْ جَمِيعَ أفْرادِهِ، سَواءٌ ذَلِكَ في الإثْباتِ وفي النَّفْيِ، فَإذا دَخَلَ النَّفْيُ عَلى (كُلُّ) كانَ المَعْنى عُمُومَ النَّفْيِ لِسائِرِ الأفْرادِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ كَيْفِيَّةٌ تَعَرِضُ لِلْجُمْلَةِ فالأصْلُ فِيهِ أنْ يَبْقى مَدْلُولُ الجُمْلَةِ كَما هو، إلّا أنَّهُ يَتَكَيَّفُ بِالسَّلْبِ عِوَضًا عَنْ تَكَيُّفِهِ بِالإيجابِ، فَإذا قُلْتَ كُلُّ الدِّيارِ ما دَخَلْتُهُ، أوْ: لَمْ أدْخُلْ كُلَّ دارٍ، أوْ: كُلَّ دارٍ لَمْ أدْخُلْ، أفادَ ذَلِكَ نَفْيَ دُخُولِكَ أيَّةَ دارٍ مِنَ الدِّيارِ، كَما أنَّ مُفادَهُ في حالَةِ الإثْباتِ ثُبُوتُ دُخُولِكَ كُلَّ دارٍ، ولِذَلِكَ كانَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ لِلَفْظِ (كُلُّ) سَواءٌ في المَعْنى في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ
كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَوْ نَصَبَ لَكانَ أوْلى، لِأنَّ النَّصْبَ لا يُفْسِدْ مَعْنًى ولا يُخِلُّ بِمِيزانٍ، ولا تَخْرُجُ (كُلُّ) عَنْ إفادَةِ العُمُومِ إلّا إذا اسْتَعْمَلَها المُتَكَلِّمُ في خَبَرٍ يُرِيدُ بِهِ إبْطالَ خَبَرٍ وقَعَتْ فِيهِ (كُلُّ) صَرِيحًا أوْ تَقْدِيرًا، كَأنْ يَقُولَ أحَدٌ: كُلُّ الفُقَهاءِ يُحَرِّمُ أكْلَ لُحُومِ السِّباعِ. فَتَقُولُ لَهُ: ما كُلُّ العُلَماءِ يُحَرِّمُ لُحُومَ السِّباعِ، فَأنْتَ تُرِيدُ إبْطالَ الكُلِّيَّةِ فَيَبْقى البَعْضُ، وكَذَلِكَ في رَدِّ الِاعْتِقاداتِ المُخْطِئَةِ كَقَوْلِ المَثَلِ ما كُلُّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، فَإنَّهُ لِرَدِّ اعْتِقادِ ذَلِكَ كَما قالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ الكِلابِيُّ:
وكُنّا حَسِبْنا كُلَّ بَيْضاءَ شَحْمَةً وقَدْ نَظَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ إلى هَذا الِاسْتِعْمالِ الأخِيرِ فَطَرَدَهُ في اسْتِعْمالِ (كُلُّ) إذا وقَعَتْ في حَيِّزِ النَّفْيِ بَعْدَ أداةِ النَّفْيِ وأطالَ في بَيانِ ذَلِكَ في كِتابِهِ دَلائِلِ الإعْجازِ، وزَعَمَ أنَّ رَجَزَ أبِي النَّجْمِ يَتَغَيَّرُ مَعْناهُ بِاخْتِلافِ رَفْعِ (كُلُّ) ونَصْبِهِ في قَوْلِهِ: كُلَّهُ لَمْ أصْنَعِ. وقَدْ تَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ تَعَقُّبًا مُجْمَلًا بِأنَّ ما قالَهُ أغْلَبِيٌّ، وأنَّهُ قَدْ تَخَلَّفَ في مَواضِعَ، وقَفَّيْتُ أنا عَلى أثَرِ التَّفْتازانِيِّ فَبَيَّنْتُ في تَعْلِيقِي ”الإيجازُ عَلى دَلائِلَ الإعْجازِ“ أنَّ الغالِبَ هو العَكْسُ وحاصِلُهُ ما ذَكَرْتُ هُنا.
2:277Page 47
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧
Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
صفحة ٩٣
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِمُقابَلَةِ الذَّمِّ بِالمَدْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرَتِها قَرِيبًا، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأنَّ الصِّفاتِ المُقابِلَةَ لَهاتِهِ الصِّفاتِ صِفاتُ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، والمُناسَبَةُ تَزْدادُ ظُهُورًا لِقَوْلِهِ: ”وآتَوُا الزَّكاةَ“ .
2:278–279Page 47
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨
O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩
And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إفْضاءٌ إلى التَّشْرِيعِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ أمامَهُ مِنَ المَوْعِظَةِ ما هَيَّأ النُّفُوسَ إلَيْهِ، فَإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو تَشْرِيعٌ وقَعَ في سِياقِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِتَشْرِيعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ ولِذا احْتِيجَ إلى هَذا التَّشْرِيعِ الصَّرِيحِ المَقْصُودِ، وما تَقَدَّمَ كُلُّهُ وصْفٌ لِحالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وما بَقِيَ مِنهُ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
وأُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ قَبْلَ الأمْرِ بِتَرْكِ الرِّبا لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ هي أصْلُ الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ، ولِأنَّ تَرْكَ الرِّبا مِن جُمْلَتِها، فَهو كالأمْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.
ومَعْنى ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ الآيَةَ اتْرُكُوا ما بَقِيَ في ذِمَمِ الَّذِينَ عامَلْتُمُوهم بِالرِّبا، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَكانَ الَّذِي سَلَفَ قَبْضُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ وما لَمْ يُقْبَضْ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ.
صفحة ٩٤
قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِثَقِيفٍ - أهْلِ الطّائِفِ - إذْ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ حِصارِ الطّائِفِ عَلى صُلْحٍ وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ - الَّذِي أوْلاهُ النَّبِيءُ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ - بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ لَهم مُعامَلاتٌ بِالرِّبا مَعَ قُرَيْشٍ، فاشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ قَبْلَ النُّزُولِ عَلى الإسْلامِ أنَّ كُلَّ رِبًا لَهم عَلى النّاسِ يَأْخُذُونَهُ، وكُلَّ رِبًا عَلَيْهِمْ فَهو مَوْضُوعٌ، وقَبِلَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ شَرْطَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ خِطابًا لَهم، وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِإسْلامٍ، فَقالُوا: لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا، فَلا يُنافِي قَوْلَهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذْ مَعْناهُ: يا أيُّها الَّذِينَ دَخَلُوا في الإيمانِ، وانْدَفَعَتْ إشْكالاتٌ عَرَضَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِالشَّرْطِ فَقَدِ انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَنا، فاعْلَمُوا أنَّ الحَرْبَ عادَتْ جَذَعَةً، فَهَذا كَقَوْلِهِ: ”﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]“ وتَنْكِيرُ ”حَرْبٍ“ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ أمْرِها، ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عَدَلَ عَنْ إضافَةِ الحَرْبِ إلى اللَّهِ وجِيءَ عِوَضًا عَنْها بِمَن، ونُسِبَتْ إلى اللَّهِ، لِأنَّها بِإذْنِهِ عَلى سَبِيلِ مَجازِ الإسْنادِ، وإلى رَسُولِهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ والمُباشِرُ، وهَذا هو الظّاهِرُ، فَإذا صَحَّ ما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها فَهو مِن تَجْوِيزِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في الأحْكامِ، إذْ قَبِلَ مِن ثَقِيفٍ النُّزُولَ عَلى اقْتِضاءِ ما لَهم مِنَ الرِّبا عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى الصُّلْحَ مَعَ ثَقِيفٍ عَلى دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مَعَ تَمْكِينِهِمْ مِمّا لَهم قِبَلَ قُرَيْشٍ مِن أمْوالِ الرِّبا الثّابِتَةِ في ذِمَمِهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ مَصْلَحَةً، إذِ الشَّأْنُ أنَّ ما سَبَقَ التَّشْرِيعَ لا يُنْقَضُ كَتَقْرِيرِ أنْكِحَةِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يُقِرُّهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَ بِالِانْكِفافِ عَنْ قَبْضِ مالِ الرِّبا بَعْدَ التَّحْرِيمِ ولَوْ كانَ العَقْدُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ولِذَلِكَ جَعَلَهم عَلى خِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ في الصُّلْحِ الَّذِي عَقَدُوهُ.
صفحة ٩٥
ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ العَقْدِ الفاسِدِ لا يُوجِبُ فَواتَ التَّدارُكِ إلّا بَعْدَ القَبْضِ، ولِذَلِكَ جاءَ قَبْلَها ”﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]“ وجاءَ هُنا ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ .
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في البُيُوعِ الفاسِدَةِ تَقْتَضِي نَقْضَها، وانْتِقالَ الضَّمانِ بِالقَبْضِ، والفَواتَ بِانْتِقالِ المِلْكِ، والرُّجُوعَ بِها إلى رُءُوسِ الأمْوالِ أوْ إلى القِيَمِ إنْ فاتَتْ، لِأنَّ القِيمَةَ بَدَلٌ مِن رَأْسِ المالِ.
ورُءُوسُ الأمْوالِ: أُصُولُها، فَهو مِن إطْلاقِ الرَّأْسِ عَلى الأصْلِ، وفي الحَدِيثِ «رَأْسُ الأمْرِ الإسْلامُ» .
ومَعْنى: ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ لا تَأْخُذُونَ مالَ الغَيْرِ ولا يَأْخُذُ غَيْرُكم أمْوالَكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾) - بِهَمْزَةِ وصْلٍ وفَتْحِ الذّالِ - أمْرًا مِن: أذِنَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ (فَآذِنُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بَعْدَها ألِفٌ وبِذالٍ مَكْسُورَةٍ - أمْرًا مِن: آذَنَ بِكَذا: إذا أعْلَمَ بِهِ، أيْ: فَآذِنُوا أنْفُسَكم ومَن حَوْلَكم.
2:280Page 47
وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠
And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.
﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسُرَةٍ وأنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] لِأنَّ ظاهِرَ الجَوابِ أنَّهم يَسْتَرْجِعُونَها مُعَجَّلَةً، إذِ العُقُودُ قَدْ فُسِخَتْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ حالَةً أُخْرى، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ حالَةٌ مُقَدَّرَةٌ مَفْهُومَةٌ لِأنَّ الجَزاءَ يَدُلُّ عَلى التَّسَبُّبِ، والأصْلُ حُصُولُ المَشْرُوطِ عِنْدَ الشَّرْطِ، والمَعْنى: وإنْ حَصَلَ ذُو عُسْرَةٍ، أيْ غَرِيمٌ مُعْسِرٌ.
وفِي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى أنْ (ذُو) تُضافُ لِغَيْرِ ما يُفِيدُ شَيْئًا شَرِيفًا.
والنَّظِرَةُ - بِكَسْرِ الظّاءِ - الِانْتِظارُ.
صفحة ٩٦
والمَيْسُرَةُ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ وبِفَتْحِها في قِراءَةِ الباقِينَ اسْمٌ لِلْيُسْرِ وهو ضِدُّ العُسْرِ بِضَمِّ العَيْنِ وهي مَفْعُلَةٌ كَمَشْرُقَةٍ ومَشْرُبَةٍ ومَأْلُكَةٍ ومَقْدُرَةٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ ومَفْعَلَةٌ بِالفَتْحِ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ”فَنَظِرَةٌ“ جَوابُ الشَّرْطِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَنَظِرَةٌ لَهُ.
والصِّيغَةُ طَلَبٌ وهي مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ والنَّدْبِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالعُسْرِ العَدَمُ أيْ نَفادُ مالِهِ كُلِّهِ فالطَّلَبُ لِلْوُجُوبِ، والمَقْصُودُ بِهِ إبْطالُ حُكْمِ بَيْعِ المُعْسِرِ واسْتِرْقاقِهِ في الدَّيْنِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وفاءٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا في الجاهِلِيَّةِ، وهو حُكْمٌ قَدِيمٌ في الأُمَمِ كانَ مِن حُكْمِ المِصْرِيِّينَ، فَفي القُرْآنِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] وكانَ في شَرِيعَةِ الرُّومانِ اسْتِرْقاقُ المَدِينِ، وأحْسَبُ أنَّ في شَرِيعَةِ التَّوْراةِ قَرِيبًا مِن هَذا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ولَمْ يَثْبُتْ، وإنْ أُرِيدَ بِالعُسْرَةِ ضِيقُ الحالِ وإضْرارُ المَدِينِ بِتَعْجِيلِ القَضاءِ فالطَّلَبُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ، وقَدْ قالَ بِهِ بَعْضُ الفُقَهاءِ، ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والجُمْهُورِ، فَمَن لَمْ يَشَأْ لَمْ يُنْظِرْهُ ولَوْ بِبَيْعِ جَمِيعِ مالِهِ لِأنَّ هَذا حَقٌّ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُهُ، والإنْظارُ مَعْرُوفٌ والمَعْرُوفُ لا يَجِبُ، غَيْرَ أنَّ المُتَأخِّرِينَ بِقُرْطُبَةَ كانُوا لا يَقْضُونَ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الدَّفْعِ، ويُؤَجِّلُونَهُ بِالِاجْتِهادِ لِئَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ بِتَعْجِيلِ بَيْعِ ما بِهِ الخَلاصُ.
ومَوْرِدُ الآيَةِ عَلى دُيُونِ مُعامَلاتِ الرِّبا، لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَمَّمُوها في جَمِيعِ المُعامَلاتِ ولَمْ يَعْتَبِرُوا خُصُوصَ السَّبَبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أبْطَلَ حُكْمَ الرِّبا صارَ رَأْسُ المالِ دَيْنًا بَحْتًا فَما عُيِّنَ لَهُ مِن طَلَبِ الإنْظارِ في الآيَةِ حُكْمٌ ثابِتٌ لِلدَّيْنِ كُلِّهِ، وخالَفَ شُرَيْحٌ فَخَصَّ الآيَةَ بِالدُّيُونِ الَّتِي كانَتْ عَلى رِبًا ثُمَّ أُبْطِلَ رِباها.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ أنَّ إسْقاطَ الدَّيْنِ عَنِ المُعْسِرِ والتَّنْفِيسَ عَلَيْهِ بِإغْنائِهِ أفْضَلُ، وجَعَلَهُ اللَّهُ صَدَقَةً لِأنَّ فِيهِ تَفْرِيجَ الكَرْبِ وإغاثَةَ المَلْهُوفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ العَشَرَةِ ”تَصَّدَّقُوا“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَصَدَّقُوا) فَقُلَبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ صادًا لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتْ في الصّادِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِ الصّادِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ.
2:281Page 47
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١
And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
صفحة ٩٧
﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
جِيءَ بِقَوْلِهِ: واتَّقُوا يَوْمًا تَذْيِيلًا لِهاتِهِ الأحْكامِ لِأنَّهُ صالِحٌ لِلتَّرْهِيبِ مِنِ ارْتِكابِ ما نُهِيَ عَنْهُ والتَّرْغِيبِ في فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُدِبَ إلَيْهِ، لِأنَّ في تَرْكِ المَنهِيّاتِ سَلامَةً مِن آثامِها، وفي فِعْلِ المَطْلُوباتِ اسْتِكْثارًا مِن ثَوابِها، والكُلُّ يَرْجِعُ إلى اتِّقاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تُطْلَبُ فِيهِ السَّلامَةُ وكَثْرَةُ أسْبابِ النَّجاحِ.
وفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي آخِرُ ما نَزَلَ فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ ضَعْها عَلى رَأْسِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ»، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عاشَ بَعْدَ نُزُولِها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: واحِدًا وثَمانِينَ، وقِيلَ سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ تِسْعَةً، وقِيلَ ثَلاثَ ساعاتٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ آخِرَ آيَةٍ هي آيَةُ الكَلالَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتَقْصى الأقْوالَ صاحِبُ الإتْقانِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: ”تُرْجَعُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences