Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:41–44

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:41–44, continued

الأذانِ وعَلى الأذانِ والصَّلاةِ مَعًا وأمّا عَلى الصَّلاةِ وحْدَها فَكَرِهَهُ مالِكٌ، قالَ ابْنُ شاسٍ جازَتْ عَلى الأذانِ لِأنَّ المُؤَذِّنَ لا يَلْزَمُهُ الإتْيانُ بِهِ أمّا جَمْعُهُ مَعَ الصَّلاةِ فالأُجْرَةُ عَلى الأذانِ فَقَطْ، وأجازَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ الإجارَةَ عَلى الإمامَةِ ووَجْهُهُ أنَّهُ تَكَلَّفَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَوى أشْهَبٌ عَنْ مالِكٍ لا بَأْسَ بِالأجْرِ عَلى تَراوِيحِ رَمَضانَ وكَرِهَهُ في الفَرِيضَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ وكَرِهَها أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ وفي الدُّرَرِ ويُفْتى اليَوْمَ بِصِحَّتِها لِتَعْلِيمِ القُرْآنِ والفِقْهِ والإمامَةِ والأذانِ ويُجْبَرُ المُسْتَأْجِرُ عَلى دَفْعِ الأُجْرَةِ ويُحْبَسُ، وقالَ القَرافِيُّ في الفَرْقِ الخامِسَ عَشَرَ والمِائَةِ ولا يَجُوزُ في إمامَةِ الصَّلاةِ الإجارَةُ عَلى المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ لِأنَّها عَقْدُ مُكايَسَةٍ مِنَ المُعاوَضاتِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ العِوَضانِ فِيها لِشَخْصٍ واحِدٍ لِأنَّ أجْرَ الصَّلاةِ لَهُ فَإذا أخَذَ عَنْها عِوَضًا اجْتَمَعَ لَهُ العِوَضانِ ا هـ.

وهُوَ تَعْلِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى أصْلٍ واهٍ قَدَّمَهُ في الفَرْقِ الرّابِعَ عَشَرَ والمِائَةِ عَلى أنَّ في كَوْنِهِ مِن فُرُوعِ ذَلِكَ الأصْلِ نَظَرًا لا نُطِيلُ فِيهِ فانْظُرْهُ فَقَدْ نَبَّهْتُكَ إلَيْهِ، فالحَقُّ أنَّ الكَراهَةَ المَنقُولَةَ عَنْ مالِكٍ كَراهَةُ تَنْزِيهٍ. وهَذِهِ المَسْألَةُ كانَتْ قَدْ حَدَثَتْ بَيْنَ ابْنِ عَرَفَةَ والدَّكّالِيِّ وهي أنَّهُ ورَدَ عَلى تُونُسَ في حُدُودِ سَنَةِ سَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ رَجُلٌ زاهِدٌ مِنَ المَغْرِبِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ الدَّكّالِيُّ فَكانَ لا يُصَلِّي مَعَ الجَماعَةِ ولا يَشْهَدُ الجُمْعَةَ مُعْتَلًّا بِأنَّ أئِمَّةَ تُونُسَ يَأْخُذُونَ الأُجُورَ عَلى الإمامَةِ وذَلِكَ جُرْحَةٌ في فاعِلِهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ وشاعَ أمْرُهُ عِنْدَ العامَّةِ وحَدَثَ خِلافٌ بَيْنَ النّاسِ فَخَرَجَ إلى المَشْرِقِ فارًّا بِنَفْسِهِ وبَلَغَ أنَّهُ ذَهَبَ لِمِصْرَ فَكَتَبَ ابْنُ عَرَفَةَ إلى أهْلِ مِصْرَ أبْياتًا هي:

يا أهْلَ مِصْرَ ومَن في الدِّينِ شارَكَهم ∗∗∗ تَنَبَّهُوا لِسُؤالٍ مُعْضِلٍ نَزَلا

لُزُومُ فِسْقِكِمُ أوْ فِسْقِ مَن زَعَمَتْ ∗∗∗ أقْوالُهُ أنَّهُ بِالحَقِّ قَدْ عَمِلا

فِي تَرْكِهِ الجُمَعَ والجُمَعاتِ خَلْفَكُمُ ∗∗∗ وشَرْطُ إيجابِ حُكْمِ الكُلِّ قَدْ حَصَلا

إنْ كانَ شَأْنُكُمُ التَّقْوى فَغَيْرُكُمُ ∗∗∗ قَدْ باءَ بِالفِسْقِ حَتّى عَنْهُ ما عَدَلا

وإنْ يَكُنْ عَكْسُهُ فالأمْرُ مُنْعَكِسٌ ∗∗∗ قُولُوا بِحَقٍّ فَإنَّ الحَقَّ ما اعْتُزِلا

فَيُقالُ إنَّ أهْلَ مِصْرَ أجابُوهُ بِأبْياتٍ مِنها:

ما كانَ مِن شِيَمِ الأبْرارِ أنْ يَسِمُوا ∗∗∗ بِالفِسْقِ شَيْخًا عَلى الخَيْراتِ قَدْ جُبِلا

لا ولَكِنْ إذا ما أبْصَرُوا خَلَلًا ∗∗∗ كَسَوْهُ مِن حُسْنِ تَأْوِيلاتِهِمْ حُلَلا

ألَيْسَ قَدْ قالَ في المِنهاجِ صاحِبُهُ ∗∗∗ يَسُوغُ ذاكَ لِمَن قَدْ يَخْتَشِي زَلَلا

صفحة ٤٦٩

ومِنها: وقَدْ

رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ القاسِمِ العُتَقِيِّ ∗∗∗ فِيما اخْتَصَرْتُ كَلامًا أوْضَحَ السُّبُلا

ما إنْ تُرَدُّ شَهادَةٌ لِتارِكِها ∗∗∗ إنْ كانَ بِالعِلْمِ والتَّقْوى قَدِ احْتَفَلا

نَعَمْ وقَدْ كانَ في الأعْلَيْنَ مَنزِلَةً ∗∗∗ مِن جانِبِ الجُمَعِ والجُمُعاتِ واعْتَزَلا

كَمالِكٍ غَيْرَ مُبْدٍ فِيهِ مَعْذِرَةً ∗∗∗ إلى المَماتِ ولَمْ يُسْألْ وما عُذِلا هَذا وإنَّ الَّذِي أبْداهُ مُتَّجِهًا

أخْذُ الأئِمَّةِ أجْرًا مَنعَهُ نَقَلا

وهَبْكَ أنَّكَ راءٍ حِلَّهُ نَظَرًا ∗∗∗ فَما اجْتِهادُكَ أوْلى بِالصَّوابِ ولا هَكَذا

نُسِبَتْ هَذِهِ الأبْياتُ في بَعْضِ كُتُبِ التَّراجِمِ لِلْمَغارِبَةِ أنَّها ورَدَتْ مِن أهْلِ مِصْرَ وقَدْ قِيلَ إنَّها نَظَمَها بَعْضُ أهْلِ تُونُسَ انْتِصارًا لِلدَّكّالِيِّ. ذَكَرَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ في طِرازِ المَجالِسِ، وقالَ إنَّ المُجِيبَ هو أبُو الحَسَنِ عَلِيٌّ السُّلَمِيُّ التُّونُسِيُّ وذَكَرَ أنَّ السِّراجَ البُلْقِينِيَّ ذَكَرَ هاتِهِ الواقِعَةَ في فَتاواهُ وذَكَرَ أنَّ والِدَهُ أجابَ في المَسْألَةِ بِأبْياتٍ لامِيَّةٍ انْظُرْها هُناكَ.

* * *

﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] إلّا أنَّ التَّعْبِيرَ في الأوَّلِ بِارْهَبُونِ وفي الثّانِي بِاتَّقُونِ لِأنَّ الرَّهْبَةَ مُقَدِّمَةٌ التَّقْوى إذِ التَّقْوى رَهْبَةٌ مُعْتَبَرٌ فِيها العَمَلُ بِالمَأْمُوراتِ واجْتِنابُ المَنهِيّاتِ بِخِلافِ مُطْلَقِ الرَّهْبَةِ فَإنَّها اعْتِقادٌ وانْفِعالٌ دُونَ عَمَلٍ، ولِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ تَأْمُرُهم بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ فَناسَبَها أنْ يُخَوَّفُوا مَن نَكْثِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ الَّذِي مَنَعَهم مِنهُ بَقِيَّةُ دَهْمائِهِمْ فَناسَبَها الأمْرُ بِأنْ لا يَتَّقُوا إلّا اللَّهَ. ولِلتَّقْوى مَعْنًى شَرْعِيٌّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وهي بِذَلِكَ المَعْنى أخَصُّ لا مَحالَةَ مِنَ الرَّهْبَةِ ولا أحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودَ هُنا.

والقَوْلُ في حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ فاتَّقُونِ نَظِيرُ القَوْلِ فِيهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] .

2:42Page 7

وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

صفحة ٤٧٠

﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى هُنا لِأنَّ هاتِهِ الجُمَلَ كُلَّها لَمْ يُقْصَدْ أنَّ الواحِدَةَ مِنها مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها خاصَّةً بَلْ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَها لا سِيَّما قَوْلُهُ ﴿ولا تَلْبِسُوا﴾ فَإنَّهُ مَبْدَأُ انْتِقالٍ مِن غَرَضِ التَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلالِ إلى غَرَضِ التَّحْذِيرِ مِنَ الإضْلالِ بَعْدَ أنْ وسَّطَ بَيْنَهُما قَوْلَهُ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ [البقرة: ٤١] كَما تَقَدَّمَ.

وإنْ شِئْتَ أنْ تَجْعَلَ كُلًّا مَعْطُوفًا عَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ اعْتِبارِ كَوْنِ ما قَبْلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وهَذا شَأْنُ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ إلّا إذا أُرِيدَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِكَوْنِ الثّانِيَةِ أعْلَقَ بِالَّتِي والَتْها دُونَ البَقِيَّةِ وذَلِكَ كَعَطْفِ ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ عَلى ولا تَلْبَسُوا فَإنَّها مُتَعَيِّنَةٌ لِلْعَطْفِ عَلى تَلْبِسُوا لا مَحالَةَ إنْ كانَتْ مَعْطُوفَةً وهو الظّاهِرُ فَإنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مَنهِيٌّ عَنْهُ والتَّغْلِيظُ في النَّهْيِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما واضِحٌ بِالأوْلى.

وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وتَكْتُمُوا الحَقَّ مَنصُوبًا بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَ واوِ المَعِيَّةِ ويَكُونَ مَناطُ النَّهْيِ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّ كِلَيْهِما مَنهِيٌّ عَنْهُ والتَّفْرِيقُ في المَنهِيِّ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الجَمْعِ بِالأوْلى بِخِلافِ العَكْسِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ إنَّما نُهُوا عَنِ الأمْرَيْنِ مَعًا عَلى وجْهِ الجَمْعِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم لا يُرْجى مِنهم أكْثَرُ مِن هَذا التَّرْكِ لِلَّبْسِ وهو تَرْكُ اللَّبْسِ المُقارَنِ لِكَتْمِ الحَقِّ فَإنَّ كَوْنَهُ جَرِيمَةً في الدِّينِ أمْرٌ ظاهِرٌ. أمّا تَرْكُ اللَّبْسِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّحْرِيفِ في التَّأْوِيلِ فَلا يُرْجى مِنهم تَرْكُهُ إذْ لا طَماعِيَةَ في صَلاحِهِمُ العاجِلِ والحَقُّ الأمْرُ الثّابِتُ مِن حَقٍّ إذا ثَبَتَ ووَجَبَ وهو ما تَعْتَرِفُ بِهِ سائِرُ النُّفُوسِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ شَهَواتِها.

والباطِلُ في كَلامِهِمْ ضِدُّ الحَقِّ فَإنَّهُ الأمْرُ الزّائِلُ الضّائِعُ يُقالُ بَطَلَ بَطْلًا وبُطُولًا وبُطْلانًا إذا ذَهَبَ ضَياعًا وخَسِرَ وذَهَبَ دَمُهُ بُطْلًا أيْ هَدْرًا.

والمُرادُ بِهِ هُنا ما تَتَبَرَّأُ مِنهُ النُّفُوسُ وتُزِيلُهُ مادامَتْ خَلِيَّةً عَنْ غَرَضٍ أوْ هَوًى وسُمِّيَ باطِلًا لِأنَّهُ فِعْلٌ يَذْهَبُ ضَياعًا وخَسارًا عَلى صاحِبِهِ. واللَّبْسُ خَلْطٌ بَيْنَ مُتَشابِهاتٍ في الصِّفاتِ يَعْسُرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ أوْ يَتَعَذَّرُ وهو يَتَعَدّى إلى الَّذِي اخْتَلَطَ عَلَيْهِ بِعِدَّةِ حُرُوفٍ مِثْلَ عَلى واللّامِ والباءِ عَلى اخْتِلافِ السِّياقِ الَّذِي يَقْتَضِي مَعْنى بَعْضِ تِلْكَ الحُرُوفِ.

وقَدْ يُعَلَّقُ بِهِ ظَرْفُ عِنْدَ وقَدْ يُجَرَّدُ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالحَرْفِ. ويُطْلَقُ عَلى اخْتِلاطِ المَعانِي وهو الغالِبُ وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ أنَّهُ

صفحة ٤٧١

هُوَ المَعْنى الحَقِيقِيُّ، ويُقالُ في الأمْرِ لُبْسَةٌ بِضَمِّ اللّامِ أيِ اشْتِباهٌ، وفي حَدِيثِ شَقِّ الصَّدْرِ فَخِفْتُ أنْ يَكُونَ قَدِ التَبَسَ بِي أيْ حَصَلَ اخْتِلاطٌ في عَقْلِي بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والخَيالِ، وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ وأمّا فِعْلُ لَبِسَ الثِّيابَ فَمِن بابِ سَمِعَ.

فَلَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ تَرْوِيجُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ. وهَذا اللَّبْسُ هو مَبْدَأُ التَّضْلِيلِ والإلْحادِ في الأُمُورِ المَشْهُورَةِ فَإنَّ المُزاوِلِينَ لِذَلِكَ لا يُرَوَّجُ عَلَيْهِمْ قَصْدُ إبْطالِها فَشَأْنُ مَن يُرِيدُ إبْطالَها أنْ يَعْمِدَ إلى خَلْطِ الحَقِّ بِالباطِلِ حَتّى يُوهِمَ أنَّهُ يُرِيدُ الحَقَّ قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] لِأنَّهم أوْهَمُوهم أنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إلى الأصْنامِ. وأكْثَرُ أنْواعِ الضَّلالِ الَّذِي أُدْخِلَ في الإسْلامِ هو مِن قَبِيلِ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ، فَقَدْ قالَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ العَرَبِ ومَنَعُوا الزَّكاةَ أنَّنا كُنّا نُعْطِي الزَّكاةَ لِلرَّسُولِ ونُطِيعُهُ فَلَيْسَ عَلَيْنا طاعَةٌ لِأحَدٍ بَعْدَهُ وهَذا نَقْضٌ لِجامِعَةِ المِلَّةِ في صُورَةِ الأنَفَةِ مِنَ الطّاعَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ شاعِرُهم وهو الخُطَيْلُ بْنُ أوْسٍ:

أطَعْنا رَسُولَ اللَّهِ إذْ كانَ بَيْنَنا فَيالِعِبادِ اللَّهِ ما لِأبِي بَكْرِ

وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النّاقِمُونَ عَلى عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَبَّسُوا بِأُمُورٍ زَيَّنُوها لِلْعامَّةِ كَقَوْلِهِمْ رَقِيَ إلى مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ في المِنبَرِ وذَلِكَ اسْتِخْفافٌ لِأنَّ الخَلِيفَتَيْنِ قَبْلَهُ نَزَلَ كُلٌّ مِنهُما عَنِ الدَّرَجَةِ الَّتِي كانَ يَجْلِسُ عَلَيْها سَلَفُهُ. وسَقَطَ مِن يَدِهِ خاتَمُ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ رَمْزٌ عَلى سُقُوطِ خِلافَتِهِ. وقَدْ قالَتِ الخَوارِجُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ فَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ.

وحَرَّفَ أقْوامٌ آياتٍ بِالتَّأْوِيلِ البَعِيدِ ثُمَّ سَمَّوْا ذَلِكَ بِالباطِنِ وزَعَمُوا أنَّ لِلْقُرْآنِ ظاهِرًا وباطِنًا فَكانَ مِن ذَلِكَ لَبْسٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ نَشَأتْ عَنْ ذَلِكَ نِحْلَةُ الباطِنِيَّةِ. ثُمَّ تَأْوِيلاتُ المُتَفَلْسِفِينَ في الشَّرِيعَةِ كَأصْحابِ الرَّسائِلِ المُلَقَّبِينَ بِإخْوانِ الصَّفاءِ.

ثُمَّ نَشَأ تَلْبِيسُ الواعِظِينَ والمُرَغِّبِينَ والمُرْجِئَةِ؛ فَأخَذُوا بَعْضَ الآياتِ فَأشاعُوها وكَتَمُوا ما يُقَيِّدُها ويُعارِضُها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فَأوْهَمُوا النّاسَ أنَّ المَغْفِرَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ وكُلِّ مُذْنِبٍ ولَوْ لَمْ يَتُبْ وأغَضُّوا عَنْ آياتِ الوَعِيدِ وآياتِ التَّوْبَةِ. ولِلتَّفادِي مِن هَذا الوَصْفِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعالى قالَ عُلَماءُ أُصُولِ الفِقْهِ: إنَّ التَّأْوِيلَ لا يَصِحُّ إلّا إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ، أمّا إذا وقَعَ التَّأْوِيلُ لِما يُظَنُّ أنَّهُ دَلِيلٌ فَهو

صفحة ٤٧٢

تَأْوِيلٌ باطِلٌ؛ فَإنْ وقَعَ بِلا دَلِيلٍ أصْلًا فَهو لَعِبٌ لا تَأْوِيلٌ ولِهَذا نَهى الفُقَهاءُ عَنِ اقْتِباسِ القُرْآنِ في غَيْرِ المَعْنى الَّذِي جاءَ لَهُ كَما قالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:

لَئِنْ أخْطَأْتُ في مَدِي ∗∗∗ حِكَ ما أخْطَأْتَ في مَنعِي

لَقَدْ أنْزَلْتُ حاجاتِي ∗∗∗ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ

وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] حالٌ وهو أبْلَغُ في النَّهْيِ لِأنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِنَ العالِمِ أشَدُّ فَمَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أيْ لَبْسَكُمُ الحَقَّ بِالباطِلِ.

قالَ الطَّيِّبِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي أفَلا تَعْقِلُونَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ”﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]“ غَيْرُ مُنَزَّلٍ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّهُ إذا نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ دَلَّ عَلى أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالعِلْمِ الَّذِي هو وصْفُ كَمالٍ وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ الآتِي ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] إذْ نَفى عَنْهم وصْفَ العَقْلِ فَكَيْفَ يُثْبِتُ لَهم هُنا وصْفَ العِلْمِ عَلى الإطْلاقِ.

2:43Page 7

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾

أمَرَ بِالتَّلَبُّسِ بِشِعارِ الإسْلامِ عَقِبَ الأمْرِ بِاعْتِقادِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ فَقَوْلُهُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١] الآيَةَ. راجِعٌ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وما هو وسِيلَةُ ذَلِكَ وما هو غايَتُهُ فالوَسِيلَةُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٧] إلى ﴿فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] والمَقْصِدُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] والغايَةُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ وقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ مَفاسِدَ تَصُدُّهم عَنِ المَأْمُوراتِ مُناسِباتٍ لِلْأوامِرِ. فَقَوْلُهُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إلَخْ أمْرٌ بِأعْظَمِ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ بَعْدَ الإيمانِ والنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِإجابَتِهِمْ وامْتِثالِهِمْ لِلْأوامِرِ السّالِفَةِ وأنَّهم كَمُلَتْ لَهُمُ الأُمُورُ المَطْلُوبَةُ.

وفِي هَذا الأمْرِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ، ذَلِكَ أنَّ الإيمانَ عَقْدٌ قَلْبِيٌّ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا النُّطْقُ، والنُّطْقُ اللِّسانِيُّ أمْرٌ سَهْلٌ قَدْ يَقْتَحِمُهُ مَن لَمْ يَعْتَقِدْ إذا لَمْ يَكُنْ ذا غُلُوٍّ في دِينِهِ فَلا يَتَحَرَّجُ أنْ يَنْطِقَ بِكَلامٍ يُخالِفُ الدِّينَ إذا كانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ مَدْلُولَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] الآيَةَ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّ الأوْلى عَمَلٌ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ الخالِقِ والسُّجُودِ إلَيْهِ وخَلْعِ الآلِهَةِ. ومِثْلَ هَذا الفِعْلِ لا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُ لِأنَّهُ يَغِيظُ آلِهَتَهُ بِالفِعْلِ وبِقَوْلِ (اللَّهُ أكْبَرُ) ولا يَفْعَلُهُ الكِتابِيُّ لِأنَّهُ يُخالِفُ عِبادَتَهُ. ولِأنَّ الزَّكاةَ إنْفاقُ المالِ

صفحة ٤٧٣

وهُوَ عَزِيزٌ عَلى النَّفْسِ فَلا يَبْذُلُهُ المَرْءُ في غَيْرِ ما يَنْفَعُهُ إلّا عَنِ اعْتِقادِ نَفْعٍ أُخْرَوِيٍّ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المالُ يُنْفَقُ عَلى العَدُوِّ في الدِّينِ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ الأمْرَ بِالإيمانِ بِالأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ لِأنَّهُما لا يَتَجَشَّمُهُما إلّا مُؤْمِنٌ صادِقٌ.

ولِذَلِكَ جاءَ في المُنافِقِينَ ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] وقَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وفي الصَّحِيحِ «أنَّ صَلاةَ العِشاءِ أثْقَلُ صَلاةٍ عَلى المُنافِقِينَ» .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِمالِكٍ عَلى قَتْلِ مَن يَمْتَنِعُ مِن أداءِ الصَّلاةِ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ لَمْ يُؤَدِّها مِن أوَّلِ وقْتِ صَلاةٍ مِنَ الصَّلَواتِ إلى خُرُوجِهِ إذا كانَ وقْتًا مُتَّفَقًا بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ، لِأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الِامْتِناعَ مَعَ عَدَمِ العُذْرِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُصَرِّحًا بِالإيمانِ، قالَ مالِكٌ إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ ومَنعًا لِذَرِيعَةِ خَرْمِ المِلَّةِ. ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ هَذا دَلِيلًا لِمَن قالُوا بِأنَّ تارِكَ الصَّلاةِ كافِرٌ لَوْلا الأدِلَّةُ المُعارِضَةُ.

وفِيها دَلِيلٌ لِما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ وإطْلاقِ اسْمِ المُرْتَدِّينَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ أمارَةَ صِدْقِ الإيمانِ إذْ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ لَمّا راجَعَهُ عُمَرُ في عَزْمِهِ عَلى قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ حِينَ مَنَعُوا إعْطاءَ الزَّكاةِ وقالَ لَهُ: «كَيْفَ تُقاتِلُهم وقَدْ قالُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لِأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فَإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ»، فَحَصَلَ مِن عِبارَتِهِ عَلى إيجازِها جَوابٌ عَنْ دَلِيلِ عُمَرَ.

وقَوْلُهُ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الصَّلاةِ لِأنَّ لِلْيَهُودِ صَلاةً لا رُكُوعَ فِيها فَلِكَيْ لا يَقُولُوا إنَّنا نُقِيمُ صَلاتَنا دَفَعَ هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ والرُّكُوعُ طَأْطَأةُ وانْحِناءُ الظَّهْرِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّبْجِيلِ. وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ لِبَعْضِ كُبَرائِهِمْ. قالَ الأعْشى:

إذا ما أتانا أبُو مالِكٍ رَكَعْنا لَهُ وخَلَعْنا العِمامَةْ

ورُوِيَ سَجَدْنا لَهُ وخَلَعْنا العَمارا، والعَمارُ هو العِمامَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿مَعَ الرّاكِعِينَ﴾، إيماءٌ إلى وُجُوبِ مُماثَلَةِ المُسْلِمِينَ في أداءِ شَعائِرِ الإسْلامِ المَفْرُوضَةِ فالمُرادُ بِالرّاكِعِينَ المُسْلِمُونَ وفِيهِ إشارَةٌ إلى الإتْيانِ بِالصَّلاةِ بِأرْكانِها وشَرائِطِها.

2:44Page 7

۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤

Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

صفحة ٤٧٤

﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ووَجْهُ المُناسَبَةِ في وُقُوعِهِ هُنا أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِفِعْلِ شَعائِرِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وذَيَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] لِيُشِيرَ إلى صَلاتِهِمُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، أصْبَحَتْ لا تُغْنِي عَنْهم، ناسَبَ أنْ يُزادَ لِذَلِكَ أنَّ ما يَأْمُرُ بِهِ دِينُهم مِنَ البِرِّ لَيْسُوا قائِمِينَ بِهِ عَلى ما يَنْبَغِي، فَجِيءَ بِهَذا الِاعْتِراضِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ اعْتِراضًا لَمْ يُقْرَنْ بِالواوِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ التَّحْرِيضُ عَلى الأمْرِ بِالبِرِّ وعَلى مُلازَمَتِهِ، والغَرَضُ مِن هَذا هو النِّداءُ عَلى كَمالِ خَسارِهِمْ ومَبْلَغِ سُوءِ حالِهِمُ الَّذِي صارُوا إلَيْهِ حَتّى صارُوا يَقُومُونَ بِالوَعْظِ والتَّعْلِيمِ كَما يَقُومُ الصّانِعُ بِصِناعَتِهِ والتّاجِرُ بِتِجارَتِهِ لا يَقْصِدُونَ إلّا إيفاءَ وظائِفِهِمُ الدِّينِيَّةِ حَقَّها لِيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ ما يُعَوَّضُونَ عَلَيْهِ مِن مَراتِبَ ورَواتِبَ فَهم لا يَنْظُرُونَ إلى حالِ أنْفُسِهِمْ تُجاهَ تِلْكَ الأوامِرِ الَّتِي يَأْمُرُونَ بِها النّاسَ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ أتَأْمُرُونَ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِن قَبْلُ فَيَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الحالَةَ ثابِتَةٌ لِجَمِيعِهِمْ أيْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم تَجِدُهُ يُصَرِّحُ بِأوامِرِ دِينِهِمْ ويُشِيعُها بَيْنَ النّاسِ ولا يَمْتَثِلُها هو في نَفْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهَذا الخِطابِ فَرِيقًا مِنهم فَإنَّ الخِطابَ المُوَجَّهَ لِلْجَماعاتِ والقَبائِلِ يَأْخُذُ كُلُّ فَرِيقٍ ما هو حَظُّهُ مِن ذَلِكَ الخِطابِ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ أحْبارَهم وعُلَماءَهم وهم أخَصُّ بِالأمْرِ بِالبِرِّ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ إمّا المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا يَذْكُرُونَ لَهم ما جاءَ بِهِ دِينُهم والعَرَبُ كانُوا يَحْلِفُونَ بِسَماعِ أقْوالِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النّاسِ مَن عَدَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ أفْعَلُ كَما يَفْعَلُ النّاسُ وكَقَوْلِهِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أيْ أيَأْمُرُ الواحِدُ غَيْرَهُ ويَنْسى نَفْسَهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ العامَّةَ مِن أُمَّةِ اليَهُودِ أيْ كَيْفَ تَأْمُرُونَ أتْباعَكم وعامَّتَكم بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم ؟ فَفِيهِ تَنْدِيدٌ بِحالِ أحْبارِهِمْ أوْ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ الإسْلامِ هو الحَقُّ فَهم يَأْمُرُونَ أتْباعَهم بِالمَواعِظِ ولا يَطْلُبُونَ نَجاةَ أنْفُسِهِمْ.

والِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ الحَمْلِ عَلى الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ فاسْتُعْمِلَ في التَّوْبِيخِ

صفحة ٤٧٥

مَجازًا بِقَرِينَةِ المَقامِ وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ التَّوْبِيخَ يُلازِمُ الِاسْتِفْهامَ لِأنَّ مَن يَأْتِي ما يَسْتَحِقُّ التَّوْبِيخَ عَلَيْهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَساءَلَ النّاسُ عَنْ ثُبُوتِ الفِعْلِ لَهُ ويَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ بِالسُّؤالِ فَيَنْتَقِلُ مِنَ السُّؤالِ إلى التَّوْبِيخِ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ مَعْنى التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُوَبَّخِ وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الَّتِي وُبِّخُوا عَلَيْها حالَةٌ عَجِيبَةٌ لِما فِيها مِن إرادَةِ الخَيْرِ لِلْغَيْرِ وإهْمالِ النَّفْسِ مِنهُ. فَحَقِيقٌ بِكُلِّ سامِعٍ أنْ يَعْجَبَ مِنها، ولَيْسَ التَّعَجُّبُ بِلازِمٍ لِمَعْنى التَّوْبِيخِ في كُلِّ مَوْضِعٍ بَلْ في نَحْوِ هَذا مِمّا كانَ فِيهِ المُوَبَّخُ عَلَيْهِ غَرِيبًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ مِنَ العُقَلاءِ فَإذا اسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهامُ في لازِمٍ واحِدٍ فَكَوْنُهُ مَجازًا مُرْسَلًا ظاهِرًا، وإذا اسْتُعْمِلَ في لازِمَيْنِ يَتَوَلَّدُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ أوْ مُتَقارِبَيْنِ فَهو أيْضًا مَجازٌ مُرْسَلٌ واحِدٌ لِأنَّ تَعَدُّدَ اللَّوازِمِ لا يُوجِبُ تَعَدُّدَ العَلاقَةِ ولا تَكَرُّرَ الِاسْتِعْمالِ لِأنَّ المَعانِيَ المَجازِيَّةَ مُسْتَفادَةٌ مِنَ العَلاقَةِ لا مِنَ الوَضْعِ فَتَعَدُّدُ المَجازاتِ لِلَفْظٍ واحِدٍ أوْسَعُ مِنَ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ وأيًّا ما كانَ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ عَلى ما اخْتارَهُ السَّيِّدُ في حاشِيَةِ المُطَوَّلِ في بابِ الإنْشاءِ عَلاقَتُهُ اللُّزُومُ وقَدْ تَرَدَّدَ في تَعْيِينِ عَلاقَتِهِ التَّفْتَزانِيُّ وقالَ إنَّهُ مِمّا لَمْ يَحُمْ أحَدٌ حَوْلَهُ.

والبِرُّ بِكَسْرِ الباءِ الخَيْرُ في الأعْمالِ في أُمُورِ الدُّنْيا وأُمُورِ الآخِرَةِ والمُعامَلَةِ، وفِعْلُهُ في الغالِبِ مِن بابِ عَلِمَ إلّا البِرَّ في اليَمِينِ فَقَدْ جاءَ مِن بابِ عَلِمَ وبابِ ضَرَبَ، ومِنَ الأقْوالِ المَأْثُورَةِ البِرُّ ثَلاثَةٌ: بِرٌّ في عِبادَةِ اللَّهِ وبِرٌّ في مُراعاةِ الأقارِبِ وبِرٌّ في مُعامَلَةِ الأجانِبِ، وذَلِكَ تَبَعٌ لِلْوَفاءِ بِسَعَةِ الإحْسانِ في حُقُوقِ هَذِهِ الجَوانِبِ الثَّلاثَةِ.

والنِّسْيانُ ذَهابُ الأمْرِ المَعْلُومِ مِن حافِظَةِ الإنْسانِ لِضَعْفِ الذِّهْنِ أوِ الغَفْلَةِ ويُرادِفُهُ السَّهْوُ وقِيلَ السَّهْوُ الغَفْلَةُ اليَسِيرَةُ بِحَيْثُ يَنْتَبِهُ بِأقَلِّ تَنْبِيهٍ، والنِّسْيانُ زَوالُهُ بِالكُلِّيَّةِ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ فَسَّرَ النِّسْيانَ بِمُطْلَقِ التَّرْكِ وجَعَلَهُ صاحِبُ الأساسِ مَجازًا وهو التَّحْقِيقُ وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ. والنِّسْيانُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّرْكِ عَنْ عَمْدٍ أوْ عَنِ التَّهاوُنِ بِما يَذْكُرُ المَرْءُ في البِرِّ عَلى نَحْوٍ ما.

قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] أيْ وتَتْرُكُونَ أنْفُسَكم مِن ذَلِكَ أيْ مِن أمْرِها بِالبِرِّ أوْ وتَنْسَوْنَ أنْ تَأْمُرُوا أنْفُسَكم بِالبِرِّ وفي هَذا التَّقْدِيرِ يَبْقى النِّسْيانُ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهم لَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ في التَّهاوُنِ بِالتَّخَلُّقِ بِأُمُورِ الدِّينِ والِاجْتِراءِ عَلى تَأْوِيلِ الوَحْيِ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِمُ الهَوى بِغَيْرِ هُدًى صارُوا يَنْسَوْنَ أنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِمِثْلِ ما يَنْهَوْنَ عَنْهُ فَإذا تَصَدَّوْا إلى مَواعِظِ قَوْمِهِمْ أوِ الخَطابَةِ فِيهِمْ أوْ أمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ كانُوا يَنْهَوْنَهم عَنْ مَذامَّ قَدْ تَلَبَّسُوا بِأمْثالِها إلّا أنَّ التَّعَوُّدَ بِها أنْساهم إيّاها فَأنْساهم أمْرَ أنْفُسِهِمْ بِالبِرِّ لِنِسْيانِ سَبَبِهِ

صفحة ٤٧٦

وقَدْ يَرى الإنْسانُ عَيْبَ غَيْرِهِ لِأنَّهُ يُشاهِدُهُ ولا يَرى عَيْبَ نَفْسِهِ لِأنَّهُ لا يُشاهِدُهُ ولِأنَّ العادَةَ تُنْسِيهِ حالَهُ. ودَواءُ هَذا النِّسْيانِ هو مُحاسَبَةُ النَّفْسِ فَيَكُونُ البِرُّ راجِعًا إلى جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ الأوامِرُ السّابِقَةُ مِنَ التَّفاصِيلِ فَهم قَدْ أمَرُوا غَيْرَهم بِتَفاصِيلِها ونَسُوا أنْفُسَهم عِنْدَ سَماعِها وذَلِكَ يَشْمَلُ التَّصْدِيقَ بِدِينِ الإسْلامِ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ التَّوْراةُ الَّتِي كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِما فِيها.

وجُمْلَةُ ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ (تَأْمُرُونَ) ويَكُونُ مَحَلُّ التَّوْبِيخِ والتَّعَجُّبِ هو أمْرَ النّاسِ بِالبِرِّ بِقَيْدِ كَوْنِهِ في حالِ نِسْيانٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى (تَأْمُرُونَ) وتَكُونَ هي المَقْصُودَةَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ ويُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ﴾ تَمْهِيدًا لَها عَلى مَعْنى أنَّ مَحَلَّ الفَظاعَةِ المُوجِبَةِ لِلنَّهْيِ هي مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ قَصْدُ النَّهْيِ عَنْ مَضْمُونِ كِلا الجُمْلَتَيْنِ إذِ القَصْدُ هو التَّوْبِيخُ عَلى اتِّصافٍ بِحالَةٍ فَظِيعَةٍ لَيْسَتْ مِن شِيَمِ النّاصِحِينَ لا قَصْدُ تَحْرِيمٍ فَلا تَقَعْ في حَيْرَةِ مَن تَحَيَّرَ في وجْهِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ولا في وهْمٍ فَقالَ إنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ العاصِيَ لا يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ولا يَنْهى عَنِ المُنْكَرِ كَما نَقَلَ عَنْهُمُ الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ فَإنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودَ نَهْيٌ ولا تَحْرِيمٌ وإنَّما المَقْصُودُ تَفْظِيعُ الحالَةِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ قالَ في تَذْيِيلِها ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] أوْ نَحْوَهُ.

والأنْفُسُ جَمْعُ نَفْسٍ، بِسُكُونِ الفاءِ وهي مَجْمُوعُ ذاتِ الإنْسانِ مِنَ الهَيْكَلِ والرُّوحِ كَما هُنا وبِاعْتِبارِ هَذا التَّرْكِيبِ الَّذِي في الذّاتِ اتَّسَعَ إطْلاقُ النَّفْسِ في كَلامِ العَرَبِ تارَةً عَلى جَمِيعِ الذّاتِ كَما في التَّوْكِيدِ نَحْوَ جاءَ فُلانٌ نَفْسُهُ وقَوْلِهِ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وتارَةً عَلى البَعْضِ كَقَوْلِ القائِلِ أنْكَرْتُ نَفْسِي وقَوْلِهِ ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ وعَلى الإحْساسِ الباطِنِيِّ كَقَوْلِهِ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] أيْ ضَمِيرِي. وتُطْلَقُ عَلى الرُّوحِ الَّذِي بِهِ الإدْراكُ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وسَيَأْتِي لِهَذا زِيادَةُ إيضاحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ [النحل: ١١١] في سُورَةِ النَّحْلِ.

وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ قَيَّدَ بِها التَّوْبِيخَ والتَّعْجِيبَ. لِأنَّ نِسْيانَ أنْفُسِهِمْ يَكُونُ أغْرَبَ وأفْظَعَ إذا كانَ مَعَهم أمْرانِ يُقْلِعانِهِ، وهُما أمْرُ النّاسِ بِالبِرِّ، فَإنَّ شَأْنَ الأمْرِ بِالبَرِّ

صفحة ٤٧٧

أنْ يُذَكِّرَ الآمِرَ حاجَةَ نَفْسِهِ إلَيْهِ إذا قَدَّرَ أنَّهُ في غَفْلَةٍ عَنْ نَفْسِهِ، وتِلاوَةُ الكِتابِ أيِ التَّوْراةِ يَمُرُّونَ فِيها عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي مِن شَأْنِهِ أنْ تُذَكِّرَهم مُخالَفَةَ حالِهِمْ لِما يَتْلُونَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنِ انْتِفاءِ تَعَقُّلِهِمُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَنِ انْتَفى تَعَقُّلُهُ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ مَن لا يَعْقِلُونَ أنَّ مَن يَسْتَمِرُّ بِهِ التَّغَفُّلُ عَنْ نَفْسِهِ وإهْمالُ التَّفَكُّرِ في صَلاحِها مَعَ مُصاحَبَةِ شَيْئَيْنِ يَذْكُرُ أنَّهُ قارَبَ أنْ يَكُونَ مَنفِيًّا عَنْهُ التَّعَقُّلُ.

وفِعْلُ تَعْقِلُونَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ هو لازِمٌ وفي هَذا نِداءٌ عَلى كَمالِ غَفْلَتِهِمْ واضْطِرابِ حالِهِمْ. وكَوْنُ هَذا أمْرًا قَبِيحًا فَظِيعًا مِن أحْوالِ البَشَرِ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ عاقِلٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском