Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:45–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:45–47

2:45–46Page 7

وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥

And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾

خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالإرْشادِ إلى ما يُعِينُهم عَلى التَّخَلُّقِ بِجَمِيعِ ما عَدَّدَ لَهم مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الرّاجِعَةِ إلى التَّحَلِّي بِالمَحامِدِ والتَّخَلِّي عَنِ المَذَمّاتِ، لَهُ أحْسَنُ وقْعٍ مِنَ البَلاغَةِ فَإنَّهم لَمّا خُوطِبُوا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والتَّنْزِيهِ والتَّشْوِيهِ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهم لَمْ يَبْقَ في نُفُوسِهِمْ مَسْلَكٌ لِلشَّيْطانِ ولا مَجالَ لِلْخِذْلانِ وأنَّهم أنْشَئُوا يَتَحَفَّزُونَ لِلِامْتِثالِ والِائْتِساءِ إلّا أنَّ ذَلِكَ الإلْفَ القَدِيمَ، يُثْقِلُ أرْجُلَهم في الخَطْوِ إلى هَذا الطَّرِيقِ القَوِيمِ، فَوَصَفَ لَهُمُ الدَّواءَ الَّذِي بِهِ الصَّلاحُ ورِيشٌ بِقادِمَتَيِ الصَّبْرِ والصَّلاةِ مِنهُمُ الجَناحُ.

فالأمْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ لِأنَّ الصَّبْرَ مَلاكُ الهُدى فَإنَّ مِمّا يَصُدُّ الأُمَمَ عَنِ اتِّباعِ دِينٍ قَوِيمٍ الفَهْمُ بِأحْوالِهِمُ القَدِيمَةِ وضِعْفُ النُّفُوسِ عَنْ تَحَمُّلِ مُفارَقَتِها فَإذا تَدَرَّعُوا بِالصَّبْرِ سَهُلَ عَلَيْهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ. وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فالمُرادُ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِها الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وهَذا إظْهارٌ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ وهو طَرِيقٌ بَدِيعٌ مِن طُرُقِ التَّرْغِيبِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن زَعَمَ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ واسْتَعِينُوا إلَخْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الِانْتِقالِ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ آخَرَ، وهَذا وهْمٌ لِأنَّ وُجُودَ حَرْفِ العَطْفِ يُنادِي عَلى خِلافِ ذَلِكَ ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ مُرادٌ بِهِ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ حَسْبَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ

صفحة ٤٧٨

يَكُونَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الدّاعِي. والَّذِي غَرَّهم بِهَذا التَّفْسِيرِ تَوَهُّمُ أنَّهُ لا يُؤْمَرُ بِأنْ يَسْتَعِينَ بِالصَّلاةِ مَن لَمْ يَكُنْ قَدْ آمَنَ بَعْدُ وأيُّ عَجَبٍ في هَذا ؟ وقَرِيبٌ مِنهُ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لا مَحالَةَ. والصَّبْرُ عَرَّفَهُ الغَزالِيُّ في إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ بِأنَّهُ ثَباتُ باعِثِ الدِّينِ في مُقابَلَةِ باعِثِ الشَّهْوَةِ، وهو تَعْرِيفٌ خاصٌّ بِالصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ لِأنَّها في ذِكْرِ الصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ، وأمّا الصَّبْرُ مِن حَيْثُ هو الَّذِي هو وصْفُ كَمالٍ فَهو عِبارَةٌ عَنِ احْتِمالِ النَّفْسِ أمْرًا لا يُلائِمُها إمّا لِأنَّ مَآلَهُ مُلائِمٌ، أوْ لِأنَّ عَلَيْهِ جَزاءً عَظِيمًا فَأشْبَهَ ما مَآلُهُ مُلائِمٌ، أوْ لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقالِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مَعَ تَجَنُّبِ الجَزَعِ والضَّجَرِ فالصَّبْرُ احْتِمالٌ وثَباتٌ عَلى ما لا يُلائِمُ، وأقَلُّ أنْواعِهِ ما كانَ عَنْ عَدَمِ المَقْدِرَةِ ولِذا ورَدَ في الصَّحِيحِ إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى أيِ الصَّبْرُ الكامِلُ هو الَّذِي يَقَعُ قَبْلَ العِلْمِ بِأنَّ التَّفَصِّيَ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وإلّا فَإنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ اعْتِقادِ عَدَمِ إمْكانِ التَّفَصِّي إذا لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ضَجَرٌ وجَزَعٌ هو صَبْرٌ حَقِيقَةً فَصِيغَةُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ إنَّما الصَّبْرُ حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْكَمالِ كَما في قَوْلِهِمْ أنْتَ الرَّجُلُ.

والصَّلاةُ أُرِيدَ بِها هُنا مَعْناها الشَّرْعِيُّ في الإسْلامِ وهي مَجْمُوعُ مَحامِدَ لِلَّهِ تَعالى قَوْلًا وعَمَلًا واعْتِقادًا فَلا جَرَمَ كانَتِ الِاسْتِعانَةُ المَأْمُورُ بِها هُنا راجِعَةً لِأمْرَيْنِ الصَّبْرُ والشُّكْرُ وقَدْ قِيلَ إنَّ الإيمانَ نِصْفُهُ صَبْرٌ ونِصْفُهُ شُكْرٌ كَما في الإحْياءِ وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، ومُعْظَمُ الفَضائِلِ مِلاكُها الصَّبْرُ إذِ الفَضائِلُ تَنْبَعِثُ عَنْ مَكارِمِ الخِلالِ، والمَكارِمُ راجِعَةٌ إلى قُوَّةِ الإرادَةِ وكَبْحِ زِمامِ النَّفْسِ عَنِ الإسامَةِ في شَهَواتِها بِإرْجاعِ القُوَّتَيْنِ الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ عَمّا لا يُفِيدُ كَمالًا أوْ عَمّا يُورِثُ نُقْصانًا فَكانَ الصَّبْرُ مِلاكَ الفَضائِلِ فَما التَّحَلُّمُ والتَّكَرُّمُ والتَّعَلُّمُ والتَّقْوى والشَّجاعَةُ والعَدْلُ والعَمَلُ في الأرْضِ ونَحْوِها إلّا مِن ضُرُوبِ الصَّبْرِ. ومِمّا يُؤْثَرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الشَّجاعَةُ صَبْرُ ساعَةٍ. وقالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ الكِلابِيُّ يَعْتَذِرُ عَنِ انْهِزامِ قَوْمِهِ:

سَقَيْناهُمُ كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا

وحَسْبُكَ بِمَزِيَّةِ الصَّبْرِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مُكَمِّلَ سَبَبِ الفَوْزِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقالَ هُنا ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ قالَ الغَزالِيُّ: ذَكَرَ اللَّهُ الصَّبْرَ في القُرْآنِ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ مَوْضِعًا وأضافَ أكْثَرَ الخَيْراتِ والدَّرَجاتِ إلى الصَّبْرِ وجَعَلَها ثَمَرَةً لَهُ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ

صفحة ٤٧٩

﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] وقالَ ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] اهـ.

وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ وجَدْتَ أصْلَ التَّدَيُّنِ والإيمانِ مِن ضُرُوبِ الصَّبْرِ فَإنَّ فِيهِ مُخالَفَةَ النَّفْسِ هَواها ومَأْلُوفَها في التَّصْدِيقِ بِما هو مُغَيَّبٌ عَنِ الحِسِّ الَّذِي اعْتادَتْهُ، وبِوُجُوبِ طاعَتِها واحِدًا مِن جِنْسِها لا تَراهُ يَفُوقُها في الخِلْقَةِ وفي مُخالَفَةِ عادَةِ آبائِها وأقْوامِها مِنَ الدِّياناتِ السّابِقَةِ.

فَإذا صارَ الصَّبْرُ خُلُقًا لِصاحِبِهِ هَوَّنَ عَلَيْهِ مُخالَفَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأجْلِ الحَقِّ والبُرْهانِ فَظَهَرَ وجْهُ الأمْرِ بِالِاسْتِعانَةِ عَلى الإيمانِ وما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ بِالصَّبْرِ؛ فَإنَّهُ خُلُقٌ يَفْتَحُ أبْوابَ النُّفُوسِ لِقَبُولِ ما أُمِرُوا بِهِ مِن ذَلِكَ.

وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فَلِأنَّ الصَّلاةَ شُكْرٌ والشُّكْرُ يُذَكِّرُ بِالنِّعْمَةِ فَيَبْعَثُ عَلى امْتِثالِ المُنْعِمِ عَلى أنَّ في الصَّلاةِ صَبْرًا مِن جِهاتٍ في مُخالَفَةِ حالِ المَرْءِ المُعْتادَةِ ولُزُومِهِ حالَةً في وقْتٍ مُعَيَّنٍ لا يَسُوغُ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْها ولا الخُرُوجُ مِنها عَلى أنَّ في الصَّلاةِ سِرًّا إلَهِيًّا لَعَلَّهُ ناشِئٌ عَنْ تَجَلِّي الرِّضْوانِ الرَّبّانِيِّ عَلى المُصَلِّي فَلِذَلِكَ نَجِدُ لِلصَّلاةِ سِرًّا عَظِيمًا في تَجْلِيَةِ الأحْزانِ وكَشْفِ غَمِّ النَّفْسِ وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا حَزَبَهُ - بِزايٍ وباءٍ مُوَحَّدَةٍ - أيْ نَزَلَ بِهِ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» وهَذا أمْرٌ يَجِدُهُ مَن راقَبَهُ مِنَ المُصَلِّينَ وقالَ تَعالى ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِأنَّها تَجْمَعُ ضُرُوبًا مِنَ العِباداتِ.

وأمّا كَوْنُ الشُّكْرِ مِن حَيْثُ هو مُعِينًا عَلى الخَيْرِ فَهو مِن مُقْتَضَياتِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وقَوْلُهُ ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعادِ ضَمِيرِ (إنَّها) فَقِيلَ عائِدٌ إلى الصَّلاةِ والمَعْنى: إنَّ الصَّلاةَ تَصْعُبُ عَلى النُّفُوسِ لِأنَّها سِجْنٌ لِلنَّفْسِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ المَأْخُوذَةِ مِنِ اسْتَعِينُوا عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] وقِيلَ راجِعٌ إلى المَأْمُوراتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وهَذا الأخِيرُ مِمّا جَوَّزَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ولَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِهِ وهَذا أوْضَحُ الأقْوالِ وأجْمَعُها والمَحامِلُ مُرادَّةٌ.

والمُرادُ بِالكَبِيرَةِ هُنا الصَّعْبَةُ الَّتِي تَشُقُّ عَلى النُّفُوسِ، وإطْلاقُ الكِبَرِ عَلى الأمْرِ الصَّعْبِ والشّاقِّ مَجازٌ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ لِأنَّ المَشَقَّةَ مِن لَوازِمِ الأمْرِ الكَبِيرِ في حَمْلِهِ أوْ تَحْصِيلِهِ قالَ تَعالى ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالَ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] الآيَةَ. وقالَ ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]

صفحة ٤٨٠

وقَوْلُهُ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالخُشُوعِ، والخُشُوعُ لُغَةً هو الِانْزِواءُ والِانْخِفاضُ قالَ النّابِغَةُ:

ونُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أثَلَمُ خاشِعُ

أيْ زالَ ارْتِفاعُ جَوانِبِهِ. والتَّذَلُّلُ خُشُوعٌ، قالَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْلَةَ الحارِثِيُّ:

فَلا تَحْسَبِي أنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكم ∗∗∗ لِشَيْءٍ ولا أنِّي مِنَ المَوْتِ أفْرَقُ

وهُوَ مَجازٌ في خُشُوعِ النَّفْسِ وهو سُكُونٌ وانْقِباضٌ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى الإبايَةِ أوِ العِصْيانِ. والمُرادُ بِالخاشِعِ هُنا الَّذِي ذَلَّلَ نَفْسَهُ وكَسَرَ سُورَتَها وعَوَّدَها أنْ تَطْمَئِنَّ إلى أمْرِ اللَّهِ وتَطْلُبَ حُسْنَ العَواقِبِ وأنْ لا تَغْتَرَّ بِما تُزَيِّنُهُ الشَّهْوَةُ الحاضِرَةُ فَهَذا الَّذِي كانَتْ تِلْكَ صِفَتَهُ قَدِ اسْتَعَدَّتْ نَفْسُهُ لِقَبُولِ الخَيْرِ.

وكَأنَّ المُرادَ بِالخاشِعِينَ هُنا الخائِفُونَ النّاظِرُونَ في العَواقِبِ فَتَخِفُّ عَلَيْهِمُ الِاسْتِعانَةُ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ مَعَ ما في الصَّبْرِ مِنَ القَمْعِ لِلنَّفْسِ وما في الصَّلاةِ مِنَ التِزامِ أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ وطَهارَةٍ في أوْقاتٍ قَدْ يَكُونُ لِلْعَبْدِ فِيها اشْتِغالٌ بِما يَهْوى أوْ بِما يُحَصِّلُ مِنهُ مالًا أوْ لَذَّةً. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

فَقُلْتُ لَها يا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ

وأحْسَبُ أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ قَصَدَ الشّارِعُ مِنها هَذا المَعْنى وأعْظَمَهُا الصَّوْمُ. ولا يَصِحُّ حَمْلُ الخُشُوعِ هُنا عَلى خُصُوصِ الخُشُوعِ في الصَّلاةِ بِسَبَبِ الحالِ الحاصِلِ في النَّفْسِ بِاسْتِشْعارِ العَبْدِ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما شَرَحَهُ ابْنُ رُشْدٍ في أوَّلِ مَسْألَةٍ مِن كِتابِ الصَّلاةِ الأوَّلِ مِنَ البَيانِ. والتَّحْصِيلُ وهو المَعْنى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن صِفاتِ الصَّلاةِ وكَمالِ المُصَلِّي فَلا يَصِحُّ كَوْنُهُ هو المُخَفِّفَ لِكُلْفَةِ الصَّلاةِ عَلى المُسْتَعِينِ بِالصَّلاةِ كَما لا يَخْفى.

وقَدْ وصَفَ تَعالى الخاشِعِينَ بِأنَّهم ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وهي صِلَةٌ لَها مَزِيدُ اتِّصالٍ بِمَعْنى الخُشُوعِ فَفِيها مَعْنى التَّفْسِيرِ لِلْخاشِعِينَ ومَعْنى بَيانِ مَنشَأِ خُشُوعِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الظَّنِّ هُنا الِاعْتِقادُ الجازِمُ وإطْلاقُ الظَّنِّ في كَلامِ

صفحة ٤٨١

العَرَبِ عَلى مَعْنى اليَقِينِ كَثِيرٌ جِدًّا، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ يَصِفُ صَيّادًا رَمى حِمارَ وحْشٍ بِسَهْمٍ:

فَأرْسَلَهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ ∗∗∗ مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ

وقالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ:

فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ ∗∗∗ سَراتُهم بِالفارِسِيِّ المُسَرَّجِ

فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاعْتِقادِ الجازِمِ وبَيْنَ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ والمُلاقاةُ والرُّجُوعُ هُنا مَجازانِ عَنِ الحِسابِ والحَشْرِ أوْ عَنِ الرُّؤْيَةِ والثَّوابِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ اللِّقاءِ وهو تَقارِبُ الجِسْمَيْنِ، وحَقِيقَةَ الرُّجُوعِ وهو الِانْتِهاءُ إلى مَكانٍ خَرَجَ مِنهُ المُنْتَهِي مُسْتَحِيلَةٌ هُنا.

والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ إلَخِ التَّعْرِيضُ بِالثَّناءِ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَحْرِيضُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى التَّهَمُّمِ بِالِاقْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ وعَلى جَعْلِ الخِطابِ في قَوْلِهِ (﴿واسْتَعِينُوا﴾) لِلْمُسْلِمِينَ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ.

والمُلاقاةُ مُفاعَلَةٌ مَن لَقِيَ، واللِّقاءُ الحُضُورُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] والمُرادُ هُنا الحُضُورُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحِسابِ أيِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وسَيَأْتِي تَفْصِيلٌ لَها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١]

2:47Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].

صفحة ٤٨٢

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾

أُعِيدَ خِطابُ بَنِي إسْرائِيلَ بِطَرِيقِ النِّداءِ مُماثِلًا لِما وقَعَ في خِطابِهِمُ الأوَّلِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخِطابِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخِطابَ الأوَّلَ قُصِدَ مِنهُ تَذْكِيرُهم بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ داعِيَةً لِامْتِثالِ ما يَرِدُ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا كانَ الغَرَضُ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو الِامْتِثالَ كانَ حَقُّ البَلاغَةِ أنْ يُفْضِيَ البَلِيغُ إلى المَقْصُودِ ولا يُطِيلَ في المُقَدِّمَةِ، وإنَّما يُلِمُّ بِها إلْمامًا ويُشِيرُ إلَيْها إجْمالًا تَنْبِيهًا بِالمُبادَرَةِ إلى المَقْصُودِ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ ولَمْ يَزَلِ الخُطَباءُ والبُلَغاءُ يَعُدُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ مِن نَباهَةِ الخَطِيبِ ويَذْكُرُونَهُ في مَناقِبِ وزِيرِ الأنْدَلُسِ مُحَمَّدِ بْنِ الخَطِيبِ السَّلْمانِيِّ إذْ قالَ عِنْدَ سِفارَتِهِ عَنْ مَلِكِ غَرْناطَةَ إلى مَلِكِ المَغْرِبِ ابْنِ عَنانٍ أبْياتَهُ المَشْهُورَةَ الَّتِي ارْتَجَلَها عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ طالِعُها:

خَلِيفَةَ اللَّهِ ساعَدَ القَدَرُ عُلاكَ ما لاحَ في الدُّجا قَمَرُ

ثُمَّ قالَ:

والنّاسُ طُرًّا بِأرْضِ أنْدَلُسٍ ∗∗∗ لَوْلاكَ ما وطِنُوا ولا عَمِرُوا

وقَدْ أهَمَّتْهم نُفُوسُهُمُ ∗∗∗ فَوَجَّهُونِي إلَيْكَ وانْتَظَرُوا

فَقالَ لَهُ أبُو عَنانٍ ما تَرْجِعُ إلَيْهِمْ إلّا بِجَمِيعِ مَطالِبِهِمْ وأذِنَ لَهُ في الجُلُوسِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو القاسِمِ الشَّرِيفُ وكانَ مِن جُمْلَةِ الوَفْدِ لَمْ نَسْمَعْ بِسَفِيرٍ قَضى سِفارَتَهُ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ عَلى السُّلْطانِ إلّا هَذا.

فَكانَ الإجْمالُ في المُقَدِّمَةِ قَضاءً لِحَقِّ صَدارَتِها بِالتَّقْدِيمِ وكانَ الإفْضاءُ إلى المَقْصُودِ قَضاءً لِحَقِّهِ في العِنايَةِ، والرُّجُوعُ إلى تَفْصِيلِ النِّعَمِ قَضاءً لِحَقِّها مِنَ التَّعْدادِ فَإنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ تَمْجِيدٌ لِلْمُنْعِمِ وتَكْرِيمٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ وعِظَةٌ لَهُ ولِمَن يُبْلِغُهم خَبَرَ ذَلِكَ تَبْعَثُ عَلى الشُّكْرِ.

صفحة ٤٨٣

فَلِلتَّكْرِيرِ هُنا نُكْتَةُ جَمْعِ الكَلامَيْنِ بَعْدَ تَفْرِيقِهِما ونُكْتَةُ التَّعْدادِ لِما فِيهِ إجْمالُ مَعْنى النِّعْمَةِ.

والنِّعْمَةُ هَنا مُرادٌ بِها جَمِيعُ النِّعَمِ لِأنَّهُ جِنْسٌ مُضافٌ فَلَهُ حُكْمُ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِيَ أيْ واذْكُرُوا تَفْضِيلِي إيّاكم عَلى العالَمِينَ وهَذا التَّفْضِيلُ نِعْمَةٌ خاصَّةٌ فَعَطْفُهُ عَلى نِعْمَتِي عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ وهو مَبْدَأٌ لِتَفْضِيلِ النِّعَمِ وتَعْدادِها ورُبَّما كانَ تَعْدادُ النِّعَمِ مُغْنِيًا عَنِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ والِامْتِثالِ لِأنَّ مِن طَبْعِ النُّفُوسِ الكَرِيمَةِ امْتِثالُ أمْرِ المُنْعِمِ لِأنَّ النِّعْمَةَ تُورِثُ المَحَبَّةَ. وقالَ مَنصُورٌ الوَرّاقُ:

تَعْصى الإلَهَ وأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ∗∗∗ هَذا لَعَمْرِي في القِياسِ بَدِيعُ

لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ ∗∗∗ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ

وهَذا التَّذْكِيرُ مَقْصُودٌ بِهِ الحَثُّ عَلى الِاتِّسامِ بِما يُناسِبُ تِلْكَ النِّعْمَةَ ويَسْتَبْقِي ذَلِكَ الفَضْلَ.

ومَعْنى العالَمِينَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] والمُرادُ بِهِ هُنا صِنْفٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ ولا شَكَّ أنَّ المَخْلُوقاتِ تُصَنَّفُ أصْنافًا مُتَنَوِّعَةً عَلى حَسَبِ تَصْنِيفِ المُتَكَلِّمِ أوِ السّامِعِ، فالعالَمُونَ في مَقامِ ذِكْرِ الخَلْقِ هم أصْنافُ المَخْلُوقاتِ كالإنْسِ والدَّوابِّ والطَّيْرِ والحُوتِ. والعالَمُونَ في مَقامِ ذِكْرِ فَضائِلِ الخَلْقِ أوِ الأُمَمِ أوِ القَبائِلِ يُرادُ بِها أصْنافُ تِلْكَ المُتَحَدَّثِ عَنْها فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العالَمِينَ هُنا هُمُ الأُمَمَ الإنْسانِيَّةَ فَيَعُمَّ جَمِيعَ الأُمَمِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِاللّامِ لَكِنَّ عُمُومَهُ هُنا عُرْفِيٌّ يَخْتَصُّ بِأُمَمِ زَمانِهِمْ كَما يَخْتَصُّ نَحْوَ جَمْعِ الأمِيرِ الصّاغَةَ بِصاغَةِ مَكانِهِ أيْ بَلَدِهِ ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالأُمَمِ المَعْرُوفَةِ كَما يَخْتَصُّ جَمْعُ الأمِيرِ الصّاغَةَ بِالصّاغَةِ المُتَّخِذِينَ الصِّياغَةَ صِناعَةً دُونَ كُلِّ مَن يَعْرِفُ الصِّياغَةَ وذَلِكَ كَقَوْلِكَ هو أشْهَرُ العُلَماءِ وأنْجَبُ التَّلامِذَةِ، فالآيَةُ تُشِيرُ إلى تَفْضِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ المُخاطَبِينَ أوْ سَلَفِهِمْ عَلى أُمَمِ عَصْرِهِمْ لا عَلى بَعْضِ الجَماعاتِ الَّذِينَ كانُوا عَلى دِينٍ كامِلٍ مِثْلَ نَصارى نَجْرانَ، فَلا عَلاقَةَ لَهُ بِمَسْألَةِ تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ بِحالٍ ولا التِفاتَ إلى ما يَشِذُّ في كُلِّ أُمَّةٍ أوْ قَبِيلَةٍ مِنَ الأفْرادِ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ كُلِّ فَرْدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أفْرادٍ مِنَ الأُمَمِ بَلَغُوا مَرْتَبَةً صالِحَةً أوْ نُبُوءَةً لِأنَّ التَّفْضِيلَ في مِثْلِ هَذا يُرادُ بِهِ تَفْضِيلُ المَجْمُوعِ، كَما تَقُولُ قُرَيْشٌ أفْضَلُ مِن طَيِّءٍ وإنْ كانَتْ في طَيِّءٍ حاتِمٌ الجَوادُ.

صفحة ٤٨٤

فَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جَمِيعِ أُمَمِ عَصْرِهِمْ وفي تِلْكَ الأُمَمِ أُمَمٌ عَظِيمَةٌ كالعَرَبِ والفُرْسِ والرُّومِ والهِنْدِ والصِّينِ وفِيهِمُ العُلَماءُ والحُكَماءُ ودُعاةُ الإصْلاحِ والأنْبِياءُ لِأنَّهُ تَفْضِيلُ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ في جَمِيعِ العُصُورِ ومَعْنى هَذا التَّفْضِيلِ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ لَهم مِنَ المَحامِدِ الَّتِي تَتَّصِفُ بِها القَبائِلُ والأُمَمُ ما لَمْ يَجْمَعْهُ لِغَيْرِهِمْ وهي: شَرَفُ النَّسَبِ. وكَمالُ الخُلُقِ. وسَلامَةُ العَقِيدَةِ. وسَعَةُ الشَّرِيعَةِ. والحُرِّيَّةُ. والشَّجاعَةُ. وعِنايَةُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ في سائِرِ أحْوالِهِمْ. وقَدْ أشارَتْ إلى هَذا آيَةٌ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِئاءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] وهَذِهِ الأوْصافُ ثَبَتَتْ لِأسْلافِهِمْ في وقْتِ اجْتِماعِها وقَدْ شاعَ أنَّ الفَضائِلَ تَعُودُ عَلى الخَلَفِ بِحُسْنِ السُّمْعَةِ وإنْ كانَ المُخاطَبُونَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا بِحالِ التَّفْضِيلِ عَلى العالَمِينَ ولَكِنَّهم ذُكِّرُوا بِما كانُوا عَلَيْهِ فَإنَّ فَضائِلَ الأُمَمِ لا يُلاحَظُ فِيها الأفْرادُ ولا العُصُورُ. ووَجَّهَ زِيادَةَ الوَصْفِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] مَرَّ في أُخْتِها الأُولى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском