Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:48–49

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:48–49

2:48Page 7

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ عَطَفَ التَّحْذِيرَ عَلى التَّذْكِيرِ فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِالنِّعْمَةِ وخاصَّةً تَفْضِيلُهم عَلى العالَمِينَ في زَمانِهِمْ وكانَ ذَلِكَ مَنشَأ غُرُورِهِمْ بِأنَّهُ تَفْضِيلٌ ذاتِيٌّ فَتَوَهَّمُوا أنَّ التَّقْصِيرَ في العَمَلِ الصّالِحِ لا يَضُرُّهم فَعَقَّبَ بِالتَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ.

والمُرادُ بِالتَّقْوى هُنا مَعْناها المُتَعارَفُ في اللُّغَةِ لا المَعْنى الشَّرْعِيُّ، وانْتِصابُ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ ولَيْسَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقْرَأْ بِغَيْرِ التَّنْوِينِ.

والمُرادُ بِاتِّقائِهِ اتِّقاؤُهُ مِن حَيْثُ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والعَذابِ فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ الزَّمانِ عَلى ما يَقَعُ فِيهِ كَما تَقُولُ مَكانٌ مَخُوفٌ.

وتُجْزى مُضارِعُ جَزى بِمَعْنى قَضى حَقًّا عَنْ غَيْرِهِ وهو مُتَعَدٍّ بِعَنْ إلى أحَدِ مَفْعُولَيْهِ فَيَكُونُ شَيْئًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا إذا أُرِيدَ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ ويَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا.

صفحة ٤٨٥

وجُمْلَةُ لا تَجْزِي نَفْسٌ صِفَةٌ لِيَوْمًا وكانَ حَقُّ الجُمْلَةِ إذا كانَتْ خَبَرًا أوْ صِفَةً أوْ حالًا أوْ صِلَةً أنْ تَشْتَمِلَ عَلى ضَمِيرِ ما أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ، ويَكْثُرُ حَذْفُهُ إذا كانَ مَنصُوبًا أوْ ضَمِيرًا مَجْرُورًا فَيُحْذَفُ مَعَ جارِّهِ ولا سِيَّما إذا كانَ الجارُّ مَعْلُومًا لِكَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ لا يَتَعَدّى إلّا بِجارٍّ مُعَيَّنٍ كَما هُنا تَقْدِيرُهُ فِيهِ وإنَّما جازَ حَذْفُهُ لِأنَّ المَحْذُوفَ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ مِنَ الكَلامِ وقَدْ يُحْذَفُ لِقَرِينَةٍ كَما في حَذْفِ ضَمِيرِ المَوْصُولِ إذا جُرَّ بِما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ. ونَظِيرُ هَذا الحَذْفِ قَوْلُ العُرْيانِ الجَرْمِيِّ مِن جِرْمِ طَيِّئٍ:

فَقُلْتُ لَها لا والَّذِي حَجَّ حاتِمٌ أخُونُكِ عَهْدًا إنَّنِي غَيْرُ خَوّانِ

تَقْدِيرُهُ حَجَّ حاتِمٌ إلَيْهِ.

وتَنْكِيرُ النَّفْسِ في المَوْضِعَيْنِ وهو في حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ عُمُومَ النُّفُوسِ أيْ لا يَعْنِي أحَدًا كائِنًا مَن كانَ فَلا تُغْنِي عَنِ الكُفّارِ آلِهَتُهم ولا صُلَحاؤُهم عَلى اخْتِلافِ عَقائِدِهِمْ في غَناءِ أُولَئِكَ عَنْهم. فالمَقْصُودُ نَفْيُ غَنائِهِمْ عَنْهم بِأنْ يَحُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ نَفْيُ أنْ يَجْزُوا عَنْهم جَزاءً يَمْنَعُ اللَّهَ عَنْ نَوالِهِمْ بِسُوءٍ رَعْيًا لِأوْلِيائِهِمْ. فالمُرادُ هُنا الغَناءُ بِحُرْمَةِ الشَّخْصِ وتَوَقُّعُ غَضَبِهِ وهو غَناءُ كُفْءِ العَدُوِّ الَّذِي يَخافُهُ العَدُوُّ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ الأُمَمِ يَوْمَئِذٍ مِنَ اتِّقائِهِمْ بَطْشَ مَوْلى أعْدائِهِمْ وإحْجامِهِمْ عَمّا يُوجِبُ غَضَبَهُ تَقِيَّةً مِن مَكْرِهِ أوْ ضُرِّهِ أوْ حِرْمانِ نَفْعِهِ قالَ السَّمَوْءَلُ:

وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ

وقالَ العَنْبَرِيُّ:

لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو الشَّقِيقَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا

وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ مَفادَ قَوْلِهِ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ مُغايِرٌ لِمَفادِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ إلَخْ فَقَوْلُهُ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ هو بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ الضَّمِيرانِ عائِدانِ لِلنَّفْسِ الثّانِيَةِ المَجْرُورَةِ بِعْنَ أيْ لا يُقْبَلُ مِن نَفْسٍ شَفاعَةٌ تَأْتِي بِها ولا عَدْلٌ تَعْتاضُ بِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إبْطالُ عَقِيدَةٍ تُنَصِّلُ المُجْرِمَ مِن عِقابِ اللَّهِ ما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ؛ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ولا هم يُنْصَرُونَ

صفحة ٤٨٦

راجِعًا إلى مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ مِن قَبْلِهِ. وهَذا التَّأْيِيسُ يَسْتَتْبِعُ تَحْقِيرَ مَن تَوَهَّمَهُمُ الكَفَرَةُ شُفَعاءَ وإبْطالَ ما زَعَمُوهُ مُغْنِيًا عَنْهم مِن غَضَبِ اللَّهِ مِن قَرابِينَ قَرَّبُوها ومُجادَلاتٍ أعَدُّوها وقالُوا هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ بِما يَعُمُّ الإجْزاءَ فَجَعَلَ ما هو مَذْكُورٌ بَعْدَهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ ولِذَلِكَ قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ حَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعانِيَ الَّتِي اعْتادَ بِها بَنُو آدَمَ في الدُّنْيا فَإنَّ الواقِعَ في شِدَّةٍ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِأنْ يُشْفَعَ لَهُ أوْ يُفْتَدى أوْ يُنْصَرَ اهـ. وألْغى جَمْعُها لِحالَةِ أنْ يَتَجَنَّبَ النّاسُ إيقاعَهُ في شِدَّةٍ اتِّقاءً لِمَوالِيهِ، وما فَسَّرْنا بِهِ أرْشَقُ.

وقَدْ جُمِعَ كَلامُ شُيُوخِ بَنِي أسَدٍ مَعَ امْرِئِ القَيْسِ حِينَ كَلَّمُوهُ في دَمِ أبِيهِ فَقالُوا: فَأحْمَدُ الحالاتِ في ذَلِكَ أنْ تَعْرِفَ الواجِبَ عَلَيْكَ في إحْدى خِلالٍ ثَلاثٍ: إمّا إنِ اخْتَرْتَ مِن بَنِي أسَدٍ أشْرَفَها بَيْتًا فَقُدْناهُ إلَيْكَ بِنِسْعَةٍ تَذْهَبُ مَعَ شَفَراتِ حُسامِكَ بِباقِي قَصْرَتِهِ. أوْ فِداءً بِما يَرُوحُ عَلى بَنِي أسَدٍ مِن نِعَمِها فَهي أُلُوفٌ. وإمّا وادَعْتَنا إلى أنْ تَضَعَ الحَوامِلُ فَتُسْدَلَ الأُزُرُ وتُعْقَدَ الخُمُرُ فَوْقَ الرّاياتِ اهـ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا يُقْبَلُ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ، ياءُ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى مُذَكَّرٍ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾، ويَجُوزُ في كُلِّ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ أنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ المُذَكَّرِ لِأنَّ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ هي الأصْلُ في الكَلامِ فَلا تَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ رَعْيًا لِتَأْنِيثِ لَفْظِ شَفاعَةٍ.

والشَّفاعَةُ: السَّعْيُ والوَساطَةُ في حُصُولِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ سَواءٌ كانَتِ الوَساطَةُ بِطَلَبٍ مِنَ المُنْتَفِعِ بِها أمْ كانَتْ بِمُجَرَّدِ سَعْيِ المُتَوَسِّطِ ويُقالُ لِطالِبِ الشَّفاعَةِ مُسْتَشْفِعٌ.

وهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَّفْعِ لِأنَّ الطّالِبَ أوِ التّائِبَ يَأْتِي وحْدَهُ فَإذا لَمْ يَجِدْ قَبُولًا ذَهَبَ فَأتى بِمَن يَتَوَسَّلُ بِهِ فَصارَ ذَلِكَ الثّانِي شافِعًا لِلْأوَّلِ أيْ مَصِيرُهُ شَفْعًا. والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ العِوَضُ والفِداءُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ لِأنَّ الفادِيَ يَعْدِلُ المَفْدِيَّ بِمِثْلِهِ في القِيمَةِ أوِ العَيْنِ ويُسَوِّيهِ بِهِ، يُقالُ عَدَلَ كَذا بِكَذا أيْ سَوّاهُ بِهِ. والنَّصْرُ هو إعانَةُ الخَصْمِ في الحَرْبِ وغَيْرِهِ بِقُوَّةِ النّاصِرِ وغَلَبَتِهِ. وإنَّما قُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ المُفِيدِ أنَّ انْتِفاءَ نَصْرِهِمْ مُحَقَّقٌ زِيادَةً عَلى ما اسْتُفِيدَ مِن نَفْيِ الفِعْلِ مَعَ إسْنادِهِ لِلْمَجْهُولِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.

وقَدْ كانَتِ اليَهُودُ تَتَوَهَّمُ أوْ تَعْتَقِدُ أنَّ نِسْبَتَهم إلى الأنْبِياءِ وكَرامَةَ أجْدادِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِمّا يَجْعَلُهم في أمْنٍ مِن عِقابِهِ عَلى العِصْيانِ والتَّمَرُّدِ كَما هو شَأْنُ الأُمَمِ في إبّانِ جَهالَتِها وانْحِطاطِها

صفحة ٤٨٧

وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] وقَدْ تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلِاحْتِجاجِ لِقَوْلِهِمْ بِنَفْيِ الشَّفاعَةِ في أهْلِ الكَبائِرِ يَوْمَ القِيامَةِ لِعُمُومِ نَفْسٍ في سِياقِ النَّفْيِ المُقْتَضِي أنَّ كُلَّ نَفْسٍ لا يُقْبَلُ مِنها الشَّفاعَةُ وهو عُمُومٌ لَمْ يَرِدْ ما يُخَصِّصُهُ عِنْدَهم. والمَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنَ المُعْتَزِلَةِ وأصْحابِ الأشْعَرِيِّ.

واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلطّائِعِينَ والتّائِبِينَ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ في ذَلِكَ الأشاعِرَةُ والمُعْتَزِلَةُ فَهَذا اتِّفاقٌ عَلى تَخْصِيصِ العُمُومِ ابْتِداءً. والخِلافُ في الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ فَعِنْدَنا تَقَعُ الشَّفاعَةُ لَهم في حَظِّ السَّيِّئاتِ وقْتَ الحِسابِ أوْ بَعْدَ دُخُولِ جَهَنَّمَ لِما اشْتُهِرَ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ؛ قَوْلُهُ ﷺ «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ وقَدِ ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي» وغَيْرَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ: إنَّ الأحادِيثَ في ذَلِكَ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ كَما أشارَ إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ في نَقْلِ كَلامِهِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا شَفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ لِوُجُوهٍ مِنها الآياتُ الدّالَّةُ عَلى عَدَمِ نَفْعِ الشَّفاعَةِ كَهاتِهِ الآيَةِ. وقَوْلِهِ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨] قالُوا والمَعْصِيَةُ ظُلْمٌ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُرْتَضًى. ومِنها قَوْلُهُ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ [غافر: ٧] والجَوابُ عَنِ الجَمِيعِ أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كُلِّهِ في الكافِرِينَ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ وأنَّ قَوْلَهُ ﴿لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] يَدُلُّ عَلى أنَّ هُنالِكَ إذْنًا في الشَّفاعَةِ كَما قالَ ﴿إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وإلّا لَكانَ الإسْلامُ مَعَ ارْتِكابِ بَعْضِ المَعاصِي مُساوِيًا لِلْكُفْرِ وهَذا لا تَرْضى بِهِ حِكْمَةُ اللَّهِ وأمّا قَوْلُهُ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ [غافر: ٧] فَدُعاءٌ لا شَفاعَةٌ.

والظّاهِرُ أنِ الَّذِي دَعا المُعْتَزِلَةَ إلى إنْكارِ الشَّفاعَةِ مُنافاتُها لِخُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ في العَذابِ الَّذِي هو مَذْهَبُ جُمْهُورِهِمُ الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَ واصِلِ بْنِ عَطاءٍ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بِمَعْنى إعْطاءِ العاصِي حُكْمَ المُسْلِمِ في الدُّنْيا وحُكْمَ الكافِرِ في الآخِرَةِ ولا شَكَّ أنَّ الشَّفاعَةَ تُنافِي هَذا الأصْلَ فَما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الآياتِ إنَّما هو لِقَصْدِ التَّأْبِيدِ ومُقابَلَةِ أدِلَّةِ أهْلِ السُّنَّةِ بِأمْثالِها.

صفحة ٤٨٨

ولَمْ نَرَ جَوابَهم عَنْ حَدِيثِ الشَّفاعَةِ وأحْسَبُ أنَّهم يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأنَّ أخْبارَ الآحادِ لا تَنْقُضُ أُصُولَ الدِّينِ ولِذَلِكَ احْتاجَ القاضِي أبُو بَكْرٍ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالتَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ. والحَقُّ أنَّ المَسْألَةَ أعْلَقُ بِالفُرُوعِ مِنها بِالأُصُولِ لِأنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِذاتِ اللَّهِ ولا بِصِفاتِهِ ولَوْ جارَيْناهم في القَوْلِ بِوُجُوبِ إثابَةِ المُطِيعِ وتَعْذِيبِ العاصِي، فَإنَّ الحِكْمَةَ تَظْهَرُ بِدُونِ الخُلُودِ وبِحُصُولِ الشَّفاعَةِ بَعْدَ المُكْثِ في العَذابِ، فَلَمّا لَمْ نَجِدْ في إثْباتِ الشَّفاعَةِ ما يَنْقُضُ أُصُولَهم فَنَحْنُ نَقُولُ لَهم: إلّا أنَّ هَذا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ في تَقْدِيرِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ غَيْرِ التّائِبِ وهو يَتَلَقّى مِن قِبَلِ الشّارِعِ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ تَحْدِيدُ العَذابِ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ إلى حُصُولِ عَفْوِ اللَّهِ أوْ مَعَ الشَّفاعَةِ، ولَعَلَّ الشَّفاعَةَ تَحْصُلُ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى إنْهاءَ مُدَّةِ التَّعْذِيبِ.

وبَعْدُ فَمِن حَقِّ الحِكْمَةِ أنْ لا يَسْتَوِي الكافِرُونَ والعُصاةُ في مُدَّةِ العَذابِ ولا في مِقْدارِهِ، فَهَذِهِ قَوْلَةٌ ضَعِيفَةٌ مِن أقْوالِهِمْ حَتّى عَلى مُراعاةِ أُصُولِهِمْ، وقَدْ حَكى القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ إجْماعَ الأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ البِدَعِ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ في الآخِرَةِ، وهو حُقٌّ قالَ سَوادُ بْنُ قارِبٍ يُخاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:

فَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ بِمُغْنٍ فَتِيلًا عَنْ سَوادِ بْنِ قارِبٍ

وأمّا الشَّفاعَةُ الكُبْرى العامَّةُ لِجَمِيعِ أهْلِ مَوْقِفِ الحِسابِ الوارِدِ فِيها الحَدِيثُ الصَّحِيحُ المَشْهُورُ؛ فَإنَّ أُصُولَ المُعْتَزِلَةِ لا تَأْباها.

وقَوْلُهُ ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ يُطْلَقُ عَلى الشَّيْءِ المُساوِي شَيْئًا والمُماثِلِ لَهُ؛ ولِذَلِكَ جُعِلَ ما يُفْتَدى بِهِ عَنْ شَيْءٍ عَدْلًا وهو المُرادُ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فالمَعْنى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها﴾ ما تَفْتَدِي بِهِ عِوَضًا عَنْ جُرْمِها.

والنَّصْرُ هو إعانَةُ العَدُوِّ عَلى عَدُوِّهِ ومُحارِبِهِ إمّا بِالدِّفاعِ مَعَهُ أوِ الهُجُومِ مَعَهُ فَهو في العُرْفِ مُرادٌ مِنهُ الدِّفاعُ بِالقُوَّةِ الذّاتِيَّةِ وأمّا إطْلاقُهُ عَلى الدِّفاعِ بِالحُجَّةِ نَحْوَ ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وعَلى التَّشَيُّعِ والِاتِّباعِ نَحْوَ ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] فَهو اسْتِعارَةٌ.

2:49Page 8

وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩

And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

صفحة ٤٨٩

﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ نِعْمَتِيَ فَيُجْعَلُ إذْ مَفْعُولًا بِهِ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَهو هُنا اسْمُ زَمانٍ غَيْرُ ظَرْفٍ لِفِعْلٍ والتَّقْدِيرُ اذْكُرُوا وقْتَ نَجَّيْناكم، ولَمّا غَلَبَتْ إضافَةُ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ وكانَ مَعْنى الجُمْلَةِ بَعْدَها في مَعْنى المَصْدَرِ وكانَ التَّقْدِيرُ اذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا إيّاكم. وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الإتْيانِ بِالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ لِأنَّ في الإتْيانِ بِإذِ المُقْتَضِيَةِ لِلْجُمْلَةِ اسْتِحْضارًا لِلتَّكْوِينِ العَجِيبِ المُسْتَفادِ مِن هَيْئَةِ الفِعْلِ لِأنَّ الذِّهْنَ إذا تَصَوَّرَ المَصْدَرَ لَمْ يَتَصَوَّرْ إلّا مَعْنى الحَدَثِ وإذا سَمِعَ الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ تَصَوَّرَ حُدُوثَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ ومُتَعَلِّقاتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً فَنَشَأتْ مِن ذَلِكَ صُورَةٌ عَجِيبَةٌ. فَوِزانُ الإتْيانِ بِالمَصْدَرِ وِزانُ الِاسْتِعارَةِ المُفْرِدَةِ، ووِزانُ الإتْيانِ بِالفِعْلِ وِزانُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، ولَيْسَ هو عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ اذْكُرُوا كَما وقَعَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ إذْ ظَرْفًا فَيَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا وهو لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ولا يُفِيدُهُ حَرْفُ العَطْفِ لِأنَّ العاطِفَ في عَطْفِ الجُمَلِ لا يُفِيدُ سِوى التَّشْرِيكِ في حُكْمِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، ولَيْسَ نائِبًا مَنابَ عامِلٍ، ولا يُرِيبُكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أعْنِي وإذْ نَجَّيْناكم بِجُمْلَةِ واتَّقُوا يَوْمًا فَتَظُنُّهُ مَلْجَأً لِاعْتِبارِ العَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ لَمّا عَلِمْتَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ قَوْلَهُ واتَّقُوا ناشِئٌ عَنِ التَّذْكِيرِ فَهو مِن عَلائِقِ الكَلامِ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ النُّحاةِ ما يَقْتَضِي امْتِناعَ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ فَإنَّ المُتَعاطِفَيْنَ لَيْسا بِمَرْتَبَةِ الِاتِّصالِ كالعامِلِ والمَعْمُولِ، وعَدّى فِعْلَ أنْجَيْنا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ التَّنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ تَنْجِيَةَ أسْلافِهِمْ لِأنَّ تَنْجِيَةَ أسْلافِهِمْ تَنْجِيَةٌ لِلْخَلَفِ فَإنَّهُ لَوْ بَقِيَ أسْلافُهم في عَذابِ فِرْعَوْنَ لَكانَ ذَلِكَ لاحِقًا لِأخْلافِهِمْ فَلِذَلِكَ كانَتْ مِنَّةُ التَّنْجِيَةِ مِنَّتَيْنِ: مِنَّةٌ عَلى السَّلَفِ ومِنَّةٌ عَلى الخَلَفِ فَوَجَبَ شُكْرُها عَلى كُلِّ جِيلٍ مِنهم ولِذَلِكَ أوْجَبَتْ عَلَيْهِمْ شَرِيعَتُهُمُ الِاحْتِفالَ بِما يُقابِلُ أيّامَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ مِن أيّامِ كُلِّ سَنَةٍ وهي أعْيادُهم وقَدْ قالَ اللَّهُ لِمُوسى ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وآلُ الرَّجُلِ أهْلُهُ. وأصِلُ آلٍ أهْلٌ، قُلِبَتْ هاؤُهُ هَمْزَةً تَخْفِيفًا لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ مَدًّا. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ أصْلَهُ أهْلٌ رُجُوعُ الهاءِ في التَّصْغِيرِ إذْ قالُوا أُهَيْلٌ ولَمْ يُسْمَعْ أُوَيْلٌ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ.

صفحة ٤٩٠

والأهْلُ والآلُ يُرادُ بِهِ الأقارِبُ والعَشِيرَةُ والمَوالِي وخاصَّةً الإنْسانُ وأتْباعُهُ. والمُرادُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وزَعَتُهُ ووُكَلاؤُهُ، ويَخْتَصُّ الآلُ بِالإضافَةِ إلى ذِي شَأْنٍ وشَرَفٍ دُنْيَوِيٍّ مِمَّنْ يَعْقِلُ فَلا يُقالُ آلُ الجانِي ولا آلُ مَكَّةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ في الدُّنْيا عَظِيمًا وكانَ الخِطابُ مُتَعَلِّقًا بِنَجاةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مِن عَظِيمٍ في الدُّنْيا أُطْلِقَ عَلى أتْباعِهِ آلٌ فَلا تَوَقُّفَ في ذَلِكَ حَتّى يُحْتاجَ لِتَأْوِيلِهِ بِقَصْدِ التَّهَكُّمِ كَمّا أُوِّلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] لِأنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ لِكَلامٍ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ وفِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ مُحَقَّرٌ، هَلَكَ عَنْهُ سُلْطانُهُ.

فَإنْ قُلْتَ: إنْ كَلِمَةَ أهْلٍ تُطْلَقُ أيْضًا عَلى قَرابَةِ ذِي الشَّرَفِ لِأنَّها الِاسْمُ المُطْلَقُ فَلِماذا لَمْ يُؤْتَ بِها هُنا حَتّى لا يُطْلَقَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ ما فِيهِ تَنْوِيهٌ بِهِمْ ؟ قُلْتُ: خُصُوصِيَّةُ لَفْظِ آلٍ هَنا أنَّ المَقامَ لِتَعْظِيمِ النِّعْمَةِ وتَوْفِيرِ حَقِّ الشُّكْرِ، والنِّعْمَةُ تَعْظُمُ بِما يَخِفُّ بِها فالنَّجاةُ مِنَ العَذابِ وإنْ كانَتْ نِعْمَةً مُطْلَقًا إلّا أنَّ كَوْنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ ذِي قُدْرَةٍ ومَكانَةٍ أعْظَمُ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَنْفَلِتُ مِنهُ أحَدٌ

ولا قَرارَ عَلى زَأْرٍ مِنَ الأسَدِ

وإنَّما جُعِلَتِ النَّجاةُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ولَمْ تُجْعَلْ مِن فِرْعَوْنَ مَعَ أنَّهُ الآمِرُ بِتَعْذِيبِ بَنِي إسْرائِيلَ تَعْلِيقًا لِلْفِعْلِ بِمَن هو مِن مُتَعَلِّقاتِهِ عَلى طَرِيقَةِ الحَقِيقَةِ العَقْلِيَّةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الوَزَعَةَ والمُكَلَّفِينَ بِبَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ المَأْمُورَ بِهِ في الإعْناتِ عَلى عادَةِ المُنَفِّذِينَ فَإنَّهم أقَلُّ رَحْمَةً وأضْيَقُ نُفُوسًا مِن وُلاةِ الأُمُورِ كَما قالَ الرّاعِي يُخاطِبُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:

إنَّ الَّذِينَ أمَرْتَهم أنْ يَعْدِلُوا

لَمْ يَفْعَلُوا مِمّا أمَرْتَ فَتِيلا. جاءَ في التّارِيخِ أنَّ مَبْدَأ اسْتِقْرارِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ كانَ سَبَبُهُ دُخُولَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة ٤٩١

فِي تَرْبِيَةِ العَزِيزِ طِيفارَ كَبِيرِ شُرَطِ فِرْعَوْنَ، وكانَتْ مِصْرُ مُنْقَسِمَةً إلى قِسْمَيْنِ مِصْرُ العُلْيا الجَنُوبِيَّةُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالصَّعِيدِ لِحُكْمِ فَراعِنَةٍ مِنَ القِبْطِ وقاعِدَتُها طِيوَةُ، ومِصْرُ السُّفْلى وهي الشَّمالِيَّةُ وقاعِدَتُها مَنفِيسُ وهي القاعِدَةُ الكُبْرى الَّتِي هي مَقَرُّ الفَراعِنَةِ وهَذِهِ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْها العَمالِقَةُ مِنَ السّامِيِّينَ أبْناءِ عَمِّ ثَمُودَ وهُمُ الَّذِينَ يُلَقَّبُونَ في التّارِيخِ المِصْرِيِّ بِالرُّعاةِ الرَّحّالِينَ وبِالهِكْصُوصِ في سَنَةِ ٣٣٠٠ أوْ سَنَةِ ١٩٠٠ قَبْلَ المَسِيحِ عَلى خِلافٍ ناشِئٍ عَنِ الِاخْتِلافِ في مُدَّةِ بَقائِهِمْ بِمِصْرَ الَّذِي انْتَهى سَنَةَ ١٧٠٠ ق م، عِنْدَ ظُهُورِ العائِلَةِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.

فَكانَ يُوسُفُ عِنْدَ رَئِيسِ شُرَطِ فِرْعَوْنَ العِمْلِيقِيِّ، واسْمُ فِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ أبُوفِيسَ أوْ أُبَيْبِي وأهْلُ القَصَصِ ومَن تَلَقَّفَ كَلامَهم مِنَ المُفَسِّرِينَ سَمَّوْهُ رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ وهَذا مِن أوْهامِهِمْ وكانَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ ١٧٣٩ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، ثُمَّ كانَتْ سُكْنى بَنِي إسْرائِيلَ مِصْرَ بِسَبَبِ تَنَقُّلِ يَعْقُوبَ وأبْنائِهِ إلى مِصْرَ حِينَ ظَهَرَ أمْرُ يُوسُفَ وصارَ بِيَدِهِ حُكْمُ المَمْلَكَةِ المِصْرِيَّةِ السُّفْلى.

وكانَتْ مُعاشَرَةُ الإسْرائِيلِيِّينَ لِلْمِصْرِيِّينَ حَسَنَةً زَمَنًا طَوِيلًا غَيْرَ أنَّ الإسْرائِيلِيِّينَ قَدْ حافَظُوا عَلى دِينِهِمْ ولُغَتِهِمْ وعاداتِهِمْ فَلَمْ يَعْبُدُوا آلِهَةَ المِصْرِيِّينَ وسَكَنُوا جَمِيعًا بِجِهَةٍ يُقالُ لَها أرْضُ جاسانَ ومَكَثَ الإسْرائِيلِيُّونَ عَلى ذَلِكَ نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ تَغَلَّبَ في خِلالِها مُلُوكُ المِصْرِيِّينَ عَلى مُلُوكِ العَمالِقَةِ وطَرَدُوهم مِن مِصْرَ حَتّى ظَهَرَتْ في مِصْرَ العائِلَةُ التّاسِعَةُ عَشْرَةَ ومَلَكَ مُلُوكُها جَمِيعَ البِلادِ المِصْرِيَّةِ ونَبَغَ فِيهِمْ رَمْسِيسُ الثّانِي المُلَقَّبُ بِالأكْبَرِ في حُدُودِ سَنَةِ ١٣١١ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ مُحارِبًا باسِلًا وثارَتْ في وجْهِهِ المَمالِكُ الَّتِي أخْضَعَها أبُوهُ ومِنهُمُ الأُمَمُ الكائِنَةُ بِأطْرافِ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَحَدَثَتْ أسْبابٌ أوْ سُوءُ ظُنُونٍ أوْجَبَتْ تَنَكُّرَ القِبْطِ عَلى الإسْرائِيلِيِّينَ وكَلَّفُوهم أشَقَّ الأعْمالِ وسَخَّرُوهم في خِدْمَةِ المَزارِعِ والمَبانِي وصُنْعِ الآجُرِّ. وتَقُولُ التَّوْراةُ إنَّهم بَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَةَ مَخازِنَ (فِيثُومَ) ومَدِينَةَ رَعْمِسِيسَ ثُمَّ خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ الإسْرائِيلِيُّونَ أعْوانًا لِأعْدائِهِ عَلَيْهِ فَأمَرَ بِاسْتِئْصالِهِمْ وكَأنَّهُ اطَّلَعَ عَلى مُساعَدَةٍ مِنهم لِأبْناءِ نَسَبِهِمْ مِنَ العَمالِقَةِ والعَرَبِ فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ أبْنائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وتَسْخِيرِ كِبارِهِمْ ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِما رَأى مِنهم مِنَ التَّنَكُّرِ، أوْ لِأنَّ القِبْطَ لَمّا أفْرَطُوا في اسْتِخْدامِ العِبْرانِيِّينَ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ إنِ اخْتَلَطَتْ جُيُوشُهُ في حَرْبٍ لا يَسْلَمُ مِن ثَوْرَةِ الإسْرائِيلِيِّينَ فَأمَرَ بِاسْتِئْصالِهِمْ. وأمّا ما يَحْكِيهِ القَصّاصُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ أخْبَرَهُ كاهِنٌ أنَّ ذَهابَ مُلْكِهِ يَكُونُ عَلى يَدِ فَتًى مِن إسْرائِيلَ فَلا أحْسَبُهُ صَحِيحًا إذْ يَبْعُدُ أنْ يُرَوَّجَ

صفحة ٤٩٢

مِثْلُ هَذا عَلى رَئِيسِ مَمْلَكَةٍ فَيُفْنِي بِهِ فَرِيقًا مِن رَعاياهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الكَهَنَةُ قَدْ أغْرَوْا فِرْعَوْنَ بِاليَهُودِ قَصْدًا لِتَخْلِيصِ المَمْلَكَةِ مِنَ الغُرَباءِ أوْ تَفَرَّسُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ سُوءَ النَّوايا فابْتَكَرُوا ذَلِكَ الإنْباءَ الكَهَنُوتِيَّ لِإقْناعِ فِرْعَوْنَ، بِوُجُوبِ الحَذَرِ مِنَ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَعَلَّ ذَبْحَ الأبْناءِ كانَ مِن فِعْلِ المِصْرِيِّينَ اسْتِخْفافًا بِاليَهُودِ، فَكانُوا يَقْتُلُونَ اليَهُودِيَّ في الخِصامِ القَلِيلِ كَما أنْبَأتْ بِذَلِكَ آيَةُ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] والحاصِلُ أنَّ التّارِيخَ يُفِيدُ عَلى الإجْمالِ أنَّ عَداوَةً عَظِيمَةً نَشَأتْ بَيْنَ القِبْطِ واليَهُودِ آلَتْ إلى أنِ اسْتَأْصَلَ القِبْطُ الإسْرائِيلِيِّينَ.

ولَقَدْ أبْدَعَ القُرْآنُ في إجْمالِها إذْ كانَتْ تَفاصِيلُ إجْمالِها كَثِيرَةً لا يَتَعَلَّقُ غَرَضُ التَّذْكِيرِ بِبَيانِها.

وجُمْلَةُ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَحْصُلُ بِها بَيانُ ما وقَعَ الإنْجاءُ مِنهُ وهو العَذابُ الشَّدِيدُ الَّذِي كانَ الإسْرائِيلِيُّونَ يُلاقُونَهُ مِن مُعامَلَةِ القِبْطِ لَهم.

ومَعْنى يَسُومُونَكم يُعامِلُونَكم مُعامَلَةَ المَحْقُوقِ بِما عُومِلَ بِهِ. يُقالُ سامَهُ خَسْفًا إذا أذَلَّهُ واحْتَقَرَهُ فاسْتَعْمَلَ سامَ في مَعْنى أنالَ وأعْطى ولِذَلِكَ يُعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ لَيْسَ أصْلَهُما المُبْتَدَأ والخَبَرَ. وحَقِيقَةُ سامَ عَرَضَ السَّوْمَ أيِ الثَّمَنَ.

وسُوءَ العَذابِ أشَدَّهُ وأفْظَعَهُ وهو عَذابُ التَّسْخِيرِ والإرْهاقِ وتَسْلِيطِ العِقابِ الشَّدِيدِ بِتَذْبِيحِ الأبْناءِ وسَبْيِ النِّساءِ والمَعْنى يُذَبِّحُونَ أبْناءَ آبائِكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَ قَوْمِكُمُ الأوَّلِينَ.

والمُرادُ مِنَ الأبْناءِ قِيلَ أطْفالُ اليَهُودِ وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ الرِّجالُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِالنِّساءِ وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ وأوْفَقُ بِأحْوالِ الأُمَمِ إذِ المَظْنُونُ أنَّ المَحْقَ والِاسْتِئْصالَ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ الكِبارُ، ولِأنَّهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَكُونُ الآيَةُ سَكَتَتْ عَنِ الرِّجالِ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهم كانُوا يُذَبِّحُونَ الصِّغارَ قَطْعًا لِلنَّسْلِ ويَسْبُونَ الأُمَّهاتِ اسْتِعْبادًا لَهُنَّ ويُبْقُونَ الرِّجالَ لِلْخِدْمَةِ حَتّى يَنْقَرِضُوا عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ.

وإبْقاءُ الرِّجالِ في مِثْلِ هاتِهِ الحالَةِ أشَدُّ مِن قَتْلِهِمْ. أوْ لَعَلَّ تَقْصِيرًا ظَهَرَ مِن نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ مُرْضِعاتِ الأطْفالِ ومُرَبِّياتِ الصِّغارِ وكانَ سَبَبُهُ شَغْلَهُنَّ بِشُئُونِ أبْنائِهِنَّ فَكانَ المُسْتَعْبِدُونَ لَهم إذا غَضِبُوا مِن ذَلِكَ قَتَلُوا الطِّفْلَ.

والِاسْتِحْياءُ اسْتِفْعالٌ يَدُلُّ عَلى الطَّلَبِ لِلْحَياةِ أيْ يُبْقُونَهُنَّ أحْياءً أوْ يَطْلُبُونَ حَياتَهُنَّ. ووَجْهُ ذِكْرِهِ هُنا في مَعْرِضِ التَّذْكِيرِ بِما نالَهم مِنَ المَصائِبِ أنَّ هَذا الِاسْتِحْياءَ لِلْإناثِ كانَ

صفحة ٤٩٣

المَقْصِدُ مِنهُ خَبِيثًا وهو أنْ يَعْتَدُوا عَلى أعْراضِهِنَّ ولا يَجِدْنَ بُدًّا مِنَ الإجابَةِ بِحُكْمِ الأسْرِ والِاسْتِرْقاقِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم كِنايَةً عَنِ اسْتِحْياءٍ خاصٍّ ولِذَلِكَ أُدْخِلَ في الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِحْياءِ ظاهِرَهُ لَما كانَ وجْهٌ لِعَطْفِهِ عَلى تِلْكَ المُصِيبَةِ.

وقِيلَ إنَّ الِاسْتِحْياءَ مِنَ الحَياءِ وهو الفَرْجُ أيْ يُفَتِّشُونَ النِّساءَ في أرْحامِهِنَّ لِيَعْرِفُوا هَلْ بِهِنَّ حَمْلٌ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وأحْسَنُ مِنهُ أنْ لَوْ قالَ إنَّهُ كِنايَةٌ كَما ذَكَرْنا آنِفًا.

وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ أنَّ فِرْعَوْنَ أوْصى القَوابِلَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ. وجُمْلَةُ ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ فَيَكُونُ المُرادُ مِن سُوءِ العَذابِ هُنا خُصُوصَ التَّذْبِيحِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وهو ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم لِما عَرَفْتَ فَكِلاهُما بَيانٌ لِسُوءِ العَذابِ فَكانَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ لا يُعْتَدُّ بِهِ تُجاهَ هَذا. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ بَدَلِ البَعْضِ تَخْصِيصًا لِأعْظَمِ أحْوالِ سُوءِ العَذابِ بِالذِّكْرِ وهَذا هو الَّذِي يُطابِقُ آيَةَ سُورَةِ إبْراهِيمَ الَّتِي ذُكِرَ فِيها ﴿ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] بِالعَطْفِ عَلى سُوءَ العَذابِ ولَيْسَ قَوْلُهُ ويَسْتَحْيُونَ مُسْتَأْنِفًا لِإتْمامِ تَفْصِيلِ صَنِيعِ فِرْعَوْنَ بَلْ هو مِن جُمْلَةِ البَيانِ أوِ البَدَلِ لِلْعَذابِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] فَعَقَّبَ الفِعْلَيْنِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ.

والبَلاءُ: الِاخْتِبارُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ حَقِيقَتُهُ بَلاءُ التَّوْبِ بِفَتْحِ الباءِ مَعَ المَدِّ وبِكَسْرِها مَعَ القَصْرِ وهو تَخَلُّقُهُ وتَرَهُّلُهُ ولَمّا كانَ الِاخْتِبارُ يُوجِبُ الضَّجَرَ والتَّعَبَ سُمِّيَ بَلاءً كَأنَّهُ يَخْلُقُ النَّفْسَ، ثُمَّ شاعَ في اخْتِبارِ الشَّرِّ لِأنَّهُ أكْثَرُ إعْناتًا لِلنَّفْسِ، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ إذا أُطْلِقَ أنْ يَكُونَ لِلشَّرِّ فَإذا أرادُوا بِهِ الخَيْرَ احْتاجُوا إلى قَرِينَةٍ أوْ تَصْرِيحٍ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:

جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم ∗∗∗ وأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو

فَيُطْلَقُ غالِبًا عَلى المُصِيبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِالعَبْدِ لِأنَّ بِها يُخْتَبَرُ مِقْدارُ الصَّبْرِ والأناةِ والمُرادُ هُنا المُصِيبَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (عَظِيمٌ) . وقِيلَ أرادَ بِهِ الإنْجاءَ والبَلاءَ بِمَعْنى اخْتِبارِ الشُّكْرِ وهو بَعِيدٌ هُنا.

وتَعَلَّقَ الإنْجاءُ بِالمُخاطَبِينَ لِأنَّ إنْجاءَ سَلَفِهِمْ إنْجاءٌ لَهم فَإنَّهُ لَوْ أبْقى سَلَفَهم هُنالِكَ لَلَحِقَ المُخاطَبِينَ سُوءُ العَذابِ وتَذْبِيحُ الأبْناءِ. أوْ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ نَجَّيْنا آباءَكم، أوْ هو تَعْبِيرٌ عَنِ الغائِبِ

صفحة ٤٩٤

بِضَمِيرِ الخِطابِ إمّا لِنُكْتَةِ اسْتِحْضارِ حالِهِ وإمّا لِكَوْنِ المُخاطَبِينَ مِثالَهم وصُورَتَهم فَإنَّ ما يَثْبُتُ مِنَ الفَضائِلِ لِآباءِ القَبِيلَةِ يَثْبُتُ لِأعْقابِهِمْ فالإتْيانُ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى حَدِّ ما يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] فالخِطابُ لَيْسَ بِالتِفاتٍ لِأنَّ اعْتِبارَ أحْوالِ القَبائِلِ يُعْتَبَرُ لِلْخَلَفِ ما ثَبَتَ مِنهُ لِلسَّلَفِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском