Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:54–56
2:54Page 8
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤
And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ نِعْمَةٌ أُخْرى وهي نِعْمَةُ نَسْخِ تَكْلِيفٍ شَدِيدٍ عَلَيْهِمْ كانَ قَدْ جُعِلَ جابِرًا لِما اقْتَرَفُوهُ مِن إثْمِ عِبادَةِ الوَثَنِ؛ فَحَصَلَ العَفْوُ عَنْهم بِدُونِ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ فَتَمَّتِ المِنَّةُ وبِهَذا صَحَّ جَعْلُ هَذِهِ مِنَّةً مُسْتَقِلَّةً بَعْدَ المِنَّةِ المُتَضَمِّنِ لَها قَوْلُهُ تَعالى ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لِأنَّ العَفْوَ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ في الآخِرَةِ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ العُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن حَدٍّ ونَحْوِهِ وهو حِينَئِذٍ مِنَّةٌ إذْ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ لِلذَّنْبِ عِقابَيْنِ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ كَما كانَ المُذْنِبُ النَّفْسَ والبَدَنَ ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ
صفحة ٥٠٣
جَعَلَ الحُدُودَ جَوابِرَ في الإسْلامِ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَلَمّا عَفا اللَّهُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَقَدْ تَفَضَّلَ بِإسْقاطِ العُقُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هي أثَرُ الذَّنْبِ. ولَمّا نَسَخَ تَكْلِيفَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ فَقَدْ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ فَصارَتْ مِنَّتانِ.
فَقَوْلُ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ تَشْرِيعُ حُكْمٍ لا يَكُونُ مِثْلُهُ إلّا عَنْ وحْيٍ لا عَنِ اجْتِهادٍ. وإنْ جازَ الِاجْتِهادُ لِلْأنْبِياءِ فَإنَّ هَذا حُكْمٌ مُخالِفٌ لِقاعِدَةِ حِفْظِ النُّفُوسِ الَّتِي قِيلَ قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْها شَرائِعُ اللَّهِ؛ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَلَّفَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ قَتْلًا حَقِيقَةً إمّا بِأنْ يَقْتُلَ كُلٌّ مَن عَبَدَ العِجْلَ نَفْسَهُ فَيَكُونُ المُرادُ بِالأنْفُسِ الأرْواحَ الَّتِي في الأجْسامِ فالفاعِلُ والمَفْعُولُ واحِدٌ عَلى هَذا وإنَّما اخْتَلَفا بِالِاعْتِبارِ كَقَوْلِهِ ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم وقَوْلِ ابْنِ أُذَيْنَةَ: وإذا وجَدْتَ لَها وساوِسَ سَلْوَةً شَفَعَ الفُؤادُ إلى الضَّمِيرِ فَسَلَّها. وإمّا بِأنْ يَقْتُلَ مَن لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ عابِدِيهِ، وكَلامُ التَّوْراةِ في هَذا الغَرَضِ في غايَةِ الإبْهامِ وظاهِرُهُ أنَّ مُوسى أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْمُرَ اللّاوِيِّينَ الَّذِينَ هم مِن سِبْطِ لاوِي الَّذِي مِنهُ مُوسى وهارُونُ أنْ يَقْتُلُوا مَن عَبَدَ العِجْلَ بِالسَّيْفِ وأنَّهم فَعَلُوا وقَتَلُوا ثَلاثَةَ آلافِ نَفْسٍ ثُمَّ اسْتَشْفَعَ لَهم مُوسى فَغَفَرَ اللَّهُ لَهم أيْ فَيَكُونُ حُكْمُ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ مَنسُوخًا بَعْدَ العَمَلِ بِهِ ويَكُونُ المَعْنى فَلْيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، فالأنْفُسُ مُرادٌ بِها الأشْخاصُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] أيْ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ وقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فالفاعِلُ والمَفْعُولُ مُتَغايِرانِ.
ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الأمْرَ بِقَتْلِ النَّفْسِ هُنا عَلى مَعْنى القَتْلِ المَجازِيِّ وهو التَّذْيِيلُ والقَهْرُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ
فِي أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقَوْلِهِ خَمْرٌ مُقَتَّلَةٌ أوْ مَقْتُولَةٌ، أيْ مُذَلَّلَةٌ سُورَتُها بِالماءِ. قالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرٍ:
إنَّ الَّتِي ناوَلْتَنِي فَرَدَدْتُها ∗∗∗ قُتِلَتْ قُتِلَتْ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ
وفِيهِ بُعْدٌ عَنِ اللَّفْظِ بَلْ مُخالَفَةٌ لِغَرَضِ الِامْتِنانِ لِأنَّ تَذْلِيلَ النَّفْسِ وقَهْرَها شَرِيعَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ.
صفحة ٥٠٤
والظُّلْمُ هُنا الجِنايَةُ والمَعْصِيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَتُوبُوا﴾ فاءُ التَّسَبُّبِ لِأنَّ الظُّلْمَ سَبَبٌ في الأمْرِ بِالتَّوْبَةِ فالفاءُ لِتَفْرِيغِ الأمْرِ عَلى الخَبَرِ ولَيْسَتْ هُنا عاطِفَتَهُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ الحاجِبِ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الخَبَرِ والإنْشاءِ تَرَتُّبٌ في الوُجُودِ، ومِنَ النُّحاةِ مَن لا يَرى الفاءَ تَخْرُجُ عَنِ العَطْفِ وهو الجارِي عَلى عِباراتِ الجُمْهُورِ مِثْلَ صاحِبِ مُغْنِي اللَّبِيبِ فَيَجْعَلُ ذَلِكَ عَطْفَ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ. وذِكْرُ التَّوْبَةِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى فَتَلَقّى ﴿آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ظاهِرَةٌ في أنَّ قَتْلَهم أنْفُسَهم بَيانٌ لِلتَّوْبَةِ المَشْرُوعَةِ لَهُ فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وهو عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ وهو يَقْتَضِي أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ لا التَّعْقِيبَ.
وأمّا صاحِبُ الكَشّافِ فَقَدَ جَوَّزَ فِيهِ وجْهَيْنِ أحَدُهُما تَأْوِيلُ الفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالعَزْمِ عَلى الفِعْلِ فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ ومُعَقِّبًا وهَذا الوَجْهُ لَمْ يَذْكُرْهُ صاحِبُ المُغْنِي وهَذا لا يَتَأتّى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا﴾ [النساء: ١٥٣] وثانِيهِما جَعْلُ التَّوْبَةِ المَطْلُوبَةِ شامِلَةً لِأقْوالٍ وأعْمالٍ آخِرُها قَتْلُهم أنْفُسَهم فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ أيْضًا.
وعِنْدِي أنَّهُ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ البَيانِ مِنَ الجُمْلَةِ الأوْلى وكانَتِ الأوْلى مَعْطُوفَةً بِالفاءِ كانَ الأصْلُ في الثّانِيَةِ أنْ تُقْطَعَ عَنِ العِطْفِ فَإذا قُرِنَتْ بِالفاءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ كانَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ مُؤَكِّدَةً لِلْأُولى، ولَعَلَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ في كُلِّ جُمْلَتَيْنِ تَكُونُ أُولاهُما فِعْلًا غَيْرَ مَحْسُوسٍ وتَكُونُ الثّانِيَةُ فِعْلًا مَحْسُوسًا مُبَيِّنًا لِلْفِعْلِ الأوَّلِ فَيَنْزِلُ مَنزِلَةَ حاصِلِ عَقِبِهِ فَيُقْرَنُ بِالفاءِ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ تَمامُهُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيرِ الفِعْلِ الأوَّلِ في النَّفْسِ ولِذَلِكَ قَرَّبَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِتَأْوِيلِ الفِعْلِ الأوَّلِ بِالعَزْمِ في بَعْضِ المَواضِعِ.
والبارِئُ هو الخالِقُ الخَلْقَ عَلى تَناسُبٍ وتَعْدِيلٍ فَهو أخَصُّ مِنَ الخالِقِ ولِذَلِكَ أتْبَعَ بِهِ الخالِقَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] وتَعْبِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في كَلامِهِ بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى لَفْظِ البارِئِ في العَرَبِيَّةِ تَحْرِيضٌ عَلى التَّوْبَةِ لِأنَّها رُجُوعٌ عَنِ المَعْصِيَةِ فَفِيها مَعْنى الشُّكْرِ، وكَوْنُ الخَلْقِ عَلى مِثالٍ مُتَناسِبٍ يَزِيدُ تَحْرِيضًا عَلى شُكْرِ الخالِقِ.
صفحة ٥٠٥
وقَوْلُهُ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعْمَةِ وهو مَحَلُّ التَّذْكِيرِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ إلَخْ فالماضِي مُسْتَعْمَلٌ في بابِهِ مِنَ الإخْبارِ وقَدْ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِأنَّ المَقامَ لِلتَّكَلُّمِ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الغَيْبَةِ ورَجَّحَهُ هُنا سَبْقُ مَعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في حِكايَةِ كَلامِ مُوسى. وعُطِفَتِ الفاءُ عَلى مَحْذُوفٍ إيجازًا، أيْ فَفَعَلْتُمْ فَتابَ عَلَيْكم أوْ فَعَزَمْتُمْ فَتابَ عَلَيْكم، عَلى حَدِّ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ فَضَرَبَ وعَطَفَ بِالفاءِ إشارَةً إلى تَعْقِيبِ جُرْمِهِمْ بِتَوْبَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وعَدَمِ تَأْخِيرِها إلى ما بَعْدَ اسْتِئْصالِ جَمِيعِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ بَلْ نَسَخَ ذَلِكَ بِقُرْبِ نُزُولِهِ بَعْدَ العَمَلِ بِهِ قَلِيلًا أوْ دُونَ العَمَلِ بِهِ. وفي ذَلِكَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِمْ؛ إذْ حَصَلَ العَفْوُ عَنْ ذَنْبٍ عَظِيمٍ بِدُونِ تَكْلِيفِهِمْ تَوْبَةً شاقَّةً بَلِ اكْتِفاءً بِمُجَرَّدِ نَدَمِهِمْ وعَزْمِهِمْ عَلى عَدَمِ العَوْدِ لِذَلِكَ.
ومِنَ البَعِيدِ أنْ يَكُونَ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ مِن كَلامِ مُوسى لِما فِيهِ مِن لُزُومِ حَذْفٍ في الكَلامِ غَيْرِ واضِحِ القَرِينَةِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ شَرْطٍ تَقْدِيرُهُ فَإنْ فَعَلْتُمْ يَتُبْ عَلَيْكم فَيَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِقْبالُ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، ولِأنَّهُ يُعَرِّي هَذِهِ الآيَةَ عَنْ مَحَلِّ النِّعْمَةِ المُذَكَّرِ بِهِ إلّا تَضَمُّنًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ خَبَرٌ وثَناءٌ عَلى اللَّهِ، وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في حُصُولِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ حالَهم في عِظَمِ جُرْمِهِمْ حالُ مَن يَشُكُّ في قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ وإنَّما جَمَعَ التَّوّابَ مَعَ الرَّحِيمِ لِأنَّ تَوْبَتَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ كانَتْ بِالعَفْوِ عَنْ زَلَّةِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ وهي زَلَّةٌ عَظِيمَةٌ لا يَغْفِرُها إلّا الغَفّارُ، وبِالنَّسْخِ لِحُكْمِ قَتْلِهِمْ وذَلِكَ رَحْمَةٌ فَكانَ لِلرَّحِيمِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ هُنا ولَيْسَ هو لِمُجَرَّدِ الثَّناءِ.
2:55–56Page 8
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥
And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.
ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦
Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.
﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى نَشَأتْ بَعْدَ عِقابٍ عَلى جَفاءِ طَبْعِ فَمَحَلُّ المِنَّةِ والنِّعْمَةِ هو قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وتَأْسِيسٌ لِبِنائِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] الآيَةَ. والقائِلُونَ هم أسْلافُ المُخاطَبِينَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِمُوسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾
صفحة ٥٠٦
والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ مِنهم بَعْدَ العَفْوِ عَنْ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما هو ظاهِرُ تَرْتِيبِ الآياتِ رَوى ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ سَألُوهُ عِنْدَ مُناجاتِهِ وإنَّ السّائِلِينَ هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ وهُمُ المُعَبَّرُ عَنْهم في التَّوْراةِ بِالكَهَنَةِ وبِشُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ وقِيلَ سَألَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِن عامَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ نَحْوَ العَشَرَةِ الآلافِ وهَذانِ القَوْلانِ حَكاهُما في الكَشّافِ ولَيْسَ في التَّوْراةِ ما هو صَرِيحٌ لِتَرْجِيحِ أحَدِ القَوْلَيْنِ ولا ما هو صَرِيحٌ في وُقُوعِ هَذا السُّؤالِ ولَكِنْ ظاهِرُ ما في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِنها ما يُشِيرُ إلى أنَّ هَذا الِاقْتِراحَ قَدْ صَدَرَ وأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الأوَّلِ لِمُوسى لِأنَّها لَمّا حَكَتْ تَذْكِيرَ مُوسى في مُخاطَبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرَتْ ما يُغايِرُ كَيْفِيَّةَ المُناجاةِ الأُولى إذْ قالَ فَلَمّا سَمِعْتُمُ الصَّوْتَ مِن وسَطِ الظَّلامِ والجَبَلُ يَشْتَعِلُ بِالنّارِ تَقَدَّمَ إلَيَّ جَمِيعُ رُؤَساءِ أسْباطِكم وشُيُوخِكم وقُلْتُمْ هو ذا الرَّبُّ إلَهُنا قَدْ أرانا مَجْدَهُ وعَظَمَتَهُ وسَمِعْنا صَوْتَهُ مِن وسَطِ النّارِ. . . . . . إنَّ عِنْدَما نَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إلَهَنا أيْضًا نَمُوتُ. . . . . . . تَقَدَّمْ أنْتَ واسْمَعْ كُلَّ ما يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ إلَهُنا وكَلِّمْنا بِكُلِّ ما يُكَلِّمُكَ بِهِ الرَّبُّ إلْخَ فَهَذا يُؤْذِنُ أنَّ هُنالِكَ تَرَقُّبًا كانَ مِنهم لِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهم أصابَهم ما بَلَغَ بِهِمْ مَبْلَغَ المَوْتِ، وبَعْدُ فالقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلى غَيْرِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشَّهْرِ الثّالِثِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ.
ومَعْنى لا نُؤْمِنُ لَكَ يَحْتَمِلُ أنَّهم تَوَقَّعُوا الكُفْرَ إنْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ تَعالى أيْ أنَّهم يَرْتَدُّونَ في المُسْتَقْبَلِ عَنْ إيمانِهِمُ الَّذِي اتَّصَفُوا بِهِ مِن قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا الإيمانَ الكامِلَ الَّذِي دَلِيلُهُ المُشاهَدَةُ أيْ أنَّ أحَدَ هَذَيْنِ الإيمانَيْنِ يَنْتَفِي إنْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً لِأنَّ لَنْ لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ قالَ سِيبَوَيْهِ لا لِنَفْيِ يَفْعَلُ ولَنْ لِنَفْيِ سَيَفْعَلُ وكَما أنَّ قَوْلَكَ سَيَقُومُ لا يَقْتَضِي أنَّهُ الآنَ غَيْرُ قائِمٍ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَفَرُوا حِينَ قَوْلِهِمْ هَذا ولَكِنَّها دالَّةٌ عَلى عَجْرَفَتِهِمْ وقِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ وما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ حَتّى رامُوا أنْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً وإنْ لَمْ يَرَوْهُ دَخَلَهُمُ الشَّكُّ في صِدْقِ مُوسى وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ إنْ كانَ كَذا فَأنا كافِرٌ. ولَيْسَ في القُرْآنِ ولا في غَيْرِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَنْ كُفْرٍ.
وإنَّما عَدّى نُؤْمِنُ بِاللّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْرارِ بِاللَّهِ ولَنْ نُقِرَّ لَكَ بِالصِّدْقِ والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ هو اللّامُ وهي طَرِيقَةُ التَّضْمِينِ.
صفحة ٥٠٧
والجَهْرَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَعْلَةٍ مِنَ الجَهْرِ وهو الظُّهُورُ الواضِحُ فَيُسْتَعْمَلُ في ظُهُورِ الذَّواتِ والأصْواتِ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الرّاغِبِ إذْ قالَ الجَهْرُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بِإفْراطٍ إمّا بِحاسَّةِ البَصَرِ نَحْوَ رَأيْتُهُ جِهارًا ومِنهُ جَهَرَ البِئْرَ إذا أظْهَرَ ماءَها، وإمّا بِحاسَّةِ السَّمْعِ نَحْوَ وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ وكَلامُ الكَشّافِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الجَهْرَ مَجازٌ في الرُّؤْيَةِ بِتَشْبِيهِ الَّذِي يَرى بِالعَيْنِ بِالجاهِرِ بِالصَّوْتِ والَّذِي يَرى بِالقَلْبِ بِالمُخافِتِ، وكانَ الَّذِي حَداهُ عَلى ذَلِكَ اشْتِهارُ اسْتِعْمالِ الجَهْرِ في الصَّوْتِ وفي هَذا كُلِّهِ بُعْدٌ إذْ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ جَهْرَةَ الصَّوْتِ هي الحَقِيقَةُ ولا سَبِيلَ إلى دَعْوى الِاشْتِهارِ في جَهْرَةِ الصَّوْتِ حَتّى يَقُولَ قائِلٌ إنَّ الِاشْتِهارَ مِن عَلاماتِ الحَقِيقَةِ عَلى أنَّ الِاشْتِهارَ إنَّما يُعْرَفُ بِهِ المَجازُ القَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، وأمّا الأشْهَرِيَّةُ فَلَيْسَتْ مِن عَلاماتِ الحَقِيقَةِ. ولِأنَّهُ لا نُكْتَةَ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ولا غَرَضَ يَرْجِعُ إلى المُشَبَّهِ مِن هَذا التَّشْبِيهِ فَإنَّ ظُهُورَ الذَّواتِ أوْضَحُ مِن ظُهُورِ الأصْواتِ. وانْتَصَبَ (جَهْرَةً) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِبَيانِ نَوْعِ فِعْلِ تَرى لِأنَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ ما يَكُونُ لَمْحَةً أوْ مَعَ سائِرٍ شَفّافٍ فَلا تَكُونُ واضِحَةً.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ عِيانًا إلى قَوْلِهِ (جَهْرَةً) لِأنَّ جَهْرَةً أفْصَحُ لَفْظًا لِخِفَّتِهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَبْدُوءٍ بِحَرْفِ حَلْقٍ والِابْتِداءُ بِحَرْفِ الحَلْقِ أتْعَبُ لِلْحَلْقِ مِن وُقُوعِهِ في وسَطِ الكَلامِ ولِسَلامَتِهِ مِن حَرْفِ العِلَّةِ، وكَذَلِكَ يَجْتَبِي البُلَغاءُ بَعْضَ الألْفاظِ عَلى بَعْضٍ لِحُسْنِ وقْعِها في الكَلامِ وخِفَّتِها عَلى السَّمْعِ ولِلْقُرْآنِ السَّهْمُ المُعَلّى في ذَلِكَ وهو في غايَةِ الفَصاحَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيْ عُقُوبَةً لَهم عَمّا بَدا مِنهم مِنَ العَجْرَفَةِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِالمُعْجِزاتِ. وهَذِهِ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ المُعاقَبَ عَلَيْهِ حَرامٌ أوْ كُفْرٌ لا سِيَّما وقَدْ قُدِّرَ أنَّ مَوْتَهم بِالصّاعِقَةِ لا يَدُومُ إلّا قَلِيلًا فَلَمْ تَكُنْ مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ. وبِهِ تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ في إصابَةِ الصّاعِقَةِ لَهم دَلالَةٌ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَحِيلَةٌ، وأنَّ سُؤالَها والإلْحاحَ فِيهِ كُفْرٌ كَما زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ وأنْ لا حاجَةَ إلى الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ الصّاعِقَةَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ تَعالى يُشَبِّهُ الأجْسامَ فَكانُوا بِذَلِكَ كافِرِينَ إذْ لا دَلِيلَ في الآيَةِ ولا غَيْرِها عَلى أنَّهم كَفَرُوا، كَيْفَ وقَدْ سَألَ الرُّؤْيَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والصّاعِقَةُ نارٌ كَهْرَبائِيَّةٌ مِنَ السَّحابِ تَحْرِقُ مَن أصابَتْهُ، وقَدْ لا تَظْهَرُ النّارُ ولَكِنْ يَصِلُ هَواؤُها إلى الأحْياءِ فَيَخْتَنِقُونَ بِسَبَبِ ما يُخالِطُ الهَواءَ الَّذِي يَتَنَفَّسُونَ فِيهِ مِنَ الحَوامِضِ النّاشِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الكَهْرَبائِيَّةِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الَّذِي أصابَهم نارٌ، وقِيلَ سَمِعُوا صَعْقَةً فَماتُوا.
صفحة ٥٠٨
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] فائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهَذا الحالِ عِنْدَ صاحِبِ الكَشّافِ الدِّلالَةُ عَلى أنَّ الصّاعِقَةَ الَّتِي أصابَتْهم نارُ الصّاعِقَةِ لا صَوْتُها الشَّدِيدُ لِأنَّ الحالَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الَّذِي أصابَهم مِمّا يُرى، وقالَ القُرْطُبِيُّ أيْ وأنْتُمْ يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ أيْ مُجْتَمِعُونَ.
وعِنْدِي أنَّ مَفْعُولَ تَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ وأنَّ تَنْظُرُونَ بِمَعْنى تُحَدِّقُونَ الأنْظارَ عِنْدَ رُؤْيَةِ السَّحابِ عَلى جَبَلِ الطُّورِ طَمَعًا أنْ يَظْهَرَ لَهُمُ اللَّهُ مِن خِلالِهِ لِأنَّهُمُ اعْتادُوا أنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ مُوسى كَلامًا يَسْمَعُهُ مِن خِلالِ السَّحابِ كَما تَقُولُهُ التَّوْراةُ في مَواضِعَ، فَفائِدَةُ الحالِ إظْهارُ أنَّ العُقُوبَةَ أصابَتْهم في حِينِ الإساءَةِ والعَجْرَفَةِ إذْ طَمِعُوا فِيما لَمْ يَكُنْ لِيُنالَ لَهم.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ إيجازٌ بَدِيعٌ، أيْ فَمُتُّمْ مِنَ الصّاعِقَةِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ وهَذا خارِقُ عادَةٍ جَعَلَهُ اللَّهِ مُعْجِزَةً لِمُوسى اسْتِجابَةً لِدُعائِهِ وشَفاعَتِهِ أوْ كَرامَةً لَهم مِن بَعْدِ تَأْدِيبِهِمْ إنْ كانَ السّائِلُونَ هُمُ السَبْعِينَ فَإنَّهم مِن صالِحِي بَنِي إسْرائِيلَ.
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ السّائِلُونَ هُمُ الصّالِحِينَ فَكَيْفَ عُوقِبُوا. قُلْتُ: قَدْ عَلِمْتُ أنَّ هَذا عِقابٌ دُنْيَوِيٌّ وهو يَنالُ الصّالِحِينَ ويُسَمّى عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ بِالعِتابِ وهو لا يُنافِي الكَرامَةَ، ونَظِيرُهُ أنَّ مُوسى سَألَ رُؤْيَةَ رَبِّهِ فَتَجَلّى اللَّهُ لِلْجَبَلِ فَ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ فَإنْ قُلْتَ: إنَّ المَوْتَ يَقْتَضِي انْحِلالَ التَّرْكِيبِ المِزاجِيِّ فَكَيْفَ يَكُونُ البَعْثُ بَعْدَهُ في غَيْرِ يَوْمِ إعادَةِ الخَلْقِ قُلْتُ: المَوْتُ هو وُقُوفُ حَرَكَةِ القَلْبِ وتَعْطِيلُ وظائِفِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ فَإذا حَصَلَ عَنْ فَسادٍ فِيها لَمْ تَعْقُبْهُ حَياةٌ إلّا في يَوْمِ إعادَةِ الخَلْقِ وهو المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] وإذا حَصَلَ عَنْ حادِثٍ قاهِرٍ مانِعٍ وظائِفَ القَلْبِ مِن عَمَلِها كانَ لِلْجَسَدِ حُكْمُ المَوْتِ في تِلْكَ الحالَةِ لَكِنَّهُ يَقْبَلُ الرُّجُوعَ إنْ عادَتْ إلَيْهِ أسْبابُ الحَياةِ بِزَوالِ المَوانِعِ العارِضَةِ، وقَدْ صارَ الأطِبّاءُ اليَوْمَ يَعْتَبِرُونَ بَعْضَ الأحْوالِ الَّتِي تُعَطِّلُ عَمَلَ القَلْبِ اعْتِبارَ المَوْتِ ويُعالِجُونَ القَلْبَ بِأعْمالٍ جِراحِيَّةٍ تُعِيدُ إلَيْهِ حَرَكَتَهُ.
والمَوْتُ بِالصّاعِقَةِ إذا كانَ عَنِ اخْتِناقٍ أوْ قُوَّةِ ضَغْطِ الصَّوْتِ عَلى القَلْبِ قَدْ تَعْقُبُهُ الحَياةُ بِوُصُولِ هَواءٍ صافٍ جَدِيدٍ، وقَدْ يَطُولُ زَمَنُ هَذا المَوْتِ في العادَةِ ساعاتٍ قَلِيلَةٍ؛ ولَكِنَّ هَذا الحادِثَ كانَ خارِقَ عادَةٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَوْتُهم قَدْ طالَ يَوْمًا ولَيْلَةً كَما رُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ ويُمْكِنُ دُونَ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences