Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:57–59

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:57–59

2:57Page 8

وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

صفحة ٥٠٩

﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ عَطْفُ ﴿وظَلَّلْنا﴾ عَلى ﴿بَعَثْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] وتَعْقِيبُ ذِكْرِ الوَحْشَةِ بِذِكْرِ جائِزَةٍ شَأْنُ الرَّحِيمِ في تَرْبِيَةِ عَبْدِهِ، والظّاهِرُ أنَّ تَظْلِيلَ الغَمامِ ونُزُولَ المَنِّ والسَّلْوى كانَ قَبْلَ سُؤالِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً لِأنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ نُزُولَ المَنِّ والسَّلْوى حِينَ دُخُولِهِمْ في بَرِّيَّةِ سِينَ بَيْنَ إيلِيمَ وسِينا في اليَوْمِ الثّانِيَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثّانِي مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ حِينَ اشْتاقُوا أكْلَ الخُبْزِ واللَّحْمِ لِأنَّهم في رِحْلَتِهِمْ ما كانُوا يَطْبُخُونَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَقْتاتُونَ مِن ألْبانِ مَواشِيهِمُ الَّتِي أخْرَجُوها مَعَهم ومِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ. وأمّا تَظْلِيلُهم بِالغَمامِ فالظّاهِرُ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ سَألُوا رُؤْيَةَ اللَّهِ لِأنَّ تَظْلِيلَ الغَمامِ وقَعَ بَعْدَ أنْ نَصَبَ لَهم مُوسى خَيْمَةَ الِاجْتِماعِ مَحَلَّ القَرابِينِ ومَحَلَّ مُناجاةِ مُوسى وقِبْلَةَ الدّاعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَرِّيَّةِ سِينا فَلَمّا تَمَّتِ الخَيْمَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ غَطَّتْ سَحابَةٌ خَيْمَةَ الشَّهادَةِ ومَتى ارْتَفَعَتِ السَّحابَةُ عَنِ الخَيْمَةِ فَذَلِكَ إذْنٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالرَّحِيلِ فَإذا حَلَّتِ السَّحابَةُ حَلُّوا إلَخْ. كَذا تَقُولُ كُتُبُهم.

فَلَمّا سَألَ بَنُو إسْرائِيلَ الخُبْزَ واللَّحْمَ كانَ المَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في الصَّباحِ والسَّلْوى تَسْقُطُ عَلَيْهِمْ في المَساءِ بِمِقْدارِ ما يَكْفِي جَمِيعَهم لِيَوْمِهِ أوْ لَيْلَتِهِ إلّا يَوْمَ الجُمْعَةِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنهُما ضِعْفُ الكِمِّيَّةِ لِأنَّ في السَّبْتِ انْقِطاعَ النُّزُولِ.

والمَنُّ مادَّةٌ صَمْغِيَّةٌ جَوِّيَّةٌ يَنْزِلُ عَلى شَجَرِ البادِيَةِ شِبْهُ الدَّقِيقِ المَبْلُولِ، فِيهِ حَلاوَةٌ إلى الحُمُوضَةِ ولَوْنُهُ إلى الصُّفْرَةِ ويَكْثُرُ بِوادِي تِرْكِسْتانَ، وقَدْ يَنْزِلُ بِقِلَّةٍ غَيْرِها ولَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلُ في بَرِّيَّةِ سِينا. وقَدْ وصَفَتْهُ التَّوْراةُ بِأنَّهُ دَقِيقٌ مِثْلَ القُشُورِ يَسْقُطُ نَدًى كالجَلِيدِ عَلى الأرْضِ وهو مِثْلُ بِزْرِ الكُزْبَرَةِ أبْيَضُ وطَعْمُهُ كَرُقاقٍ بِعَسَلٍ، وسَمَّتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ مَنًّا، وقَدْ أُمِرُوا أنْ لا يُبْقُوا مِنهُ لِلصَّباحِ لِأنَّهُ يَتَوَلَّدُ فِيهِ دُودٌ، وأنْ يَلْتَقِطُوهُ قَبْلَ أنْ تَحْمى الشَّمْسُ لِأنَّها تُذِيبُهُ فَكانُوا إذا التَقَطُوهُ طَحَنُوهُ بِالرَّحا أوْ دَقُّوهُ بِالهاوُنِ وطَبَخُوهُ في القُدُورِ وعَمِلُوهُ مِلّاتٍ وكانَ طَعْمُهُ كَطَعْمِ قَطائِفَ بِزَيْتٍ وأنَّهم أكَلُوهُ أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى جاءُوا إلى طَرَفِ أرْضِ كَنْعانَ؛ يُرِيدُ إلى حَبْرُونَ.

صفحة ٥١٠

وأمّا السَّلْوى فَهي اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ وقِيلَ لا واحِدَ لَهُ وقِيلَ واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ وهو طائِرٌ بَرِّيٌّ لَذِيذُ اللَّحْمِ سَهْلُ الصَّيْدِ كانَتْ تَسُوقُهُ لَهم رِيحُ الجَنُوبِ كُلَّ مَساءٍ فَيُمْسِكُونَهُ قَبْضًا ويُسَمّى هَذا الطّائِرُ أيْضًا السُّمانى بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً بَعْدَها ألِفٌ فَنُونٌ مَقْصُورٌ كَحُبارى. وهو أيْضًا اسْمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ هو الجَمْعُ وأمّا المُفْرَدُ فَهو سُماناةٌ.

وقَوْلُهُ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ الخَبَرِ عَنْ أسْلافِهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ قَدَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ”فَظَلَمُوا“ وقَرَّرَهُ شارِحُوهُ بِأنَّ ”ما ظَلَمُونا“ نَفْيٌ لِظُلْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِمَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ وهو ضَمِيرُ الجَلالَةِ وهَذا النَّفْيُ يُفِيدُ في المَقامِ الخِطابِيِّ أنَّ هُنالِكَ ظُلْمًا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ هَذا المَنصُوبِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الظُّلْمُ واقِعًا لَنُفِيَ مُطْلَقًا بِأنْ يُقالَ (وما ظَلَمُوا) . ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ وأنَّهُ إنَّما قُدِّرَ في الكَشّافِ الفِعْلُ المَحْذُوفُ مُقْتَرِنًا بِالفاءِ لِأنَّ الفاءَ في عَطْفِ الجُمَلِ تُفِيدُ مَعَ التَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ غالِبًا، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ مُتَسَبِّبَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ فَشَبَّهَ وُقُوعَ ظُلْمِهِمْ حِينَ كَفَرُوا النِّعْمَةَ عَقِبَ الإحْسانِ بِتَرَتُّبِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ في الحُصُولِ بِلا رَيْثٍ وبِدُونِ مُراقَبَةِ ذَلِكَ الإحْسانِ حَتّى كَأنَّهم يَأْتُونَ بِالظُّلْمِ جَزاءً لِلنِّعْمَةِ. ورَمَزَ إلى لَفْظِ المُشَبَّهِ بِهِ بِرَدِيفِهِ وهو فاءُ السَّبَبِيَّةِ وقَرِينَةُ ذَلِكَ ما يَعْلَمُهُ السّامِعُ مِن أنَّ الظُّلْمَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنِ الإنْعامِ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ (أحْسَنْتُ إلى فُلانٍ فَأساءَ إلَيَّ) . وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ تَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ فالفاءُ مَجازٌ لِغَيْرِ التَّرَتُّبِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِكَ: أنْعَمْتُ عَلَيْهِ فَكَفَرَ. ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ أصْلَ مَعْنى الفاءِ العاطِفَةِ التَّرْتِيبُ والتَّعْقِيبُ لا غَيْرَ وهو المَعْنى المُلازِمُ لَها في جَمِيعِ مَواقِعِ اسْتِعْمالِها فَإنَّ الِاطِّرادَ مِن عَلاماتِ الحَقِيقَةِ. وأمّا التَّرَتُّبُ أيِ السَّبَبِيَّةُ فَأمْرٌ عارِضٌ لَها فَهو مِنَ المَجازِ أوْ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ ألا تَرى أنَّهُ يُوجَدُ تارَةً ويَتَخَلَّفُ أُخْرى فَإنَّهُ مَفْقُودٌ في عَطْفِ المُفْرَداتِ نَحْوَ جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو. وفي كَثِيرٍ مِن عَطْفِ الجُمَلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] فَلِذَلِكَ كانَ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ حَيْثُما اسْتُفِيدَ مُحْتاجًا إلى القَرائِنِ فَإنْ لَمْ تَتَطَلَّبْ لَهُ عَلاقَةً قُلْتَ: هو مِن مُسْتَتْبَعاتِ تَراكِيبٍ بِقَرِينَةِ المَقامِ وإنْ تَطَلَّبْتَ لَهُ عَلاقَةً - وهي لا تَعُوزُكُ - قُلْتَ: هو مَجازٌ لِأنَّ أكْثَرَ الأُمُورِ الحاصِلَةِ عَقِبَ غَيْرِها

صفحة ٥١١

يَكُونُ مُوجِبُ التَّعْقِيبِ فِيها هو السَّبَبِيَّةَ ولَوْ عُرْفًا ولَوِ ادِّعاءً فَلَيْسَ خُرُوجُ الفاءِ عَنِ التَّرَتُّبِ هو المَجازَ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الفاءِ العاطِفَةِ هو التَّرْتِيبُ والتَّعْقِيبُ فَقَطْ؛ أنَّ بَعْضَ البَيانِيِّينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨] اللّامُ فِيهِ مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى فاءِ التَّعْقِيبِ أيْ فَكانَ لَهم عَدُوًّا فَجَعَلُوا الفاءَ حَقِيقَةً في التَّعْقِيبِ ولَوْ كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَساوَتِ اللّامَ فَلَمْ تَسْتَقِمِ الِاسْتِعارَةُ فَيَكُونُ الوَجْهُ الحامِلُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ مُقْتَرِنًا بِالفاءِ هو أنَّهُ رَأى عَطْفَ الظُّلْمِ عَلى ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ وما بَعْدَهُ بِالواوِ، ولا يَحْسُنُ لِعَدَمِ الجِهَةِ الجامِعَةِ بَيْنَ الِامْتِنانِ والذَّمِّ. والمُناسَبَةُ شَرْطٌ في قَبُولِ الوَصْلِ بِالواوِ بِخِلافِ العَطْفِ بِالفاءِ، فَتَعَيَّنَ إمّا تَقْدِيرُ ظَلَمُوا مُسْتَأْنَفًا بِدُونِ عَطْفٍ، وظاهَرٌ أنَّهُ لَيْسَ هُنالِكَ مَعْنًى عَلى الِاسْتِئْنافِ وإمّا رَبْطُ ظَلَمُوا بِعاطِفٍ سِوى الواوِ ولَيْسَ يَصْلُحُ هُنا غَيْرُ الفاءِ لِأنَّ المَعْطُوفَ حَصَلَ عَقِبَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَكانَ ذَلِكَ التَّعاقُبُ في الخارِجِ مُغْنِيًا عَنِ الجِهَةِ الجامِعَةِ ولِذَلِكَ كانَتِ الفاءُ لا تَسْتَدْعِي قُوَّةَ مُناسَبَةٍ كَمُناسَبَةِ الواوِ ولَكِنْ مُناسِبَةً في الخَيالِ فَقَطْ وقَدْ وُجِدَتْ هُنا لِأنَّ كَوْنَ المَعْطُوفِ حَصَلَ في الخارِجِ عَقِبَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِمّا يَجْعَلُهُ حاضِرًا في خَيالِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأمّا قُبْحُ نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ فَصاحَ الدِّيكُ فَلِقِلَّةِ جَدْوى هَذا الخَبَرِ ألا تَراهُ يَصِيرُ حَسَنًا لَوْ أرَدْتَ بِقَوْلِكَ فَصاحَ الدِّيكُ مَعْنى التَّوْقِيتِ بِالفَجْرِ فَبِهَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ لِرَبْطِ الظُّلْمِ المُقَدَّرِ بِالفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ إلّا الفاءُ.

وفِي ذَلِكَ الإخْبارِ والرَّبْطِ والتَّصَدِّي لِبَيانِهِ مَعَ غَرابَةِ هَذا التَّعْقِيبِ تَعْرِيضٌ بِمَذَمَّتِهِمْ إذْ قابَلُوا الإحْسانَ بِالكُفْرانِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَباوَتِهِمْ إذْ صَدَفُوا عَنِ الشُّكْرِ كَأنَّهم يَنْكُونَ بِالمُنْعِمِ وهم إنَّما يُوقِعُونَ النِّكايَةَ بِأنْفُسِهِمْ، هَذا تَفْصِيلُ ما يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ صاحِبِ الكَشّافِ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنْ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها مِثْلُها في أنَّها مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَثارُ ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ بَعْضُ الجُمَلِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن أنَّ ظُلْمًا قَدْ حَصَلَ مِنهم مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] وقَوْلِهِ ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤] وما تَضَمَّنَهُ قَوْلُكم ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] الدّالُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عَذابٌ جَرُّوهُ إلى أنْفُسِهِمْ فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ كالفَذْلَكَةِ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ (وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم) عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، ونَظِيرَ قَوْلِهِ ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [سبإ: ١٩] بَعْدَ الكَلامِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً﴾ [سبإ: ١٨]

صفحة ٥١٢

الآيَةَ. وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ إذِ انْتَقَلَ مِن خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى الحَدِيثِ عَنْهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِقَصْدِ الِاتِّعاظِ بِحالِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّهم مُتَمادُونَ عَلى غَيِّهِمْ ولَيْسُوا مُسْتَفِيقِينَ مِن ضَلالِهِمْ فَهم بِحَيْثُ لا يُقِرُّونَ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

وهَذا الظُّلْمُ الَّذِي قُدِّرَ في نَظْمِ الآيَةِ هو ضَجَرُهم مِن مُداوَمَةِ أكْلِ المَنِّ والسَّلْوى الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] الآيَةَ. فَكانَ قَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ تَمْهِيدًا لَهُ وتَعْجِيلًا بِتَسْجِيلِ قِلَّةِ شُكْرِهِمْ عَلى نِعَمِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِهِمْ إذْ كانَتْ شَكِيمَتُهم لَمْ تُلَيِّنْها الزَّواجِرُ ولا المَكارِمُ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ قَدَّمَ فِيهِ المَفْعُولَ لِلْقَصْرِ وقَدْ حَصَلَ القَصْرُ أوَّلًا بِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ ثُمَّ أُكِّدَ بِالتَّقْدِيمِ لِأنَّ حالَهم كَحالِ مَن يَنْكِي غَيْرَهُ كَما قِيلَ: يَفْعَلُ الجاهِلُ بِنَفْسِهِ ما يَفْعَلُ العَدُوُّ بِعَدُوِّهِ.

2:58–59Page 9

وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى مُكِّنُوا مِنها فَما أحْسَنُوا قَبُولَها ولا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَحُرِمُوا مِنها إلى حِينٍ وعُوقِبَ الَّذِينَ كانُوا السَّبَبَ في عَدَمِ قَبُولِها.

وفِي التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِبَذْلِ النِّعْمَةِ لَهم لِأنَّ النِّعْمَةَ نِعْمَةٌ وإنْ لَمْ يَقْبَلْها المُنْعَمُ عَلَيْهِ، وإثارَةٌ لِحَسْرَتِهِمْ عَلى ما فاتَ أسْلافَهم وما لَقُوهُ مِن جَرّاءِ إعْجابِهِمْ بِآرائِهِمْ، ومَوْعِظَةٌ لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ الأوَّلُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم كُلَّما صَدَفُوا عَنْ قَدْرِ حَقِّ النِّعَمِ نالَتْهُمُ المَصائِبُ.

قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. ولِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِما عَنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ اخْتُصِرَ فِيها الكَلامُ اخْتِصارًا تَرَكَ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ فِيها حَيارى. فَسَلَكُوا طَرائِقَ في انْتِزاعِ تَفْصِيلِ المَعْنى مِن مُجْمَلِها فَما أتَوْا عَلى شَيْءٍ مُقْنِعٍ، وكُنْتَ تَجِدُ أقْوالَهم هُنا إذا التَأمَ

صفحة ٥١٣

بَعْضُها بِنَظْمِ الآيَةِ لا يَلْتَئِمُ بَعْضُهُ الآخَرُ، ورُبَّما خالَفَ جَمِيعُها ما وقَعَ في آياتٍ أُخَرَ.

والَّذِي عِنْدِي مِنَ القَوْلِ في تَفْسِيرِ هاتِهِ الآيَةِ أنَّها أشارَتْ إلى قِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ تَضَمَّنَتْها كُتُبُهم وهي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا طَوَّحَتْ بِهِمُ الرِّحْلَةُ إلى بَرِّيَّةِ فارانَ نَزَلُوا بِمَدِينَةِ قادِشٍ فَأصْبَحُوا عَلى حُدُودِ أرْضِ كَنْعانَ الَّتِي هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ وذَلِكَ في أثْناءِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ فَأرْسَلَ مُوسى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا لِيَتَجَسَّسُوا أرْضَ كَنْعانَ مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا وفِيهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالَبُ بْنُ بَفْنَةَ فَصَعِدُوا وأتَوْا إلى مَدِينَةِ حَبْرُونَ فَوَجَدُوا الأرْضَ ذاتَ خَيْراتٍ وقَطَعُوا مِن عِنَبِها ورُمّانِها وتِينِها ورَجَعُوا لِقَوْمِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأخْبَرُوا مُوسى وهارُونَ وجَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرَوْهم ثَمَرَ الأرْضِ وأخْبَرُوهم أنَّها حَقًّا تَفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا غَيْرَ أنَّ أهْلَها ذَوُو عِزَّةٍ ومُدُنَها حَصِينَةٌ جِدًّا فَأمَرَ مُوسى كالِبًا فَأنْصَتَ إسْرائِيلُ إلى مُوسى وقالَ إنَّنا نَصْعَدُ ونَمْتَلِكُها وكَذَلِكَ يُوشَعُ، أمّا العَشَرَةُ الآخَرُونَ فَأشاعُوا في بَنِي إسْرائِيلَ مَذَمَّةَ الأرْضِ وأنَّها تَأْكُلُ سُكّانَها وأنَّ سُكّانَها جَبابِرَةٌ فَخافَتْ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُكّانِ الأرْضِ وجَبُنُوا عَنِ القِتالِ فَقامَ فِيهِمْ يُوشَعُ وكالِبٌ قائِلِينَ لا تَخافُوا مِنَ العَدُوِّ فَإنَّهم لُقْمَةٌ لَنا واللَّهُ مَعَنا، فَلَمْ يُصْغِ القَوْمُ لَهم وأوْحى اللَّهُ لِمُوسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أساءُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ وأنَّهُ مُهْلِكُهم فاسْتَشْفَعَ لَهم مُوسى فَعَفا اللَّهُ عَنْهم ولَكِنَّهُ حَرَمَهم مِنَ الدُّخُولِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فَلا يَدْخُلُ لَها أحَدٌ مِنَ الحاضِرِينَ يَوْمَئِذٍ إلّا يُوشَعُ وكالَبُ وأرْسَلَ اللَّهُ عَلى الجَواسِيسِ العَشَرَةِ المُثَبِّطِينَ وباءً أهْلَكَهم.

فَهَذِهِ الآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ تَمامَ الِانْطِباقِ لا سِيَّما إذا ضَمَّتْ لَها آيَةَ سُورَةِ المائِدَةِ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِها حَبْرُونَ الَّتِي كانَتْ قَرِيبَةً مِنهم والَّتِي ذَهَبَ إلَيْها جَواسِيسُهم وأتَوْا بِثِمارِها، وقِيلَ أرادَ مِنَ القَرْيَةِ الجِهَةَ كُلَّها قالَهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَبَّةَ فَإنَّ القَرْيَةَ تُطْلَقُ عَلى المَزْرَعَةِ لَكِنَّ هَذا يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ يُطْلَقُ عَلى المَدْخَلِ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ وكَيْفَما كانَ يَنْتَظِمُ

صفحة ٥١٤

ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ يُشِيرُ إلى الثِّمارِ الكَثِيرَةِ هُناكَ. وقَوْلُهُ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يَتَعَيَّنُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما أشاعَهُ الجَواسِيسُ العَشَرَةُ مِن مَذَمَّةِ الأرْضِ وصُعُوبَتِها وأنَّهم لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ ما قالَمُوسى حَيْثُ اسْتَنْصَتَ الشَّعْبُ بِلِسانِ كالَبِ بْنِ بَفْنَةَ ويُوشَعَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا﴾ [الأعراف: ١٦٢] أيْ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا القَرْيَةَ وأنَّ الرِّجْزَ الَّذِي أصابَ الَّذِينَ ظَلَمُوا هو الوَباءُ الَّذِي أصابَ العَشَرَةَ الجَواسِيسَ ويَنْتَظِمُ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ قَوْلِهِ في آيَةِ المائِدَةِ ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] إلَخْ وقَوْلِهِ ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] فَإنَّ البابَ يُناسِبُ القَرْيَةَ. وقَوْلُهُ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٦] فَهَذا هو التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ المُنْطَبِقُ عَلى التّارِيخِ الصَّرِيحِ. فَقَوْلُهُ ﴿وإذْ قُلْنا﴾ أيْ عَلى لِسانِ مُوسى فَبَلَّغَهُ لِلْقَوْمِ بِواسِطَةِ اسْتِنْصاتِ كالِبِ بْنِ بَفْنَةَ، وهَذا هو الَّذِي يُوافِقُ ما في سُورَةِ العُقُودِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] الآياتِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ (ادْخُلُوا) إمّا أمْرٌ بِدُخُولِ قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهم وهي حَبْرُونُ لِتَكُونَ مَرْكَزًا أوَّلًا لَهم، والأمْرُ بِالدُّخُولِ أمْرٌ بِما يَتَوَقَّفُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ أعْنِي القِتالَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ المائِدَةِ إذْ قالَ ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] فَإنَّ الِارْتِدادَ عَلى الأدْبارِ مِنَ الألْفاظِ المُتَعارَفَةِ في الحُرُوبِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ولَعَلَّ في الإشارَةِ بِكَلِمَةِ ”هَذِهِ“ - المُفِيدَةِ لِلْقُرْبِ - ما يُرَجِّحُ أنَّ القَرْيَةَ هي حَبْرُونُ الَّتِي طَلَعَ إلَيْها جَواسِيسُهم.

والقَرْيَةُ بِفَتْحِ القافِ لا غَيْرَ عَلى الأصَحِّ البَلْدَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى المَساكِنِ المَبْنِيَّةِ مِن حِجارَةٍ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ القَرْيِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وبِالياءِ وهو الجَمْعُ يُقالُ قَرى الشَّيْءَ يَقْرِيهِ إذا جَمَعَهُ وهي تُطْلَقُ عَلى البَلْدَةِ الصَّغِيرَةِ وعَلى المَدِينَةِ الكَبِيرَةِ ذاتِ الأسْوارِ والأبْوابِ كَما أُرِيدَ بِها هُنا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا) وجَمْعُ القَرْيَةِ قُرًى بِضَمِّ القافِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ قِياسَ فُعَلٍ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِفِعْلَةٍ بِكَسْرِ الفاءِ مِثْلَ كِسْوَةٍ وكُسى، وقِياسُ جَمْعِ قَرْيَةٍ أنْ يَكُونَ عَلى قِراءٍ بِكَسْرِ القافِ وبِالمَدِّ كَما قالُوا رَكْوَةٌ ورِكاءٌ وشَكْوَةٌ وشِكاءٌ.

وقَوْلُهُ ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ مُرادٌ بِهِ بابُ القَرْيَةِ لِأنَّ (ال) مُتَعَيِّنَةٌ لِلْعِوَضِيَّةِ عَنِ

صفحة ٥١٥

المُضافِ إلَيْهِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ المُتَقَدِّمُ - ومَعْنى السُّجُودِ عِنْدَ الدُّخُولِ الِانْحِناءُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى لا لِأنَّ بابَها قَصِيرٌ كَما قِيلَ إذْ لا جَدْوى لَهُ والظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ السُّجُودِ مُطْلَقُ الِانْحِناءِ لِإظْهارِ العَجْزِ والضَّعْفِ كَيْلا يَفْطِنَ لَهم أهْلُ القَرْيَةِ وهَذا مِن أحْوالِ الجَوْسَسَةِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لَها التَّوْراةُ. ويَبْعُدْ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ المَأْمُورُ بِهِ سُجُودَ الشُّكْرِ لِأنَّهم داخِلُونَ مُتَجَسِّسِينَ لا فاتِحِينَ وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهم بَدَّلُوا وصِيَّةَ مُوسى فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ كَأنَّهم أرادُوا إظْهارَ الزَّمانَةِ فَأفْرَطُوا في التَّصَنُّعِ بِحَيْثُ يَكادُ أنْ يَفْتَضِحَ أمْرُهم لِأنَّ بَعْضَ التَّصَنُّعِ لا يُسْتَطاعُ اسْتِمْرارُهُ.

وقَوْلُهُ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الحِطَّةُ فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ وهو الخَفْضُ وأصْلُ الصِّيغَةِ أنَّ تَدُلَّ عَلى الهَيْئَةِ ولَكِنَّها هَنا مُرادٌ بِها مُطْلَقُ المَصْدَرِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مَعْرُوفًا في ذَلِكَ المَكانِ لِلدِّلالَةِ عَلى العَجْزِ أوْ هو مِن أقْوالِ السُّؤّالِ والشَّحّاذِينَ كَيْلا يَحْسِبَ لَهم أهْلُ القَرْيَةِ حِسابًا ولا يَأْخُذُوا حَذَرًا مِنهم فَيَكُونُ القَوْلُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ قَوْلًا يُخاطِبُونَ بِهِ أهْلَ القَرْيَةِ.

وقِيلَ المُرادُ مِنَ الحِطَّةِ سُؤالُ غُفْرانِ الذُّنُوبِ أيْ حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا أيِ اسْألُوا اللَّهَ غُفْرانَ ذُنُوبِكم إنْ دَخَلْتُمُ القَرْيَةَ. وقِيلَ مِنَ الحَطِّ بِمَعْنى حَطِّ الرِّحالِ أيْ إقامَةٍ أيِ ادْخُلُوا قائِلِينَ إنَّكم ناوُونَ الإقامَةَ بِها إذِ الحَرْبُ ودُخُولُ دِيارِ العَدُوِّ يَكُونُ فَتْحًا ويَكُونُ صُلْحًا ويَكُونُ لِلْغَنِيمَةِ ثُمَّ الإيابِ. وهَذانِ التَّأْوِيلانِ بَعِيدانِ ولِأنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ وهي المَشْهُورَةُ تُنافِي القَوْلَ بِأنَّها طَلَبُ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءُ لا يَرْتَفِعُ عَلى مَعْنى الإخْبارِ نَحْوَ سَقْيًا ورَعْيًا وإنَّما يَرْتَفِعُ إذا قُصِدَ بِهِ المَدْحُ أوِ التَّعَجُّبُ لِقُرْبِهِما مِنَ الخَبَرِ دُونَ الدُّعاءِ ولا يُسْتَعْمَلُ الخَبَرُ في الدُّعاءِ إلّا بِصِيغَةِ الفِعْلِ نَحْوَ رَحِمَهُ اللَّهُ ويَرْحَمُهُ اللَّهُ. وحِطَّةٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ نَحْوَ: (سَمْعٌ وطاعَةٌ) و(صَبْرٌ جَمِيلٌ) .

والخَطايا جَمْعُ خَطِيئَةٍ ولامُها مَهْمُوزَةٌ فَقِياسُ جَمْعِها خَطائِئُ بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ فَعائِلَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الهَمْزَتانِ قُلِبَتِ الثّانِيَةُ ياءً لِأنَّ قَبْلَها كَسْرَةً أوْ لِأنَّ في الهَمْزَتَيْنِ ثِقَلًا فَخَفَّفُوا الأخِيرَةَ مِنهُما ياءً ثُمَّ قَلَبُوها ألِفًا إمّا لِاجْتِماعِ ثِقَلِ الياءِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ وإمّا لِأنَّهُ لَمّا أشْبَهَ جائِيَ اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ ولَكِنَّهم لَمْ يُعامِلُوهُ مُعامَلَةَ (جائِي) لِأنَّ هَمْزَةَ (جائِي) زائِدَةٌ وهَمْزَةَ خَطائِي أصْلِيَّةٌ فَفَرُّوا بِتَخْفِيفِهِ إلى قَلْبِ الياءِ ألِفًا كَما فَعَلُوا في يَتامى ووَجَدُوا لَهُ في الأسْماءِ الصَّحِيحَةِ نَظِيرًا وهو طَهارى جَمْعُ طاهِرَةٍ. والخَطِيئَةُ فِعْلِيَّةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ لِأنَّها مَخْطُوءٌ بِها أيْ مَسْلُوكٌ بِها

صفحة ٥١٦

مَسْلَكَ الخَطَأِ أشارُوا إلى أنَّها فِعْلٌ يَحِقُّ أنْ لا يَقَعَ فِيهِ فاعِلُهُ إلّا خَطَأً فَهي الذَّنْبُ والمَعْصِيَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ وعْدٌ بِالزِّيادَةِ مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ولِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ نَزِيدُ. والواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ﴿سَنَزِيدُ﴾ [الأعراف: ١٦١] عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْنا ادْخُلُوا﴾ أيْ وقُلْنا سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ سَنَزِيدُ حُكِيَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ مُسْتَأْنَفَةً فَعُلِمَ أنَّها تُعَبِّرُ عَنْ نَظِيرٍ لَها في الكَلامِ الَّذِي خاطَبَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلى مَعْنى التَّرَقِّي في التَّفَضُّلِ فَلَمّا حُكِيَتْ هُنا عُطِفَتْ عَطْفَ القَوْلِ عَلى القَوْلِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ بَدَّلَ العَشَرَةُ القَوْلَ الَّذِي أُمِرَ مُوسى بِإعْلانِهِ في القَوْمِ وهو التَّرْغِيبُ في دُخُولِ القَرْيَةِ وتَهْوِينُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ فَقالُوا لَهم لا تَسْتَطِيعُونَ قِتالَهم وثَبَّطُوهم ولِذَلِكَ عُوقِبُوا فَأُنْزِلَ عَلَيْهِمْ رِجْزٌ مِنَ السَّماءِ وهو الطّاعُونُ. وإنَّما جُعِلَ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ أرْضى مِن عَدْوى أوْ نَحْوِها فَعُلِمَ أنَّهُ رَمَتْهم بِهِ المَلائِكَةُ مِنَ السَّماءِ بِأنْ أُلْقِيَتْ عَناصِرُهُ وجَراثِيمُهُ عَلَيْهِمْ فَأُصِيبُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.

ولِأجْلِ هَذا خُصَّ التَّبْدِيلُ بِفَرِيقٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهم فَعُبِّرَ عَنْهُ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِهِ وبِتِلْكَ الصِّلَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّبْدِيلَ لَيْسَ مِن فِعْلِ جَمِيعِ القَوْمِ أوْ مُعْظَمِهِمْ لِأنَّ الآيَةَ تَذْكِيرٌ لِلْيَهُودِ بِما هو مَعْلُومٌ لَهم مِن حَوادِثِهِمْ.

وإنَّما جاءَ بِالظّاهِرِ في مَوْضِعِ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الرِّجْزَ عَمَّ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وبِذَلِكَ تَنْطَبِقُ الآيَةُ عَلى ما ذَكَرَتْهُ التَّوْراةُ تَمامَ الِانْطِباقِ.

وتَبْدِيلُ القَوْلِ تَبْدِيلُ جَمِيعِ ما قالَهُ اللَّهُ لَهم وما حَدَّثَهُمُ النّاسُ عَنْ حالِ القَرْيَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى جَمِيعِ هَذا بَنى فِعْلَ قِيلَ إلى المَجْهُولِ إيجازًا. فَ (قَوْلًا) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِبَدَّلَ، و(غَيْرَ الَّذِي قِيلَ) مَفْعُولٌ ثانٍ لِأنَّ (بَدَّلَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسى أيْ مِمّا دَلَّ عَلى عَكْسِ مَعْنى كَسى مِثْلَ (سَلَبَهُ ثَوْبَهُ) . قالَ أبُو الشِّيصِ:

بُدِّلْتُ مِن بُرْدِ الشَّبابِ مُلاءَةً خَلَقًا وبِئْسَ مَثُوبَةُ المُقْتاضِ

وفائِدَةُ إظْهارِ لَفْظِ القَوْلِ دُونَ أنْ يُقالَ فَبَدَّلُوهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهم بَدَّلُوا لَفْظَ حِطَّةٍ خاصَّةً وامْتَثَلُوا ما عَدا ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الأمْرُ هَيِّنًا.

صفحة ٥١٧

وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي بَدَّلُوا بِهِ أنَّهم قالُوا حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ أوْ في شُعَيْرَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ العَشَرَةَ اسْتَهْزَءُوا بِالكَلامِ الَّذِي أعْلَنَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في التَّرْغِيبِ في فَتْحِ الأرْضِ وكَنَّوْا عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ مُحاوَلَتَهم فَتْحَ الأرْضِ كَمُحاوَلَةِ رَبْطِ حَبَّةٍ بِشَعْرَةٍ أيْ في التَّعَذُّرِ، أوْ هو كَأكْلِ حَبَّةٍ مَعَ شَعْرَةٍ تَخْنُقُ آكِلَها، أوْ حَبَّةٍ مِن بُرٍّ مَعَ شُعَيْرَةٍ.

وقَوْلُهُ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وقَوْلُهُ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ اعْتَنى فِيهِما بِالإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِيُعْلَمَ أنَّ الرِّجْزَ خَصَّ الَّذِينَ بَدَّلُوا القَوْلَ وهُمُ العَشَرَةُ الَّذِينَ أشاعُوا مَذَمَّةَ الأرْضِ لِأنَّهم كانُوا السَّبَبَ في شَقاءِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ.

وفِي هَذا مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِكُلِّ مَن يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِإرْشادِ قَوْمٍ لِيَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ بِما يَأْتِي ويَذَرُ وعِلْمٍ بِعَواقِبِ الأُمُورِ فَمِنَ البِرِّ ما يَكُونُ عُقُوقًا، وفي المَثَلِ ”عَلى أهْلِها تَجْنِي بَراقِشُ“ وهي اسْمُ كَلْبَةِ قَوْمٍ كانَتْ تَحْرُسُهم بِاللَّيْلِ فَدَلَّ نَبْحُها أعْداءَهم عَلَيْهِمْ فاسْتَأْصَلُوهم فَضُرِبَتْ مَثَلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском