Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:79–83

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:79–83

2:79Page 12

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩

So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ فَيَكُونُ ما بَعْدَها مُتَرَتِّبًا عَلى ما قَبْلَها والظّاهِرُ أنَّ ما بَعْدَها مُتَرَتِّبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] الدّالِّ عَلى وُقُوعِ تَحْرِيفٍ مِنهم عَنْ عَمْدٍ فَرُتِّبَ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِاسْتِحْقاقِهِمْ سُوءَ الحالَةِ. أوْ رُتِّبَ عَلَيْهِ إنْشاءُ اسْتِفْظاعِ حالِهِمْ، وأُعِيدَ في خِلالِ ذَلِكَ ما أُجْمِلَ في الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ إعادَةَ تَفْصِيلٍ.

ومَعْنى ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ أنَّهم يَكْتُبُونَ شَيْئًا لَمْ يَأْتِهِمْ مِن رُسُلِهِمْ بَلْ يَضَعُونَهُ ويَبْتَكِرُونَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا لِما في نَفْسِ الأمْرِ.

وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأنَّ هَذا القَوْلَ أُدْخِلَ في اسْتِحْقاقِهِمُ الوَيْلَ مِن كِتابَةِ الكِتابِ

صفحة ٥٧٦

بِأيْدِيهِمْ إذْ هو المَقْصُودُ. ولَيْسَ هَذا القَوْلُ مُتَراخِيًا عَنْ كِتابَتِهِمْ ما كَتَبُوهُ في الزَّمانِ بَلْ هُما مُتَقارِنانِ.

والوَيْلُ لَفْظٌ دالٌّ عَلى الشَّرِّ أوِ الهَلاكِ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مِن لَفْظِهِ فَلِذَلِكَ قِيلَ هو اسْمُ مَصْدَرٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّي هو مَصْدَرٌ امْتَنَعَ العَرَبُ مِنَ اسْتِعْمالِ فِعْلِهِ لِأنَّهُ لَوْ صُرِفَ لَوَجَبَ اعْتِلالُ فائِهِ وعَيْنِهِ بِأنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ إعْلالانِ أيْ فَيَكُونُ ثَقِيلًا، والوَيْلُ: البَلِيَّةُ. وهي مُؤَنَّثُ الوَيْلِ قالَ تَعالى قالُوا يا ويْلَتَنا وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

فَقالَتْ لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي

ويُسْتَعْمَلُ الوَيْلُ بِدُونِ حَرْفِ نِداءٍ كَما في الآيَةِ ويُسْتَعْمَلُ بِحَرْفِ النِّداءِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] كَما يُقالُ يا حَسْرَتا.

فَأمّا مَوْقِعُهُ مِنَ الإعْرابِ فَإنَّهُ إذا لَمْ يُضَفْ أُعْرِبَ إعْرابَ الأسْماءِ المُبْتَدَأِ بِها وأُخْبِرَ عَنْهُ بِلامِ الجَرِّ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلُهُ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] قالَ الجَوْهَرِيُّ ويُنْصَبُ فَيُقالُ ويْلًا لِزَيْدٍ وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ قَبِيحًا وأوْجَبَ إذا ابْتُدِئَ بِهِ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، وأمّا إذا أُضِيفَ فَإنَّهُ يُضافُ إلى الضَّمِيرِ غالِبًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ﴾ [القصص: ٨٠] وقَوْلِهِ ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ [الأحقاف: ١٧] فَيَكُونُ مَنصُوبًا وقَدْ يُضافُ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ فَيُعْرَبُ إعْرابَ غَيْرِ المُضافِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَصِيرٍ ”ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ“ .

ولَمّا أشْبَهَ في إعْرابِهِ المَصادِرَ الآتِيَةَ بَدَلًا مِن أفْعالِها نَصْبًا ورَفْعًا مِثْلَ: حَمْدًا لِلَّهِ، وصَبْرٌ جَمِيلٌ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، قالَ أكْثَرُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ إنَّهُ مَصْدَرٌ أُمِيتَ فِعْلُهُ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ اسْمٌ وجَعَلَ نَصْبَهُ في حالَةِ الإضافَةِ نَصْبًا عَلى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَأصْلُ ويْلَهُ يا ويْلَهُ بِدَلِيلِ ظُهُورِ حَرْفِ النِّداءِ مَعَهُ في كَلامِهِمْ. ورُبَّما جَعَلُوهُ كالمَندُوبِ فَقالُوا ويْلاهُ وقَدْ أعْرَبَهُ الزَّجّاجُ كَذَلِكَ في سُورَةِ طه.

ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ إذا نُصِبَ فَعَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه: ٦١] في طه يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا.

وقالَ الفَرّاءُ إنَّ ”ويْلٌ“ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن ويْ بِمَعْنى الحُزْنِ ومِن مَجْرُورٍ بِاللّامِ المَكْسُورَةِ، فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُ اللّامِ مَعَ ويْ صَيَّرُوهُما حَرْفًا واحِدًا فاخْتارُوا فَتْحَ اللّامِ كَما قالُوا: يالَ ضَبَّةَ فَفَتَحُوا اللّامَ وهي في الأصْلِ مَكْسُورَةٌ. وهو يُسْتَعْمَلُ دُعاءً وتَعَجُّبًا وزَجْرًا مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا أبَ لَكَ، وثَكِلَتْكَ أُمُّكَ. ومَعْنى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾

صفحة ٥٧٧

دُعاءٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الغَضَبِ والزَّجْرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ دُعاءٌ لِأنَّهُ قَبِيحٌ في اللَّفْظِ ولَكِنَّ العِبادَ كُلِّمُوا بِكَلامِهِمْ وجاءَ القُرْآنُ عَلى لُغَتِهِمْ عَلى مِقْدارِ فَهْمِهِمْ أيْ هَؤُلاءِ مِمَّنْ وجَبَ هَذا القَوْلُ لَهم. وقَدْ جاءَ عَلى مِثالِ ”ويْلٌ“ ألْفاظٌ وهي ويْحٌ ووَيْسٌ ووَيْبٌ ووَيْهٌ ووَيْكَ.

وذِكْرُ بِأيْدِيهِمْ تَأْكِيدٌ مِثْلَ نَظَرْتُهُ بِعَيْنَيَّ ومِثْلَ ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] وقَوْلُهُ ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] والقَصْدُ مِنهُ تَحْقِيقُ وُقُوعِ الكِتابَةِ ورَفْعُ المَجازِ عَنْها وأنَّهم في ذَلِكَ عامِدُونَ قاصِدُونَ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هو كَقَوْلِهِ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] والثَّمَنُ المَقْصُودُ هُنا هو إرْضاءُ العامَّةِ بِأنْ غَيَّرُوا لَهم أحْكامَ الدِّينِ عَلى ما يُوافِقُ أهْواءَهم، أوِ انْتِحالُ العِلْمِ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ أنَّهم جاهِلُونَ فَوَضَعُوا كُتُبًا تافِهَةً مِنَ القَصَصِ المَعْلُوماتِ البَسِيطَةِ لِيَتَفَيْهَقُوا بِها في المَجامِعِ لِأنَّهم لَمّا لَمْ تَصِلْ عُقُولُهم إلى العِلْمِ الصَّحِيحِ وكانُوا قَدْ طَمِعُوا في التَّصَدُّرِ والرِّئاسَةِ الكاذِبَةِ لَفَّقُوا نُتَفًا سَطْحِيَّةً وجَمَعُوا مَوْضُوعاتٍ وفَراغاتٍ لا تَثْبُتُ عَلى مَحَكِّ العِلْمِ الصَّحِيحِ ثُمَّ أشاعُوها ونَسَبُوها إلى اللَّهِ ودِينِهِ وهَذِهِ شَنْشَنَةُ الجَهَلَةِ المُتَطَلِّعِينَ إلى الرِّئاسَةِ مِن غَيْرِ أهْلِيَّةٍ لِيَظْهَرُوا في صُوَرِ العُلَماءِ لَدى أنْظارِ العامَّةِ ومَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الشَّحْمِ والوَرَمِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ تَفْصِيلٌ لِجِنْسِ الوَيْلِ إلى ويْلَيْنِ وهُما ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الشَّرِّ لِأجْلِ ما وضَعُوهُ وما يَحْصُلُ لَهم لِأجْلِ ما اكْتَسَبُوهُ مِن جَرّاءَ ذَلِكَ فَهو جَزاءٌ بِالشَّرِّ عَلى الوَسِيلَةِ وعَلى المَقْصِدِ ولَيْسَ في الآيَةِ ثَلاثُ ويْلاتٍ كَما قَدْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ.

وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِن تَلاشِي التَّوْراةِ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ في زَمَنِ بُخْتُنَصَّرْ ثُمَّ في زَمَنِ طِيطَسَ القائِدِ الرُّومانِيِّ وذَلِكَ أنَّ التَّوْراةَ الَّتِي كَتَبَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أمَرَ بِوَضْعِها في تابُوتِ العَهْدِ حَسْبَما ذَلِكَ مَذْكُورٌ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ وكانَ هَذا التّابُوتُ قَدْ وضَعَهُ مُوسى في خَيْمَةِ الِاجْتِماعِ ثُمَّ وضَعَهُ سُلَيْمانُ في الهَيْكَلِ فَلَمّا غَزاهم بُخْتَنَصَّرْ سَنَةَ ٥٨٨ قَبْلَ المَسِيحِ أحْرَقَ الهَيْكَلَ والمَدِينَةَ كُلَّها بِالنّارِ وأخَذَ مُعْظَمَ اليَهُودِ فَباعَهم عَبِيدًا في بَلَدِهِ وتَرَكَ فِئَةً قَلِيلَةً بِأُورْشَلِيمَ قَصَرَهم عَلى الغِراسَةِ والزِّراعَةِ ثُمَّ ثارُوا عَلى بُخْتُنَصَّرْ وقَتَلُوا نائِبَهُ وهَرَبُوا إلى مِصْرَ ومَعَهم أرْمِيا فَخَرِبَتْ مَمْلَكَةُ اليَهُودِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا

صفحة ٥٧٨

يَوْمَئِذٍ يَسْتَطِيعُونَ إنْقاذَ التَّوْراةِ وهم لَمْ يَكُونُوا مِن حَفَظَتِها لِأنَّ شَرِيعَتَهم جَعَلَتِ التَّوْراةَ أمانَةً بِأيْدِي اللّاوِيِّينَ كَما تَضَمَّنَهُ سِفْرُ التَّثْنِيَةِ وأمَرَ مُوسى القَوْمَ بِنَشْرِ التَّوْراةِ لَهم بَعْدَ كُلِّ سَبْعِ سِنِينَ تَمْضِي وقالَ مُوسى ضَعُوا هَذا الكِتابَ عِنْدَ تابُوتِ العَهْدِ لِيَكُونَ هُناكَ شاهِدًا عَلَيْكم لِأنِّي أعْرِفُ تَمَرُّدَكم وقَدْ صِرْتُمْ تُقاوِمُونَ رَبَّكم وأنا حَيٌّ فَأحْرى أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِي. ولا يَخْفى أنَّ اليَهُودَ قَدْ نَبَذُوا الدِّيانَةَ غَيْرَ مَرَّةٍ وعَبَدُوا الأصْنامَ في عَهْدِ رَحْبَعامَ بْنِ سُلَيْمانَ مَلِكِ يَهُوذا وفي عَهْدِ يُورْبَعامَ غُلامِ سُلَيْمانَ مَلِكِ إسْرائِيلَ قَبْلَ تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِتَناسِي الدِّينِ ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِ التَّخْرِيبُ المَشْهُورُ ثُمَّ أعْقَبَهُ التَّخْرِيبُ الرُّومانِيُّ في زَمَنِ طِيطَسَ سَنَةَ ٤٠ لِلْمَسِيحِ ثُمَّ في زَمَنِ أدْرِيانَ - الَّذِي تَمَّ عَلى يَدِهِ تَخْرِيبُ بَلَدِ أُورْشَلِيمَ بِحَيْثُ صَيَّرَها مَزْرَعَةً وتَفَرَّقَ مَن أبْقاهُ السَّيْفُ مِنَ اليَهُودِ في جِهاتِ العالَمِ.

ولِهَذا اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ مِنَ العُلَماءِ الباحِثِينَ عَنْ تارِيخِ الدِّينِ عَلى أنَّ التَّوْراةَ قَدْ دَخَلَها التَّحْرِيفُ والزِّيادَةُ والتَّلاشِي وأنَّهم لَمّا جَمَعُوا أمْرَهم عَقِبَ بَعْضِ مَصائِبِهِمُ الكُبْرى افْتَقَدُوا التَّوْراةَ فَأرادُوا أنْ يَجْمَعُوها مِن مُتَفَرِّقِ أوْراقِهِمْ وبَقايا مَكاتِبِهِمْ. وقَدْ قالَ لِنْجَرْكُ أحَدُ اللّاهُوتِيِّينَ مِن عُلَماءِ الإفْرَنْجِ أنَّ سِفْرَ التَّثْنِيَةِ كَتَبَهُ يَهُودِيٌّ كانَ مُقِيمًا بِمِصْرَ في عَهْدِ المَلِكِ يُوشِيا مَلِكِ اليَهُودِ، وقالَ غَيْرُهُ إنَّ الكُتُبَ الخَمْسَةَ الَّتِي هي مَجْمُوعُ التَّوْراةِ قَدْ دَخَلَ فِيها تَحْرِيفٌ كَثِيرٌ مِن عِلْمِ صَمُوئِيلَ أوْ عُزَيْرٍ عِزْرا.

ويَذْكُرُ عُلَماؤُنا أنَّ اليَهُودَ إنَّما قالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ لِأنَّهُ ادَّعى أنَّهُ ظَفِرَ بِالتَّوْراةِ. وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْراةَ قَدْ تَلاشَتْ وتَمَزَّقَتْ والمَوْجُودُ في سِفْرِ المُلُوكِ الثّانِي مِن كُتُبِهِمْ في الإصْحاحِ الحادِيَ والعِشْرِينَ أنَّهم بَيْنَما كانُوا بِصَدَدِ تَرْمِيمِ بَيْتِ المَقْدِسِ في زَمَنِ يُوشِيا مَلِكِ يَهُوذا ادَّعى حَلْقِيا الكاهِنُ أنَّهُ وجَدَ سِفْرَ الشَّرِيعَةِ في بَيْتِ الرَّبِّ وسَلَّمَهُ الكاهِنُ لِكاتِبِ المَلِكِ فَلَمّا قَرَأهُ الكاتِبُ عَلى المَلِكِ مَزَّقَ ثِيابَهُ وتابَ مِنَ ارْتِدادِهِ عَنِ الشَّرِيعَةِ وأمَرَ الكَهَنَةَ بِإقامَةِ كَلامِ الشَّرِيعَةِ المَكْتُوبِ في السِّفْرِ الَّذِي وجَدَهُ حَلْقِيا الكاهِنُ في بَيْتِ الرَّبِّ اهـ. فَهَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ مَجْهُولَةً عِنْدَهم مُنْذُ زَمانٍ.

2:80–82Page 12

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠

And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"

بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١

Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

صفحة ٥٧٩

﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

قِيلَ الواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةٍ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] فَتَكُونُ حالًا مِثْلَها أيْ كَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وهو يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ويَقُولُونَ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الواوَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ يَكْتُبُونَ إلَخْ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ ووَجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ قَوْلَهم لَنْ تَمَسَّنا النّارُ دَلَّ عَلى اعْتِقادٍ مُقَرَّرٍ في نُفُوسِهِمْ يُشِيعُونَهُ بَيْنَ النّاسِ بِألْسِنَتِهِمْ قَدْ أنْبَأ بِغُرُورٍ عَظِيمٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ الجَرِيمَةِ وغَيْرِها إذْ هم قَدْ آمَنُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً تُعادِلُ أيّامَ عِبادَةِ العِجْلِ أوْ أيّامًا عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِنَ العالَمِ يَوْمًا وإنَّ ذَلِكَ عَذابٌ مَكْتُوبٌ عَلى جَمِيعِهِمْ فَهم لا يَتَوَقَّوْنَ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي لِأجْلِ ذَلِكَ فَبِالعَطْفِ عَلى أخْبارِهِمْ حَصَلَتْ فائِدَةُ الإخْبارِ عَنْ عَقِيدَةٍ مِن ضَلالاتِهِمْ.

ولِمَوْقِعِ هَذا العَطْفِ حَصَلَتْ فائِدَةُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَعْجَبُ السّامِعُ مِن جُرْأتِهِمْ عَلى هَذا الإجْرامِ.

وقَوْلُهُ وقالُوا أرادَ بِهِ أنَّهم قالُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ لِأنَّ الأصْلَ الصِّدْقُ في القَوْلِ حَتّى تَقُومَ القَرِينَةُ عَلى أنَّهُ قَوْلٌ عَلى خِلافِ الِاعْتِقادِ كَما في قَوْلِهِ ﴿قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] ولِأجْلِ أنَّ أصْلَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ ساغَ اسْتِعْمالُ القَوْلِ في مَعْنى الظَّنِّ والِاعْتِقادِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: قالَ مالِكٌ، وفي نَحْوِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ”عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتِقِي“ . والمَسُّ حَقِيقَتُهُ اتِّصالُ اليَدِ بِجِرْمٍ مِنَ الأجْرامِ وكَذَلِكَ اللَّمْسُ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ [الأنعام: ٤٩] وعَبَّرَ عَنْ نَفْيِهِمْ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْيِيدِ النَّفْيِ تَأْكِيدًا لِانْتِفاءِ العَذابِ عَنْهم بَعْدَ تَأْكِيدٍ، ولِدِلالَةِ لَنْ عَلى اسْتِغْراقِ الأزْمانِ تَأتّى الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ عَلى وجْهِ التَّفْرِيعِ فَهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

والوَصْفُ بِمَعْدُودَةٍ مُؤْذِنٌ بِالقِلَّةِ لِأنَّ المُرادَ بِالمَعْدُودِ الَّذِي يَعُدُّهُ النّاسُ إذا رَأوْهُ أوْ تَحَدَّثُوا عَنْهُ، وقَدْ شاعَ في العُرْفِ والعَوائِدِ

صفحة ٥٨٠

أنَّ النّاسَ لا يَعْمِدُونَ إلى عَدِّ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ دَفْعًا لِلْمَلَلِ أوْ لِأجْلِ الشُّغْلِ سَواءٌ عَرَفُوا الحِسابَ أمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ لِأنَّ المُرادَ العَدُّ بِالعَيْنِ واللِّسانِ لا العَدُّ بِجَمْعِ الحِساباتِ إذْ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنا.

وتَأْنِيثُ (مَعْدُودَةً) وهو صِفَةُ (أيّامًا) مُراعًى فِيهِ تَأْوِيلُ الجَمْعِ بِالجَماعَةِ وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ ولِذَلِكَ كَثُرَ في صِفَةِ الجَمْعِ إذا أنَّثُوها أنْ يَأْتُوا بِها بِصِيغَةِ الإفْرادِ إلّا إذا أرادُوا تَأْوِيلَ الجَمْعِ بِالجَماعاتِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ جَوابٌ لِكَلامِهِمْ ولِذَلِكَ فُصِلَ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] والِاسْتِفْهامُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ بَلى فَهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ لِلْإلْجاءِ إلى الِاعْتِرافِ بِأصْدَقِ الأمْرَيْنِ. ولَيْسَ إنْكارِيًّا لِوُجُودِ المُعادِلِ وهو أمْ تَقُولُونَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ لا مُعادِلَ لَهُ. والمُرادُ بِالعَهْدِ الوَعْدُ المُؤَكَّدُ فَهو اسْتِعارَةٌ، لِأنَّ أصْلَ العَهْدِ هو الوَعْدُ المُؤَكَّدُ بِقَسَمٍ والتِزامٍ، ووَعْدُ الَّذِي لا يُخْلِفُ الوَعْدَ كالعَهْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَهْدُ هُنا حَقِيقَةً لِأنَّهُ في مَقامِ التَّقْرِيرِ دالٌّ عَلى انْتِفاءِ ذَلِكَ.

وذَكَرَ الِاتِّخاذَ دُونَ أعاهَدْتُمْ أوْ عاهَدَكم لِما في الِاتِّخاذِ مِن تَوْكِيدِ العَهْدِ وعِنْدَ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ يَقُولُونَ اتَّخَذَ يَدًا عِنْدَ فُلانٍ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ دالَّةٌ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وجَزائِهِ، وما بَعْدَ الفاءِ هو عِلَّةُ الجَزاءِ والتَّقْدِيرُ فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَلَكُمُ العُذْرُ في قَوْلِكم لِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ عَهْدَهُ وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] ولِكَوْنِ ما بَعْدَ فاءِ الفَصِيحَةِ دَلِيلَ شَرْطٍ وجَزائَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَها ولا مُتَرَتِّبًا عَنْهُ حَتّى يُشْكَلَ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ تَرَتُّبِ الجَزاءِ في الآيَةِ عَلى الشَّرْطِ المُقَدَّرِ لِأنَّ لَنْ لِلِاسْتِقْبالِ. وأمّا في قَوْلِهِ ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مُعادَلَةُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَهي مُتَّصِلَةٌ وتَقَعُ بَعْدَها الجُمْلَةُ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في الإيضاحِ وهو التَّحْقِيقُ كَما قالَ عَبْدُ الحَكِيمِ فَما قالَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ مِن أنَّ عَلامَةَ أمِ المُنْقَطِعَةِ كَوْنُ ما بَعْدَها جُمْلَةَ أمْرٍ أغْلَبِيٍّ ولا مَعْنى لِلِانْقِطاعِ هُنا لِأنَّهُ يُفْسِدُ ما أفادَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإلْجاءِ والتَّقْرِيرِ.

وقَوْلُهُ بَلى إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وكَلِماتُ الجَوابِ تَدْخُلُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لا عَلى ما بَعْدَها فَمَعْنى بَلى بَلْ أنْتُمْ تَمَسُّكُمُ النّارُ مُدَّةً طَوِيلَةً. وقَوْلُهُ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ سَنَدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ (بَلى) مِن إبْطالِ قَوْلِهِمْ أيْ ما أنْتُمْ إلّا مِمَّنْ كَسَبَ سَيِّئَةً إلَخْ

صفحة ٥٨١

و﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئاتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ فَأنْتُمْ مِنهم لا مَحالَةَ عَلى حَدِّ قَوْلِ لَبِيدٍ:

تَمَنّى ابْنَتايَ أنْ يَعِيشَ أبُوهُما وهَلْ أنا إلّا مِن رَبِيعَةَ أوْ مُضَرْ

أيْ فَلا أُخَلَّدُ كَما لَمْ يُخَلَّدْ بَنُو رَبِيعَةَ ومُضَرَ، فَمَن في قَوْلِهِ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شَرْطِيَّةٌ بِدَلِيلِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِها وهي في الشَّرْطِ مِن صِيَغِ العُمُومِ فَلِذَلِكَ كانَتْ مُؤْذِنَةً بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها تَعْقِيبُ بَلى بِهَذا العُمُومِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ أنَّ المُخاطَبِينَ مَن زُمَرِ هَذا العُمُومِ لَكانَ ذِكْرُ العُمُومِ بَعْدَها كَلامًا مُتَناثِرًا فَفي الكَلامِ إيجازُ الحَذْفِ لِيَكُونَ المَذْكُورُ كالقَضِيَّةِ الكُبْرى لِبُرْهانِ قَوْلِهِ بَلى. والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ هُنا السَّيِّئَةُ العَظِيمَةُ وهي الكُفْرُ بِدَلِيلِ العَطْفِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئاتُهُ) . وقَوْلُهُ (وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئاتُهُ) الخَطِيئَةُ اسْمٌ لِما يَقْتَرِفُهُ الإنْسانُ مِنَ الجَرائِمِ وهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُوِلَةٍ مِن خَطى إذا أساءَ، والإحاطَةُ مُسْتَعارَةٌ لِعَدَمِ الخُلُوِّ عَنِ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ ما يُحِيطُ بِالمَرْءِ لا يَتْرُكُ لَهُ مَنفَذًا لِلْإقْبالِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] وإحاطَةُ الخَطِيئاتِ هي حالَةُ الكُفْرِ لِأنَّها تُجَرِّئُ عَلى جَمِيعِ الخَطايا ولا يُعْتَبَرُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلٌ صالِحٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِلزّاعِمِينَ خُلُودَ أصْحابِ الكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ في النّارِ إذْ لا يَكُونُ المُسْلِمُ مُحِيطَةً بِهِ الخَطِيئاتُ بَلْ هو لا يَخْلُو مِن عَمَلٍ صالِحٍ وحَسْبُكَ مِن ذَلِكَ سَلامَةُ اعْتِقادِهِ مِنَ الكُفْرِ وسَلامَةُ لِسانِهِ مِنَ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ الخَبِيثَةِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِتَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ. والمُرادُ بِالخُلُودِ هُنا حَقِيقَتُهُ.

2:83Page 12

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allāh; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakāh." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

صفحة ٥٨٢

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أُعِيدَ ذِكْرُ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِطْرادِ المُتَفَنَّنِ فِيهِ فَأُعِيدَ الأُسْلُوبُ القَدِيمُ وهو العَطْفُ بِإعادَةِ لَفْظِ إذْ في أوَّلِ القَصَصِ.

وأظْهَرَ هُنا لَفْظَ بَنِي إسْرائِيلَ وعَدَلَ عَنِ الأُسْلُوبِ السّابِقِ الواقِعِ فِيهِ التَّعْبِيرُ بِضَمِيرِ الخِطابِ المُرادِ بِهِ سَلَفُ المُخاطَبِينَ وخَلَفُهم لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما أنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى مُجادَلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْقِيفِهِمْ عَلى مَساوِيهِمْ فَهو افْتِتاحٌ ثانٍ جَرى عَلى أُسْلُوبِ الِافْتِتاحِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمُ﴾ [البقرة: ٤٠] الآيَةَ. ثانِيهِما أنَّ ما سَيُذْكَرُ هُنا لَمّا كانَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي اتَّصَفَ بِها السَّلَفُ والخَلَفُ وكانَ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِنهُ إثْباتَ سُوءِ صَنِيعِ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ القُرْآنِ تَعَيَّنَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ سَلَفِهِمْ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ لِيَتَأتّى تَوْجِيهُ الخِطابِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى المُخاطَبِينَ حَتّى لا يُظَنَّ أنَّهُ مِنَ الخِطابِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ أسْلافُهم عَلى وِزانِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] أوْ عَلى وِزانِ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢] وقَوْلُهُ ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أُرِيدَ بِهِ أسْلافَهم لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أعْطَوُا المِيثاقَ لِمُوسى عَلى امْتِثالِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْراةِ كَما قَدَّمْناهُ أوِ المُرادُ بِلَفْظِ بَنِي إسْرائِيلَ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ والمُرادُ بِالخِطابِ في تَوَلَّيْتُمْ خُصُوصُ ”مَن بَعْدَهم“ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا فَلَيْسَ في الكَلامِ التِفاتٌ ما وهو أوْلى مِن جَعْلِ ما صَدَّقَ بَنِي إسْرائِيلَ هو ما صَدَّقَ ضَمِيرَ تَوَلَّيْتُمْ وأنَّ الكَلامَ التِفاتٌ.

وقَوْلُهُ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ ومَجِيءُ الخَبَرِ لِلْأمْرِ أبْلَغُ مِن صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِعَلاقَةِ مُشابَهَةِ الأمْرِ المَوْثُوقِ بِامْتِثالِهِ بِالشَّيْءِ الحاصِلِ حَتّى إنَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُ. وجُمْلَةُ لا تَعْبُدُونَ مَبْدَأُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ وعُطِفَ ما بَعْدَها عَلَيْها لِيَكُونَ مُشارِكًا لَها في مَعْنى البَيانِيَّةِ سَواءٌ قَدَّرْتَ (أنْ) أوْ لَمْ تُقَدِّرْها أوْ قَدَّرْتَ قَوْلًا مَحْذُوفًا.

وقَوْلُهُ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ هو مِمّا أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِهِ وهو أمْرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهُما ﴿بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وأصْلُهُ وإحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، والمَصْدَرُ بَدَلٌ

صفحة ٥٨٣

مِن فِعْلِهِ والتَّقْدِيرُ وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. ولا يُرِيبُكم أنَّهُ مَعْمُولُ مَصْدَرٍ وهو لا يَتَقَدَّمُ عَلى عامِلِهِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ لِأنَّ تِلْكَ دَعْوى واهِيَةٌ دَعاهم إلَيْها أنَّ المَصْدَرَ في مَعْنى أنْ والفِعْلِ فَهو في قُوَّةِ الصِّلَةِ ومَعْمُولُ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها مَعَ أنَّ (أنْ) والفِعْلَ هي الَّتِي تَكُونُ في مَعْنى المَصْدَرِ لا العَكْسُ. والعَجَبُ مِنَ ابْنِ جِنِّي كَيْفَ تابَعَهم في شَرْحِهِ لِلْحَماسَةِ عَلى هَذا عِنْدَ قَوْلِ الحَماسِيِّ:

وبَعْضُ الحِلْمِ عِنْدَ الجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعانُ

وعَلى طَرِيقَتِهِمْ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ وبِالوالِدَيْنِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وأحْسِنُوا. وقَوْلُهُ إحْسانًا مَصْدَرٌ ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ أنَّ حَذْفَ عامِلِ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ مُمْتَنِعٌ لِأنَّهُ تَبْطُلُ بِهِ فائِدَةُ التَّأْكِيدِ الحاصِلَةُ مِنَ التَّكْرِيرِ فَلا حاجَةَ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ. ونَجْزِمُ بِأنَّ المَجْرُورَ مُقَدَّمٌ عَلى المَصْدَرِ، عَلى أنَّ التَّوَسُّعَ في المَجْرُوراتِ أمْرٌ شائِعٌ وأصْلٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ، واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ كالنَّدامى لِلنَّدِيمِ وهو قَلِيلٌ في جَمْعِ فَعِيلٍ.

وجَعَلَ الإحْسانَ لِسائِرِ النّاسِ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ القَدْرُ الَّذِي يُمْكِنُ مُعامَلَةُ جَمِيعِ النّاسِ بِهِ وذَلِكَ أنَّ أصْلَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ عَنِ اعْتِقادٍ، فَهم إذا قالُوا لِلنّاسِ حُسْنًا فَقَدْ أضْمَرُوا لَهم خَيْرًا وذَلِكَ أصْلُ حُسْنِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وقَدْ عَلَّمَنا اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] عَلى أنَّهُ إذا عَرَضَ ما يُوجِبُ تَكَدُّرَ الخاطِرِ فَإنَّ القَوْلَ الحَسَنَ يُزِيلُ ما في نَفْسِ القائِلِ مِنَ الكَدَرِ ويَرى لِلْمَقُولِ لَهُ الصَّفاءَ فَلا يُعامِلُهُ إلّا بِالصَّفاءِ قالَ المَعَرِّيُّ:

والخَلُّ كالماءِ يُبْدِي لِي ضَمائِرَهُ ∗∗∗ مَعَ الصَّفاءِ ويُخْفِيها مَعَ الكَدَرِ

. عَلى أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِالإحْسانِ الفِعْلِيِّ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ ويَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ المَأْمُورِ وذَلِكَ الإحْسانُ لِلْوالِدَيْنِ وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأمَرَ بِالإحْسانِ القَوْلِيِّ إذا تَعَذَّرَ الفِعْلِيُّ عَلى حَدِّ قَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:

فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لَمْ تُسْعِدِ الحالُ

وقَوْلُهُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أُطْلِقَتِ الزَّكاةُ عَلى الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا أوْ عَلى الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ عَلى الأمْوالِ ولَيْسَ المُرادُ الكِنايَةَ عَنْ شَرِيعَةِ الإسْلامِ لِما عَلِمْتُ مِن أنْ هاتِهِ المَعاطِيفَ تابِعَةٌ لِبَيانِ المِيثاقِ وهو عَهْدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة ٥٨٤

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. والمَعْنى أخَذْنا مِيثاقَ الأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الإحْسانِ فَكُنْتُمْ مِمَّنْ تَوَلّى عَنْ ذَلِكَ وعَصَيْتُمْ شَرْعًا اتَّبَعْتُمُوهُ. والتَّوَلِّي الإعْراضُ وإبْطالُ ما التَزَمُوهُ وحَذْفُ مُتَعَلِّقِهِ لِدِلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أيْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ جَمِيعِ ما أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ بِهِ أيْ أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وعَبَدْتُمُ الأصْنامَ وعَقَقْتُمُ الوالِدَيْنِ وأسَأْتُمْ لِذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُلْتُمْ لِلنّاسِ أفْحَشَ القَوْلِ وتَرَكْتُمُ الصَّلاةَ ومَنَعْتُمُ الزَّكاةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخِطابِ في تَوَلَّيْتُمُ المُخاطَبِينَ زَمَنَ نُزُولِ الآيَةِ، وبَعْضُ مِن تَقَدَّمَهم مِن مُتَوَسِّطِ عُصُورِ الإسْرائِيلِيِّنَ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ تَغْلِيبًا، نُكْتَتُهُ إظْهارُ بَراءَةِ الَّذِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ أوَّلًا مِن نَكْثِهِ وهو مِنَ الإخْبارِ بِالجَمْعِ. والمُرادُ التَّوْزِيعُ أيْ تَوَلَّيْتُمْ فَمِنكم مَن لَمْ يُحْسِنْ لِلْوالِدَيْنِ وذِي القُرْبى إلَخْ وهَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ في عَصْرِ نُزُولِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها. ومِنكم مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وهَذا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ يَهُودَ زَمَنَ النُّزُولِ وإنَّما هو مِن صِفاتِ مَن تَقَدَّمَهم مِن بَعْدِ سُلَيْمانَ فَقَدْ كانَتْ مِن مُلُوكِ إسْرائِيلَ عَبَدَةُ أصْنامٍ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ فِيهِمْ مِرارًا كَما هو مَسْطُورٌ في سِفْرَيِ المُلُوكِ الأُوَلِ والثّانِي مِنَ التَّوْراةِ. وثَمَّ لِلتَّرْتِيبَيْنِ التَّرَتُّبِيِّ والخارِجِيَّ.

وقَوْلُهُ ﴿إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ إنْصافٌ لَهم في تَوْبِيخِهِمْ ومَذَمَّتِهِمْ وإعْلانٌ بِفَضْلِ مَن حافَظَ عَلى العَهْدِ.

وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ ولِكَوْنِها اسْمِيَّةً أفادَتْ أنَّ الإعْراضَ وصْفٌ ثابِتٌ لَهم وعادَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنهم كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ اسْمِ الفاعِلِ مُشْتَقًّا مِن فِعْلٍ مَنزِلَ اللّازِمِ ولا يُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُشْتَقًّا مِن فِعْلٍ حُذِفَ مُتَعَلَّقُهُ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ أيْ ﴿وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنِ الوَصايا الَّتِي تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ المِيثاقَ أيْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ تَعَمُّدٍ وجُرْأةٍ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالوَصايا وتَرْكًا لِلتَّدَبُّرِ فِيها والعَمَلِ بِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском