Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:84–86
2:84Page 13
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.
صفحة ٥٨٥
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [البقرة: ٨٥]
تَفَنَّنَ الخِطابُ هُنا فَجاءَ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَ الآيَةِ السّابِقَةِ إذْ عَبَّرَ هُنا عَنْ جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ نُزُولِ القِراءاتِ هُمُ المَقْصُودُونَ مِن هَذِهِ المَوْعِظَةِ أوْ عَلى طَرِيقِ تَنْزِيلِ الخَلَفِ مَنزِلَةَ السَّلَفِ، كَما تَقَدَّمَ لِأنَّ الدّاعِيَ لِلْإظْهارِ عِنْدَ الِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِطْرادِ إلى بَقِيَّةِ المَقْصُودِ في الآيَةِ السّابِقَةِ قَدْ أخَذَ ما يَقْتَضِيهِ فَعادَ أُسْلُوبُ الخِطابِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ في ﴿لا تَسْفِكُونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] والسَّفْكُ الصَّبُّ وإضافَةُ الدِّماءِ إلى ضَمِيرِ فاعِلِ ”تَسْفِكُونَ“ اقْتَضَتْ أنَّ مَفْعُولَ ”تَسْفِكُونَ“ هو دِماءُ السّافِكِينَ ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَسْفِكَ الإنْسانُ دَمَ نَفْسِهِ أوْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِن دارِهِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا مِمّا يَزَعُ المَرْءَ عَنْهُ وازِعُهُ الطَّبِيعِيُّ؛ فَلَيْسَ مِن شَأْنِ الشَّرِيعَةِ الِاهْتِمامُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. وإنَّما المُرادُ أنْ لا يَسْفِكَ أحَدٌ دَمَ غَيْرِهِ ولا يُخْرِجَ غَيْرَهُ مِن دارِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. فَوَجْهُ إضافَةِ الدِّماءِ إلى ضَمِيرِ السّافِكِينَ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِالأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ يَكُونُ مَدْلُولُ الضَّمائِرِ فِيها مَجْمُوعَ النّاسِ، فَإذا تَعَلَّقَتْ أحْكامٌ بِتِلْكَ الضَّمائِرِ مِن إسْنادٍ أوْ مَفْعُولِيَّةٍ أوْ إضافَةٍ أُرْجِعَ كُلٌّ إلى ما يُناسِبُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْزِيعِ وهَذا كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ ونُكْتَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ المُغايَرَةَ في حُقُوقِ أفْرادِ الأُمَّةِ مُغايَرَةٌ صُورِيَّةٌ وأنَّها راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ وهو المَصْلَحَةُ الجامِعَةُ أوِ المَفْسَدَةُ الجامِعَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ الحَماسِيِّ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيِّ:
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي ∗∗∗ فَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأعْفُوَنَّ جَلَلاوَلَئِنْ سَطَوْتُ لَأُوهِنَنَّ عَظْمِي يُرِيدُ أنَّ سَهْمَهُ إذا أصابَ قَوْمَهُ فَقَدْ أضَرَّ بِنَفْسِهِ وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ ابْنُ عَطِيَّةَ وسَمّاهُ اللَّفَّ في القَوْلِ. أيِ الإجْمالُ المُرادُ بِهِ التَّوْزِيعُ، وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّهُ مِن تَشْبِيهِ الغَيْرِ بِالنَّفْسِ لِشِدَّةِ اتِّصالِ الغَيْرِ بِالنَّفْسِ في الأصْلِ أوِ الدِّينِ فَإذا قَتَلَ المُتَّصِلَ بِهِ نَسَبًا أوْ دِينًا
صفحة ٥٨٦
فَكَأنَّما قَتَلَ نَفْسَهُ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ ومَبْناهُ عَلى المَجازِ في الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ دِماءَكم وأنْفُسَكم وقِيلَ إنَّ المَعْنى لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم بِالتَّسَبُّبِ في قَتْلِ الغَيْرِ فَيُقْتَصُّ مِنكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم بِالجِنايَةِ عَلى الغَيْرِ فَتُنْفَوْا مِن دِيارِكم، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى المَجازِ التَّبَعِيِّ في تَسْفِكُونَ وتُخْرِجُونَ بِعَلاقَةِ التَّسَبُّبِ.
وأشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى وصِيَّتَيْنِ مِنَ الوَصايا الإلَهِيَّةِ الواقِعَةِ في العَهْدِ المَعْرُوفِ بِالكَلِماتِ العَشْرِ المُنَزَّلَةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ ”لا تَقْتُلْ، لا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ“ فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ شَهْوَةِ بَيْتِ القَرِيبِ لِقَصْدِ سَدِّ ذَرِيعَةِ السَّعْيِ في اغْتِصابِهِ مِنهُ بِفَحْوى الخِطابِ.
وعَلَيْهِ فَإضافَةُ مِيثاقٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مُراعًى فِيها أنَّهم لَمّا كانُوا مُتَدَيِّنِينَ بِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَقَدِ التَزَمُوا بِجَمِيعِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ مُرَتَّبٌ تَرْتِيبًا رُتَبِيًّا أيْ أخَذَ عَلَيْكُمُ العَهْدَ وأقْرَرْتُمُوهُ أيْ عَمِلْتُمْ بِهِ وشَهِدْتُمْ عَلَيْهِ فالضَّمِيرانِ في ﴿أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ راجِعانِ لِما رَجَعَ لَهُ ضَمِيرُ مِيثاقِكم وما بَعْدَهُ لِتَكُونَ الضَّمائِرُ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ في النَّظْمِ وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ حالِيَّةٌ أيْ لا تُنْكِرُونَ إقْرارَكم بِذَلِكَ إذْ قَدْ تَقَلَّدْتُمُوهُ والتَزَمْتُمُ التَّدَيُّنَ بِهِ.
والعَطْفُ بِثُمَّ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ؛ أيْ وقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وأنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ. والخِطابُ لِلْيَهُودِ الحاضِرِينَ في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هَؤُلاءِ لِأنَّ الإشارَةَ لا تَكُونُ إلى غائِبٍ وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ ”ها أنا ذا وها أنْتُمْ أُولاءِ“؛ فَلَيْسَتْ زِيادَةُ اسْمِ الإشارَةِ إلّا لِتَعْيِينِ مَفادِ الضَّمِيرِ وهَذا اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ يَخْتَصُّ غالِبًا بِمَقامِ التَّعَجُّبِ مِن حالِ المُخاطَبِ وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الإخْبارِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُخْبِرِ والمُخْبَرِ عَنْهُ تَخالُفٌ في المَفْهُومِ واتِّحادٌ في الصِّدْقِ في الخارِجِ وهو المَعْرُوفُ عِنْدَ المَناطِقَةِ بِحِمْلِ الِاشْتِقاقِ نَحْوَ أنْتَ صادِقٌ.
ولِذَلِكَ لَزِمَ اخْتِلافُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ بِالجُمُودِ والِاشْتِقاقِ غالِبًا أوِ الِاتِّحادِ في الِاشْتِقاقِ ولا تَجِدُهُما جامِدَيْنِ إلّا بِتَأْوِيلٍ.
ثُمَّ إنَّ العَرَبَ قَدْ تَقْصِدُ مِنَ الإخْبارِ مَعْنى مُصادَفَةِ المُتَكَلِّمِ الشَّيْءَ عَيْنَ شَيْءٍ يَبْحَثُ عَنْهُ في نَفْسِهِ نَحْوَ (أنْتَ أبا جَهْلٍ) قالَهُ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ وجَدَهُ مُثْخَنًا بِالجِراحِ صَرِيعًا. ومُصادَفَةُ المُخاطَبِ ذَلِكَ في اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ نَحْوَ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ [يوسف: ٩٠] . فَإذا أرادُوا ذَلِكَ تَوَسَّعُوا في طَرِيقَةِ الإخْبارِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يُقالَ (أنا ذَلِكَ) إذا كانَتِ الإشارَةُ
صفحة ٥٨٧
إلى مُتَقَرِّرٍ في ذِهْنِ السّامِعِ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ عَيْنُ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَقَوْلِ خُفافِ بْنِ نُدْبَةَ:
تَأمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا
وقَوْلُ طَرِيفٍ العَنْبَرِيِّ
فَتَوَسَّمُونِي إنَّنِي أنا ذالِكُمْ
. وأوْسَعُ مِنهُ عِنْدَهم نَحْوَ قَوْلِ أبِي النَّجْمِ
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
ثُمَّ إذا أرادُوا العِنايَةَ بِتَحْقِيقِ هَذا الِاتِّحادِ جاءُوا بِ (ها) التَّنْبِيهِ فَقالُوا ها أنا ذا يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُ لِمَن قَدْ يَشُكُّ أنَّهُ هو نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
إنَّ الفَتى مَن يَقُولُ ها أنا ذا
. فَإذا كانَ السَّبَبُ الَّذِي صَحَّحَ الأخْبارَ مَعْلُومًا اقْتَصَرَ المُتَكَلِّمُ عَلى ذَلِكَ وإلّا اتَّبَعَ مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ بِجُمْلَةٍ تَدُلُّ عَلى الحالِ الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ الإخْبارَ ولَهم في ذَلِكَ مَراتِبُ: الأُولى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] الثّانِيَةُ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] ومِنهُ ها أنا ذا لَدَيْكُما قالَهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ. الثّالِثَةُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النساء: ١٠٩] ويُسْتَفادُ مَعْنى التَّعَجُّبِ في أكْثَرِ مَواقِعِهِ مِنَ القَرِينَةِ كَما تَقُولُ لِمَن وجَدْتَهُ حاضِرًا وكُنْتَ لا تَتَرَقَّبُ حُضُورَهُ ”ها أنْتَ ذا“، أوْ مِنَ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ إذا كانَ مَفادُها عَجِيبًا كَما رَأيْتَ في الأمْثِلَةِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا والجُمْلَةُ بَعْدَهُما حالًا، وقِيلَ هي مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ مَنشَأِ التَّعَجُّبِ وقِيلَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ واسْمُ الإشارَةِ مُنادى مُعْتَرِضٌ ومَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ اسْمُ الإشارَةِ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ وهَذا ضَعِيفٌ.
وعَلى الخِلافِ في مَوْقِعِ الجُمْلَةِ اخْتُلِفَ فِيما لَوْ أتى بَعْدَها أنْتَ ذا ونَحْوُهُ بِمُفْرَدٍ فَقِيلَ يَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ وقِيلَ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ إلّا مِثالٌ أنْشَدَهُ النُّحاةُ وهو قَوْلُهُ
أبا حَكَمٍ ها أنْتَ نَجْمُ مُجالِدٍ
ولِأجْلِ ذَلِكَ جاءَ ابْنُ مالِكٍ في خُطْبَةِ التَّسْهِيلِ بِقَوْلِهِ ”وها أنا ساعٍ فِيما انْتُدِبْتُ إلَيْهِ“ . وجاءَ
صفحة ٥٨٨
ابْنُ هِشامٍ في خُطْبَةِ المُغْنِي بِقَوْلِهِ ”وها أنا مُبِيحٌ بِما أسْرَرْتُهُ“ . واخْتَلَفَ النُّحاةُ أيْضًا في أنَّ وُقُوعَ الضَّمِيرِ بَعْدَ (ها) التَّنْبِيهِ هَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ يَعْقُبَهُ اسْمُ الإشارَةِ فَقالَ في التَّسْهِيلِ: هو غالِبٌ لا لازِمٌ. وقالَ ابْنُ هِشامٍ: هو لازِمٌ صَرَّحَ بِهِ في حَواشِي التَّسْهِيلِ بِنَقْلِ الدَّمامِينِيِّ في الحَواشِي المِصْرِيَّةِ في الخُطْبَةِ وفي الهاءِ المُفْرَدَةِ. وقالَ الرَّضِيُّ: إنَّ دُخُولَ (ها) التَّنْبِيهِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو عَلى اسْمِ الإشارَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في قَوْلِهِمْ هَذا وإنَّما يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ بِفاصِلٍ فَمِنهُ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ المُنْفَصِلُ كَما رَأيْتَ ومِنهُ القَسَمُ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ مِن شَواهِدِ الرَّضِيِّ:
تَعَلَّمَن ها لَعَمْرُ اللَّهِ ذا قَسَما ∗∗∗ فاقْدِرْ بِذَرْعِكَ فانْظُرْ أيْنَ تَنْسَلِكُ
وشَذَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ النّابِغَةِ:
ها إنَّ تا عَذِرَةَ إنْ لا تَكُنْ نَفَعَتْ ∗∗∗ فَإنَّ صاحِبَها قَدْ تاهَ في البَلَدِ
وقَوْلُهُ تَقْتُلُونَ حالٌ أوْ خَبَرٌ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِقَصْدِ الدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ وأنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِكم وكَذَلِكَ قَوْلُهُ﴿تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وجَعَلَ في الكَشّافِ المَقْصُودَ بِالخِطاباتِ كُلِّها في هَذِهِ الآيَةِ مُرادًا بِهِ أسْلافُ الحاضِرِينَ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] مَعَ إشْعارِهِ بِمُغايَرَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ لِلَّذِينَ وُجِّهَ إلَيْهِمُ الخِطابُ مُرادًا مِنهُ مُغايَرَةٌ تَنْزِيلِيَّةٌ لِتَغَيُّرِ صِفاتِ المُخاطَبِ الواحِدِ وذَلِكَ تَكَلُّفٌ ساقَهُ إلَيْهِ مَحَبَّةُ جَعْلِ الخِطاباتِ في هَذِهِ الآيَةِ مُوافِقَةً لِلْخِطاباتِ الَّتِي في الآيِ قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ لازِمٍ وأنَّ المُغايَرَةَ مَقْصُودَةٌ هُنا وقَدِ اسْتَقامَتْ فَلا داعِي إلى التَّكَلُّفِ.
وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ما حَدَثَ بَيْنَ اليَهُودِ مِنَ التَّخاذُلِ وإهْمالِ ما أمَرَتْهم بِهِ شَرِيعَتُهم. والأظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ. وأرادَ مِن ذَلِكَ بِخاصَّةٍ ما حَدَثَ بَيْنَهم في حُرُوبِ بُعاثَ القائِمَةِ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ٥٨٩
تَقاتَلَ الأوْسُ والخَزْرَجُ اعْتَزَلَ اليَهُودُ الفَرِيقَيْنِ زَمَنًا طَوِيلًا والأوْسُ مَغْلُوبُونَ في سائِرِ أيّامِ القِتالِ فَدَبَّرَ الأوْسُ أنْ يَخْرُجُوا يَسْعَوْنَ لِمُحالَفَةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَلَمّا عَلِمَ الخَزْرَجُ تَوَعَّدُوا اليَهُودَ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَقالُوا لَهم إنّا لا نُحالِفُ الأوْسَ ولا نُحالِفُكم فَطَلَبَ الخَزْرَجُ عَلى اليَهُودِ رَهائِنَ أرْبَعِينَ غُلامًا مِن غِلْمانِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَسَلَّمُوهم لَهم. ثُمَّ إنَّ عَمْرَو بْنَ النُّعْمانِ البَياضِيَّ الخَزْرَجِيَّ أطْمَعَ قَوْمَهُ أنْ يَتَحَوَّلُوا لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ لِحُسْنِ أرْضِهِمْ ونَخْلِهِمْ وأرْسَلَ إلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ يَقُولُ لَهم إمّا أنْ تُخَلُّوا لَنا دِيارَكم وإمّا أنْ نَقْتُلَ الرَّهائِنَ فَخَشِيَ القَوْمُ عَلى رَهائِنِهِمْ واسْتَشارُوا كَعْبَ بْنَ أُسَيْدٍ القُرَظِيَّ فَقالَ لَهم يا قَوْمُ امْنَعُوا دِيارَكم وخَلُّوهُ يَقْتُلِ الغِلْمانَ فَما هي إلّا لَيْلَةٌ يُصِيبُ أحَدُكم فِيها امْرَأتَهُ حَتّى يُولَدَ لَهُ مِثْلُ أحَدِكم فَلَمّا أجابَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ عَمْرًا بِأنَّهم يَمْنَعُونَ دِيارَهم عَدا عَمْرٌو عَلى الغِلْمانِ فَقَتَلَهم فَلِذَلِكَ تَحالَفَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ مَعَ الأوْسِ فَسَعى الخَزْرَجُ في مُحالَفَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ مِنَ اليَهُودِ وبِذَلِكَ نَشَأ قِتالٌ بَيْنَ فِرَقِ اليَهُودِ وكانَ بَيْنَهم يَوْمَ بُعاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَكانَتِ اليَهُودُ تَتَقاتَلُ وتُجْلِي المَغْلُوبِينَ مِن دِيارِهِمْ وتَأْسِرُهم، ثُمَّ لَمّا ارْتَفَعَتِ الحَرْبُ جَمَعُوا مالًا وفَدَوْا بِهِ أسْرى اليَهُودِ الواقِعِينَ في أسْرِ أحْلافِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الأوْسِ أوِ الخَزْرَجِ فَعَيَّرَتِ العَرَبُ اليَهُودَ بِذَلِكَ وقالَتْ كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهم بِأمْوالِكم فَقالُوا قَدْ حُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم ولَكِنّا نَسْتَحِي أنْ نَخْذُلَ حُلَفاءَنا وقَدْ أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَ الأسْرى فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]
2:85–86Page 13
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.
﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهْوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ﴾ فَهو مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ مِمّا نُكِثَ فِيهِ العَهْدُ وهو
صفحة ٥٩٠
وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في ذِكْرِ ما أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ لَمّا رَجَعَ إلى إخْراجِ النّاسِ مِن دِيارِهِمْ كانَ في جُمْلَةِ المَنهِيّاتِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾ أيْ تُخْرِجُونَهم والحالُ إنْ أسَرْتُمُوهم تَفْدُونَهم. وكَيْفَما قَدَّرْتَ فَقَوْلُهُ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ يَأْتُوكم إمّا حالٌ مِن مَعْطُوفٍ وإمّا حالٌ مَن حالٍ إذْ لَيْسَ فِداءُ الأسِيرِ بِمَذْمُومٍ لِذاتِهِ ولَكِنَّ ذَمَّهُ بِاعْتِبارِ ما قارَنَهُ مَن سَبَبِ الفِداءِ فَمَحَلُّ التَّوْبِيخِ هو مَجْمُوعُ المُفاداةِ مَعَ كَوْنِ الإخْراجِ مُحَرَّمًا وبَعْدَ أنْ قَتَلُوهم وأخْرَجُوهم، فَجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ تُفادُوهم وصُدِّرَتْ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلِاهْتِمامِ بِها وإظْهارِ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ لَدَيْهِمْ ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِقِلَّةِ جَدْواهُ إذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وفي قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ تَشْنِيعٌ وتَبْلِيدٌ لَهم تَوَهَّمُوا القُرْبَةَ فِيما هو مِن آثارِ المَعْصِيَةِ أيْ كَيْفَ تَرْتَكِبُونَ الجِنايَةَ وتَزْعُمُونَ أنَّكم تَتَقَرَّبُونَ بِالفِداءِ؛ وإنَّما الفِداءُ المَشْرُوعُ هو فِداءُ الأسْرى مِن أيْدِي الأعْداءِ لا مِن أيْدِيكم فَهَلّا تَرَكْتُمْ مُوجِبَ الفِداءِ ؟ وعِنْدِي أنَّ في الآيَةِ دِلالَةً عَلى تَرْجِيحِ قَوْلِ إمامِ الحَرَمَيْنِ في أنَّ الخارِجَ مِنَ المَغْصُوبِ لَيْسَ آتِيًا بِواجِبٍ ولا بِحَرامٍ ولَكِنَّهُ انْقَطَعَ عَنْهُ تَكْلِيفُ النَّهْيِ وأنَّ القُرْبَةَ لا تَكُونُ قُرْبَةً إلّا إذا كانَتْ غَيْرَ ناشِئَةٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ.
والأُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ جَمْعُ أسِيرٍ حَمْلًا لَهُ عَلى كَسْلانَ كَما حَمَلُوا كَسْلانَ عَلى أسِيرٍ فَقالُوا كَسْلى هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِهِ أسْرى كَقَتْلى. وقِيلَ هو جَمْعٌ نادِرٌ ولَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى حَمْلٍ، كَما قالُوا قُدامى جَمْعُ قَدِيمٍ. وقِيلَ هو جَمْعُ جَمْعٍ فالأسِيرُ يُجْمَعُ عَلى أسْرى ثُمَّ يُجْمَعُ أسْرى عَلى أُسارى وهو أظْهَرُ.
والأسِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أسَرَهُ إذا أوْثَقَهُ، وهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ فَإنَّ الإسارَ هو السَّيْرُ مِنَ الجِلْدِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ المَسْجُونُ والمَوْثُوقُ وكانُوا يُوثِقُونَ المَغْلُوبِينَ في الحَرْبِ بِسُيُورٍ مِنِ الجِلْدِ، قالَ النّابِغَةُ: لَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ أوْ مُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ مَسْلُوبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ أُسارى وقَرَأهُ حَمْزَةُ (أسْرى) . وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ تُفادُوهم بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ المُسْتَعْمَلَةِ في المُبالَغَةِ
صفحة ٥٩١
فِي الفِداءِ أيْ تَفْدُوهم فِداءً حَرِيصًا، فاسْتِعْمالُ فادى هُنا مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ مَثْلَ عافاهُ اللَّهُ وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
فَعادى عَداءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍدِراكًا فَلَمْ يَنْضَحْ بِماءٍ فَيَغْسِلِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ (تَفْدُوهم) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وإسْكانِ الفاءِ دُونَ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، والمُحَرَّمُ المَمْنُوعُ ومادَّةُ حَرَمَ في كَلامِ العَرَبِ لِلْمَنعِ، والحَرامُ المَمْنُوعِ مَنعًا شَدِيدًا أوِ المَمْنُوعُ مَنعًا مِن قِبَلِ الدِّينِ، ولِذَلِكَ قالُوا الأشْهُرُ الحُرُمُ وشَهْرُ المُحَرَّمِ.
وقَوْلُهُ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ أيْ كَيْفَ تَعَمَّدْتُمْ مُخالَفَةَ التَّوْراةِ في قِتالِ إخْوانِكم واتَّبَعْتُمُوها في فِداءِ أسْراهم، وسُمِّيَ الإتْباعُ والإعْراضُ إيمانًا وكُفْرًا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ لِتَشْوِيهِ المُشَبَّهِ ولِلْإنْذارِ بِأنَّ تَعَمُّدَ المُخالَفَةِ لِلْكِتابِ قَدْ تُفْضِي بِصاحِبِها إلى الكُفْرِ بِهِ، وإنَّما وقَعَ تُؤْمِنُونَ في حَيِّزِ الإنْكارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عَجِيبٌ وهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهم كادُوا أنْ يَجْحَدُوا تَحْرِيمَ إخْراجِهِمْ أوْ لَعَلَّهم جَحَدُوا ذَلِكَ وجَحْدُ ما هو قَطْعِيٌّ مِنَ الدِّينِ مُرُوقٌ مِنَ الدِّينِ.
والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم، وما عُطِفَ عَلَيْهِ، عَطَفَتِ الِاسْتِفْهامَ أوْ عَطَفَتْ مُقَدَّرًا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ أوْ عاطِفَةٌ عَلى نَفْسِ الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ.
وقالَ عَبْدُ الحَكِيمِ إنَّ الجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةٌ والِاعْتِراضُ بِالفاءِ وهَذا بَعِيدٌ مَعْنًى ولَفْظًا، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الِاعْتِراضَ في آخِرِ الكَلامِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالتَّذْيِيلِ لا يَكُونُ إلّا مُفِيدًا لِحاصِلِ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَ مُفِيدٍ حُكْمًا جَدِيدًا وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ اقْتِرانَ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بِحَرْفٍ غَيْرِ الواوِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في كَلامِهِمْ.
والخِزْيُ بِالكَسْرِ ذُلٌّ في النَّفْسِ طارِئٌ عَلَيْها فَجْأةً لِإهانَةٍ لَحِقَتْها أوْ مَعَرَّةٍ صَدَرَتْ مِنها أوْ حِيلَةٍ وغَلَبَةٍ تَمَشَّتْ عَلَيْها وهو اسْمٌ لِما يَحْصُلُ مِن ذَلِكَ وفِعْلُهُ مِن بابِ سَمِعَ بِفَتْحِ الخاءِ. والمُرادُ بِالخِزْيِ ما لَحِقَ اليَهُودَ بَعْدَ تِلْكَ الحُرُوبِ مِنَ المَذَلَّةِ بِإجْلاءِ النَّضِيرِ عَنْ دِيارِهِمْ وقَتْلِ قُرَيْظَةَ وفَتْحِ خَيْبَرَ وما قُدِّرَ لَهم مِنَ الذُّلِّ بَيْنَ الأُمَمِ.
صفحة ٥٩٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُرَدُّونَ) و(يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ (تُرَدُّونَ) بِتاءِ الخِطابِ نَظَرًا إلى مَعْنى مَن وإلى قَوْلِهِ مِنكم، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتاءِ الخِطابِ.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ يُعاقِبُ الحائِدِينَ عَنِ الطَّرِيقِ بِعُقُوباتٍ في الدُّنْيا وعُقُوباتٍ في الآخِرَةِ. وقَدْ وقَعَ اسْمُ الإشارَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ مَوْقِعَ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] والقَوْلُ في ﴿اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ كالقَوْلِ في ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦]، والقَوْلُ في ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ في ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] ومُوقِعُ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ هو التَّرْتِيبُ لِأنَّ المُجْرِمَ بِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ العَظِيمِ يُناسِبُهُ العَذابُ العَظِيمُ ولا يَجِدُ نَصِيرًا يَدْفَعُ عَنْهُ أوْ يُخَفِّفُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences