Ibn 'AshurTaha · 20:108–116

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Taha 20:108–116

20:108–112Page 319

يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨

That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].

يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩

That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠

He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.

۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١

And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2

وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢

But he who does of righteous deeds while he is a believer - he will neither fear injustice nor deprivation.

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾

جُمْلَةُ ”﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾“ في مَعْنى المُفَرَّعَةِ عَلى جُمْلَةِ ”يَنْسِفُها“ . و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ“ . وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ

صفحة ٣٠٩

لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، ولِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ قائِمًا مُقامَ العَطْفِ في الوَصْلِ، أيْ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ يَوْمَ يَنْسِفُ رَبُّكَ الجِبالَ، أيْ إذا نُسِفَتِ الجِبالُ نُودُوا لِلْحَشْرِ فَحَضَرُوا يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لِذَلِكَ.

والدّاعِي، قِيلَ: هو المَلِكُ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو بِنِداءِ التَّسْخِيرِ والتَّكْوِينِ، فَتَعُودُ الأجْسادُ والأرْواحُ فِيها وتَهْطَعُ إلى المَكانِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الدّاعِي الرَّسُولُ، أيْ يَتَّبِعُ كُلُّ قَوْمٍ رَسُولَهم.

و”لا عِوَجَ لَهُ“ حالٌ مِنَ ”الدّاعِي“ . واللّامُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في المُرادِ مِنَ الدّاعِي لِلْأجْلِ، أيْ لا عِوَجَ لِأجْلِ الدّاعِي، أيْ لا يَرُوغُ المَدْعُوُّونَ في سَيْرِهِمْ لِأجْلِ الدّاعِي، بَلْ يَقْصِدُونَ مُتَّجِهِينَ إلى صَوْبِهِ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ المُرادَ بِالدّاعِيَ الرَّسُولَ أنْ يُرادَ بِالعِوَجِ الباطِلَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ العِوَجَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِهِمْ، كَما عَرَّضَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .

فالمَصْدَرُ المَنفِيُّ أُرِيدَ مِنهُ نَفْيُ جِنْسِ العِوَجِ في اتِّباعِ الدّاعِي، بِحَيْثُ لا يَسْلُكُونَ غَيْرَ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ لا يُسْلَكُ بِهِمْ غَيْرُ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ بَراءَةَ رَسُولِهِمْ مِنَ العِوَجِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ”لا عِوَجَ لَهُ“ مُراعاةُ النَّظِيرِ، فَكَما جَعَلَ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْوَجَّةٍ ولا ناتِئَةٍ كَما قالَ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] كَذَلِكَ جَعَلَ سَيْرَ النّاسِ عَلَيْها لا عِوَجَ فِيهِ ولا مُراوَغَةً.

والخُشُوعُ: الخُضُوعُ، وفي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسانِ مَظْهَرٌ مِنَ الخُشُوعِ؛ فَمَظْهَرُ الخُشُوعِ في الصَّوْتِ: الإسْرارُ بِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ .

صفحة ٣١٠

والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.

والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا يَرى الرّائِي ولا يَسْمَعُ السّامِعُ. وجُمْلَةُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّبِعُونَ“ وإسْنادُ الخُشُوعِ إلى الأصْواتِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ الخُشُوعَ لِأصْحابِ الأصْواتِ؛ أوِ اسْتُعِيرَ الخُشُوعُ لِانْخِفاضِ الصَّوْتِ وإسْرارِهِ، وهَذا الخُشُوعُ مِن هَوْلِ المَقامِ. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ كَجُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ في مَعْنى التَّفْرِيعِ عَلى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ . أيْ لا يَتَكَلَّمُ النّاسُ بَيْنَهم إلّا هَمْسًا ولا يَجْرُءُونَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَن يَهُمُّهم نَفْعُهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ جَلالَ اللَّهِ والخَشْيَةَ مِنهُ يَصُدّانِ عَنِ التَّوَسُّطِ عِنْدَهُ لِنَفْعِ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ. وفِيهِ تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أنْ يَجِدُوا شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.

واسْتِثْناءُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ مِن عُمُومِ الشَّفاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا؛ لِأنَّ المَصْدَرَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ فَيَقْتَضِي فاعِلًا، أيْ إلّا أنْ يَشْفَعَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ، فَهو اسْتِثْناءٌ تامٌّ ولَيْسَ بِمُفَرَّغٍ.

واللّامُ في ”أذِنَ لَهُ“ لامُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ”أذِنَ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ أآمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . وتَفْسِيرُ هَذا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَيُقالُ لِي: سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» .

وقَوْلُهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ عائِدٌ إلى ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهو الشّافِعُ. واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ رَضِيَ الرَّحْمَنُ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِ الشّافِعِ، أيْ إكْرامًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .

صفحة ٣١١

فَإنَّ اللَّهَ ما أذِنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ إلّا وقَدْ أرادَ قَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَصارَ الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ وقَبُولِها عُنْوانًا عَلى كَرامَةِ الشّافِعِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”رَضِيَ“ . وانْتُصِبَ ”قَوْلًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”رَضِيَ“؛ لِأنَّ ”رَضِيَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَرْضِيِّ بِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ.

وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ لِجَوابِ سُؤالِ مِن قَدْ يَسْألُ بَيانَ ما يُوجِبُ رِضى اللَّهِ عَنِ العَبْدِ الَّذِي يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ فِيهِ، فَبُيِّنَ بَيانًا إجْمالِيًّا بِأنَّ الإذْنَ بِذَلِكَ يَجْرِي عَلى ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِسائِرِ العَبِيدِ وبِأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ ما بَيْنَ الأيْدِي أنْ يَكُونَ واضِحًا، وعَبَّرَ عَنِ السَّرائِرِ بِما خَلْفَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ ما يُجْعَلُ خَلْفَ المَرْءِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، أيْ فَيَأْذَنُ لِمَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ بِأنْ يُشَفَّعَ في طَوائِفَ مِثْلَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ»، أوْ بِأنْ يُشَفَّعَ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى في المَوْقِفِ لِجَمِيعِ النّاسِ بِتَعْجِيلِ حِسابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيمِ بِعَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وضَآلَةِ عِلْمِ البَشَرِ، نَظِيرُ ما وقَعَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، أيْ ظَهَرَ الخُضُوعُ في الأصْواتِ والعَناءُ في الوُجُوهِ.

والعَناءُ: الذِّلَّةُ، وأصْلُهُ الأسْرُ، والعانِي: الأسِيرُ. ولَمّا كانَ الأسِيرُ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ في وجْهِهِ أُسْنِدَ العَناءُ إلى الوُجُوهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، والجُمْلَةُ كُلُّها تَمْثِيلٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، فاللّامُ في الوُجُوهِ عِوَضٌ عَنْ

صفحة ٣١٢

المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وُجُوهُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] أيْ لَهم. وأمّا وُجُوهُ أهْلِ الطّاعاتِ فَهي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهِ“ عَلى العُمُومِ. ويُرادُ بِـ ”عَنَتْ“ خَضَعَتْ، أيْ خَضَعَ جَمِيعُ النّاسِ إجْلالًا لِلَّهِ تَعالى.

والحَيُّ: الَّذِي ثَبُتَ لَهُ وصَفُ الحَياةِ، وهي كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ لِأرْقى المَوْجُوداتِ، وهي قُوَّةٌ لِلْمَوْجُودِ، بِها بَقاءُ ذاتِهِ وحُصُولُ إدْراكِهِ أبَدًا أوْ إلى أمَدٍ ما. والحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ هي حَياةُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها ذاتِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِضِدِّها ولا مُنْتَهِيَةٍ.

والقَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ النّاسِ، مُبالَغَةً في القَيِّمِ، أيِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ تَدْبِيرُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ. وتَقَدَّمَ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ إمّا مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ أنْ جُعِلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهُ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ. والمَعْنى: إذْ قَدْ خابَ كُلُّ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، وإمّا احْتِراسٌ لِبَيانِ اخْتِلافِ عاقِبَةِ عَناءِ الوُجُوهِ، فَمَن حَمَلَ ظُلْمًا فَقَدْ خابَ يَوْمَئِذٍ واسْتَمَرَّ عَناؤُهُ. ومَن عَمِلَ صالِحًا عادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الخَوْفُ بِالأمْنِ والفَرَحِ. والظُّلْمُ: ظُلْمُ النَّفْسِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ . . إلَخْ: شَرْطِيَّةٌ مُفِيدَةُ قَسِيمَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . وصِيغَ هَذا القَسِيمُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ، و”فَلا يَخافُ“ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِمُوالاةِ أداةِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ ”لا“ الَّتِي فِيها ناهِيَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ.

صفحة ٣١٣

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَلا يَخافُ“ بِصِيغَةِ المَرْفُوعِ بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ الخاءِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِها الجَزاءُ، كَأنَّ انْتِفاءَ خَوْفِهِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ ويَعْمَلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِصِيغَةِ الجَزْمِ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الخاءِ، عَلى أنَّ الكَلامَ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ فاحْتَمَلَتِ القِراءَتَيْنِ. وأشارَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ الجُمْهُورَ يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ في أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ خَبَرِيَّةٌ. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ تُفِيدُ عَدَمَ التَّرَدُّدِ في حُصُولِ أمْنِهِ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خُصُوصِيَّةٌ لَفْظِيَّةٌ وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ خُصُوصِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. ومَعْنى ”﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾“ لا يَخافُ جَزاءَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ آمِنٌ مِنهُ بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحاتِ.

والهَضْمُ: النَّقْصُ، أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن جَزائِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الشَّدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أيْ لا يَخافُ إحْباطَ عَمَلِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الهَضْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الخَفِيفِ، وعَطْفُهُ عَلى الظُّلْمِ - عَلى هَذا التَّفْسِيرِ - احْتِراسٌ.

20:113–114Page 319

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا ١١٣

And thus We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 and have diversified therein the warnings that perhaps they will avoid [sin] or it would cause them remembrance.

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤

So high [above all] is Allāh, the Sovereign,1 the Truth.2 And, [O Muḥammad], do not hasten with [recitation of] the Qur’ān before its revelation is completed to you, and say, "My Lord, increase me in knowledge."

﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحَدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]، والغَرَضُ واحِدٌ، وهو التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ. فابْتُدِئَ بِالتَّنْوِيهِ بِهِ جُزْئِيًّا

صفحة ٣١٤

بِالتَّنْوِيهِ بِقَصَصِهِ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ التَّنْوِيهُ بِهِ كُلِّيًّا عَلى طَرِيقَةٍ تُشْبِهُ التَّذْيِيلَ لِما في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مِن مَعْنى عُمُومِ ما فِيهِ. والإشارَةُ بِـ ”كَذَلِكَ“ نَحْوَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: ٩٩]، أيْ كَما سَمِعْتَهُ لا يُبَيَّنُ بِأوْضَحَ مِن ذَلِكَ. و”قُرْآنًا“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”أنْزَلْناهُ“، وقُرْآنٌ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ. والمُرادُ المَقْرُوءُ، أيِ المَتْلُوُّ، وصارَ القُرْآنُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِألْفاظٍ مُعَيَّنَةٍ مُتَعَبَّدًا بِتِلاوَتِها يَعْجِزُ الإتْيانُ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنها. وسُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ نُظِمَ عَلى أُسْلُوبٍ تَسْهُلُ تِلاوَتُهُ. ولُوحِظَ هُنا المَعْنى الِاشْتِقاقِيُّ قَبْلَ الغَلَبَةِ وهو ما تُفِيدُهُ مادَّةُ (قَرَأ) مِن يُسْرِ تِلاوَتِهِ؛ وما ذَلِكَ إلّا لِفَصاحَةِ تَأْلِيفِهِ وتَناسُبِ حُرُوفِهِ. والتَّنْكِيرُ يُفِيدُ الكَمالَ، أيْ أكْمَلَ ما يَقْرَأُ.

و”عَرَبِيًّا“ صِفَةُ ”قُرْآنًا“ . وهَذا وصْفٌ يُفِيدُ المَدْحَ؛ لِأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ أبْلَغُ اللُّغاتِ وأحْسَنُها فَصاحَةً وانْسِجامًا. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالِامْتِنانِ عَلى العَرَبِ، وتَحْمِيقٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنهم، حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَذَّبُوا بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] .

والتَّصْرِيفُ: التَّنْوِيعُ والتَّفْنِينُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] في سُورَةِ الإسْراءِ. وذِكْرُ الوَعِيدِ هُنا لِلتَّهْدِيدِ، ولِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] . والتَّقْوى: الخَوْفُ. وهي تُسْتَعْمَلُ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ لِلَّهِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا. والذِّكْرُ هُنا بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا. والذِّكْرُ هُنا بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، أيْ يُحَدِثُ لَهُمُ القُرْآنُ تَذَكُّرًا ونَظًرا فِيما يَحِقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.

صفحة ٣١٥

وعَبَّرَ بِـ ”يُحْدِثُ“ إيماءً إلى أنَّ الذِّكْرَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فالقُرْآنُ أوْجَدَ فِيهِمْ ذِكْرًا لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

ولَمّا جَرَتْ في الجَزْلِ جَرْيًا كَأنَّهُ سَنا الفَجْرِ أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرًا

و”لَعَلَّ“ لِلرَّجاءِ، أيْ أنَّ حالَ القُرْآنِ أنْ يُقَرِّبَ النّاسَ مِنَ التَّقْوى والتَّذَكُّرِ، بِحَيْثُ يُمَثَّلُ شَأْنَ مَن أنْزَلَهُ وأمَرَ بِما فِيهِ بِحالِ مَن يَرْجُو، فَيَلْفِظُ بِالحَرْفِ المَوْضُوعِ لِإنْشاءِ الرَّجاءِ. فَحَرْفُ ”لَعَلَّ“ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ. وقَدْ مَضى مَعْنى ”لَعَلَّ“ في القُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ“ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ . وهَذا إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ مُنَزِّلِ القُرْآنِ وعَلى مِنَّةِ هَذا القُرْآنِ، وتَلْقِينٌ لِشُكْرِهِ عَلى ما بَيَّنَ لِعِبادِهِ مِن وسائِلِ الإصْلاحِ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتَوْجِيهِهِ إلَيْهِمْ بِأبْلَغِ كَلامٍ وأحْسَنِ أُسْلُوبٍ، فَهو مُفَرَّعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى آخِرِها. والتَّفْرِيعُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإنْزالَ والتَّصْرِيفَ ووَسائِلَ الإصْلاحِ كُلَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ جَمِيلِ آثارٍ يَشْعُرُ جَمِيعُها بِعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ وأنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُدَبِّرُ لِأُمُورِ مَمْلُوكاتِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِ الكَمالِ وأنْفَذِ طُرُقِ السِّياسَةِ.

وفِي وصْفِهِ بِالحَقِّ إيماءٌ إلى أنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ مِنَ المُتَسَمَّيْنَ بِالمُلُوكِ لا يَخْلُو مِن نَقْصٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] . وفي الحَدِيثِ: «فَيَقُولُ اللَّهُ أنا المَلِكُ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ» . أيْ أحْضِرُوهم هَلْ تَجِدُونَ مِنهم مَن يُنازِعُ في ذَلِكَ، كَقَوْلِ الخَلِيفَةِ مُعاوِيَةَ حِينَ خَطَبَ في المَدِينَةِ: يا أهْلَ المَدِينَةِ أيْنَ عُلَماؤُكم.

صفحة ٣١٦

والجَمْعُ بَيْنَ اسْمِ الجَلالَةِ واسْمِهِ ”المَلِكُ“ إشارَةٌ إلى أنَّ إعْظامَهُ وإجْلالَهُ مُسْتَحِقّانِ لِذاتِهِ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، وهو الدّالُّ عَلى انْحِصارِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِها. ثُمَّ أُتْبِعَ بِـ ”الحَقُّ“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَصَرُّفاتِهِ واضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُلْكَهُ مُلْكُ حَقٍّ لا تَصَرُّفَ فِيهِ إلّا بِما هو مُقْتَضى الحِكْمَةِ.

والحَقُّ: الَّذِي لَيْسَ في مُلْكِهِ شائِبَةُ عَجْزٍ ولا خُضُوعٍ لِغَيْرِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ زائِفٌ.

وفِي تَفْرِيعِ ذَلِكَ عَلى إنْزالِ القُرْآنِ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ القُرْآنَ قانُونُ ذَلِكَ المَلِكِ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ هو السِّياسَةُ الكامِلَةُ الضّامِنَةُ صَلاحَ أحْوالِ مُتَّبِعِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ ناشِئَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن تَصارِيفِ إصْلاحِ النّاسِ. فَلَمّا كانَ النَّبِيءُ ﷺ حَرِيصًا عَلى صَلاحِ الأُمَّةِ، شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِنَجاتِهِمْ لا جَرَمَ - خَطَرَتْ بِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ عَقِبَ سَماعِ تِلْكَ الآياتِ رَغْبَةٌ أوْ طِلْبَةٌ في الإكْثارِ مِن نُزُولِ القُرْآنِ وفي التَّعْجِيلِ بِهِ إسْراعًا بِعِظَةِ النّاسِ وصَلاحِهِمْ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ أنْ يَكِلَ الأمْرَ إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ بِحَيْثُ يُناسِبُ حالَ الأُمَّةِ العامَّ. ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَتِمَّ وحْيُ ما قُضِيَ وحْيُهُ إلَيْكَ، أيْ ما نُفِّذَ إنْزالُهُ؛ فَإنَّهُ هو المُناسِبُ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ هو سُؤالُ التَّعْجِيلِ أوِ الرَّغْبَةُ الشَّدِيدَةُ في النَّفْسِ الَّتِي تُشْبِهُ الِاسْتِبْطاءَ لا مُطْلَقُ مَوَدَّةِ الِازْدِيادِ، فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في شَأْنِ قِصَّةِ مُوسى مَعَ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ودِدْنا أنَّ مُوسى صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما أوْ مِن خَبَرِهِما» . .

صفحة ٣١٧

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى العَجَلَةِ بِالقُرْآنِ العَجَلَةَ بِقِراءَتِهِ حالَ إلْقاءِ جِبْرِيلَ آياتِهِ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ النَّبِيءُ يُبادِرُ جِبْرِيلَ فَيَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ؛ حِرْصًا عَلى الحِفْظِ وخَشْيَةً مِنَ النِّسْيانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وهَذا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وعَلى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِقَضاءِ وحْيِهِ إتْمامَهَ وانْتِهاءَهُ، أيِ انْتِهاءَ المِقْدارِ الَّذِي هو بِصَدَدِ النُّزُولِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ مَعْناهُ: لا تَعْجَلْ بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِأصْحابِكَ ولا تُمْلِهِ عَلَيْهِمْ حَتّى تَتَبَيَّنَ لَكَ مَعانِيهِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَضاءُ الوَحْيِ تَمامَ مَعانِيهِ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ يَجْرِي اعْتِبارُ مَوْقِعِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُقْضى“ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ، ورَفْعِ ”وحْيُهُ“ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِنُونِ العَظَمَةِ وكَسْرِ الضّادِ وبِفَتْحَةٍ عَلى آخِرَ ”نَقْضِي“ وبِنَصْبِ ”وحْيَهُ“ . وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ اسْتِعْجالٌ مَخْصُوصٌ، وأنَّ الباعِثَ عَلى الِاسْتِعْجالِ مَحْمُودٌ. وفِيهِ تَلَطُّفٌ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ؛ إذْ أتْبَعَ نَهْيَهُ عَنِ التَّعَجُّلِ الَّذِي يَرْغَبُهُ بِالإذْنِ لَهُ بِسُؤالِ الزِّيادَةِ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّ ذَلِكَ مَجْمَعُ كُلِّ زِيادَةٍ سَواءً كانَتْ بِإنْزالِ القُرْآنِ أمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الوَحْيِ والإلْهامِ إلى الِاجْتِهادِ تَشْرِيعًا وفَهْمًا، إيماءً إلى أنَّ رَغْبَتَهُ في التَّعَجُّلِ رَغْبَةٌ صالِحَةٌ «كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ راكِعًا فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ بَلْ رَكَعَ ودَبَّ إلى الصَّفِّ راكِعًا فَقالَ لَهُ: زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» .

20:115Page 320

وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا ١١٥

And We had already taken a promise from Adam before, but he forgot; and We found not in him determination.1

صفحة ٣١٨

﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾

لَمّا كانَتْ قِصَّةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ ومَعَ قَوْمِهِ ذاتَ عِبْرَةٍ لِلْمُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ وعانَدُوهُ، وذَلِكَ المَقْصُودُ مِن قَصَصِها كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ٩٩] . فَكَأنَ النَّبِيءَ ﷺ اسْتَحَبَّ الزِّيادَةَ مِن هَذِهِ القَصَصِ ذاتِ العِبْرَةِ رَجاءَ أنَّ قَوْمَهُ يَفِيقُونَ مِن ضَلالَتِهِمْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]؛ أُعْقِبَتْ تِلْكَ القِصَّةُ بِقِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما عَرَّضَ لَهُ بِهِ الشَّيْطانُ؛ تَحْقِيقًا لِفائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . فالجُمْلَةُ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ والمُناسَبَةُ ما سَمِعْتَ.

والكَلامُ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] . وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ ولامِ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالقِصَّةِ تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ التَّنْظِيرِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ في التَّفْرِيطِ في العَهْدِ؛ لِأنَّ في القِصَّةِ الأُولى تَفْرِيطُ بَنِي إسْرائِيلَ في عَهْدِ اللَّهِ، كَما قالَ فِيها: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ [طه: ٨٦]، وفي قِصَّةِ آدَمَ تَفْرِيطًا في العَهْدِ أيْضًا. وفي كَوْنِ ذَلِكَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ كَما قالَ في القِصَّةِ الأُولى: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] وقالَ في هَذِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ [طه: ١٢٠] . وفي أنَّ في القِصَّتَيْنِ نِسْيانًا لِما يَجِبُ الحِفاظُ عَلَيْهِ وتَذَكُّرُهُ، فَقالَ في القِصَّةِ الأُولى: ”فَنَسِيَ“، وقالَ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ .

صفحة ٣١٩

وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ”مِن قَبْلُ“ حُذِفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ ”قَبْلُ“، وتَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ إرْسالِ مُوسى أوْ: مِن قَبْلِ ما ذُكِرَ، فَإنَّ بِناءَ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ عَلامَةُ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ. والَّذِي ذُكِرَ: إمّا عَهْدُمُوسى الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه: ١٦] وإمّا عَهْدُ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي ذَكَّرَهم بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَجِعَ إلَيْهِمْ غَضْبانَ أسِفًا، وهو ما في قَوْلِهِ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] الآيَةَ.

والمُرادُ بِالعَهْدِ إلى آدَمَ: العَهْدُ إلَيْهِ في الجَنَّةِ الَّتِي أُنْسِيَ فِيها.

والنِّسْيانُ: أُطْلِقَ هُنا عَلى إهْمالِ العَمَلِ بِالعَهْدِ عَمْدًا، كَقَوْلِهِ: في قِصَّةِ السّامِرِيِّ ”فَنَسِيَ“، فَيَكُونُ عِصْيانًا، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] الآيَةَ، وقَدْ مَضَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ. وهَذا العَهْدُ هو المُبَيَّنُ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧] الآيَةَ.

والعَزْمُ: الجَزْمُ بِالفِعْلِ وعَدَمُ التَّرَدُّدِ فِيهِ، وهو مُغالَبَةُ ما يَدْعُو إلَيْهِ الخاطِرُ مِنَ الِانْكِفافِ عَنْهُ؛ لِعُسْرِ عَمَلِهِ أوْ إيثارِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ هُنا: العَزْمُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ وإلْغاءُ ما يُحَسِّنُ إلَيْهِ عَدَمَ الِامْتِثالِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمُ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وهم نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، وإسْماعِيلُ، ويَعْقُوبُ، ويُوسُفُ، وأيُّوبُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . واسْتُعْمِلَ نَفْيُ وِجْدانِ العَزْمِ عِنْدَ آدَمَ في مَعْنى عَدَمِ وُجُودِ العَزْمِ مِن صِفَتِهِ فِيما عُهِدَ إلَيْهِ؛ تَمْثِيلًا لِحالِ طَلَبِ حُصُولِهِ عِنْدَهُ بِحالِ الباحِثِ عَلى عَزْمِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ عِنْدَهُ بَعْدَ البَحْثِ.

20:116Page 320

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ ١١٦

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except Iblees;1 he refused.

صفحة ٣٢٠

﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾

هَذا بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ١١٥] إلى آخِرِها، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا يَكُونَ مَعْطُوفًا بِالواوِ بَلْ أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا، فَوُقُوعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً اهْتِمامٌ بِها؛ لِتَكُونَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَتَلْفِتَ إلَيْها أذْهانَ السّامِعِينَ، فَتَكُونَ الواوُ عاطِفَةً قِصَّةَ آدَمَ عَلى قِصَّةِ مُوسى عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى إذْ رَأى نارًا﴾ [طه: ٩]، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ١١٥] تَذْيِيلًا لِقِصَّةِ هارُونَ مَعَ السّامِرِيِّ، وقَوْلُهُ: ”مِن قَبْلُ“ أيْ مِن قَبْلِ هارُونَ. والمَعْنى: أنَّ هارُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الحِفاظِ عَلى ما عَهِدَ إلَيْهِ مُوسى، وانْتَهَتِ القِصَّةُ بِذَلِكَ التَّذْيِيلِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى قِصَّةِ مُوسى قِصَّةَ آدَمَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском