Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Taha 20:49–56
20:49–50Page 314
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩
[Pharaoh] said, "So who is the Lord of you two, O Moses?"
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠
He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."
﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ .
هَذا حِكايَةُ جَوابِ فِرْعَوْنَ عَنِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى وهارُونَ بِإبْلاغِهِ فِرْعَوْنَ، فَفي الآيَةِ حَذْفُ جُمَلٍ دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ قَصْدًا لِلْإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَياهُ فَقالا لَهُ ما أُمِرا بِهِ، فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ ولِذَلِكَ جاءَتْ حِكايَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ بِجُمْلَةٍ مَفْصُولَةٍ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الَّتِي اسْتَقْرَيْناها مِن أُسْلُوبِ القُرْآنِ وبَيَّنّاها في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها.
ووَجَّهَ فِرْعَوْنُ الخِطابَ إلَيْهِما بِالضَّمِيرِ المُشْتَرَكِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى بِالإقْبالِ عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ مُوسى هو الأصْلُ بِالرِّسالَةِ وأنَّ هارُونَ تابِعٌ لَهُ، وهَذا وإنْ لَمْ يَحْتَوِ عَلَيْهِ كَلامُهُما فَقَدْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ عَلِمَهُ مِن كَيْفِيَّةِ دُخُولِهِما عَلَيْهِ ومُخاطَبَتِهِ، ولِأنَّ مُوسى كانَ مَعْرُوفًا في بَلاطِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ رَبِيُّهُ أوْ رَبِيُّ أبِيهِ فَلَهُ سابِقَةُ اتِّصالٍ
صفحة ٢٣٢
بِدارِ فِرْعَوْنَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَهُ المَحْكِيُّ في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]) الآيَةَ
ولَعَلَّ مُوسى هو الَّذِي تَوَلّى الكَلامَ وهارُونَ يُصَدِّقُهُ بِالقَوْلِ أوْ بِالإشارَةِ. وإضافَتُهُ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِما لِأنَّهُما قالا لَهُ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) .
وأعْرَضَ عَنْ أنْ يَقُولَ: فَمَن رَبِّي ؟ إلى قَوْلِهِ (﴿فَمَن رَبُّكُما﴾) إعْراضًا عَنِ الِاعْتِرافِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ ولَوْ بِحِكايَةِ قَوْلِهِما، لِئَلّا يَقَعُ ذَلِكَ في سَمْعِ أتْباعِهِ وقَوْمِهِ فَيَحْسَبُوا أنَّهُ مُتَرَدِّدٌ في مَعْرِفَةِ رَبِّهِ، أوْ أنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّ لَهُ رَبًّا. وتَوَلّى مُوسى الجَوابَ لِأنَّهُ خُصَّ بِالسُّؤالِ بِسَبَبِ النِّداءِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وأجابَ مُوسى بِإثْباتِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ جَرْيًا عَلى قاعِدَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الجُزْئِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ مِن مَجْمُوعِهِما قِياسٌ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ، فَهو داخِلٌ في عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ.
وكُلُّ شَيْءٍ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِ (أعْطى) . و(خَلْقَهُ) مَفْعُولُهُ الثّانِي.
والخَلْقُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإيجادِ وجِيءَ بِفِعْلِ الإعْطاءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الخَلْقَ والتَّكْوِينَ نِعْمَةٌ، فَهو اسْتِدْلالٌ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ وتَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ مَعًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِالمَعْنى الأخَصِّ، وهو الخَلْقُ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، فَهو بِمَعْنى الجَعْلِ، أيِ الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ شَكْلَهُ المُخْتَصَّ بِهِ، فَكُوِّنَتْ بِذَلِكَ الأجْناسُ والأنْواعُ والأصْنافُ والأشْخاصُ مِن آثارِ ذَلِكَ الخَلْقِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَفْعُولًا ثانِيًا لِ (أعْطى) ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ (خَلْقَهُ)، أيْ أعْطى خَلْقَهُ ما يَحْتاجُونَهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]) . فَتَرْكِيبُ الجُمْلَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
صفحة ٢٣٣
والِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن (كُلَّ) عُرْفِيٌّ، أيْ كُلَّ شَيءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْطاهُ أصْنافُ الخَلْقِ ويُناسِبُ المُعْطِي، أوْ هو اسْتِغْراقٌ عَلى قَصْدِ التَّوْزِيعِ بِمُقابَلَةِ الأشْياءِ بِـ (الخَلْقِ)، مِثْلُ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم.
والمَعْنى: تَأمَّلْ وانْظُرْ هَلْ أنْتَ أعْطَيْتَ الخَلْقَ أوْ لا، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ ما أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، فَإذا تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ الرَّبَّ هو الَّذِي أفاضَ الوُجُودَ والنِّعَمَ عَلى المَوْجُوداتِ كُلِّها، فَآمَنَ بِهِ بِعُنْوانِ هَذِهِ الصِّفَةِ وتِلْكَ المَعْرِفَةُ المُوَصِّلَةُ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ بِمَعْنَيَيْهِ الزَّمَنِيِّ والرُتْبِيِّ، أيْ خَلَقَ الأشْياءَ ثُمَّ هَدى إلى ما خَلَقَهم لِأجْلِهِ، وهَداهم إلى الحَقِّ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم، وأفاضَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، أيْ فَرَّقْنا بَيْنَهُما بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيَنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ.
20:51–52Page 314
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١
[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢
[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."
﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رِبِّي ولا يَنْسى﴾ .
والبالُ: كَلِمَةٌ دَقِيقَةُ المَعْنى، تُطْلَقُ عَلى الحالِ المُهِمِّ، ومَصْدَرُهُ البالَهُ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، قالَ تَعالى (﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢])، أيْ حالَهم. وفي الحَدِيثِ ”«كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ» . .“ إلَخْ، وتُطْلَقُ عَلى الرَّأْيِ يُقالُ: خَطَرَ كَذا بِبالِيَ. ويَقُولُونَ: ما ألْقى لَهُ بالًا، وإيثارُ هَذِهِ الكَلِمَةِ هُنا مِن دَقِيقِ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ.
صفحة ٢٣٤
أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُحاجَّ مُوسى بِما حَصَلَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا عَلى مِلَّةِ فِرْعَوْنَ، أيْ قُرُونِ أهْلِ مِصْرَ، أيْ ما حالُهم، أفَتَزْعُمُ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى ضَلالَةٍ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ مَن لا يَجِدْ حُجَّةً فَيَعْمِدُ إلى التَّشْغِيبِ بِتَخْيِيلِ اسْتِبْعادِ كَلامِ خَصْمِهِ، وهو في مَعْنى قَوْلِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [يونس: ٧٨]) .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ التَّشْغِيبَ عَلى مُوسى حِينَ نَهَضَتْ حُجَّتُهُ بِأنْ يَنْقُلَهُ إلى الحَدِيثِ عَنْ حالِ القُرُونِ الأُولى: هَلْ هم في عَذابٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِ مُوسى (﴿أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨])، فَإذا قالَ: إنَّهم في عَذابٍ، ثارَتْ ثائِرَةُ أبْنائِهِمْ فَصارُوا أعْداءً لِمُوسى، وإذا قالَ: هم في سَلامٍ، نَهَضَتْ حُجَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ مُتابِعٌ لِدِينِهِمْ. ولِأنَّ مُوسى لَمّا أعْلَمَهُ بِرَبِّهِ وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِـ الخَلْقِ الأوَّلِ خَطَرَ بِبالِ فِرْعَوْنَ أنْ يَسْألَهُ عَنِ الِاعْتِقادِ في مَصِيرِ النّاسِ بَعْدَ الفَناءِ، فَسَألَ: ما بالُ القُرُونِ الأُولى ؟ وما شَأْنُهم وما الخَبَرُ عَنْهم ؟ وهو سُؤالُ تَعْجِيزٍ وتَشْغِيبٍ.
وقَوْلُ مُوسى في جَوابِهِ (﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾) صالِحٌ لِلِاحْتِمالَيْنِ، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ مُوسى صَرَفَهُ عَنِ الخَوْضِ فِيما لا يُجْدِي في مَقامِهِ ذَلِكَ الَّذِي هو المُتَمَحِّضُ لِدَعْوَةِ الأحْياءِ لا البَحْثِ عَنِ الأمْواتِ الَّذِينَ أفْضَوْا إلى عالَمِ الجَزاءِ. وهَذا نَظِيرُ «قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ فَقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» .
وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يَكُونُ مُوسى قَدْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ حالِهِمْ خَيْبَةً لِمُرادِ فِرْعَوْنَ وعُدُولًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي جاءَ لِأجْلِهِ.
والحاصِلُ أنَّ مُوسى تَجَنَّبَ التَّصَدِّيَ لِلْمُجادَلَةِ والمُناقَضَةِ في غَيْرِ ما جاءَ لِأجْلِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِذَلِكَ. وفي هَذا الإعْراضِ فَوائِدٌ كَثِيرَةٌ
صفحة ٢٣٥
وهُوَ عالِمٌ بِمُجْمَلِ أحْوالِ القُرُونِ الأوْلى وغَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِمْ وأحْوالِ أشْخاصِهِمْ.
وإضافَةُ (عِلْمُها) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ. وضَمِيرُ (عِلْمُها) عائِدٌ إلى القُرُونِ الأُولى لِأنَّ لَفْظَ الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ يُؤَنَّثَ ضَمِيرُهُ.
وقَوْلُهُ (في كِتابٍ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ مَجازًا في تَفْصِيلِ العِلْمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالأُمُورِ المَكْتُوبَةِ، وأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ العِلْمِ لِأنَّ الأشْياءَ المَكْتُوبَةَ تَكُونُ مُحَقَّقَةً كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
ويُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ (﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾) والضَّلالُ: الخَطَأُ في العِلْمِ، شُبِّهَ بِخَطَأِ الطَّرِيقِ. والنِّسْيانُ: عَدَمُ تَذَكُّرِ الأمْرِ المَعْلُومِ في ذِهْنِ العالِمِ.
20:53–54Page 315
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣
[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ .
هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى.
فالجُمْلَةُ الأُولى مِنها مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَفَنُّنٍ لِأغْراضٍ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ الأذْهانِ. ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا﴾) . فَقَوْلُهُ
صفحة ٢٣٦
(﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا﴾) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرَّبِّ المَفْهُومِ مِن (رَبِّي)، أيْ هو رَبُّ مُوسى.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيِ الجاعِلُ الأرْضَ مِهادًا فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ ولَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ حَقِيقًا بِالإلَهِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِهادًا) بِكَسْرِ المِيمِ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى المَمْهُودِ مِثْلُ الفِراشِ واللِّباسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ مَهْدٍ، وهو اسْمٌ لِما يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ، أيْ يُوضَعُ عَلَيْهِ ويُحْمَلُ فِيهِ، فَيَكُونُ بِوَزْنِ كِعابٍ جَمْعًا لِكَعْبٍ. ومَعْنى الجَمْعِ عَلى اعْتِبارِ كَثْرَةِ البِقاعِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (مَهْدًا) بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الهاءِ، أيْ كالمَهْدِ الَّذِي يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ، وهو اسْمٌ بِمَصْدَرِ مَهَدَهُ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَ (الخَلْقِ) بِمَعْنى (المَخْلُوقِ)، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ اسْمًا لِما يُمَهَّدُ.
ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أيْ جَعَلَ الأرْضَ مَمْهُودَةً مُسَهَّلَةً لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ بِحَيْثُ لا نُتُوءَ فِيها إلّا نادِرًا يُمْكِنُ تَجَنُّبُهُ، كَقَوْلِهِ (﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ [نوح: ١٩] ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠])
و(سَلَكَ) فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّلُوكِ والسَّلْكُ الَّذِي هو الدُّخُولُ مُجْتازًا وقاطِعًا في السَّيْرِ في الطَّرِيقِ تَشْبِيهًا لِلسّائِرِ بِالشَّيْءِ الدّاخِلِ في شَيْءٍ آخَرَ. يُقالُ: سَلَكَ طَرِيقًا. فَحَقُّ هَذا الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو المَدْخُولُ فِيهِ، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أسْلَكَ. وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ تَعَدِّيهِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ فَيُقالُ: أسْلَكَ المِسْمارَ في اللَّوْحِ، أيْ جَعَلَهُ سالِكًا
صفحة ٢٣٧
إيّاهُ، إلّا أنَّهُ كَثُرَ في الكَلامِ تَجْرِيدُهُ مِنَ الهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) . وكَثُرَ كَوْنُ الِاسْمِ الَّذِي كانَ مَفْعُولًا ثانِيًا يَصِيرُ مَجْرُورًا بِ (في) كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]) بِمَعْنى أسْلَكَكم سَقَرَ. وقَوْلُهُ (﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠]) في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَوْلِهِ (﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]) في سُورَةِ الزُّمَرِ. وقالَ الأعْشى:
كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ
أيْ أدْخَلَ المِسْمارَ في البابِ نَجّارٌ، فَصارَ فِعْلُ سَلَكَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا.
فَأمّا قَوْلُهُ هُنا (﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾) فَهو سَلَكَ المُتَعَدِّي، أيْ أسْلَكَ فِيها سُبُلًا، أيْ جَعَلَ سُبُلًا سالِكَةً في الأرْضِ، أيْ داخِلَةً فِيها، أيْ مُتَخَلِّلَةً. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَتِها في جِهاتِ الأرْضِ.
والمُرادُ بِالسُّبُلِ: كُلُّ سَبِيلٍ يُمْكِنُ السَّيْرُ فِيهِ سَواءٌ كانَ مِن أصْلِ خِلْقَةِ الأرْضِ كالسُّهُولِ والرِّمالِ، أوْ كانَ مِن أثَرِ فِعْلِ النّاسِ مِثْلَ الثَّنايا الَّتِي تَكَرَّرَ السَّيْرُ فِيها فَتَعَبَّدَتْ وصارَتْ طُرُقًا يُتابِعُ النّاسُ السَّيْرَ فِيها.
ولَمّا ذَكَرَ مِنَّةَ خَلْقِ الأرْضِ شَفَعَها بِمِنَّةِ إخْراجِ النَّباتِ مِنها بِما يَنْزِلُ عَلَيْها مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ. وتِلْكَ مِنَّةٌ تُنْبِئُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ حَيْثُ أجْرى ذِكْرِها لِقَصْدِ ذَلِكَ التَّذْكِيرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: وصَبَبْنا الماءَ عَلى الأرْضِ، كَما في آيَةِ (﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥]) . وهَذا إدْماجٌ بَلِيغٌ.
والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ فَأخْرَجْنا التِفاتٌ. وحُسْنُهُ هُنا أنَّهُ بَعْدَ أنْ حَجَّ المُشْرِكِينَ بِحُجَّةِ انْفِرادِهِ بِخَلْقِ الأرْضِ وتَسْخِيرِ السَّماءِ مِمّا لا سَبِيلَ بِهِمْ إلى نُكْرانِهِ ارْتَقى
صفحة ٢٣٨
إلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ فَإنَّ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وسَخَّرَ السَّماءَ حَقِيقٌ بِأنْ تُطِيعَهُ القُوى والعَناصِرُ، فَهو يُخْرِجُ النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ ماءِ السَّماءِ، فَكانَ تَسْخِيرُ النَّباتِ أثَرًا لِتَسْخِيرِ أصْلِ تَكْوِينِهِ مِن ماءِ السَّماءِ وتُرابِ الأرْضِ.
ولِمُلاحَظَةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِثْلُ هَذا الِالتِفاتِ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْباتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩])، وقَوْلِهِ (﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧])، وقَوْلُهُ (﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠])، ومِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ (﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف: ١١]) . وقَدْ نَبَّهَ إلى ذَلِكَ في الكَشّافِ، ولِلَّهِ دَرُّهُ. ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ. وحَقِيقَةُ الزَّوْجِ أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ اثْنَيْنِ مِن صِنْفٍ واحِدٍ. فَكُلُّ أحَدٍ مِنهُما هو زَوْجٌ بِاعْتِبارِ الآخَرِ، لِأنَّهُ يَصِيرُ بِسَبْقِ الفَرْدِ الأوَّلِ إيّاهُ زَوْجًا. ثُمَّ غَلَبَ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى المُقْتَرِنَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ أوْ مِنَ الحَيَوانِ، قالَ تَعالى (﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧])، وقالَ (﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩]) وقالَ (﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]) . ولَمّا شاعَتْ فِيهِ مُلاحَظَةُ مَعْنى اتِّحادِ النَّوْعِ تَطَرَّقُوا مِن ذَلِكَ إلى اسْتِعْمالِ لَفْظِ الزَّوْجِ في مَعْنى النَّوْعِ بِغَيْرِ قَيْدِ كَوْنِهِ ثانِيًا لِآخَرَ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، قالَ تَعالى (﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦])، ومِنهُ قَوْلُهُ (﴿فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]) . وفي الحَدِيثِ «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ ابْتَدَرَتْهُ حَجَبَةُ الجَنَّةِ» . . . الحَدِيثَ، أيْ مَن أنْفَقَ نَوْعَيْنِ مِثْلَ الطَّعامِ
صفحة ٢٣٩
والكُسْوَةِ، ومِثْلَ الخَيْلِ والرَّواحِلِ. وهَذا الإطْلاقُ هو المُرادُ هُنا. أيْ فَأنْبَتْنا بِهِ أنْواعًا مِن نَباتٍ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
والنَّباتُ: مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ، فَلِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ بِوَزْنِ فَعْلى، مِثْلُ: مَرِيضٍ ومَرْضى.
والشَّتِيتُ: المُشَتَّتُ، أيِ المُبْعَدُ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّباعُدُ في الصِّفاتِ مِنَ الشَّكْلِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ، وبَعْضُها صالِحٌ لِلْإنْسانِ وبَعْضُها لِلْحَيَوانِ.
والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ (﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ فَأخْرَجْنا. والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ: كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم. والأمْرُ لِلْإباحَةِ مُرادٌ بِهِ المِنَّةِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُوا مِنها وارْعَوْا أنْعامَكم مِنها. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ لِقَصْدِ التَّوْزِيعِ.
وفِعْلُ رَعى يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا. يُقالُ: رَعَتِ الدّابَّةُ ورَعاها صاحِبُها. وفُرِّقَ بَيْنَهُما في المَصْدَرِ فَمَصْدَرُ القاصِرِ: الرَّعْيُ، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي: الرِّعايَةُ. ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: رَأيْتُكَ تَرْعانِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ
والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾) مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ؛ فَبَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلى ما في المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ، والمِنَّةِ بِها عَلى الإنْسانِ لِمَن تَأمَّلَ، جُمِعَتْ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وصُرِّحَ بِما في جَمِيعِها مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ. وكُلٌّ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّوْكِيدِ مُقْتَضٍ لِفَصْلِ الجُمْلَةِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ، لِأنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا في دَلالَةِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وهم يَحْسَبُونَ
صفحة ٢٤٠
أنْفُسَهم مِن أُولِي النُّهى، فَما كانَ عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ بِتِلْكَ الآياتِ إلّا لِأنَّهم لَمْ يُعِدُّوها آياتٍ. لا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ مُشْتَمِلٌ عَلى آياتٍ جَمَّةٍ يَتَفَطَّنُ لَها ذَوُو العُقُولِ بِالتَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، ويَنْتَبِهُونَ لَها بِالتَّذْكِيرِ.
والنُّهى: اسْمٌ، جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ -، أيِ العَقْلِ، سُمِّيَ نُهْيَةً؛ لِأنَّهُ سَبَبُ انْتِهاءِ المُتَحَلِّي بِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ المُفْسِدَةِ والمُهْلِكَةِ، ولِذَلِكَ أيْضًا سُمِّيَ بِالعَقْلِ وسُمِّيَ بِالحِجْرِ.
20:55Page 315
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥
From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.
﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾
مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وهَذا إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِـ الخَلْقِ الأوَّلِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي بَعْدَ المَوْتِ. والمُناسَبَةُ مُتَمَكِّنَةٌ؛ فَإنَّ ذِكْرَ خَلْقِ الأرْضِ ومَنافِعِها يَسْتَدْعِي إكْمالَ ذِكْرِ المُهِمِّ لِلنّاسِ مِن أحْوالِها، فَكانَ خَلْقُ أصْلِ الإنْسانِ مِنَ الأرْضِ شَبِيهًا بِخُرُوجِ النَّباتِ مِنها. وإخْراجُ النّاسِ إلى الحَشْرِ شَبِيهٌ بِإخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ. قالَ تَعالى (﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٧]) . وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى مُتَعَلَّقاتِها؛ فَأمّا المَجْرُورُ الأوَّلُ والمَجْرُورُ الثّالِثُ فَلِلِاهْتِمامِ بِكَوْنِ الأرْضِ مَبْدَأ الخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثّانِي. وأمّا تَقْدِيمُ (﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾) فَلِلْمُزاوَجَةِ مَعَ نَظِيرَيْهِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾) عَلى أنَّ دَفْنَ الأمْواتِ في الأرْضِ هو الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِمُواراةِ المَوْتى سَواءٌ كانَ شَقًّا في الأرْضِ أوْ لَحْدًا، لِأنَّ كِلَيْهِما إعادَةٌ في الأرْضِ؛ فَما يَأْتِيهِ بَعْضُ الأُمَمِ غَيْرِ
صفحة ٢٤١
المُتَدَيِّنَةِ مِن إحْراقِ المَوْتى بِالنّارِ، أوْ إغْراقِهِمْ في الماءِ، أوْ وضْعِهِمْ في صَنادِيقَ فَوْقَ الأرْضِ، فَذَلِكَ مُخالِفٌ لِسُنَّةِ اللَّهِ وفِطْرَتِهِ، لِأنَّ الفِطْرَةَ اقْتَضَتْ أنَّ المَيِّتَ يَسْقُطُ عَلى الأرْضِ فَيَجِبُ أنْ يُوارى فِيها. وكَذَلِكَ كانَتْ أوَّلُ مُواراةٍ في البَشَرِ حِينَ قَتَلَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ. كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ العُقُودِ (﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِيَ سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتى أعْجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ [المائدة: ٣١]) فَجاءَتِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ بِوُجُوبِ الدَّفْنِ في الأرْضِ.
والتّارَةُ: المَرَّةُ، وجَمْعُها تاراتٌ. وأصْلُ ألِفِها الواوُ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أصْلُ ألِفِها هَمْزَةٌ فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم لَها تَرَكُوا الهَمْزَةَ. وقالَ بَعْضُهم: ظَهَرَ الهَمْزُ في جَمْعِها عَلى فِعَلٍ فَقالُوا: تِئَرٌ بِالهَمْزِ. ويَظْهَرُ أنَّها اسْمٌ جامِدٌ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ مُشْتَقٌّ مِنهُ.
والإخْراجُ: هو إخْراجُها إلى الحَشْرِ بَعْدَ إعادَةِ هَياكِلِ الأجْسامِ في داخِلِ الأرْضِ، كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ (﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾)، ولِذَلِكَ جُعِلَ الإخْراجُ تارَةً ثانِيَةً لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مِنَ الأرْضِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إخْراجَ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ بِإعادَةِ خَلْقِها كَما خُلِقَتْ في المَرَّةِ الأُولى، قالَ تَعالى (﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) .
20:56Page 315
وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦
And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.
﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾
رُجُوعٌ إلى قَصَصِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي حَكَتْ مُحاوَرَةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ؛ وقَعَتْ هَذِهِ كالمُقَدِّمَةِ لِإعادَةِ سَوْقِ ما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ مِنَ المُحاوَرَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]) بِاعْتِبارِ
صفحة ٢٤٢
ما يُقَدَّرُ قَبْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن كَلامٍ حُذِفَ اخْتِصارًا، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَقالا ما أمَرْناهُما أنْ يَقُولاهُ قالَ فَمَن رَبُّكُما إلَخْ. المَعْنى: فَأتَياهُ وقالا ما أمَرْناهُما وأرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةُ بَيْنَ ما قَبْلَها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن تَصَلُّبِ فِرْعَوْنَ في عِنادِهِ، وقُصِدَ مِنها بَيانُ شِدَّتِهِ في كُفْرِهِ وبَيانُ أنَّ لِمُوسى آياتٌ كَثِيرَةٌ أظْهَرَها اللَّهُ لِفِرْعَوْنَ فَلَمْ تُجْدِ في إيمانِهِ.
وأُجْمِلَتْ وعُمِّمَتْ فَلَمْ تُفَصَّلْ، لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا بَيانُ شِدَّةِ تَصَلُّبِهِ في كُفْرِهِ بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ الَّتِي قُصِدَ مِنها بَيانُ تَعاقُبِ الآياتِ ونُصْرَتِها.
وإراءَةُ اللَّهِ إيّاهُ الآياتِ: إظْهارُها لَهُ بِحَيْثُ شاهَدَها.
وإضافَةُ (آياتٍ) إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هُنا يُفِيدُ تَعْرِيفًا لِآياتٍ مَعْهُودَةٍ، فَإنَّ تَعْرِيفَ الجَمْعِ بِالإضافَةِ يَأْتِي لِما يَأْتِي لَهُ التَّعْرِيفُ بِاللّامِ يَكُونُ لِلْعَهْدِ ويَكُونُ لِلِاسْتِغْراقِ، والمَقْصُودُ هُنا الأوَّلُ، أيْ أرَيْنا فِرْعَوْنَ آياتِنا الَّتِي جَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]) . وهي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وتَبَدُّلُ لَوْنِ اليَدِ بَيْضاءَ، وسِنُوُّ القَحْطِ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والطُّوفانُ، وانْفِلاقُ البَحْرِ. وقَدِ اسْتَمَرَّ تَكْذِيبُهُ بَعْدَ جَمِيعِها حَتّى لَمّا رَأى انْفِلاقَ البَحْرِ اقْتَحَمَهُ طَمَعًا لِلظَّفَرِ بِبَنِي إسْرائِيلَ.
وتَأْكِيدُ الآياتِ بِأداةِ التَّوْكِيدِ كُلِّها لِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن عِنادِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ [القمر: ٤١]) في سُورَةِ القَمَرِ.
صفحة ٢٤٣
وظاهِرُ صَنِيعِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم جَعَلُوا جُمْلَةَ (﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾) عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩])، وجُمْلَةَ (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ [طه: ٤٩]) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾) . فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ عَزْمُ فِرْعَوْنَ عَلى إحْضارِ السَّحَرَةِ مُتَأخِّرًا عَنْ إرادَةِ الآياتِ كُلَّها فَوَقَعُوا في إشْكالِ صِحَّةِ التَّعْمِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿آياتِنا كُلَّها﴾) . وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ اعْتِرافِ السَّحَرَةِ بِأنَّهم غُلِبُوا مَعَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ إنَّما ظَهَرَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِثْلَ: سِنِيِّ القَحْطِ، والدَّمِ، وانْفِلاقِ البَحْرِ. وهَذا الحَمْلُ لا داعِيَ إلَيْهِ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ لا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences