Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Taha 20:62–69
20:62–64Page 315
فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢
So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.
قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣
They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].
فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤
So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."
﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ ﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ .
أيْ تَفَرَّعَ عَلى مَوْعِظَةِ مُوسى تَنازُعُهُمُ الأمْرَ بَيْنَهم، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ مِنهم مَن تَرَكَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ بَعْضَ الأثَرِ، ومِنهم مَن خَشِيَ الِانْخِذالَ، فَلِذَلِكَ دَعا بَعْضُهم بَعْضًا لِلتَّشاوُرِ في ماذا يَصْنَعُونَ.
صفحة ٢٥١
والتَّنازُعُ: تَفاعُلٌ مِنَ النَّزْعِ، وهو الجَذْبُ مِنَ البِئْرِ، وجَذْبُ الثَّوْبِ مِنَ الجَسَدِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ تَمْثِيلًا في اخْتِلافِ الرَّأْيِ ومُحاوَلَةِ كُلِّ صاحِبِ رَأْيٍ أنْ يُقْنِعَ المُخالِفَ لَهُ بِأنَّ رَأْيَهُ هو الصَّوابُ. فالتَّنازُعُ: التَّخالُفُ.
والنَّجْوى: الحَدِيثُ السِّرِّيُّ، أيِ اخْتَلَوْا وتَحادَثُوا سِرًّا لِيَصْدُرُوا عَنْ رَأْيٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهم، فَجَعَلَ النَّجْوى مَعْمُولًا لِ أسَرُّوا يُفِيدُ المُبالَغَةَ في الكِتْمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسَرُّوا سِرَّهم، كَما يُقالُ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وزادَهُ مُبالَغَةً قَوْلُهُ (بَيْنَهم) المُقْتَضِي أنَّ النَّجْوى بَيْنَ طائِفَةٍ خاصَّةٍ لا يَشْتَرِكُ مَعَهم فِيها غَيْرُهم.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾)، لِأنَّ إسْرارَ النَّجْوى يَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ ذُكِرَ مِنها هَذا القَوْلُ، لِأنَّهُ القَوْلُ الفَصْلُ بَيْنَهم والرَّأْيُ الَّذِي أرْسَوْا عَلَيْهِ، فَهو زُبْدَةُ مَخِيضِ النَّجْوى. وذَلِكَ شَأْنُ التَّشاوُرِ وتَنازُعِ الآراءِ أنْ يُسْفِرَ عَنْ رَأْيٍ يَصْدُرُ الجَمِيعُ عَنْهُ.
وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ جَمْعِهِمْ عَلى مَعْنى: قالَ بَعْضُهم: هَذانِ لَساحِرانِ، فَقالَ جَمِيعُهم: نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ، أيْ مَقالَةً تَداوَلُوا الخَوْضَ في شَأْنِها فَأرْسَوْا عَلَيْها وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَعَمْ هو كَذَلِكَ، ونَطَقُوا بِالكَلامِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهم، وهو تَحَقُّقُهم أنَّ مُوسى وأخاهُ ساحِرانِ.
واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ قَرَءُوا بِإثْباتِ الألِفِ في اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ هَذانِ ما عَدا أبا عَمْرٍو مِنَ العَشَرَةِ وما عَدا الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِنَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ. وذَلِكَ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّ إثْباتَ الألِفِ في لَفْظِ (هَذانِ) أكْثَرُ تَواتُرًا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ (إنَّ)
صفحة ٢٥٢
مُشَدَّدَةً أوْ مُخَفَّفَةً، وأنَّ أكْثَرَ مَشْهُورِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ قَرَأُوا - بِتَشْدِيدِ نُونِ - (أنَّ) ما عَدا ابْنَ كَثِيرٍ وحَفْصًا عَنْ عاصِمٍ فَهُما قَرَءا (أنْ) بِسُكُونِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ.
وإنَّ المُصْحَفَ الإمامَ ما رَسَمُوهُ إلّا اتِّباعًا لِأشْهَرِ القِراءاتِ المَسْمُوعَةِ المَرْوِيَّةِ مِن زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وقُرّاءِ أصْحابِهِ، فَإنَّ حِفْظَ القُرْآنِ في صُدُورِ القُرّاءِ أقْدَمُ مِن كِتابَتِهِ في المَصاحِفِ، وما كُتِبَ في أُصُولِ المَصاحِفِ إلّا مِن حِفْظِ الكاتِبِينَ، وما كُتِبَ المُصْحَفُ الإمامُ إلّا مِن مَجْمُوعِ مَحْفُوظِ الحُفّاظِ وما كَتَبَهُ كُتّابُ الوَحْيِ في مُدَّةِ نُزُولِ الوَحْيِ.
فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالألِفِ في هَذانِ وكَذَلِكَ في (﴿لَساحِرانِ﴾)، فَلِلْمُفَسِّرِينَ في تَوْجِيهِها آراءٌ بَلَغَتِ السِّتَّةَ. وأظْهَرُها أنْ تَكُونَ (إنَّ) حَرْفُ جَوابٍ مِثْلَ: نَعَمْ وأجَلْ، وهو اسْتِعْمالٌ مِنِ اسْتِعْمالاتِ (إنَّ)، أيِ اتَّبَعُوا لَمّا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أمْرُهم بَعْدَ النَّجْوى كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ:
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهُ
أيْ أجَلْ أوْ نَعَمْ، والهاءُ في البَيْتِ هاءُ السَّكْتِ، وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِأعْرابِيٍّ اسْتَجْداهُ فَلَمْ يُعْطِهِ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ. قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ وراكِبَها. وهَذا التَّوْجِيهُ مِن مُبْتَكَراتِ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ: عَرَضْتُهُ عَلى عالِمَيْنا وشَيْخَيْنا وأُسْتاذَيْنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ يَعْنِي المُبَرِّدَ، وإسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ يَعْنِي القاضِيَ الشَّهِيرَ فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعاهُ في هَذا.
وقُلْتُ: لَقَدْ صَدَقا وحَقَّقا. وما أوْرَدَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدِّ فِيهِ نَظَرٌ.
صفحة ٢٥٣
وفِي التَّفْسِيرِ الوَجِيزِ لِلْواحِدِيِّ سَألَ إسْماعِيلُ القاضِي (هو ابْنُ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ) ابْنَ كَيْسانَ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لَمّا لَمْ يَظْهَرْ في المُبْهَمِ إعْرابٌ في الواحِدِ ولا في الجَمْعِ (أيْ في قَوْلِهِمْ هَذا وهَؤُلاءِ إذْ هُما مَبْنِيّانِ) جَرَتِ التَّثْنِيَةُ مَجْرى الواحِدِ إذِ التَّثْنِيَةُ يَجِبُ أنْ لا تُغَيَّرَ. فَقالَ لَهُ إسْماعِيلُ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ تَقَدَّمَكَ أحَدٌ بِالقَوْلِ فِيهِ حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ كَيْسانَ: فَلْيَقُلْ بِهِ القاضِي حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ، فَتَبَسَّمَ.
وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) حِكايَةً لِمَقالِ فَرِيقٍ مِنَ المُتَنازِعِينَ، وهو الفَرِيقُ الَّذِي قَبِلَ هَذا الرَّأْيَ لِأنَّ حَرْفَ الجَوابِ يَقْتَضِي كَلامًا سَبَقَهُ.
ودَخَلَتِ اللّامُ عَلى الخَبَرِ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخَبَرِ جُمْلَةً حُذِفَ مُبْتَدَأُها وهو مَدْخُولُ اللّامِ في التَّقْدِيرِ، ووُجُودُ اللّامِ يُنْبِئُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ؛ وإمّا عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ دُخُولَ اللّامِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ.
ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا بِجَعْلِ (إنَّ) حَرْفَ تَوْكِيدٍ، وإعْرابُ اسْمِها المُثَنّى جَرى عَلى لُغَةِ كِنانَةَ وبِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ عَلامَةَ إعْرابِ المُثَنّى الألِفَ في أحْوالِ الإعْرابِ كُلِّها، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في الأدَبِ العَرَبِيِّ ولَها شَواهِدُ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ دَرى ∗∗∗ مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ نُونِ (إنْ) مُسَكَّنَةً عَلى أنَّها مُخَفَّفَةُ (إنَّ) المُشَدَّدَةِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اسْمُ (إنِ) المُخَفَّفَةِ ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا عَلى المَشْهُورِ. وتَكُونُ اللّامُ في (﴿لَساحِرانِ﴾) اللّامَ الفارِقَةَ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنِ) النّافِيَةِ.
صفحة ٢٥٤
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِ نُونِ (إنْ) عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبِإثْباتِ الألِفِ في (هَذانِ) وبِتَشْدِيدِ نُونِ (هاذانِّ) .
وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحْدَهُ (إنَّ هَذَيْنِ) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالياءِ بَعْدَ ذالِ (هَذَيْنِ) . فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هي مُخالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ. وأقُولُ: ذَلِكَ لا يَطْعَنُ فِيها لِأنَّها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ ووافَقَتْ وجْهًا مَقْبُولًا في العَرَبِيَّةِ.
ونُزُولُ القُرْآنِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الفَصِيحَةِ في الِاسْتِعْمالِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ إعْجازِهِ لِتَجْرِيَ تَراكِيبُهُ عَلى أفانِينَ مُخْتَلِفَةِ المَعانِي مُتَّحِدَةِ المَقْصُودِ. فَلا التِفاتَ إلى ما رُوِيَ مِنِ ادِّعاءِ أنَّ كِتابَةَ (إنَّ هاذانِ) خَطَأٌ مِن كاتِبِ المُصْحَفِ، ورِوايَتِهِمْ ذَلِكَ عَنْ أبانَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ عَنْ أبِيهِ، وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ سَنَدٌ صَحِيحٌ. حَسِبُوا أنَّ المُسْلِمِينَ أخَذُوا قِراءَةَ القُرْآنِ مِنَ المَصاحِفِ وهَذا تَغَفُّلٌ، فَإنَّ المُصْحَفَ ما كُتِبَ إلّا بَعْدَ أنْ قَرَأ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً في أقْطارِ الإسْلامِ، وما كُتِبَتِ المَصاحِفُ إلّا مِن حِفْظِ الحُفّاظِ، وما أخَذَ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ إلّا مِن أفْواهِ حُفّاظِهِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ المَصاحِفُ، وبَعْدَ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ فَلَوْ كانَ في بَعْضِها خَطَأٌ في الخَطِّ لَما تَبِعَهُ القُرّاءُ، ولَكانَ بِمَنزِلَةِ ما تُرِكَ مِنَ الألِفاتِ في كَلِماتٍ كَثِيرَةٍ وبِمَنزِلَةِ كِتابَةِ ألِفِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والحَياةِ، والرِّبا بِالواوِ في مَوْضِعِ الألِفِ وما قَرَءُوها إلّا بِألِفاتِها.
وتَأْكِيدُ السَّحَرَةِ كَوْنَ مُوسى وهارُونَ ساحِرَيْنِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ مَن يُخامِرُهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ دَعْوَتِهِما، وجَعَلَ ما أظْهَرَهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ سِحْرًا لِأنَّهم يُطْلِقُونَ السِّحْرَ عِنْدَهم عَلى خَوارِقِ العاداتِ، كَما «قالَتِ المَرْأةُ الَّتِي
صفحة ٢٥٥
شاهَدَتْ نَبْعَ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِ النَّبِيءِ ﷺ لِقَوْمِها: جِئْتُكم مِن عِنْدِ أسْحَرِ النّاسِ»، وهو في كِتابِ المَغازِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
والقائِلُونَ: قَدْ يَكُونُ بَعْضُهم مِمَّنْ شاهَدَ ما أتى بِهِ مُوسى في مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِمَّنْ بَلَغَهم ذَلِكَ بِالتَّسامُعِ والِاسْتِفاضَةِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿أنْ يُخْرِجاكُمْ﴾) لِمَلَئِهِمْ. ووَجْهُ اتِّهامِهِما بِذَلِكَ هو ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧]) . ونَزِيدُ هُنا أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ النَّجْوى بَيْنَ السَّحَرَةِ، أيْ يُرِيدانِ الِاسْتِئْثارَ بِصِناعَةِ السِّحْرِ في أرْضِكم فَتَخْرُجُوا مِنَ الأرْضِ بِإهْمالِ النّاسِ لَكم وإقْبالِهِمْ عَلى سِحْرِ مُوسى وهارُونَ.
والطَّرِيقَةُ: السُّنَّةُ والعادَةُ؛ شُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُ، لِجامِعِ المُلازَمَةِ. والمُثْلى: مُؤَنَّثُ الأمْثَلِ. وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثالَةِ، وهي حُسْنُ الحالَةِ يُقالُ: فُلانٌ أمْثَلُ قَوْمِهِ، أيْ أقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وأحْسَنُهم حالًا.
وأرادُوا مِن هَذا إثارَةَ حَمِيَّةِ بَعْضِهِمْ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِها وشَرائِعِها وأخْلاقِها. ولِذا فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ أمْرَهم بِأنْ يَجْمَعُوا حِيَلَهم وكُلَّ ما في وُسْعِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا بِهِ مُوسى.
والباءُ في (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَذْهَبا) . والمَعْنى: يُذْهِبانِها، وهو أبْلَغُ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ مِن نَصْبِ المَفْعُولِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَأجْمِعُوا﴾) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ المِيمِ أمْرًا مِن: أجْمَعَ أمْرَهُ، إذا جَعَلَهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ.
صفحة ٢٥٦
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (فاجْمَعُوا) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وبِفَتْحِ المِيمِ أمْرًا مِن جَمَعَ، كَقَوْلِهِ فِيما مَضى (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]) . أطْلَقَ الجَمْعَ عَلى التَّعاضُدِ والتَّعاوُنِ، تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُخْتَلِفِ بِالمُتَفَرِّقِ، وهو مُقابِلُ قَوْلِهِ (﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهُمْ﴾) . وسَمَّوْا عَمَلَهم كَيْدًا لِأنَّهم تَواطَئُوا عَلى أنْ يُظْهِرُوا لِلْعامَّةِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَهم يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أوْ أشَدَّ مِنهُ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنْ سَماعِ دَعْوَتِهِ فَيَكِيدُوا لَهُ بِإبْطالِ خِصِّيصِيَّةِ ما أتى بِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ عامَّةَ النّاسِ تَسامَعُوا بِدَعْوَةِ مُوسى، وما أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزَةِ، وأصْبَحُوا مُتَحَيِّرِينَ في شَأْنِهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ اهْتَمَّ السَّحَرَةُ بِالكَيْدِ لَهُ، وهو ما حَكاهُ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠]) .
ودَبَّرُوا لِإرْهابِ النّاسِ وإرْهابِ مُوسى وهارُونَ بِالِاتِّفاقِ عَلى أنْ يَأْتُوا حِينَ يَتَقَدَّمُونَ لِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ مُصْطَفِّينَ لِأنَّ ذَلِكَ أهْيَبُ لَهم.
ولَمْ يَزَلِ الَّذِينَ يَرُومُونَ إقْناعَ العُمُومِ بِأنْفُسِهِمْ يَتَخَيَّرُونَ لِذَلِكَ بَهاءَ الهَيْئَةِ وحُسْنَ السَّمْتِ وجَلالَ المَظْهَرِ. فَكانَ مِن ذَلِكَ جُلُوسُ المُلُوكِ عَلى جُلُودِ الأُسُودِ، ورُبَّما لَبِسَ الأبْطالُ جُلُودَ النُّمُورِ في الحَرْبِ. وقَدْ فُسِّرَ بِهِ فِعْلَ (تَنَمَّرُوا) في قَوْلِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
قَوْمٌ إذا لَبِسُوا الحَدِيدَ ∗∗∗ تَنَمَّرُوا حِلَقًا وقَدّا
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِمُ الجارِي مَجْرى المَثَلِ (لَبِسَ لِي فُلانٌ جِلْدَ النَّمِرِ)؛ وثَبَتَ في التّارِيخِ المُسْتَنِدِ لِلْآثارِ أنَّ كَهَنَةَ القِبْطِ في مِصْرَ كانُوا يَلْبِسُونَ جُلُودَ النُّمُورِ.
صفحة ٢٥٧
والصَّفُّ: مَصْدَرُ مَعْنى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ صافِّينَ أوْ مَصْفُوفِينَ، إذا تَرَتَّبُوا واحِدًا حَذْوَ الآخَرِ بِانْتِظامٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُونَ مُخْتَلِطِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا الواحِدَ حَذْوَ الآخَرِ وكانَ الصَّفُّ مِنهم تِلْوَ الآخَرِ كانُوا أبْهَرَ مَنظَرًا، قالَ تَعالى (﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]) . وكانَ جَمِيعُ سَحَرَةِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ قَدْ أُحْضِرُوا بِأمْرِ فِرْعَوْنَ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرًا. فالصَّفُّ هُنا مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ لا الوَحْدَةُ، أيْ ثُمَّ ائْتُوا صُفُوفًا، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨]) وقالَ (﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]) .
وانْتَصَبَ صَفًّا عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (ائْتُوا) . والمَقْصُودُ الإتْيانُ إلى مَوْضِعِ إلْقاءِ سِحْرِهِمْ وشَعْوَذَتِهِمْ، لِأنَّ التَّناجِيَ والتَّآمُرَ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يَجْمَعُ ما قَصَدُوهُ مِن تَآمُرِهِمْ بِأنَّ الفَلاحَ يَكُونُ لِمَن غَلَبَ وظَهَرَ في ذَلِكَ الجَمْعِ. فَـ (اسْتَعْلى) مُبالَغَةٌ في عَلا، أيْ عَلا صاحِبَهُ وقَهَرَهُ. فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَأْخَرَ. وأرادُوا الفَلاحَ في الدُّنْيا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَواقِفِ مِمّا يُؤَثِّرُ في حالِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ وإنْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ.
20:65–66Page 316
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥
They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦
He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].
﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ أنَّها تَسْعى﴾ .
تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ ومَعانِيها في سُورَةِ الأعْرافِ سِوى أنَّ الأوَّلِيَّةَ هُنا مُصَرَّحٌ بِها في أحَدِ الشِّقَّيْنِ. فَكانَتْ صَرِيحَةً في أنَّ التَّخْيِيرَ يَتَسَلَّطُ عَلى
صفحة ٢٥٨
الأوَّلِيَّةِ في الإلْقاءِ، وسِوى أنَّهُ صَرَّحَ هُنا بِأنَّ السِّحْرَ الَّذِي ألْقَوْهُ كانَ بِتَخْيِيلِ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم ثَعابِينُ تَسْعى؛ لِأنَّها لا يُشْبِهُها في شَكْلِها مِن أنْواعِ الحَيَوانِ سِوى الحَيّاتِ والثَّعابِينِ.
والمُفاجَأةُ المُسْتَفادَةُ مِن ”إذا“ دَلَّتْ عَلى أنَّهم أعَدُّوها لِلْإلْقاءِ وكانُوا يَخْشَوْنَ أنْ يَمُرَّ زَمانٌ تَزُولُ بِهِ خاصِّيّاتُها فَلِذَلِكَ أسْرَعُوا بِإلْقائِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُخَيَّلُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِ الفِعْلِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ المَصْدَرُ مِن قَوْلِهِ (﴿أنَّها تَسْعى﴾) . وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تُخَيَّلُ ٥) بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى أنَّ الفِعْلَ رافِعٌ لِضَمِيرِ (﴿حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾)، أيْ هي تُخَيَّلُ إلَيْهِ.
و(﴿أنَّها تَسْعى﴾) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ.
وهَذا التَّخْيِيلُ الَّذِي وجَدَهُ مُوسى مِن سِحْرِ السَّحَرَةِ هو أثَرُ عَقاقِيرَ يُشْرِبُونَها تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ، وتَكُونُ الحِبالُ مِن صِنْفٍ خاصٍّ، والعِصِيُّ مِن أعْوادٍ خاصَّةٍ فِيها فاعِلِيَّةٌ لِتِلْكَ العَقاقِيرِ، فَإذا لاقَتْ شُعاعَ الشَّمْسِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ العَقاقِيرُ فَتَحَرَّكَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ. قِيلَ: وضَعُوا فِيها طِلاءَ الزِّئْبَقِ. ولَيْسَ التَّخْيِيلُ لِمُوسى مِن تَأْثِيرِ السِّحْرِ في نَفْسِهِ لِأنَّ نَفْسَ الرَّسُولِ لا تَتَأثَّرُ بِالأوْهامِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَأثَّرَ بِالمُؤَثِّراتِ الَّتِي يَتَأثَّرُ مِنها الجَسَدُ كالمَرَضِ، ولِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ ظاهِرَ حَدِيثِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ في سِحْرِ النَّبِيءِ ﷺ وأخْبارُ الآحادِ لا تَنْقُضُ القَواطِعَ. ولَيْسَ هَذا مَحَلٌّ ذَكْرِهِ وقَدْ حَقَّقْتُهُ في كِتابِي المُسَمّى النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى صَحِيحِ البُخارِيِّ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن سِحْرِهِمْ﴾) لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمُ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]) .
20:67–69Page 316
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
صفحة ٢٥٩
﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلَقَّفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ سِاحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ .
أوْجَسَ: أضْمَرَ واسْتَشْعَرَ. وانْتِصابُ (خِيفَةً) عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ وجَدَ في نَفْسِهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]) في سُورَةِ هُودٍ.
و(خِيفَةٌ) اسْمُ هَيْئَةٍ مِنَ الخَوفِ، أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ خِوْفَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ.
وزِيادَةُ (﴿فِي نَفْسِهِ﴾) هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّها خِيفَةُ تَفَكُّرٍ لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ. وإنَّما خافَ مُوسى مِن أنْ يَظْهَرَ أمْرُ السَّحَرَةِ فَيُساوِي ما يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ انْقِلابِ عَصاهُ ثُعْبانًا، لِأنَّهُ يَكُونُ قَدْ ساواهم في عَمَلِهِمْ ويَكُونُونَ قَدْ فاقُوهُ بِالكَثْرَةِ، أوْ خَشِيَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرادَ اسْتِدْراجَ السَّحَرَةِ مُدَّةً؛ فَيُمْلِي لَهم بِظُهُورِ غَلَبِهِمْ عَلَيْهِ ومَدِّهِ لِما تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ فَخَشِيَ ذَلِكَ. وهَذا مَقامُ الخَوْفِ، وهو مَقامٌ جَلِيلٌ مِثْلُهُ مَقامُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ قالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» .
والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى (﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾) . فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةُ تَأْكِيدِها بِضَمِيرِ الفَصْلِ وبِالتَّعْرِيفِ في الأعْلى دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما خامَرَهُ مِنَ الخَوْفِ إنَّما هو خَوْفُ ظُهُورِ السَّحَرَةِ عِنْدَ العامَّةِ ولَوْ في وقْتٍ ما. وهو وإنْ كانَ مُوقِنًا
صفحة ٢٦٠
بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِزُ لَهُ ما أرْسَلَهُ لِأجْلِهِ لَكِنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَسْتَدْرِجَ اللَّهُ الكَفَرَةَ مُدَّةً قَلِيلَةً لِإظْهارِ ثَباتِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ (﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]) .
وعَبَّرَ عَنِ العَصا بِ (ما) المَوْصُولَةِ تَذْكِيرًا لَهُ بِيَوْمِ التَّكْلِيمِ إذْ قالَ لَهُ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) لِيَحْصُلَ لَهُ الِاطْمِئْنانُ بِأنَّها صائِرَةٌ إلى الحالَةِ الَّتِي صارَتْ إلَيْها يَوْمَئِذٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُ: وألْقِ عَصاكَ.
والتَّلَقُّفُ: الِابْتِلاعُ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِجَزْمِ (تَلَقَّفْ) في جَوابِ قَوْلِهِ (وألْقِ)، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ بِرَفْعِ (تَلَقَّفُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَلَقَّفْ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِسُكُونِ اللّامِ وفَتْحِ القافِ مِن لَقِفَ كَفَرِحَ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ. (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) خَبَرُ (إنَّ) .
والكَلامُ إخْبارٌ بَسِيطٌ لا قَصْرَ فِيهِ. وكُتِبَ (إنَّما) في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً (إنَّ) بِ (ما) المَوْصُولَةِ كَما تُوصَلُ بِ (ما) الكافَّةِ في نَحْوِ (﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]) ولَمْ يَكُنِ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَخَّوْنَ الفُرُوقَ في رَسْمِ الخَطِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) بِألْفٍ بَعْدَ السِّينِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (كَيْدُ سِحْرٍ) بِكَسْرِ السِّينِ.
وجُمْلَةُ (﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها وحالٌ مِن ضَمِيرِ (﴿إنَّما صَنَعُوا﴾)، أيْ لا يَنْجَحُ السّاحِرُ حَيْثُ كانَ، لِأنَّ صَنْعَتَهُ تَنْكَشِفُ بِالتَّأمُّلِ وثَباتِ النَّفْسِ
صفحة ٢٦١
فِي عَدَمِ التَّأثُّرِ بِها. وتَعْرِيفُ (السّاحِرِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِقَصْدِ الجِنْسِ المَعْرُوفِ، أيْ لا يُفْلِحُ بِها كُلُّ ساحِرٍ.
واخْتِيرَ فِعْلُ (أتى) دُونَ نَحْوِ: حَيْثُ كانَ، أوْ حَيْثُ حَلَّ، لِمُراعاةِ كَوْنِ مُعْظَمِ أُولَئِكَ السَّحَرَةِ مَجْلُوبِينَ مِن جِهاتِ مِصْرَ، ولِلرِّعايَةِ عَلى فَواصِلِ الآياتِ الواقِعَةِ عَلى حَرْفِ الألِفِ المَقْصُورَةِ.
وتَعْمِيمُ (﴿حَيْثُ أتى﴾) لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ الَّتِي يَحْضُرُها، أيْ بِسِحْرِهِ.
وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِوَصْفِ السّاحِرِ يَقْتَضِي أنَّ نَفْيَ الفَلاحِ عَنِ السّاحِرِ في أُمُورِ السِّحْرِ لا في تِجارَةٍ أوْ غَيْرِها. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، لِأنَّ عُمُومَ الأشْياءِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأمْكِنَةِ الَّتِي تَقَعُ فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences