Ibn 'AshurTaha · 20:70–79

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Taha 20:70–79

20:70–71Page 316

فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠

So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."

قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١

[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."

﴿فَأُلْقِي السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ أآمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لِكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلْأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خَلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولِتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ .

الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩]) . والتَّقْدِيرُ: فَألْقى فَتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) .

والإلْقاءُ: الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَجْهُولِ لِأنَّهم لا مُلْقِيَ لَهم إلّا أنْفُسُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَألْقَوْا أنْفُسَهم سُجَّدًا، فَإنَّ سُجُودَهم كانَ إعْلانًا بِاعْتِرافِهِمْ أنَّ مُوسى مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى.

صفحة ٢٦٢

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دَلالَةً عَلى تَغَلُّبِ مُوسى عَلَيْهِمْ فَسَجَدُوا تَعْظِيمًا لَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ تَعْظِيمَ فِرْعَوْنَ، جَعَلُوهُ مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ (﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾) حَذَرًا مِن بَطْشِهِ.

وسُجَّدٌ: جَمْعُ ساجِدٍ.

وجُمْلَةُ قالُوا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أُلْقُوا قائِلِينَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾) فَإنَّ سُجُودَهُمُ اشْتَمَلَ عَلى إيمانِهِمْ، و(أنْ) تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً لِافْتِتاحِ المُحاوَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ فِرْعَوْنَ.

وإنَّما آمَنُوا بِاللَّهِ حِينَئِذٍ لِأنَّهم أيْقَنُوا أنَّ ما جَرى عَلى يَدِ مُوسى لَيْسَ مَن جِنْسِ السِّحْرِ لِأنَّهم أئِمَّةُ السِّحْرُ فَعَلِمُوا أنَّهُ آيَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ. وتَعْبِيرُهم عَنِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى هارُونَ ومُوسى لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ إلّا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لِأنَّ لَهم أرْبابًا يَعْبُدُونَها ويَعْبُدُها فِرْعَوْنُ.

وتَقْدِيمُ هارُونَ عَلى مُوسى هُنا وتَقْدِيمُ مُوسى عَلى هارُونَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١]) لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلٍ ولا غَيْرِهِ، لِأنَّ الواوَ العاطِفَةَ لا تُفِيدُ أكْثَرَ مِن مُطْلَقِ الجَمْعِ في الحُكْمِ المَعْطُوفِ فِيهِ، فَهم عَرَفُوا اللَّهَ بِأنَّهُ رَبُّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؛ فَحُكِيَ كَلامُهم بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ السَّحَرَةِ (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١])، ولَمْ يُحْكَ ذَلِكَ هُنا، لِأنَّ حِكايَةَ الأخْبارِ لا تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِجَمِيعِ المَحْكِيِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ في ذَلِكَ المَقامِ بِحَسْبِ الحاجَةِ.

صفحة ٢٦٣

ووَجْهُ تَقْدِيمِ هارُونَ هُنا الرِّعايَةُ عَلى الفاصِلَةِ، فالتَّقْدِيمُ وقَعَ في الحِكايَةِ لا في المَحْكِيِّ، إذْ وقَعَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ هارُونَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن حِكايَةِ قَوْلِ السَّحَرَةِ، فَيَكُونُ صَدَرَ مِنهم قَوْلانِ، قَدَّمُوا في أحَدِهِما اسْمَ هارُونَ اعْتِبارًا بِكِبَرِ سِنِّهِ، وقَدَّمُوا اسْمَ مُوسى في القَوْلِ الآخَرِ اعْتِبارًا بِفَضْلِهِ عَلى هارُونَ بِالرِّسالَةِ وكَلامِ اللَّهِ تَعالى، فاخْتِلافُ العِبارَتَيْنِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارَيْنِ.

ويُقالُ: آمَنَ لَهُ، أيْ حَصَلَ عِنْدَهُ الإيمانُ لِأجْلِهِ. كَما يُقالُ: آمَنَ بِهِ، أيْ حَصَلَ الإيمانُ عِنْدَهُ بِسَبَبِهِ، وأصْلُ الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِأنَّ آمَنَهُ بِمَعْنى صَدَّقَهُ. ولَكِنَّهُ كادَ أنْ لا يُسْتَعْمَلَ في مَعْنى التَّصْدِيقِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ.

وقَرَأ قالُونُ ووَرْشٌ مِن طَرِيقِ الأزَرْقِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (آمَنتُمْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ وهي المَدَّةُ النّاشِئَةُ عَنْ تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأصْلِيَّةِ في فِعْلِ آمَنَ، عَلى أنَّ الكَلامَ اسْتِفْهامٌ.

وقَرَأهُ ورَشٌ عَنْ طَرِيقِ الأصْفَهانِيِّ، وابْنِ كَثِيرٍ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّ الكَلامَ خَبَرٌ، فَهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْضًا.

ولَمّا رَأى فِرْعَوْنُ إيمانَ السَّحَرَةِ تَغَيَّظَ ورامَ عِقابَهم ولَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّ العِقابَ عَلى الإيمانِ بِمُوسى بَعْدَ أنْ فَتَحَ بابَ المُناظَرَةِ مَعَهُ نَكْثٌ لِأُصُولِ المُناظَرَةِ فاخْتَلَقَ لِلتَّشَفِّي مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عِلَّةَ إعْلانِهِمُ الإيمانَ قَبْلَ اسْتِئْذانِ فِرْعَوْنَ، فَعَدَّ ذَلِكَ جرْأةً عَلَيْهِ، وأوْهَمَ أنَّهم لَوِ اسْتَأْذَنُوهُ

صفحة ٢٦٤

لَأذِنَ لَهم، واسْتَخْلَصَ مِن تَسَرُّعِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى مِن قَبْلُ فَأظْهَرُوا العَجْزَ عِنْدَ مُناظَرَتِهِ. ومَقْصِدُ فِرْعَوْنَ مِن هَذا إقْناعُ الحاضِرِينَ بِأنَّ مُوسى لَمْ يَأْتِ بِما يُعْجِزُ السَّحَرَةُ إدْخالًا لِلشَّكِّ عَلى نُفُوسِ الَّذِينَ شاهَدُوا الآياتِ. وهَذِهِ شِنْشِنَةٌ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ اخْتِلاقُ المَغْلُوبِ بارِد العُذْرِ. ومِن هَذا القَبِيلِ اتِّهامُ المَحْكُومِ عَلَيْهِمُ الحاكِمِينَ بِالِارْتِشاءِ، واتِّهامُ الدُّوَلِ المَغْلُوبَةِ في الحُرُوبِ قُوّادَ الجُيُوشِ بِالخِيانَةِ.

وضَمِيرُ (لَهُ) عائِدٌ إلى مُوسى مِثْلُ ضَمِيرِ (﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾) . ومَعْنى (﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾) قَبْلَ أنْ أُسَوِّغَ لَكم أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: أذِنَ لَهُ، إذا أباحَ لَهُ شَيْئًا.

والتَّقْطِيعُ: شِدَّةُ القَطْعِ. ومَرْجِعُ المُبالَغَةِ إلى الكَيْفِيَّةِ، وهي ما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ (﴿مِن خِلافٍ﴾) أيْ مُخْتَلِفَةٍ؛ بِأنْ لا تُقْطَعُ عَلى جانِبٍ واحِدٍ بَلْ مِن جانِبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أيْ تَقْطَعُ اليَدُ ثُمَّ الرِّجْلُ مِنَ الجِهَةِ المُخالِفَةِ لِجِهَةِ اليَدِ المَقْطُوعَةِ ثُمَّ اليَدُ الأُخْرى ثُمَّ الرِّجْلُ الأُخْرى. والظّاهِرُ: أنَّ القَطْعَ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كانَ شِعارًا لِقَطْعِ المُجْرِمِينَ، فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ حِكايَةً لِلْواقِعِ لا لِلِاحْتِرازِ عَنْ قَطْعٍ بِشَكْلٍ آخَرَ، إذْ لا أثَرَ لِهَذِهِ الصِّفَةِ في تَفْظِيعٍ ولا في شِدَّةِ إيلامٍ إذا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ مُتَتابِعًا.

وأمّا ما جاءَ في الإسْلامِ في عُقُوبَةِ المُحارِبِ فَإنَّما هو قَطْعُ عُضْوٍ واحِدٍ عِنْدَ كُلِّ حِرابَةٍ فَهو مِنَ الرَّحْمَةِ في العُقُوبَةِ لِئَلّا يَتَعَطَّلَ انْتِفاعُ المَقْطُوعِ بِباقِي أعْضائِهِ مِن جَرّاءِ قَطْعِ يَدٍ ثُمَّ رِجْلٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، أوْ قَطْعِ يَدٍ بَعْدَ يَدٍ وبَقاءِ الرِّجْلَيْنِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن خِلافٍ﴾) لِلِابْتِداءِ، أيْ يَبْدَأُ القَطْعُ مِن مَبْدَأِ المُخالَفَةِ بَيْنَ المَقْطُوعِ. والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ المائِدَةِ.

صفحة ٢٦٥

والتَّصْلِيبُ: مُبالَغَةٌ في الصَّلْبِ. والصَّلْبُ: رَبْطُ الجِسْمِ عَلى عُودٍ مُنْتَصِبٍ أوْ دَقُّهُ عَلَيْهِ بِمَسامِيرَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]) في سُورَةِ النِّساءِ. والمُبالَغَةُ راجِعَةٌ إلى الكَيْفِيَّةِ أيْضًا بِشِدَّةِ الدَّقِّ عَلى الأعْوادِ. ولِذَلِكَ عدلَ عَنْ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ تَمَكُّنِ المَصْلُوبِ مِنَ الجِذْعِ بِتَمَكُّنِ الشَّيْءِ الواقِعِ في وِعائِهِ.

والجُذُوعُ: جَمْعُ جِذْعٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الذّالِ وهو عُودُ النَّخْلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]) . وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤]) بِحَرْفِ (في) مَعَ أنَّ الصَّلْبَ يَكُونُ فَوْقَ الجِذْعِ لا داخِلَهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ صَلْبٌ مُتَمَكِّنٌ يُشْبِهُ حُصُولَ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ، فَحَرْفُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تابِعَةٌ لِاسْتِعارَةِ مُتَعَلِّقِ مَعْنى (في) لِمُتَعَلِّقِ مَعْنى (عَلى) .

وأيُّنا: اسْتِفْهامٌ عَنْ مُشْتَرِكِينَ في شِدَّةِ التَّعْذِيبِ. وفِعْلُ (لَتَعْلَمُنَّ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوِقُوعِ الِاسْتِفْهامِ في آخِرِهِ. وأرادَ بِالمُشْتَرِكِينَ نَفْسَهُ ورَبَّ مُوسى سُبْحانَهُ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن قَوْلِهِمْ (﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾) أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الإيمانِ بِهِ ما قَدَّمَ لَهم مُوسى مِنَ المَوْعِظَةِ حِينَ قالَ لَهم بِمَسْمَعٍ مِن فِرْعَوْنَ (﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١])، أيْ وسَتَجِدُونَ عَذابِيَ أشَدَّ مِنَ العَذابِ الَّذِي حُذِّرْتُمُوهُ. وهَذا مِن غُرُورِهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُرادُ فِرْعَوْنَ ما قابَلَ بِهِ المُؤْمِنُونَ قَوْلَهُ (﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾) بِقَوْلِهِمْ (﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣])، أيْ خَيْرٌ مِنكَ وأبْقى عَمَلًا مِن عَمَلِكَ، فَثَوابُهُ خَيْرٌ مِن رِضاكَ وعَذابُهُ أشَدُّ مِن عَذابِكَ.

20:72–73Page 316

قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢

They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣

Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1

صفحة ٢٦٦

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .

أظْهَرُوا اسْتِخْفافَهم بِوَعِيدِهِ وبِتَعْذِيبِهِ، إذْ أصْبَحُوا أهْلَ إيمانٍ ويَقِينٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ المُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ إذا أشْرَفَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُ الرِّسالَةِ فَسُرْعانَ ما يَكُونُ انْقِلابُهم عَنْ جَهالَةِ الكُفْرِ وقَساوَتِهِ إلى حِكْمَةِ الإيمانِ وثَباتِهِ. ولَنا في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ونَحْوِهِ مِمَّنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَثَلُ صِدْقٍ.

والإيثارُ: التَّفْضِيلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٩١]) في سُورَةِ يُوسُفَ. والتَّفْضِيلُ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وما جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ مُقْتَضٍ حَذْفَ مُضافٍ يُناسِبُ المُقابَلَةَ بِالبَيِّناتِ، أيْ لَنْ نُؤْثِرَ طاعَتَكَ أوْ دِينَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ عَطْفُ (﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾)، أيْ لا نُؤْثِرُكَ في الرُّبُوبِيَّةِ عَلى الَّذِي فَطَرَنا.

وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى التَّعْلِيلِ، لِأنَّ الفاطِرَ هو المُسْتَحَقُّ بِالإيثارِ.

وأُخِّرَ (﴿الَّذِي فَطَرَنا﴾) عَنْ (﴿ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾) لِأنَّ البَيِّناتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَهم أرادَ مِنهُمُ الإيمانَ بِمُوسى ونَبْذَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ.

وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ (﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ، لِأنَّ (﴿ما أنْتَ قاضٍ﴾) ماصَدَقَهُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِن تَقْطِيعِ

صفحة ٢٦٧

الأيْدِي والأرْجُلِ والصَّلْبِ، أيْ سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ أوْ عَدَمُ وُقُوعِهِ، فَلا نَطْلُبُ مِنكَ خَلاصًا مِنهُ جَزاءَ طاعَتِكِ فافْعَلْ ما أنْتَ فاعِلٌ (والقَضاءُ هُنا التَّنْفِيذُ والإنْجازُ) فَإنَّ عَذابَكَ لا يَتَجاوَزُ هَذِهِ الحَياةَ ونَحْنُ نَرْجُو مِن رَبِّنا الجَزاءَ الخِالِدَ.

وانْتَصَبَ (﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾) عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ فِيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالحَياةِ مُدَّتُها.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، أيْ إنَّكَ مَقْصُورٌ عَلى القَضاءِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا يَتَجاوَزْهُ إلى القَضاءِ في الآخِرَةِ، فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا﴾) في مَحَلِّ العِلَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم.

ومَعْنى (﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾) أنَّهُ أكْرَهَهم عَلى تَحَدِّيهِمْ مُوسى بِسِحْرِهِمْ فَعَلِمُوا أنَّ فِعْلَهم باطِلٌ وخَطِيئَةٌ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِإبْطالِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ، فَبِذَلِكَ كانَ مُسْتَوْجِبًا طَلَبَ المَغْفِرَةِ.

وجُمْلَةُ (﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾) في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرَ الكَلامِ لِلتَّذْيِيلِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَيْرٌ لَنا بِأنْ نُؤْثِرَهُ مِنكَ. والمُرادُ: رِضى اللَّهِ وهو أبْقى مِنكَ، أيْ جَزاؤُهُ في الخَيْرِ والشَّرِّ أبْقى مِن جَزائِكَ فَلا يَهُولُنا قَوْلُكَ (﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١])، فَذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِوَعِيدِهِ مُقابَلَةً تامَّةً.

20:74–76Page 316

إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤

Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.

وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥

But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1

صفحة ٢٦٨

﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهُرُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .

هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ قِصَّةِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ ذِكْرِ قِصَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ساقَها اللَّهُ مَوْعِظَةً وتَأْيِيدًا لِمَقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هي مِن كَلامِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَحْكِ نَظِيرَهُ عَنْهم في نَظائِرِ هَذِهِ القِصَّةِ.

والمُجْرِمُ: فاعِلُ الجَرِيمَةِ، وهي المَعْصِيَةُ والفِعْلُ الخَبِيثُ. والمُجْرِمُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ هو الكافِرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]) .

واللّامُ في (﴿لَهُ جَهَنَّمَ﴾) لامُ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ هو صائِرٌ إلَيْها لا مَحالَةَ، ويَكُونُ عَذابُهُ مُتَجَدِّدًا فِيها؛ فَلا هو مَيِّتٌ لِأنَّهُ يُحِسُّ بِالعَذابِ ولا هو حَيٌّ لِأنَّهُ في حالَةِ المَوْتِ أهْوَنُ مِنها، فالحَياةُ المَنفِيَّةُ حَياةٌ خاصَّةٌ وهي الحَياةُ الخالِصَةُ مِنَ العَذابِ والآلامِ. وبِذَلِكَ لَمْ يَتَناقَضْ نَفْيُها مَعَ نَفْيِ المَوْتِ، وهو كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ

ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ (﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]) ولا قَوْلُهُ (﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]) .

صفحة ٢٦٩

وأمّا خُلُودُ غَيْرِ الكافِرِينَ في النّارِ مِن أهْلِ الكَبائِرِ فَإنَّ قَوْلَهُ (﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾) جَعَلَها غَيْرَ مَشْمُولَةٍ لِهَذِهِ الآيَةِ. ولَها أدِلَّةٌ أُخْرى اقْتَضَتْ خُلُودَ الكافِرِ وعَدَمُ خُلُودِ المُؤْمِنَ العاصِي. ونازَعَنا فِيها المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ. ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها وقَدْ ذَكَرْناها في مَواضِعِها مِن هَذا التَّفْسِيرِ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ﴾) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى (عَدْنٍ) وتَفْسِيرُ (﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾) في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]) في سُورَةِ بَراءَةٌ.

والتَّزَكِّي: التَّطَهُّرُ مِنَ المَعاصِي.

20:77Page 317

وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧

And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."

﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ .

افْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِلِاهْتِمامِ بِالقِصَّةِ لِيُلْقِيَ السّامِعُونَ إلَيْها أذْهانَهم. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ابْتِداءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَصَصًا طُوِيَتْ بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّتَيْنِ، فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى حَرْفِ العَطْفِ لَتُوُهِّمَ أنَّ حِكايَةَ القِصَّةِ الأُولى لَمْ تَزَلْ مُتَّصِلَةً فَتُوُهِّمُ أنَّ الأمْرَ بِالخُرُوجِ وقَعَ مُوالِيًا لِانْتِهاءِ مَحْضَرِ السَّحَرَةِ، مَعَ أنَّ بَيْنَ ذَلِكَ قَصَصًا كَثِيرَةً ذُكِرَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها، فَإنَّ الخُرُوجَ وقَعَ بَعْدَ ظُهُورِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِإرْهابِ فِرْعَوْنَ كُلَّما هَمَّ بِإطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْخُرُوجِ. ثُمَّ نَكَلَ إلى أنْ أذِنَ لَهم بِأخَرَةٍ فَخَرَجُوا ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ فَأتْبَعَهم.

صفحة ٢٧٠

فَجُمْلَةُ (﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾) ابْتِدائِيَّةٌ، والواوُ عاطِفَةُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ ولَيْسَتْ عاطِفَةً بَعْضَ أجْزاءِ قِصَّةٍ عَلى بَعْضٍ آخَرَ.

و(أسْرِ) أمْرٌ مِنَ السُّرى - بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ الرّاءِ - وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ أنَّهُ يُقالُ: سَرى وأسْرى. وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ تَجَنُّبًا لِنُكُولِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ. والإضافَةُ في قَوْلِهِ بِعِبادِي لِتَشْرِيفِهِمْ وتَقْرِيبِهِمْ والإيماءِ إلى تَخْلِيصِهِمْ مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ وأنَّهم لَيْسُوا عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ. والضَّرْبُ: هُنا بِمَعْنى الجَعْلِ كَقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ الذَّهَبُ دَنانِيرَ. وفي الحَدِيثِ: «واضْرِبُوا إلَيَّ مَعَكم بِسَهْمٍ»، ولَيْسَ هو كَقَوْلِهِ (﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) لِأنَّ الضَّرْبَ هُناكَ مُتَعَدٍّ إلى البَحْرِ وهُنا نُصِبَ طَرِيقًا.

واليَبَسُ - بِفَتْحِ المُثَنّاةِ والمُوَحَّدَةِ. ويُقالُ: بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ: وصْفٌ بِمَعْنى اليابِسِ. وأصْلُهُ مَصْدَرٌ كالعَدَمِ والعُدْمِ، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ ولِذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ فَقالُوا: ناقَةٌ يَبَسٌ؛ إذا جَفَّ لَبَنُها.

و(﴿لا تَخافُ﴾) مَرْفُوعٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وعْدٌ لِمُوسى اقْتُصِرَ عَلى وعْدِهِ دُونَ بَقِيَّةِ قَوْمِهِ لِأنَّهُ قُدْوَتُهم فَإذا لَمْ يَخَفْ هو تَشَجَّعُوا وقَوِيَ يَقِينُهم، فَهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ البُشْرى. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (لا تَخَفْ) عَلى جَوابِ الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ فاضْرِبْ، وكَلِمَةُ (تَخَفْ) مَكْتُوبَةٌ في المَصاحِفِ بِدُونِ ألْفٍ؛ لِتَكَونَ قِراءَتُها بِالوَجْهَيْنِ لِكَثْرَةِ نَظائِرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ذاتِ الألِفِ في وسَطِها في رَسْمِ المُصْحَفِ ويُسَمِّيهِ المُؤَدِّبُونَ المَحْذُوفَ.

وأمّا قَوْلُهُ (﴿ولا تَخْشى﴾) فالإجْماعُ عَلى قِراءَتِهِ بِألْفٍ في آخِرِهِ. فَوَجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ فِيها مَعَ أنَّهُ قَرَأ بِجَزْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ

صفحة ٢٧١

أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإطْلاقِ لِأجْلِ الفَواصِلِ مِثْلَ ألْفِ (﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧]) وألْفِ (﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠])، أوْ أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ (﴿ولا تَخْشى﴾) لِلِاسْتِئْنافِ لا لِلْعَطْفِ.

والدَّرَكُ - بِفَتْحَتَيْنِ اسْمُ مَصْدَرِ الإدْراكِ، أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ.

والخَشْيَةُ: شِدَّةُ الَخَوْفِ. وحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِإفادَةِ العُمُومِ، أيْ لا تَخْشى شَيْئًا، وهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصِ، أيْ لا تَخْشى شَيْئًا مِمّا يُخْشى مِنَ العَدْوِ ولا مِنَ الغَرَقِ.

20:78–79Page 317

فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨

So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1

وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].

﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .

الفاءُ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، أيْ فَسَرى بِهِمْ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ رَأى آياتِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ وأيْقَنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَأْيِيدٌ لِمُوسى أذِنَ لِمُوسى وهارُونَ أنْ يُخْرِجا بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ إذْنُ فِرْعَوْنَ قَدْ حَصَلَ لَيْلًا لِحُدُوثِ مَوَتانٍ عَظِيمٍ في القِبْطِ في لَيْلَةِ الشَّهْرِ السّابِعِ مِن أشْهُرِ القِبْطِ وهو شَهْرُ ”بَرَمْهاتَ“ وهو الَّذِي اتَّخَذَهُ اليَهُودُ رَأسَ سَنَتِهِمْ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ وسَمَّوْهُ ”تِسَّرِي“ فَخَرَجُوا مِن مَدِينَةِ ”رَعْمِسِيسَ“ قاصِدِينَ شاطِئَ البَحْرِ الأحْمَرِ. ونَدِمَ فِرْعَوْنُ عَلى إطْلاقِهِمْ فَأرادَ أنْ يَلْحَقَهم لِيُرْجِعَهم إلى مَدِينَتِهِ، وخَرَجَ في مَرْكَبَتِهِ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ مَرْكَبَةٍ مُخْتارَةٍ ومَرْكَباتٍ أُخْرى تَحْمِلُ جَيْشَهُ.

وأتْبَعُ: مُرادِفُ تَبِعَ. والباءُ في بِجُنُودِهِ لِلْمُصاحَبَةِ.

واليَمُّ: البَحْرُ. وغِشْيانُهُ إيّاهم: تَغْطِيَتُهُ جُثَثَهم، أيْ فَغَرِقُوا.

صفحة ٢٧٢

وقَوْلُهُ (ما غَشِيَهم) يُفِيدُ ما أفادَهُ قَوْلُهُ (﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ﴾) إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم غَشِيَهم غاشٍّ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ، أيْ بَلَغَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ الغَرَقِ أنَّهُ لا يُسْتَطاعُ وصْفُهُ. قالَ في الكَشّافِ (هو مِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ) . وهَذا الجُزْءُ مِنَ القِصَّةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ.

وجُمْلَةُ (﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في غَشِيَهم.

والإضْلالُ: الإيقاعُ في الضَّلالِ، وهو خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ. ويُسْتَعْمَلُ بِكَثْرَةٍ في مَعْنى الجَهالَةِ وعَمَلِ ما فِيهِ ضُرٌّ وهو المُرادُ هُنا. والمَعْنى: أنَّ فِرْعَوْنَ أوْقَعَ قَوْمَهُ في الجَهالَةِ وسُوءِ العاقِبَةِ بِما بَثَّ فِيهِمْ مِن قَلْبِ الحَقائِقِ والجَهْلِ المُرَكَّبِ، فَلَمْ يُصادِفُوا السَّدادَ في أعْمالِهِمْ حَتّى كانَتْ خاتِمَتُها وُقُوعُهم غَرْقى في البَحْرِ بِعِنادِهِ في تَكْذِيبِ دَعْوَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وعَطْفُ (وما هَدى) عَلى (أضَلَّ): إمّا مِن عَطْفِ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ لِأنَّ عَدَمَ الهُدى يَصْدُقُ بِتَرْكِ الإرْشادِ مِن دُونِ إضْلالٍ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا بِالمُرادِفِ مُؤَكِّدًا لِنَفْيِ الهُدى عَنْ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وما هَدى تَأْكِيدًا لِ أضَلَّ بِالمُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]) وقَوْلِ الأعْشى: (حُفاةً لا نِعالَ لَنا) مِن قَوْلِهِ:

إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ

وفِي الكَشّافِ: إنَّ نُكْتَةَ ذِكْرِ (وما هَدى) التَّهَكُّمُ بِفِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ (﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩]) اهـ.

يَعْنِي أنَّ في قَوْلِهِ (وما هَدى) تَلْمِيحًا إلى قِصَّةِ قَوْلِهِ المَحْكِيِّ في سُورَةِ غافِرٍ (﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩]) وما في هَذِهِ مِن قَوْلِهِ (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣])، أيْ هي هُدًى، فَيَكُونُ مِنَ

صفحة ٢٧٣

التَّلْمِيحِ إلى لَفْظٍ وقَعَ في قِصَّةٍ مُفْضِيًا إلى التَّلْمِيحِ إلى القِصَّةِ كَما في قَوْلِ مُهَلْهَلٍ:

لَوْ كُشِفَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ ∗∗∗ فَخُبِّرَ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ

يُشِيرُ إلى قَوْلِ كُلَيْبٍ لَهُ عَلى وجْهِ المَلامَةِ: أنْتَ زِيرُ نِساءٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском