Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:10–17
21:10Page 322
لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠
We have certainly sent down to you a Book [i.e., the Qur’ān] in which is your mention.1 Then will you not reason?
﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اسْتِئْنافُ جَوابٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] بِإيقاظِهِمْ إلى أنَّ الآيَةَ الَّتِي جاءَتْهم هي أعْظَمُ مِنَ الآياتِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها
صفحة ٢٢
الأوَّلُونَ، وتَجْهِيلًا لِألْبابِهِمُ الَّتِي لَمْ تُدْرِكْ عِظَمَ الآيَةِ الَّتِي جاءَتْهم كَما أنْبَأ بِذَلِكَ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذا المَكانِ.
وفِي ضَمِيرِ ذَلِكَ تَحْقِيقٌ؛ لِكَوْنِ القُرْآنِ حَقًّا، وتَذْكِيرٌ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي عَمُوا عَنْها فِيما حُكِيَ عَنْهم أوَّلَ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] كَما أنْبَأ بِذَلِكَ ظاهِرُ مَعْنى الآيَةِ.
ولِقَصْدِ هَذا الإيقاظِ صُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِما يُفِيدُ التَّحْقِيقَ مِن لامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ، وجُعِلَ إنْزالُ الكِتابِ إلَيْهِمْ كَما اقْتَضَتْهُ تَعْدِيَةُ فِعْلِ ”أنْزَلْنا“ بِحَرْفِ ”إلى“ شَأْنَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الإنْزالِ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ بِـ ”إلى“ - هو المُنَزَّلُ إلَيْهِ، فَجُعِلَ الإنْزالُ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ نَظَرًا إلى أنَّ الإنْزالَ كانَ لِأجْلِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ. وذَلِكَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لَقَدْ أنْزَلْنا لَكم. وتَنْكِيرُ ”كِتابًا“ لِلتَّعْظِيمِ إيماءً إلى أنَّهُ جَمَعَ خَصْلَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: كَوْنَهُ كِتابَ هُدًى، وكَوْنَهُ آيَةً ومُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ ﷺ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أوْ مُدانِيهِ.
والذِّكْرُ يُطْلَقُ عَلى التَّذْكِيرِ بِما فِيهِ الصَّلاحُ، ويُطْلَقُ عَلى السُّمْعَةِ والصِّيتِ كَقَوْلِهِ: ”﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]“ . وقَدْ أُوثِرَ هَذا المَصْدَرُ هُنا وجُعِلَ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِيَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا، فَيَصِحَّ قَصْدُ المَعْنَيَيْنِ مَعًا مِن كَلِمَةِ ”الذِّكْرِ“ بِأنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ مُشْتَمِلًا عَلى أعْظَمِ الهُدى، هو تَذْكِيرٌ لَهم بِما بِهِ نِهايَةُ إصْلاحِهِمْ، ومَجِيئُهُ بِلُغَتِهِمْ، وفي قَوْمِهِمْ، وبِواسِطَةِ واحِدٍ مِنهم، سُمْعَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقالَ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] .
صفحة ٢٣
وقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَعْنَيَيْنِ. وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ هُنا قالَ جَماعَةٌ: مَعْنى ”فِيهِ ذِكْرُكم“ أنَّهُ الشَّرَفُ، أيْ فِيهِ شَرَفُكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ شَرَفُكم وذِكْرُكم آخِرَ الدَّهْرِ كَما تُذْكَرُ عِظامُ الأُمُورِ. وقَدْ فُسِّرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .
وعَلى المَعْنَيَيْنِ يَكُونُ لِتَفْرِيعِ قَوْلِهِ تَعالى: ”أفَلا تَعْقِلُونَ“ أحْسَنُ مَوْقِعٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ لِنَفْيِ عَقْلِهِمْ مُتَّجِهٌ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنَ، فَإنَّ مَن جاءَهُ ما بِهِ هَدْيُهُ فَلَمْ يَهْتَدِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ سُوءُ عَقْلِهِ، ومَن جاءَهُ ما بِهِ مَجْدُهُ وسُمْعَتُهُ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ سُوءُ قَدْرِهِ لِلْأُمُورِ حَقَّ قَدْرِها، كَما يَكُونُ الفَضْلُ في مِثْلِهِ مُضاعَفًا. وأيْضًا فَهو مُتَفَرِّعٌ عَلى الإقْناعِ بِإنْزالِ القُرْآنِ آيَةً تَفُوقُ الآياتِ الَّتِي سَألُوا مِثْلَها، وهو المُفادُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ ومِن تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِالقِسْمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمُ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وذَلِكَ لِإعْجازِهِ اللَّفْظِيِّ والمَعْنَوِيِّ.
21:11–14Page 323
وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ١١
And how many a city which was unjust1 have We shattered and produced after it another people.
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢
And when they [i.e., its inhabitants] perceived Our punishment, at once they fled from it.
لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣
[Some angels said], "Do not flee but return to where you were given luxury and to your homes - perhaps you will be questioned."1
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤
They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."
﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦]، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]، وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
صفحة ٢٤
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها أنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ وعْدَهُ وهو خَبَرٌ يُفِيدُ ابْتِداءَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الرُّسُلِ ونَصْرِهِمْ وبِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِنَصْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَكَرَ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ لَهُ تَبَعًا لِذَلِكَ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إهْلاكِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الظّالِمِينَ ووَصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ ابْتِداءً اهْتِمامًا بِهِ لِيَقْرَعَ أسْماعَهم، فَهو تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِالِانْقِراضِ بِقاعِدَةِ قِياسِ المُساواةِ، وأنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ بَعْدَهم أُمَّةً مُؤْمِنَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
و”كَمْ“ اسْمٌ، لَهُ حَقُّ صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ لِلْإخْبارِ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى فَـ ”كَمْ“ هُنا خَبَرِيَّةٌ. وهي واقِعَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلِ ”قَصَمْنا“ . وفي ”كَمْ“ الدّالَّةِ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخَلُّفِ إهْلاكِ هَذِهِ القُرى، وبِضَمِيمَةِ وصْفِ تِلْكَ الأُمَمِ بِالظُّلْمِ، أيِ الشِّرْكِ إيماءً إلى سَبَبِ الإهْلاكِ فَحَصَلَ مِنهُ ومِنِ اسْمِ الكَثْرَةِ مَعْنى العُمُومِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ التَّهْدِيدَ بِأنَّ ذَلِكَ حالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ بِحُكْمِ العُمُومِ، وأنَّ هَذا لَيْسَ مُرادًا بِهِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ ”حَضُوراءُ“ بِفَتْحِ الحاءِ - مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ - قَتَلُوا نَبِيئًا اسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ ذِي مَهْدَمٍ في زَمَنِ أرْمِياءَ نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَأفْناهم. فَإنَّما أرادَ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ مِمَّنْ شَمِلَتْهم هَذِهِ الآيَةُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمَ اهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأطْلَقَ القَرْيَةَ عَلى أهْلِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
صفحة ٢٥
ووَجْهُ اخْتِيارِ لَفْظِ قَرْيَةٍ هَنا نَظِيرُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] . وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن قَرْيَةٍ“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وهي تَدْخُلُ عَلى ما فِيهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ وهي هُنا تَمْيِيزٌ لِإبْهامِ ”كَمْ“ .
والقَصْمُ: الكَسْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ التِئامٌ ولا انْتِفاعٌ. واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ القَوِيِّ، كَإهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ وسَبَأٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ. فَجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ . وضَمِيرُ ”مِنها“ عائِدٌ إلى ”قَرْيَةٍ“ .
والإحْساسُ: الإدْراكُ بِالحِسِّ، فَيَكُونُ بِرُؤْيَةِ ما يُزْعِجُهم أوْ سَماعِ أصْواتٍ مُؤْذِنَةٍ بِالهَلاكِ، كالصَّواعِقِ والرِّياحِ.
والبَأْسُ: شِدَّةُ الألَمِ والعَذابِ. وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها يَرْكُضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِابْتِداءِ، أيْ خارِجِينَ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ بِتَأْوِيلِ ”يَرْكُضُونَ“ مَعْنى ”يَهْرُبُونَ“، أيْ مِنَ البَأْسِ الَّذِي أحَسُّوا بِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مِن بَأْسِنا الَّذِي أحَسُّوهُ في القَرْيَةِ. وذَلِكَ بِحُصُولِ أشْراطِ إنْذارٍ مِثْلَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ.
والرَّكْضُ: سُرْعَةُ سَيْرِ الفَرَسِ، وأصْلُهُ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ، فَيُسَمّى بِهِ العَدْوُ؛ لِأنَّ العَدْوَ يَقْتَضِي قُوَّةَ الضَّرْبِ بِالرِّجِلِ، وأُطْلِقَ الرَّكْضُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سُرْعَةِ سَيْرِ النّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ بِرَكْضِ الأفْراسِ.
صفحة ٢٦
و”مِنها“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ المَرْفُوعِ. ودَخَلَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في جَوابِ ”لَمّا“؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ ابْتَدَرُوا الهُرُوبَ مِن شِدَّةِ الإحْساسِ بِالبَأْسِ تَصْوِيرًا لِشِدَّةِ الفَزَعِ. ولَيْسَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ بِرابِطَةٍ لِلْجَوابِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ، و”إذا“ الفُجائِيَّةُ قَدْ تَكُونُ رابِطَةً لِلْجَوابِ خَلَفًا مِنَ الفاءِ الرّابِطَةِ حَيْثُ يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ؛ لِأنَّ مَعْنى الفُجاءَةِ يَصْلُحُ لِلرَّبْطِ ولا يُلازِمُهُ. وجُمْلَةُ ”﴿لا تَرْكُضُوا﴾“ مُعْتَرِضَةٌ وهي خِطابٌ لِلرّاكِضِينَ بِتَخَيُّلِ كَوْنِهِمْ كالحاضِرِينَ المُشاهِدِينَ في وقْتِ حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ، تَرْشِيحًا لِما اقْتَضى اجْتِلابَ حَرْفِ المُفاجَأةِ، وهَذا كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيًا
أيْ لَمّا دَعاهُ الهَوى، أيْ ذَكَّرَهُ أحْبابَهُ وهو غازٍ بِذِي الطَّبَسَيْنِ التَفَتَ وراءَهُ كالَّذِي يَدْعُوهُ داعٍ مِن خَلْفِهِ فَتَخَيَّلَ الهَوى داعِيًا وراءَهُ. وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خُوطِبُوا بِهِ حِينَئِذٍ بِأنْ سَمِعُوهُ بِخَلْقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ. وهَذا ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ، ويُبْعِدُهُ اسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ واقِعًا عِنْدَ كُلِّ عَذابٍ أُصِيبَتْ بِهِ كُلُّ قَرْيَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
والإتْرافُ: إعْطاءُ التَّرَفِ، وهو النَّعِيمُ ورَفَهِ العَيْشِ، أيِ ارْجِعُوا إلى ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الرَّفاهِيَةِ وإلى مَساكِنِكم.
صفحة ٢٧
وقَوْلُهُ تَعالى ”لَعَلَّكم تُسْألُونَ“ مِن جُمْلَةِ التَّهَكُّمِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ”تُسْألُونَ“ احْتِمالاتٍ سِتَّةٍ. أظْهَرُها: أنَّ المَعْنى: ارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لِتَرَوْا ما آلَ إلَيْهِ، فَلَعَلَّكم يَسْألُكم سائِلٌ عَنْ حالِ ما أصابَكم فَتَعْلَمُوا كَيْفَ تُجِيبُونَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُسافِرِ أنْ يَسْألَهُ الَّذِينَ يَقْدُمُ إلَيْهِمْ عَنْ حالِ البِلادِ الَّتِي تَرَكَها مِن خِصْبٍ ورَخاءٍ أوْ ضِدِّ ذَلِكَ، وفي هَذا تَكْمِلَةٌ لِلتَّهَكُّمِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾“ إنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”لا تَرْكُضُوا“ مُعْتَرِضَةً عَلى ما قَرَّرْتُهُ آنِفًا - تَكُونُ هَذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَمّا يَقُولُونَهُ حِينَ يُسْرِعُونَ هارِبِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ الهارِبِ الفَزِعِ أنْ تَصْدُرَ مِنهُ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلى الفَزَعِ أوِ النَّدَمِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أحَلَّتْ بِهِ المَخاوِفَ، فَيُجابُ بِأنَّهم أيْقَنُوا حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَيُقِرُّونَ بِظُلْمِهِمْ ويُنْشِئُونَ التَّلَهُّفَ والتَّنَدُّمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وإنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ جَوابًا لِقَوْلِ مَن قالَ لَهم: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ويَكُونُ فَصْلُ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ قالُوا: قَدْ عَرَفْنا ذَنْبَنا وحُقَّ التَّهَكُّمُ بِنا. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] في سُورَةِ المُلْكِ.
21:15Page 323
فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥
And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدَيْنِ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤]، فاسْمُ ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾ [الأنبياء: ١٤]، وتَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ
صفحة ٢٨
اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الإخْبارِ عَنْهُ بِدَعْواهم، أيْ ما زالُوا يُكَرِّرُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ يَدْعُونَ بِها عَلى أنْفُسِهِمْ.
وهَذا الوَجْهُ يُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣]؛ لِأنَّ شَأْنَ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُها الخائِفُ أنْ يُكَرِّرَها، إذْ يَغِيبُ رَأْيُهُ فَلا يَهْتَدِي لِلْإتْيانِ بِكَلامٍ آخَرَ، بِخِلافِ الكَلامِ المَسُوقِ جَوابًا فَإنَّهُ لا داعِيَ إلى إعادَتِهِ. والمَعْنى: فَما زالُوا يُكَرِّرُونَ مَقالَتَهم تِلْكَ حَتّى هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
وسُمِّيَ ذَلِكَ القَوْلُ دَعْوى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ هو الدُّعاءُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ، والدُّعاءُ يُسَمّى دَعْوى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] في سُورَةِ يُونُسَ. أيْ فَما زالَ يُكَرَّرُ دُعاؤُهم بِذَلِكَ فَلَمْ يَكُفُّوا عَنْهُ إلى أنْ صَيَّرْناهم كالحَصِيدِ، أيْ أهْلَكْناهم.
وحَرْفُ ”حَتّى“ مُؤْذِنٌ بِنِهايَةِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ .
والحَصِيدُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَحْصُودُ. وهَذِهِ الصِّيغَةُ تُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ إذا جَرَتْ عَلى المَوْصُوفِ بِها كَما هُنا.
والحَصْدُ: جَزُّ الزَّرْعِ والنَّباتِ بِالمِنجَلِ لا بِاليَدِ. وقَدْ شاعَ إطْلاقُ الحَصِيدِ عَلى الزَّرْعِ المَحْصُودِ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ الجامِدِ.
والخامِدُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن خَمَدَتِ النّارُ تَخْمُدُ - بِضَمِّ المِيمِ - إذا زالَ لَهِيبُها. شُبِّهُوا بِزَرْعٍ حُصِدَ، أيْ بَعْدَ أنْ كانَ قائِمًا عَلى سُوقِهِ خَضِرًا، فَهو يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَهَمْ قَبْلَ هَلاكِهِمْ بِزَرْعٍ في حُسْنِ المَنظَرِ والطَّلْعَةِ،
صفحة ٢٩
كَما شُبِّهَ بِالزَّرْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] في سُورَةِ الفَتْحِ. ويُقالُ لِلنّاشِئِ: أنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ . فَلِلْإشارَةِ إلى الشَّبَهَيْنِ شَبَهِ البَهْجَةِ وشَبَهِ الهَلْكِ أُوثِرَ تَشْبِيهُهم حِينَ هَلاكِهِمْ بِالحَصِيدِ. وكَذَلِكَ شُبِّهُوا حِينَ هَلاكِهِمْ بِالنّارِ الخامِدَةِ، فَتَضَمَّنَ تَشْبِيهَهَمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالنّارِ المَشْبُوبَةِ في القُوَّةِ والبَأْسِ، كَما شُبِّهَ بِالنّارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] في سُورَةِ المائِدَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَحَصَلَ تَشْبِيهانِ بَلِيغانِ، ولَيْسا بِاسْتِعارَتَيْنِ مَكْنِيَّتَيْنِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُشَبَّهِ فِيهِما مانِعٌ مِن تَقَوُّمِ حَقِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، خِلافًا لِلْعَلّامَتَيْنِ التَّفْتَزانِيِّ والجُرْجانِيِّ في شَرْحَيْهِما لِلْمِفْتاحِ مُتَمَسِّكِينَ بِصِيغَةِ جَمْعِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ”جَعَلْناهم“، فَجَعَلا ذَلِكَ اسْتِعارَتَيْنِ مَكْنِيَّتَيْنِ، إذْ شُبِّهُوا بِزَرْعٍ حِينَ انْعِدامِهِ ونارٍ ذَهَبَتْ قُوَّتُها، وحُذِفَ المُشَبَّهُ بِهِما ورُمِزَ إلَيْهِما بِلازِمِ كُلٍّ مِنهُما وهو الحَصْدُ والخُمُودُ، فَكانَ ”حَصِيدًا“ وصْفًا في المَعْنى لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ في جَعَلْناهم، فالحَصِيدُ هُنا وصْفٌ لَيْسَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الجامِدِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿حَصِيدًا﴾“ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إذْ لَمْ يُشَبَّهُوا بِحَصِيدِ زَرْعٍ بَلْ أُثْبِتَ لَهم أنَّهم مَحْصُودُونَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً مِثْلَ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿خامِدِينَ﴾“ الَّذِي هو اسْتِعارَةٌ لا مَحالَةَ كَما هو مُقْتَضى مَجِيئِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُذَكَّرِ، ومَبْنى الِاسْتِعارَةِ عَلى تَناسِي التَّشْبِيهِ. وهَذا تَكَلُّفٌ مِنهُما ولَمْ أدْرِ ماذا دَعاهُما إلى ارْتِكابِ هَذا التَّكَلُّفِ.
وانْتَصَبَ ﴿حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ عَلى أنَّ كِلَيْهِما مَفْعُولٌ ثانٍ مُكَرَّرٌ لِفِعْلِ الجَعْلِ كَما يُخْبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ بِخَبَرَيْنِ وأكْثَرَ، فَإنَّ مَفْعُولَيْ ”جَعَلَ“ أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ ولَيْسَ ثانِيهُما وصْفًا لِأوَّلِهِما كَما هو ظاهِرٌ.
21:16–17Page 323
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦
And We did not create the heaven and earth and that between them in play.
لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧
Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.
صفحة ٣٠
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾
كَثُرَ في القُرْآنِ الِاسْتِدْلالُ بِإتْقانِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما عَلى أنَّ لِلَّهِ حِكْمَةً في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ وخَلْقِ نُظُمِها وسُنَنِها وفِطَرِها، بِحَيْثُ تَكُونُ أحْوالُها وآثارُها وعَلاقَةُ بَعْضِها بِبَعْضٍ مُتَناسِبَةً مُجارِيَةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] . وقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ كَيْفِيَّةَ مُلابَسَةِ الحَقِّ لِكُلِّ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ وأنْواعِها بِما يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وكَثُرَ أنْ يُنَبِّهَ القُرْآنُ العُقُولَ إلى الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتِ النِّسْبَةَ بَيْنَ خَلْقِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وبَيْنَ جَزاءِ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ عَلى القانُونِ الَّذِي أقامَتْهُ الشَّرائِعُ لَهم في مُخْتَلَفِ أجْيالِهِمْ وعُصُورِهِمْ وبُلْدانِهِمْ إلى أنْ عَمَّتْهُمُ الشَّرِيعَةُ العامَّةُ الخاتِمَةُ شَرِيعَةُ الإسْلامِ - وإلى الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ تَكْوِينَ حَياةٍ أبَدِيَّةٍ تَلْقى فِيها النُّفُوسُ جَزاءَ ما قَدَّمَتْهُ في هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ جَزاءً وِفاقًا.
فَلِذَلِكَ كَثُرَ أنْ تُعَقَّبَ الآياتُ المُبَيِّنَةُ لِما في الخَلْقِ مِنَ الحَقِّ بِالآياتِ الَّتِي تُذَكِّرُ الجَزاءَ والحِسابَ، والعَكْسُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] في آخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] آخِرِ الحِجْرِ، وقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٣١
﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦] ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] في سُورَةِ ”ص“، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] في سُورَةِ الدُّخانِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] في سُورَةِ الأحْقافِ إلى غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ.
فَكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ عُقِّبَ بِها ذِكْرُ القَوْمِ المُهْلَكِينَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إيقاظُ العُقُولِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِن دَقائِقِ المُناسَباتِ وإعْطاءِ كُلِّ مَخْلُوقٍ ما بِهِ قِوامَهُ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ اللَّهِ في خَلْقِ العَوالِمِ ظَرْفِها ومَظْرُوفِها، اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ لا تَتَخَلَّفُ في تَرَتُّبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها فِيما يَأْتِيهِ جِنْسُ المُكَلَّفِينَ مِنَ الأعْمالِ، فَإذا ما لاحَ لَهم تَخَلُّفُ سَبَبٍ عَنْ سَبَبِهِ أيْقَنُوا أنَّهُ تَخَلُّفٌ مُؤَقَّتٌ، فَإذا أعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ شَرائِعِهِ بِأنَّهُ ادَّخَرَ الجَزاءَ الكامِلَ عَلى الأعْمالِ إلى يَوْمٍ آخَرَ آمَنُوا بِهِ، وإذا عَلَّمَهم أنَّهم لا يُفارِقُونَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ بَلْ إنَّ لَهم حَياةً آخِرَةً وأنَّ اللَّهَ باعِثُهم بَعْدَ المَوْتِ - أيْقَنُوا بِها، وإذا أعْلَمَهم أنَّهُ رُبَّما عَجَّلَ لَهم بَعْضَ الجَزاءِ في الحَياةِ الدُّنْيا أيْقَنُوا بِهِ.
ولِذَلِكَ كَثُرَ تَعْقِيبُ ذِكْرِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِذِكْرِ الجَزاءِ الآجِلِ والبَعْثِ وإهْلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ الظّالِمَةِ، أوْ تَعْقِيبُ ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ الآجِلِ والعاجِلِ بِذِكْرِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.
صفحة ٣٢
وحَسْبُكَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِآياتٍ لِأُولى الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] الآياتُ خِتامُ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .
ولِأجْلِ هَذا اطَّرَدَ - أوْ كادَ أنْ يَطَّرِدَ - ذِكْرُ لَفْظِ ”وما بَيْنَهُما“ بَعْدَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ ما بَيْنَهُما بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ أشْرَفَهُ نَوْعُ الإنْسانِ المَقْصُودِ بِالعِبْرَةِ والِاسْتِدْلالِ وهو مَناطُ التَّكْلِيفِ. فَلَيْسَ بِناءَ الكَلامِ عَلى أنْ يَكُونَ الخَلْقُ لَعِبًا مَنظُورًا فِيهِ إلى رَدِّ اعْتِقادِ مُعْتَقَدِ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ عَلى النَّفْيِ أخْذًا لَهم بِلازِمِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِحَيْثُ كانُوا كَقائِلِينَ بِكَوْنِ هَذا الصُّنْعِ لَعِبًا.
واللَّعِبُ: العَمَلُ أوِ القَوْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُ فائِدَةٍ مِن مَصْلَحَةٍ أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، ولا تَحْصِيلُ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وإنَّما يُقْصَدُ بِهِ إرْضاءُ النَّفْسِ حِينَ تَمِيلُ إلى العَبَثِ كَما قِيلَ: لا بُدَّ لِلْعاقِلِ مِن حَمْقَةٍ يَعِيشُ بِها. ويُرادِفُهُ العَبَثُ واللَّهْوُ، وضِدُّهُ: الجِدُّ. واللَّعِبُ مِنَ الباطِلِ؛ إذْ لَيْسَ في عَمَلِهِ حِكْمَةٌ فَضِدُّهُ الحَقُّ أيْضًا.
وانْتَصَبَ ”لاعِبِينَ“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”خَلَقْنا“ وهي حالٌ لازِمَةٌ؛ إذْ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى بِدُونِها. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾، تَقْرِيرًا بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وتَعْلِيلًا لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لَعِبًا، أيْ عَبَثًا بِأنَّ اللَّعِبَ لَيْسَ مِن شَأْنِنا، أوْ عَلى الفَرْضِ والتَّنازُلِ لَوْ أرَدْنا اللَّهْوَ
صفحة ٣٣
لَكانَ ما يَلْهُو بِهِ حاصِلًا في أشْرَفِ الأماكِنِ مِنَ السَّماواتِ، فَإنَّها أشَدُّ اخْتِصاصًا بِاللَّهِ تَعالى؛ إذْ جَعَلَ سُكّانَها عِبادًا لَهُ مُخْلِصِينَ؛ فَلِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْها باسِمِ الظَّرْفِ المُخْتَصِّ وهو ”لَدُنْ“ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”مِن لَدُنّا“ أيْ غَيْرَ العَوالِمِ المُخْتَصَّةِ بِكم بَلْ لَكانَ في عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي هو أشَدُّ اخْتِصاصًا بِنا؛ إذْ هو عالَمُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. فالظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ مِن ”لَدُنْ“ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ. وإضافَةُ ”لَدُنْ“ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلالَةُ عَلى الرِّفْعَةِ والتَّفْضِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧] في سُورَةِ القَصَصِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨] في آلِ عِمْرانَ، أيْ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا كانَ اتِّخاذُهُ في عالَمِ شَهادَتِكم. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِاللُّزُومِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ شَأْنَ مَن يَتَّخِذُ شَيْئًا لِلتَّفَكُّهِ بِهِ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ ولا يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مُتَعارَفِ عُقُولِ المُخاطَبِينَ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ العَوالِمَ العُلْيا أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ إنْ جَعَلْتَ ”إنْ“ شَرْطِيَّةً فارْتِباطُها بِالَّتِي قَبْلَها ارْتِباطُ الشَّرْطِ بِجَزائِهِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ جَوابُ ”لَوْ“ وهو جُمْلَةُ ”لاتَّخَذَناهُ“، فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِلتَّلازُمِ، وإنْ جَعَلْتَ ”إنْ“ حَرْفَ نَفْيٍ كانَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ الِامْتِناعِ المُسْتَفادِ مِن ”لَوْ“ أيْ: ما كُنّا فاعِلِينَ لَهَوًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences