Ibn 'AshurAl‑Anbya · 21:18–23

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:18–23

21:18Page 323

بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨

Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾

”بَلْ“ لِلْإضْرابِ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ وعَنْ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ لَعِبًا، إضْرابَ إبْطالٍ وارْتِقاءٍ، أيْ بَلْ نَحْنُ نَعْمِدُ إلى باطِلِكم فَنَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَيْهِ كَراهِيَةً لِلْباطِلِ بَلْهَ أنْ نَعْمَلَ عَمَلًا هو باطِلٌ ولَعِبٌ.

صفحة ٣٤

والقَذْفُ حَقِيقَتُهُ: رَمْيُ جِسْمٍ عَلى جِسْمٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإيرادِ ما يُزِيلُ ويُبْطِلُ الشَّيْءَ مِن دَلِيلٍ أوْ زَجْرٍ أوْ إعْدامٍ أوْ تَكْوِينِ ما يَغْلِبُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِثْلَ رَمْيِ الجِسْمِ المُبْطَلِ بِشَيْءٍ يَأْتِي عَلَيْهِ لِيُتْلِفَهُ أوْ يُشَتِّتَهُ، فاللَّهُ يُبْطِلُ الباطِلَ بِالحَقِّ بِأنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ بُطْلانَ الباطِلِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ، وبِأنْ أوْجَدَ في عُقُولِهِمْ إدْراكًا لِلتَّمَيُّزِ بَيْنَ الصَّلاحِ والفَسادِ، وبِأنْ يُسَلِّطَ بَعْضَ عِبادِهِ عَلى المُبْطِلِينَ لِاسْتِئْصالِ المُبْطِلِينَ، وبِأنْ يَخْلُقَ مَخْلُوقاتٍ يُسَخِّرُها لِإبْطالِ الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] في سُورَةِ الأنْفالِ.

والدَّمْغُ: كَسْرُ الجِسْمِ الصَّلْبِ الأجْوَفِ، وهو هُنا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ القَذْفِ لِإيرادِ ما يُبْطِلُ، وهو اسْتِعارَةٌ أيْضًا حَيْثُ اسْتُعِيرَ الدَّمْغُ لِمَحْقِ الباطِلِ وإزالَتِهِ كَما يُزِيلُ القَذْفُ الجِسْمَ المَقْذُوفَ، فالِاسْتِعارَتانِ مِنِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسَيْنِ لِلْمَعْقُولَيْنِ.

ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ مَحْقِ الحَقِّ الباطِلَ عِنْدَ وُرُودِهِ؛ لِأنَّ لِلْحَقِّ صَوْلَةً، فَهو سَرِيعُ المَفْعُولِ إذا ورَدَ ووَضُحَ، قالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

والزّاهِقُ: المُنْفَلِتُ مِن مَوْضِعِهِ والهالِكُ، وفِعْلُهُ كَسَمِعَ وضَرَبَ، والمَصْدَرُ: الزُّهُوقُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] في سُورَةِ بَراءَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] في سُورَةِ الإسْراءِ.

وعِنْدَما انْتَهَتْ مُقارَعَتُهم بِالحُجَجِ السّاطِعَةِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ في الرَّسُولِ وفي القُرْآنِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والقَوارِعِ

صفحة ٣٥

والعِبَرِ - خُتِمَ الكَلامُ بِشَتْمِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾، أيْ مِمّا تَصِفُونَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ والقُرْآنُ.

والوَيْلُ: كَلِمَةُ دُعاءٍ بِسُوءٍ، وفِيها في القُرْآنِ تَوْجِيهٌ؛ لِأنَّ الوَيْلَ اسْمٌ لِلْعَذابِ.

21:19–20Page 323

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩

To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.

يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠

They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.

﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدِهِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] مُبَيِّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عِبادُ اللَّهِ تَعالى، مَخْلُوقُونَ لِقَبُولِ تَكْلِيفِهِ والقِيامِ بِما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، وهو تَخَلُّصٌ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ بَعْدَ الإضافَةِ في إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحُجِّيَّةِ القُرْآنِ.

فاللّامُ في ”ولَهُ“ لِلْمِلْكِ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. و”﴿مَن في السَّماواتِ﴾“ مُبْتَدَأٌ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لا لِغَيْرِهِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ.

و”﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾“ يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم، وغُلِّبَ اسْمُ المَوْصُولِ الغالِبُ في العُقَلاءِ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿ومَن عِنْدَهُ﴾“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾“ فَيَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ ظاهِرٌ وتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ حالًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

صفحة ٣٦

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ خَبَرًا. وماصَدَقُ ”مَن“ جَماعَةٌ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.

”﴿ومَن عِنْدَهُ﴾“ هُمُ المُقَرَّبُونَ في العَوالِمِ المُفَضَّلَةِ وهُمُ المَلائِكَةُ؛وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ يَكُونُ المَقْصُودُ مِنها التَّعْرِيضَ بِالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهُمُ المُشْرِكُونَ.

والِاسْتِحْسارُ: مَصْدَرٌ كالحُسُورِ، وهو التَّعَبُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كالِاسْتِكْبارِ والِاسْتِنْكارِ والِاسْتِيخارِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاسْتِحْسارُ الَّذِي هو التَّعَبُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُمُ العَظِيمُ، أيْ لا يَقَعُ مِنهم ما لَوْ قامَ بِعَمَلِهِمْ غَيْرُهم لاسْتَحْسَرَ ثِقَلَ ذَلِكَ العَمَلِ، فَعُبِّرَ بِالِاسْتِحْسارِ هُنا الَّذِي هو الحُسُورُ القَوِيُّ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْعَمَلِ الشَّدِيدِ، ونَفْيُهُ مِن قَبِيلِ نَفْيِ المُقَيَّدِ بِقَيْدٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ في أمْثالِهِ. فَلا يُفْهَمُ مِن نَفْيِ الحُسُورِ القَوِيِّ أنَّهم قَدْ يَحْسُرُونَ حُسُورًا ضَعِيفًا. وهَذا المَعْنى قَدْ يُعَبِّرُ عَنْهُ أهِلُ المَعانِي بِأنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ.

وجُمْلَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَن لا يَتْعَبُ مِن عَمَلٍ لا يَتْرُكُهُ، فَهو يُواظِبُ عَلَيْهِ ولا يَعْيا مِنهُ.

واللَّيْلُ والنَّهارُ: ظَرْفانِ. والأصْلُ في الظَّرْفِ أنْ يَسْتَوْعِبَهُ الواقِعُ فِيهِ، أيْ يُسَبِّحُونَ في جَمِيعِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.

وتَسْبِيحُ المَلائِكَةِ بِأصْواتٍ مَخْلُوقَةٍ فِيهِمْ لا يُعَطِّلُها تَبْلِيغُ الوَحْيِ ولا غَيْرُهُ مِنَ الأقْوالِ.

والفُتُورُ: الِانْقِطاعُ عَنِ الفِعْلِ.

21:21Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١

Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?

صفحة ٣٧

﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾

”أمْ“ هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ عَطْفَ إضْرابٍ انْتِقالِيٍّ هو انْتِقالٌ مِن إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحُجِّيَّةِ دَلالَةِ القُرْآنِ إلى إبْطالِ الإشْراكِ، انْتِقالًا مِن بَقِيَّةِ الغَرَضِ السّابِقِ الَّذِي تَهَيَّأ السّامِعُ لِلِانْتِقالِ مِنهُ بِمُقْتَضى التَّخَلُّصِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] كَما تَقَدَّمَ، إلى التَّمَحُّضِ لِغَرَضِ إبْطالِ الإشْراكِ وإبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وهَذا الِانْتِقالُ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وجُمْلَةِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولَيْسَ إضْرابُ الِانْتِقالِ بِمُقْتَضٍ عَدَمَ الرُّجُوعِ إلى الغَرَضِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، و”أمْ“ تُؤْذِنُ بِأنَّ الكَلامَ بَعْدَها مَسُوقٌ مَساقَ الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَهم آلِهَةً.

وضَمِيرُ ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المُتَبادَرِينَ مِنَ المَقامِ في مِثْلِ هَذِهِ الضَّمائِرِ. ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ التِفاتًا عَنْ ضَمِيرِ ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَناسِقًا مَعَ ضَمائِرِ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] وما بَعْدَهُ.

ووَصْفُ الآلِهَةِ بِأنَّها مِنَ الأرْضِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وإظْهارٌ لِأفَنِ رَأْيِهِمْ، أيْ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِن عالَمِ الأرْضِ أوْ مَأْخُوذَةً مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِن حِجارَةٍ أوْ خَشَبٍ - تَعْرِيضًا بِأنَّ ما كانَ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]“ في الصّافّاتِ.

وذِكْرُ الأرْضِ هُنا مُقابَلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”ومَن عِنْدَهُ“؛ لِأنَّ المُرادَ أهْلُ السَّماءِ، وجُمْلَةُ ”﴿هم يُنْشِرُونَ﴾“ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ”آلِهَةً“،

صفحة ٣٨

واقْتِرانُها بِضَمِيرِ الفَصْلِ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ أنْ لا يَنْشُرَ غَيْرَ تِلْكَ الآلِهَةِ.

والمُرادُ: إنْشارُ الأمْواتِ، أيْ بَعْثُهم. وهَذا مَسُوقٌ لِلتَّهَكُّمِ وإدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ بِطَرِيقَةِ سَوْقِ غَيْرِهِ المُسَمّى بِتَجاهُلِ المَعارِفِ، إذْ أبْرَزَ تَكْذِيبَهم بِالبَعْثِ الَّذِي أخْبَرَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ في صُورَةِ تَكْذِيبِهِمِ اسْتِطاعَةَ اللَّهِ ذَلِكَ وعَجْزَهُ عَنْهُ، أيْ أنَّ الأوْلى بِالقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ شُرَكاؤُهم، فَكانَ وُقُوعُ البَعْثِ أمْرٌ لا يَنْبَغِي النِّزاعُ فِيهِ، فَإنْ نازَعَ فِيهِ المُنازِعُونَ فَإنَّما يُنازِعُونَ في نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ، ويَرُومُونَ بِذَلِكَ نِسْبَتَهُ إلى شُرَكائِهِمْ فَأُنْكِرَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِّسْبَةُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُفْعَمَةِ بِالنُّكَتِ، والمُشْرِكُونَ لَمْ يَدَّعُوا لِآلِهَتِهِمْ أنَّها تَبْعَثُ المَوْتى، ولا هم مُعْتَرِفُونَ بِوُقُوعِ البَعْثِ، ولَكِنْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ إبْداعًا في الإلْزامِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ في ذِكْرِ الآلِهَةِ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .

21:22Page 323

لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢

Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.

﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ [الأنبياء: ٢١]“ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وضَمِيرُ المُثَنّى عائِدٌ إلى ”السَّماواتِ والأرْضِ“ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ١٩]“ أيْ لَوْ كانَ في السَّماواتِ والأرْضِ آلِهَةٌ أُخْرى ولَمْ يَكُنْ جَمِيعُ مَن فِيها مِلْكًا لِلَّهِ وعِبادًا لَهُ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ واخْتَلَّ نِظامَهُما الَّذِي خُلِقَتا بِهِ.

وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى بُطْلانِ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ آلِهَةً شُرَكاءَ لَهُ في تَدْبِيرِ الخَلْقِ، أيْ أنَّهُ بَعْدَ أنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ

صفحة ٣٩

أقامَ في الأرْضِ شُرَكاءَ لَهُ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ في التَّلْبِيَةِ في الحَجِّ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالِ المُضْطَرِبِ الَّذِي وضَعَهُ لَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ بِجَهْلِهِمْ وتَرْوِيجِ ضَلالِهِمْ عَلى عُقُولِ الدَّهْماءِ.

وبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اسْتِدْلالٌ عَلى اسْتِحالَةِ وُجُودِ آلِهَةٍ غَيْرَ اللَّهِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] في سُورَةِ الزُّمَرِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. فَهي مُسُوقَةٌ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لا لِإثْباتِ وُجُودِ الصّانِعِ؛ إذْ لا نِزاعَ فِيهِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ، ولا لِإثْباتِ انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ؛ إذْ لا نِزاعَ فِيهِ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مُنْتَظِمَةٌ عَلى ما يُناسِبُ اعْتِقادَهُمُ الباطِلَ لِكَشْفِ خَطَئِهِمْ وإعْلانِ باطِلِهِمْ.

والفَسادُ: هو اخْتِلالُ النِّظامِ وانْتِفاءُ النَّفْعِ مِنَ الأشْياءِ. فَفَسادُ السَّماءِ والأرْضِ هو أنْ تَصِيرا غَيْرَ صالِحَتَيْنِ ولا مُنْتَسِقَتَيِ النِّظامِ بِأنْ يُبْطَلَ الِانْتِفاعُ بِما فِيها. فَمِن صَلاحِ السَّماءِ نِظامُ كَواكِبِها، وانْضِباطُ مَواقِيتِ طُلُوعِها وغُرُوبِها، ونِظامُ النُّورِ والظُّلْمَةِ. ومِن صَلاحِ الأرْضِ مَهْدُها لِلسَّيْرِ، وإنْباتُها الشَّجَرَ والزَّرْعَ، واشْتِمالُها عَلى المَرْعى والحِجارَةِ والمَعادِنِ والأخْشابِ، وفَسادُ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِبُطْلانِ نِظامِهِ الصّالِحِ.

ووَجْهُ انْتِظامِ هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَتِ الآلِهَةُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إلَهٍ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ المَعْرُوفَةِ آثارُها، وهي الإرادَةُ المُطْلَقَةُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى التَّصَرُّفِ، ثُمَّ إنَّ التَّعَدُّدَ يَقْتَضِي اخْتِلافَ مُتَعَلِّقاتِ الإراداتِ والقَدَرِ؛ لِأنَّ الآلِهَةَ لَوِ اسْتَوَتْ في تَعَلُّقاتِ إرادَتِها ذَلِكَ لَكانَ تَعَدُّدُ الآلِهَةِ عَبَثًا؛ لِلِاسْتِغْناءِ بِواحِدٍ مِنهم، ولِأنَّهُ إذا حَصَلَ

صفحة ٤٠

كائِنٌ فَإنْ كانَ حُدُوثُهُ بِإرادَةِ مُتَعَدِّدِينَ لَزِمَ اجْتِماعُ مُؤَثِّرَيْنِ عَلى مُؤَثِّرٍ واحِدٍ، وهو مُحالٌ؛ لِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ عِلَّتَيْنِ تامَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ، فَلا جَرَمَ أنَّ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ مُتَعَلِّقاتِ تَصَرُّفاتِها اخْتِلافًا بِالأنْواعِ، أوْ بِالأحْوالِ، أوْ بِالبِقاعِ، فالإلَهُ الَّذِي لا تَنْفُذُ إرادَتُهُ في بَعْضِ المَوْجُوداتِ لَيْسَ بِإلَهٍ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ المَوْجُوداتِ الَّتِي أوْجَدَها غَيْرُهُ، ولا جَرَمَ أنْ تَخْتَلِفَ مُتَعَلِّقاتُ إراداتِ الآلِهَةِ بِاخْتِلافِ مَصالِحِ رَعاياهم أوْ مَواطِنِهِمْ أوْ أحْوالُ تَصَرُّفاتِهِمْ، فَكَلٌّ يَغارُ عَلى ما في سُلْطانِهِ، فَثَبَتَ أنَّ التَّعَدُّدَ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ الإراداتِ وحُدُوثَ الخِلافِ.

ولَمّا كانَ التَّماثُلُ في حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في قُوَّةِ قُدْرَةِ كُلِّ إلَهٍ مِنهم، وكانَ مُقْتَضِيًا تَمامَ المَقْدِرَةِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالقَهْرِ لِلضِّدِّ بِأنْ لا يَصُدَّهُ شَيْءٌ عَنِ اسْتِئْصالِ ضِدِّهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِغَزْوِ ضِدِّهِ وإفْسادِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ - تَعَيَّنَ أنَّهُ كُلَّما تَوَجَّهَ واحِدٌ مِنهم إلى غَزْوِ ضِدِّهِ أنْ يُهْلِكَ كُلَّ ما هو تَحْتَ سُلْطانِهِ، فَلا يَزالُ يَفْسُدُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ عِنْدَ كُلِّ خِلافٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ .

فَلا جَرَمَ أنْ دَلَّتْ مُشاهَدَةُ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى انْتِظامِها في مُتَعَدِّدِ العُصُورِ والأحْوالِ عَلى أنَّ إلَهَها واحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ.

فَأمّا لَوْ فُرِضَ التَّفاوُتُ في حَقِيقَتِهِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي رُجْحانَ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، وهو أدْخَلُ في اقْتِضاءِ الفَسادِ؛ إذْ تَصِيرُ الغَلَبَةُ لِلْأقْوى مِنهم، فَيَجْعَلُ الكُلَّ تَحْتَ كَلاكِلِهِ ويُفْسِدُ عَلى كُلِّ ضَعِيفٍ مِنهم ما هو في حَوْزَتِهِ، فَيَكُونُ الفَسادُ أسْرَعَ.

صفحة ٤١

وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِإبْطالِ تَعَدُّدٍ خاصٍّ، وهو التَّعَدُّدُ الَّذِي اعْتَقَدَهُ أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ واليُونانِ الزّاعِمِينَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِتَعَدُّدِ القَبائِلِ والتَّصَرُّفاتِ، وكَذا ما اعْتَقَدَهُ المانَوِيَّةُ مِنَ الفُرْسِ المُثْبِتِينَ إلَهَيْنِ أحَدِهِما لِلْخَيْرِ والآخِرِ لِلشَّرِّ، أوْ أحَدِهِما لِلنُّورِ والآخِرِ لِلظُّلْمَةِ - هو دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ.

وأمّا بِاعْتِبارِ ما نَحاهُ المُتَكَلِّمُونَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ مِن أصْلِهِ بِالنِّسْبَةِ لِإيجادِ العالَمِ وسَمُّوهُ بُرْهانَ التَّمانُعِ، فَهو دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ كَما قالَ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ النَّسَفِيَّةِ. وقالَ في المَقاصِدِ: وفي بَعْضِها ضَعْفٌ لا يَخْفى.

وبَيانُهُ أنَّ الِاتِّفاقَ عَلى إيجادِ العالَمِ يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنَ الحَكِيمَيْنِ أوِ الحُكَماءِ، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ إلّا بِقِياسِ الآلِهَةِ عَلى المُلُوكِ في العُرْفِ، وهو قِياسٌ إقْناعِيٌّ.

ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بُرْهانَ التَّمانُعِ أنَّ جانِبَ الدَّلالَةِ فِيهِ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ هو فَرْضُ أنْ يَتَمانَعَ الآلِهَةُ، أيْ يَمْنَعُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن تَنْفِيذِ مُرادِهِ، والخَوْضُ فِيهِ مَقامُنا غَنِيٌّ عَنْهُ.

والمَنظُورُ إلَيْهِ في الِاسْتِدْلالِ هُنا هو لُزُومُ فَسادِ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلى شَيْءٍ آخَرَ مِن مُقَدِّماتٍ خارِجَةٍ عَنْ لَفْظِ الآيَةِ حَتّى يَصِيرَ الدَّلِيلُ بِها دَلِيلًا قَطْعِيًّا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَهُ أدِلَّةٌ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وسَيَجِيءُ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ.

وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِبُرْهانِ التَّمانُعِ فَلِلْمُتَكَلِّمِينَ في تَقْرِيرِهِ طَرِيقَتانِ ذَكَرَهُما صاحِبُ ”المَواقِفِ“ .

الأُولى: طَرِيقَةُ الِاسْتِدْلالِ بِلُزُومِ التَّمانُعِ بِالفِعْلِ وهي الطَّرِيقَةُ المَشْهُورَةُ، وتَقْرِيرُها: أنَّهُ لَوْ كانَ لِلْعالَمِ صانِعانِ مُتَماثِلانِ في القُدْرَةِ،

صفحة ٤٢

فَلا يَخْلُو إمّا أنْ تَتَّفِقَ إرادَتاهُما وحِينَئِذٍ فالفِعْلانِ إنْ كانَ بِإرادَتَيْهِما لَزِمَ اجْتِماعُ مُؤَثِّرَيْنِ تامَّيْنِ عَلى مُؤَثَّرٍ - بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ - واحِدٍ، وهو مُحالٌ لِامْتِناعِ اجْتِماعِ العِلَّتَيْنِ التّامَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ. وإنْ كانَ الفِعْلُ بِإحْدى الإرادَتَيْنِ دُونَ الأُخْرى لَزِمَ تَرْجِيحُ إحْداهُما بِلا مُرَجِّحٍ؛ لِاسْتِوائِهِما في الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِها، وإمّا أنْ تَخْتَلِفَ إرادَتاهُما فَيَلْزَمُ التَّمانُعُ، ومَعْناهُ أنْ يَمْنَعَ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ مِنَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في القُدْرَةِ.

ويَرُدُّ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهاتِهِ الطَّرِيقَةِ أُمُورٌ: أحَدُها أنَّهُ لا يَلْزَمُ تَساوِي الإلَهَيْنِ في القُدْرَةِ، بَلْ يَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما أقْوى قُدْرَةً مِنَ الآخَرِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ العَجْزَ مُطْلَقًا مُنافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ بَداهَةً، قالَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ في ”حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ“ .

الأمْرُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقَ الإلَهانِ عَلى أنْ لا يُرِيدَ أحَدُهُما إلّا الأمْرَ الَّذِي لَمْ يُرِدْهُ الآخَرُ، فَلا يَلْزَمُ عَجْزُ مَن لَمْ يَفْعَلْ.

الأمْرُ الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقَ الإلَهانِ عَلى إيجادِ الأمْرِ المُرادِ بِالِاشْتِراكِ لا بِالِاسْتِقْلالِ.

الأمْرُ الرّابِعُ: يَجُوزُ تَفْوِيضُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ أنْ يَفْعَلَ، فَلا يَلْزَمُ عَجْزُ المُفَوِّضِ؛ لِأنَّ عَدَمَ إيجادِ المَقْدُورِ لِمانِعٍ أرادَهُ القادِرُ لا يُسَمّى عَجْزًا، لا سِيَّما وقَدْ حَصَلَ مُرادُهُ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بِنَفْسِهِ.

والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ أنَّ في جَمِيعِها نَقْصًا في الأُلُوهِيَّةِ؛ لِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن شَأْنِها الكَمالُ في كُلِّ حالٍ.

إلّا أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَخْرِجُ البُرْهانَ عَنْ حَدِّ الإقْناعِ.

الطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ: عَوَّلَ عَلَيْها التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ العَقائِدِ النَّسَفِيَّةِ وهي أنَّ تَعَدُّدَ الإلَهَيْنِ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ حُصُولِ التَّمانُعِ بَيْنَهُما، أيْ أنْ يَمْنَعَ أحَدُهُما

صفحة ٤٣

ما يُرِيدُهُ الآخَرُ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّدِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاخْتِلافُ في الإرادَةِ، وإذا كانَ هَذا الإمْكانُ لازِمًا لِلتَّعَدُّدِ فَإنْ حَصَلَ التَّمانُعُ بَيْنَهُما إذا تَعَلَّقَتْ إرادَةُ أحَدِهِما بِوُجُودِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وتَعَلَّقَتْ إرادَةُ الآخَرِ بِعَدَمِ وُجُودِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَحْصُلَ المُرادانِ مَعًا؛ لِلُزُومِ اجْتِماعِ النَّقِيضَيْنِ، وإنْ حَصَلَ أحَدُ المُرادَيْنِ لَزِمَ عَجْزُ صاحِبِ المُرادِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلُ، والعَجْزُ يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ وهو مُحالٌ، فاجْتِماعُ النَّقِيضَيْنِ أوْ حُدُوثُ الإلَهِ لازِمٌ لِلتَّعَدُّدِ وهو مُحالٌ، ولازِمُ اللّازِمِ لازِمٌ، فَيَكُونُ المَلْزُومُ الأوَّلُ مُحالًا، قالَ التَّفْتَزانِيُّ: وبِهِ تَنْدَفِعُ الإيراداتُ الوارِدَةُ عَلى بُرْهانِ التَّمانُعِ.

وأقُولُ يَرُدُّ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أنَّ إمْكانَ التَّمانُعِ لا يُوجِبُ نُهُوضَ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّ هَذا الإمْكانَ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ بِاسْتِحالَةِ حُدُوثِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ الإلَهَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ اخْتِلافَ الإرادَةِ إنَّما يَجِيءُ مِن تَفاوُتِ العِلْمِ في الِانْكِشافِ بِهِ، ولِذَلِكَ يَقِلُّ الِاخْتِلافُ بَيْنَ الحُكَماءِ. والإلَهانِ نَفْرِضُهُما مُسْتَوِيَيْنِ في العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَعِلْمُهُما وحِكْمَتُهُما يَقْتَضِيانِ انْكِشافًا مُتَماثِلًا، فَلا يُرِيدُ أحَدُهُما إلّا ما يُرِيدُهُ الآخَرُ فَلا يَقَعُ بَيْنَهُما تَمانُعٌ. ولِذَلِكَ اسْتُدِلَّ في المَقاصِدِ عَلى لُزُومِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُما بِحُكْمِ اللُّزُومِ العادِيِّ.

بَقِيَ النَّظَرُ في كَيْفِيَّةِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْهُما، فَذَلِكَ انْتِقالٌ إلى ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقَةُ الأُولى.

وإنَّ احْتِمالَ اتِّفاقِ الإلَهَيْنِ عَلى إرادَةِ الأشْياءِ إذا كانَتِ المَصْلَحَةُ فِيها بِناءً عَلى أنَّ الإلَهَيْنِ حَكِيمانِ لا تَخْتَلِفُ إرادَتُهُما، وإنْ كانَ احْتِمالًا صَحِيحًا لَكِنْ يَصِيرُ بِهِ تَعَدُّدُ الإلَهِ عَبَثًا؛ لِأنَّ تَعَدُّدَ وُلاةِ الأُمُورِ ما كانَ إلّا لِطَلَبِ ظُهُورِ الصَّوابِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما، فَإذا كانا لا يَخْتَلِفانِ فَلا فائِدَةَ في التَّعَدُّدِ، ومِنَ المُحالِ بِناءَ صِفَةِ أعْلى المَوْجُوداتِ عَلى ما لا أثَرَ لَهُ في نَفْسِ الأمْرِ، فالآيَةُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ.

صفحة ٤٤

ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ في ”شَرْحِ النَّسَفِيَّةِ“، فَحَقَّقَ أنَّها دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، وقالَ المُحَقَّقُ الخَيالِيُّ إلى أنَّها لا تَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا إلّا بِالنَّظَرِ إلى تَحْقِيقِ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”فِيهِما“، وعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الظَّرْفِيَّةُ ظَرْفِيَّةَ التَّأْثِيرِ، أيْ لَوْ كانَ مُؤَثِّرًا فِيهِما - أيِ السَّماواتِ والأرْضِ - غَيْرُ اللَّهِ تَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً. وقَدْ بَسَطَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ في حاشِيَتِهِ عَلى الخَيالِيِّ، ولا حاجَةَ بِنا إلى إثْباتِ كَلامِهِ هُنا.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مِن أحَدِ طَرَفَيِ القَضِيَّةِ، لا مِنَ النِّسْبَةِ الحُكْمِيَّةِ، أيْ هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْكُومِ عَلَيْهِ لا مِنَ الحُكْمِ، وذَلِكَ مِن مَواقِعِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ أصْلَ الِاسْتِثْناءِ هو الإخْراجُ مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ، فالغالِبُ أنْ يَكُونَ الإخْراجُ مِنَ المُسْتَثْنى بِاعْتِبارِ تَسَلُّطِ الحُكْمِ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ في المُفَرَّغِ وفي المَنصُوبِ، وقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبارِهِ قَبْلَ تَسَلُّطِ الحُكْمِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في غَيْرِ المَنصُوبِ ولا المُفَرَّغِ، فَيُقالُ حِينَئِذٍ: إنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى غَيْرٍ، والمُسْتَثْنى يُعْرَبُ بَدَلًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ.

وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ إنْشاءُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَقالَةِ الَّتِي أبْطَلَها الدَّلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّرِيكِ.

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

ووَصْفُهُ هُنا بِرَبِّ العَرْشِ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ انْفَرَدَ بِخَلْقِ السَّماواتِ، وهو شَيْءٌ لا يُنازِعُونَ فِيهِ، بَلْ هو خالِقُ أعْظَمِ السَّماواتِ وحاوِيَها - وهو العَرْشُ - تَعْرِيضًا بِهِمْ بِإلْزامِهِمْ لازِمَ قَوْلِهِمْ بِانْفِرادِهِ بِالخَلْقِ أنْ يَلْزَمَ انْتِفاءَ الشُّرَكاءِ لَهُ فِيما دُونَ ذَلِكَ.

21:23Page 323

لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣

He is not questioned about what He does, but they will be questioned.

صفحة ٤٥

﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يَسْألُونَ﴾

الأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالٌ مُكَمِّلَةٌ لِمَدْلُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١] إلَخْ. فالمَعْنى أنَّ مَن عِنْدَهُ - وهُمُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَخْلُوقاتِ - هم مَعَ قُرْبِهِمْ يُسْألُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ ولا يَسْألُونَهُ عَمّا يَفْعَلُ، أيْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ قُرْبُهم إلى حَدِّ الإدْلالِ عَلَيْهِ وانَتِصابِهِمْ لِتَعَقُّبِ أفْعالِهِ. فَلَمّا كانَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ مُشْعِرًا بِفاعِلٍ حُذِفَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ لا يَسْألُ سائِلٌ اللَّهَ تَعالى عَمّا يَفْعَلُ، وكانَ مِمَّنْ يَشْمَلُهُمُ الفاعِلُ المَحْذُوفُ هم مَن عِنْدَهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ - صَحَّ كَوْنُ هَذِهِ الجُمْلَةِ حالًا مِن ”مَن عِنْدَهُ“، عَلى أنَّ جُمْلَةَ ”﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾“ تَمْهِيدٌ لِجُمْلَةِ ”﴿وهم يُسْألُونَ﴾“ . عَلى أنَّ تَقْدِيمَهُ عَلى جُمْلَةِ ”﴿وهم يُسْألُونَ﴾“ اقْتَضَتْهُ مُناسَبَةُ الحَدِيثِ عَنْ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ الشُّرَكاءِ، فَكانَ انْتِقالًا بَدِيعًا بِالرُّجُوعِ إلى بَقِيَّةِ أحْوالِ المُقَرَّبِينَ. فالمَقْصُودُ أنَّ مَن عِنْدَهُ مَعَ قُرْبِهِمْ ورِفْعَةِ شَأْنِهِمْ يُحاسِبُهُمُ اللَّهُ عَلى أعْمالِهِمْ، فَهم يَخافُونَ التَّقْصِيرَ فِيما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ الأعْمالِ؛ ولِذَلِكَ كانُوا لا يَسْتَحْسِرُونَ ولا يَفْتُرُونَ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ ضَمِيرَ ”﴿وهم يُسْألُونَ﴾“ لَيْسَ بِراجِعٍ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَصِفُونَ“؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لا جَدْوى لِلْإخْبارِ بِأنَّهم يَسْألُونَ؛ إذْ لا يَتَرَدَّدُ في العِلْمِ بِذَلِكَ أحَدٌ، ولا بِراجِعٍ إلى ”﴿آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]“؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ سُؤالِهِمْ، وذَلِكَ هو ما دَعانا إلى اعْتِبارِ جُمْلَةِ ”﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾“ حالًا مِن ”مَن عِنْدَهُ“ .

صفحة ٤٦

والسُّؤالُ هُنا بِمَعْنى المُحاسَبَةِ، وطَلَبِ بَيانِ سَبَبِ الفِعْلِ، وإبْداءِ المَعْذِرَةِ عَنْ فِعْلِ بَعْضِ ما يُفْعَلُ، وتَخَلُّصٍ مِن مَلامٍ أوْ عِتابٍ عَلى ما يُفْعَلُ. وهو مِثْلُ السُّؤالِ في الحَدِيثِ «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . فَكَوْنُهم يُسْألُونَ كِنايَةً عَنِ العُبُودِيَّةِ؛ لِأنَّ العَبْدَ بِمَظِنَّةِ المُؤاخَذَةِ عَلى ما يُفْعَلُ وما لا يُفْعَلُ وبِمَظِنَّةٍ لِلْخَطَأِ في بَعْضِ ما يُفْعَلُ.

ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا نَفْيَ سُؤالِ الِاسْتِشارَةِ أوْ تَطَلُّبِ العِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في البَقَرَةِ، ولا سُؤالَ الدُّعاءِ، ولا سُؤالَ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِنْباطِ مِثْلَ أسْئِلَةِ المُتَفَقِّهِينَ أوِ المُتَكَلِّمِينَ عَنِ الحِكَمِ المَبْثُوثَةِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ في النُّظُمِ الكَوْنِيَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اسْتِنْباطٌ وتَتَبُّعٌ ولَيْسَ مُباشَرَةً بِسُؤالِ اللَّهِ تَعالى، ولا لِتَطُلُّبِ مُخَلِّصٍ مِن مَلامٍ. وفي هَذا إبْطالٌ لِإلَهِيَّةِ المُقَرَّبِينَ الَّتِي زَعَمَها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ وزَعَمُوهم بَناتِ اللَّهِ تَعالى - بِطَرِيقَةِ انْتِفاءِ خاصِّيَّةِ الإلَهِ الحَقِّ عَنْهم؛ إذْ هم يُسْألُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ، وشَأْنُ الإلَهِ أنْ لا يُسْألَ. وتُسْتَخْرَجُ مِن جُمْلَةِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ جَرَيانِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ بِحَيْثُ إنَّها لا مَجالَ فِيها لِانْتِقادِ مُنْتَقِدٍ إذا أتْقَنَ النّاظِرُ التَّدَبُّرَ فِيها أوْ كُشِفَ لَهُ عَمّا خَفِيَ مِنها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском