Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:33–41
21:33Page 324
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣
And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.
﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الأشْياءَ المُتَضادَّةَ بِالحَقائِقِ أوْ بِالأوْقاتِ ذِكْرًا مُجْمَلًا في بَعْضِها الَّذِي هو آياتُ السَّماءِ، ومُفَصَّلًا في بَعْضٍ آخَرَ وهو الشَّمْسُ والقَمَرُ، كانَ المَقامُ مُثِيرًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ كَيْفِيَّةِ سَيْرِها، وكَيْفَ لا يَقَعُ لَها اصْطِدامٌ أوْ يَقَعُ مِنها تَخَلُّفٌ عَنِ الظُّهُورِ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ كُلَّ المَذْكُوراتِ لَهُ فَضاءٌ يَسِيرُ فِيهِ لا يُلاقِي فَضاءَ سَيْرِ غَيْرِهِ، وضَمِيرُ ”يَسْبَحُونَ“ عائِدٌ إلى عُمُومِ آياتِ السَّماءِ وخُصُوصِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وأُجْرِيَ عَلَيْها ضَمِيرُ جَماعَةِ الذُّكُورِ بِاعْتِبارِ تَذْكِيرِ أسْماءِ بَعْضِها مِثْلَ القَمَرِ والكَوْكَبِ.
وقالَ في ”الكَشّافِ“ إنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ وصَفُها بِالسِّباحَةِ الَّتِي هي مِن أفْعالِ العُقَلاءِ فَأُجْرِيَ عَلَيْها أيْضًا ضَمِيرُ العُقَلاءِ، يَعْنِي فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿فِي فَلَكٍ﴾“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَرٌ عَنْ ”كُلٌّ“، و”كُلٌّ“ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ تِلْكَ، فَهو مَعْرِفَةٌ تَقْدِيرًا، وهو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ بِأنْ يُفادَ أنَّ كُلًّا مِنَ المَذْكُوراتِ مُسْتَقِرٌّ
صفحة ٦١
فِي فَلَكٍ لا يُصادِمُ فَلَكَ غَيْرِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن لَفْظِ ”كُلٌّ“ ومِن ظَرْفِيَّةِ ”في“ أنَّ لَفْظَ ”فَلَكٍ“ عامٌّ، أيْ لِكُلٍّ مِنها فَلَكُهُ، فَهي أفْلاكٌ كَثِيرَةٌ.
وجُمْلَةُ ”يَسْبَحُونَ“ في مَوْضِعِ الحالِ.
والسَّبْحُ: مُسْتَعارٌ لِلسَّيْرِ في مُتَّسَعٍ، لا طَرائِقَ فِيهِ مُتَلاقِيَةً كَطَرائِقَ الأرْضِ، وهو تَقْرِيبٌ لِسِيَرِ الكَواكِبِ في الفَضاءِ العَظِيمِ.
والفَلَكُ فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ بِأنَّهُ مَدارُ النُّجُومِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ لِهَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في هَذا المَعْنى في كَلامِ العَرَبِ. ويَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ ومِنهُ أخَذَهُ عُلَماءُ الإسْلامِ، وهو أحْسَنُ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ عَنِ الدَّوائِرِ المَفْرُوضَةِ الَّتِي يُضْبَطُ بِها سَيْرُ كَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ وخاصَّةً سَيْرُ الشَّمْسِ وسَيْرَ القَمَرِ، والأظْهَرُ أنَّ القُرْآنَ نَقَلَهُ مِن فَلَكِ البَحْرِ، وهو المَوْجُ المُسْتَدِيرُ، بِتَنْزِيلِ اسْمِ الجَمْعِ مَنزِلَةَ المُفْرَدِ؛ والأصْلُ الأصِيلُ في ذَلِكَ كُلِّهِ فَلْكَةُ المَغْزِلِ، بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وهي خَشَبَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ في أعْلاها مِسْمارٌ مَثْنِيٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الغَزْلُ ويُدارُ لِيَنْفَتِلَ الغَزْلُ.
ومِن بَدائِعِ الإعْجازِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ ”فِيهِ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ، فَإنَّ حُرُوفَهُ تُقْرَأُ مِن آخِرِها عَلى التَّرْتِيبِ كَما تُقْرَأُ مَن أوَّلِها مَعَ خِفَّةِ التَّرْكِيبِ ووَفْرَةِ الفائِدَةِ وجَرَيانِهِ مُجْرى المَثَلِ مِن غَيْرِ تَنافُرٍ ولا غَرابَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:“ رَبَّكَ فَكَبِّرْ ”بِطَرْحِ واوِ العَطْفِ، وكِلْتا الآيَتَيْنِ بُنِيَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، وهَذا النَّوْعُ سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ المَقْلُوبَ المُسْتَوِي، وجَعَلَهُ مِن أصْنافِ نَوْعٍ سَمّاهُ القَلْبَ.
وخُصَّ هَذا الصِّنْفُ بِما يَتَأتّى القَلْبُ في حُرُوفِ كَلِماتِهِ. وسَمّاها الحَرِيرِيُّ في المَقاماتِ“ ما لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْعِكاسِ ”، وبَنى عَلَيْهِ المَقامَةَ السّادِسَةَ عَشْرَةَ، ووَضَعَ أمْثِلَةً نَثْرًا ونَظْمًا، وفي مُعْظَمِ ما وضَعَهُ مِنَ
صفحة ٦٢
الأمْثِلَةِ تَكَلُّفٌ وتَنافُرٌ وغَرابَةٌ، وكَذَلِكَ ما وضَعَهُ غَيْرُهُ عَلى تَفاوُتِها في ذَلِكَ، والشَّواهِدُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ البَدِيعِ فَعَلَيْكَ بِتَتَبُّعِها، وكُلَّما زادَتْ طُولًا زادَتْ ثِقَلًا.
قالَ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ في“ شَرْحِ المِفْتاحِ ”: وهو نَوْعٌ صَعْبُ المَسْلَكِ قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ. قُلْتُ: ولَمْ يَذْكُرُوا مِنهُ شَيْئًا وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ فَهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ.
ذَكَرَ أهْلُ الأدَبِ أنَّ القاضِي الفاضِلَ البَيْسانِيَّ زارَ العِمادَ الكاتِبَ، فَلَمّا رَكِبَ لِيَنْصَرِفَ مِن عِنْدِهِ قالَ لَهُ العِمادُ:“ سِرْ فَلا كَبا بِكَ الفُرْسُ ”فَفَطِنَ القاضِي أنَّ فِيهِ مُحَسِّنَ القَلْبِ فَأجابَهُ عَلى البَدِيهَةِ:“ دامَ عُلا العِمادِ " وفِيهِ مُحَسِّنُ القَلْبِ.
21:34Page 324
وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤
And We did not grant to any man before you eternity [on earth]; so if you die - would they be eternal?
﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾
عُنِيَتِ الآياتُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ بِاسْتِقْصاءِ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ ومَن جاءَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]، وقَوْلُهم: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، وكانَ مِن جُمْلَةِ أمانِيهِمْ لَمّا أعْياهُمُ اخْتِلاقُ المَطاعِنِ أنْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ يَرْجُونَهُ أوْ يُدَبِّرُونَهُ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] في سُورَةِ الطُّورِ وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] في الأنْفالِ، وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ فَلَمّا كانَ تَمَنِّيهِمْ مَوْتَهَ وتَرَبُّصُهم بِهِ رَيْبَ المَنُونِ
صفحة ٦٣
يَقْتَضِي أنَّ الَّذِينَ تَمَنَّوْا ذَلِكَ وتَرَبَّصُوا بِهِ كَأنَّهم واثِقُونَ بِأنَّهم يَمُوتُونَ بَعْدَهُ فَتَتِمُّ شَماتَتُهم، أوْ كَأنَّهم لا يَمُوتُونَ أبَدًا فَلا يَشْمَتُ بِهِمْ أحَدٌ - وُجِّهَ إلَيْهِمِ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُ أنَّهم خالِدُونَ.
وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُمُ الإسْلامَ مِمَّنْ قالُوا ذَلِكَ القَوْلَ سَيَمُوتُونَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يَشْمَتُونَ بِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتّى أهْلَكَ اللَّهُ رُءُوسَ الَّذِينَ عانَدُوهُ وهَدى بَقِيَّتَهم إلى الإسْلامِ. فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ طَرِيقَةُ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ أنَّكَ تَمُوتُ كَما قالُوا، ولَكِنَّهم لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، وهم بِحالِ مَن يَزْعُمُونَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ فَأيْقَنُوا بِأنَّهم يَتَرَبَّصُونَ بِكَ رَيْبَ المَنُونِ مِن فَرْطِ غُرُورِهِمْ، فالتَّفْرِيعُ كانَ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ ما هم بِخالِدِينَ حَتّى يُوقِنُوا أنَّهم يَرَوْنَ مَوْتَكَ. وفي الإنْكارِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ إنْذارٌ لَهم بِأنَّهم لا يَرى مَوْتَهُ مِنهم أحَدٌ.
21:35Page 324
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥
Every soul will taste death. And We test you with evil and with good as trial; and to Us you will be returned.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾
جُمَلٌ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، وهي ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]؛ ووَجْهُ إعادَتِها اخْتِلافُ القَصْدِ، فَإنَّ الأُولى لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ وهَذِهِ لِتَعْلِيمِ المُؤْمِنِينَ. واسْتُعِيرَ الذَّوْقُ لِمُطْلَقِ الإحْساسِ الباطِنِيِّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ إحْساسٌ بِاللِّسانِ يُقارِنُهُ ازْدِرادٌ إلى بِالباطِنِ.
صفحة ٦٤
وذَوْقُ المَوْتِ ذَوْقُ آلامِ مُقَدِّماتِهِ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِهِ فَلا إحْساسَ لِلْجَسَدِ.
والمُرادُ بِالنَّفْسِ: النُّفُوسُ الحالَّةُ في الأجْسادِ كالإنْسانِ والحَيَوانِ. ولا يَدْخُلُ فِيهِ المَلائِكَةُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ النُّفُوسِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مُتَعارَفٍ في العَرَبِيَّةِ، بَلْ هو اصْطِلاحُ الحُكَماءِ وهو لا يُطْلَقُ عِنْدَهم إلّا مُقَيَّدًا بِوَصْفِ المُجَرَّداتِ، أيِ الَّتِي لا تَحِلُّ في الأجْسادِ ولا تُلابِسُ المادَّةَ. وأمّا إطْلاقُ النَّفْسِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَمُشاكَلَةٌ: إمّا لَفْظِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] في سُورَةِ المائِدَةِ، وإمّا تَقْدِيرِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] في آلِ عِمْرانَ، وجُمْلَةُ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بِمُناسَبَةِ أنَّ ذَوْقَ المَوْتِ يَقْتَضِي سَبْقَ الحَياةِ، والحَياةُ مُدَّةٌ يَعْتَرِي فِيها الخَيْرُ والشَّرُّ جَمِيعَ الأحْياءِ، فَعَلَّمَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ أنَّ المَوْتَ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ حَتّى لا يَحْسَبُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ مُخَلَّدٌ، وقَدْ عَرَضَ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ عارِضٌ مِن ذَلِكَ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ قالَ يَوْمَ انْتِقالِ النَّبِيءِ ﷺ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى: لِيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ فَيُقَطِّعَ أيْدِيَ قَوْمٍ وأرْجُلَهم، حَتّى حَضَرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وثَبَّتَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الهَوْلِ، فَكَشَفَ عَنْ وجْهِ النَّبِيءِ ﷺ وقَبَّلَهُ وقالَ: طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، واللَّهِ لا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ.
وقَدْ قالَ عَبَدُ بَنِي الحَسْحاسِ وأجادَ:
رَأيْتُ المَنايا لَمْ يَدَعْنَ مُحَمَّدًا ولا باقِيًا إلّا لَهُ المَوْتُ مَرْصَدا
وأعْقَبَ اللَّهُ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِهِمْ أنَّ الحَياةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى خَيْرٍ وشَرٍّ، وأنَّ الدُّنْيا دارُ ابْتِلاءٍ.
صفحة ٦٥
والبَلْوى: الِاخْتِبارُ. وتَقَدَّمُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وإطْلاقُ البَلْوى عَلى ما يَبْدُو مِنَ النّاسِ مِن تَجَلُّدٍ ووَهْنٍ وشُكْرٍ وكُفْرٍ، عَلى ما يَنالُهم مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ مِمّا بَنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نِظامَ الحَياةِ، إطْلاقٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّ ابْتِناءَ النِّظامِ عَلَيْهِ دَلَّ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ في تَصَرُّفِهِمْ فِيهِ وتَلَقِّيهِمْ إيّاهُ. أشْبَهَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ لِيَعْلَمَ أحْوالَ مَن يَخْتَبِرُهم. و”فِتْنَةً“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ تَوْكِيدًا لِفِعْلِ ”نَبْلُوكم“؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ تُرادِفُ البَلْوى، وجُمْلَةُ ”وإلَيْنا تَرْجِعُونَ“ إثْباتٌ لِلْبَعْثِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ المَوْتَ والحَياةَ والنَّشْرَ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ وإفادَةِ تَقَوِّي الخَبَرِ. وأمّا احْتِمالُ القَصْرِ فَلا يَقُومُ هُنا؛ إذْ لَيْسَ ضِدَّ ذَلِكَ بِاعْتِقادٍ لِلْمُخاطَبِينَ كَيْفَما افْتَرَضْتَهم.
21:36Page 325
وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٦
And when those who disbelieve see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one who mentions [i.e., insults] your gods?" And they are, at the mention of the Most Merciful, disbelievers.
﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾
هَذا وصْفٌ آخَرُ لِما يُؤْذِي بِهِ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرَوْنَهُ فَهو أخَصُّ مِن أذاهم إيّاهُ في مَغِيبِهِ، فَإذا رَأوْهُ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ .
والهُزُؤُ - بِضَمِّ الهاءِ وضَمِّ الزّايِ - مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ، إذا جَعَلَهُ لِلْعَبَثِ والتَّفَكُّهِ. ومَعْنى اتِّخاذِهِ هُزْوًا أنَّهم يَجْعَلُونَهُ مُسْتَهْزَأً بِهِ، فَهَذا مِنَ الإخْبارِ
صفحة ٦٦
بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦]، وجُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ فَهي في مَعْنى قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَكُونُ بِالكَلامِ. وقَدِ انْحَصَرَ اتِّخاذُهم إيّاهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ في الِاسْتِهْزاءِ بِهِ دُونَ أنْ يَخْلِطُوهُ بِحَدِيثٍ آخَرَ في شَأْنِهِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ، بِقَرِينَةِ الِاسْتِهْزاءِ.
ومَعْنى ”يَذْكُرُ آلِهَتَكم“ يَذْكُرُهم بِسُوءٍ، بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَذْكُرُ بِهِ آلِهَتَهم مِمّا يَسُوءُهم، فَإنَّ الذِّكْرَ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِشَرٍّ، فَإذا لَمْ يُصَرَّحْ بِمُتَعَلِّقِهِ يُصارُ إلى القَرِينَةِ كَما هُنا في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وكَلامُهم مَسُوقٌ مَساقَ الغَيْظِ والغَضَبِ؛ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ اللَّهُ بِجُمْلَةِ الحالِ وهي ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾، أيْ يَغْضَبُونَ مِن أنْ تُذْكَرَ آلِهَتُهم بِما هو كَشْفٌ لِكُنْهِها المُطابِقِ لِلْواقِعِ في حالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ. فالذِّكْرُ الثّانِي مُسْتَعْمَلٌ في الذِّكْرِ بِالثَّناءِ والتَّمْجِيدِ بِقَرِينَةِ المَقامِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُنا القُرْآنُ، أيِ الذِّكْرُ الوارِدُ مِنَ الرَّحْمَنِ. والمُناسَبَةُ الِانْتِقالُ مِن ذِكْرٍ إلى ذِكْرٍ؛ ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ إنْكارُهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ آيَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . وأيْضًا كُفْرُهم بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِن إثْباتِ البَعْثِ.
وعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ تَعالى باسِمِ ”الرَّحْمَنِ“ تَوَرُّكًا عَلَيْهِمْ؛ إذْ كانُوا يَأْبَوْنَ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ اسْمًا لِلَّهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٦٧
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”هم كافِرُونَ“ يَجُوزُ أنْ يُفِيدَ الحَصْرَ، أيْ هم كافِرُونَ بِالقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ لِإفادَةِ أنَّ هَؤُلاءِ باقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ تَوَفُّرِ الآياتِ والنُّذُرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَصْلُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ تَحْقِيقًا لِدَوامِ كُفْرِهِمْ مَعَ ظُهُورِ ما شَأْنُهُ أنْ يُقْلِعَهم عَنِ الكُفْرِ.
21:37Page 325
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧
Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.
﴿خُلِقَ الإنْسانُ مَن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾
جُمْلَةُ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٦] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾، جُعِلَتْ مُقَدِّمَةً لِجُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ . أمّا جُمْلَةُ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الأنبياء: ٣٨]؛ لِأنَّ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] يُثِيرُ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ تَساؤُلًا عَنْ مَدى إمْهالِ المُشْرِكِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي تَحْكِي أقْوالَ المُشْرِكِينَ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها. فالخِطابُ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَبْطِئُونَ حُلُولَ الوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المُكَذِّبِينَ.
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ ذِكْرَ اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُهَيِّجُ حَنَقَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ فَيَوَدُّوا أنْ يَنْزِلَ بِالمُكَذِّبِينَ الوَعِيدُ عاجِلًا، فَخُوطِبُوا بِالتَّرَيُّثِ وأنْ لا يَسْتَعْجِلُوا رَبَّهم؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في تَوْقِيتِ حُلُولِ الوَعِيدِ وما في تَأْخِيرِ نُزُولِهِ مِنَ المَصالِحِ لِلدِّينِ.
صفحة ٦٨
وأهَمُّها مَصْلَحَةُ إمْهالِ القَوْمِ حَتّى يَدْخُلَ مِنهم كَثِيرٌ في الإسْلامِ. والوَجْهُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الأُولى تَمْهِيدًا لِلثّانِيَةِ.
والعَجَلُ: السُّرْعَةُ، وخَلْقُ الإنْسانَ مِنهُ اسْتِعارَةٌ لِتَمَكُّنِ هَذا الوَصْفِ مِن جِبِلَّةِ الإنْسانِيَّةِ.
شُبِّهَتْ شِدَّةُ مُلازِمَةِ الوَصْفِ بِكَوْنِ مادَّةِ التَّكْوِينِ مَوْصُوفَةً؛ لِأنَّ ضَعْفَ صِفَةِ الصَّبْرِ في الإنْسانِ مِن مُقْتَضى التَّفْكِيرِ في المَحَبَّةِ والكَراهِيَةِ. فَإذا فَكَّرَ العَقْلُ في شَيْءٍ مَحْبُوبٍ اسْتَعْجَلَ حُصُولَهُ بِداعِي المَحَبَّةِ، وإذا فَكَّرَ في شَيْءٍ مَكْرُوهٍ اسْتَعْجَلَ إزالَتَهُ بِداعِي الكَراهِيَةِ، ولا تَخْلُو أحْوالُ الإنْسانِ عَنْ هَذَيْنِ، فَلا جَرَمَ كانَ الإنْسانُ عَجُولًا بِالطَّبْعِ فَكَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلَةِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] . ثُمَّ إنَّ أفْرادَ النّاسِ مُتَفاوِتُونَ في هَذا الِاسْتِعْجالِ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِهِمْ في غَوْرِ النَّظَرِ والكُفْرِ، ولَكِنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَخْلُونَ عَنْهُ. وأمّا مَن فَسَّرَ العَجَلَ بِالطِّينِ وزَعَمَ أنَّها كَلِمَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ فَقَدْ أبْعَدَ وما أسْعَدَ.
وجُمْلَةُ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِراضِ. وهي مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: وعْدٌ بِأنَّهم سَيَرَوْنَ آياتِ اللَّهِ في نَصْرِ الدِّينِ، وذَلِكَ بِما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ النَّصْرِ وهَلاكِ أئِمَّةِ الشِّرْكِ وما حَصَلَ بَعْدَهُ مِن أيّامِ الإسْلامِ الَّتِي كانَ النَّصْرُ فِيها عاقِبَةَ المُسْلِمِينَ.
وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الوَعْدِ نَهْيٌ عَنْ طَلَبِ التَّعْجِيلِ، أيْ عَلَيْكم أنْ تَكِلُوا ذَلِكَ إلى ما يُوَقِّتُهُ اللَّهُ ويُؤَجِّلُهُ، ولِكُلِّ أجَلِ كِتابٌ. فَهو نَهْيٌ عَنِ التَّوَغُّلِ في هَذِهِ الصِّفَةِ وعَنْ لَوازِمِ ذَلِكَ الَّتِي تُفْضِي إلى الشَّكِّ في الوَعِيدِ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن كَلِمَةِ ”تَسْتَعْجِلُونِ“ تَخْفِيفًا مَعَ بَقاءِ حَرَكَتِها، فَإذا وُقِفَ عَلَيْهِ حُذِفَتِ الحَرَكَةُ مِنَ النُّونِ.
21:38–40Page 325
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٣٩
If those who disbelieved but knew the time when they will not avert the Fire from their faces or from their backs and they will not be aided...1
بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٤٠
Rather, it will come to them unexpectedly and bewilder them, and they will not be able to repel it, nor will they be reprieved.
صفحة ٦٩
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
نَشَأ عَنْ ذِكْرِ اسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ وعْدَ اللَّهِ بِنَصْرِهِمْ عَلى الكافِرِينَ ذِكْرُ نَظِيرِهِ في جانِبِ المُشْرِكِينَ أنَّهم تَساءَلُوا عَنْ وقْتِ هَذا الوَعْدِ تَهَكُّمًا، فَنَشَأ بِهِ القَوْلانِ واخْتَلَفَ الحالانِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وهَذا مُعَبِّرٌ عَنْ مَقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِهِمُ الَّتِي يَتَلَقَّوْنَ بِها دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِهْزاءً وعِنادًا، وذِكْرُ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ هُنا لِاسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ النَّصْرَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْها.
وخاطَبُوا بِضَمِيرِ الجَماعَةِ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ، ولِأجْلِ هَذِهِ المَقالَةِ كانَ المُسْلِمُونَ يَسْتَعْجِلُونَ وعِيدَ المُشْرِكِينَ.
واسْتِفْهامُهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ في التَّهَكُّمِ مَجازًا مُرْسَلًا بِقَرِينَةِ ”إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ“؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُوقِنِينَ بِعَدَمِ حُصُولِ الوَعْدِ. والمُرادُ بِالوَعْدِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ مِن نَصْرِ رَسُولِهِ واسْتِئْصالِ مُعانِدِيهِ. وإلى هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها يَنْظُرُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ وقَفَ عَلى القَلِيبِ الَّذِي دُفِنَتْ فِيهِ جُثَثُ المُشْرِكِينَ وناداهم بِأسْمائِهِمْ ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]
صفحة ٧٠
أيْ ما وعَدَنا رَبُّنا مِنَ النَّصْرِ وما وعَدَكم مِنَ الهَلاكِ وعَذابِ النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَتَرَقَّبُونَ مِن حِكايَةِ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ماذا يَكُونُ جَوابُهم عَنْ تَهَكُّمِهِمْ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، ولا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ.
وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَمّا كانُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِكم وبِدِينِكم، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ المَقامُ. وقَدْ يُؤْخَذُ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] . وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. ونُكْتَتُهُ تَهْوِيلُ جِنْسِهِ، فَتَذْهَبُ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ.
و”حِينَ“ هُنا: اسْمٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مِن أسْماءِ الزَّمانِ المُتَصَرِّفَةِ، أيْ لَوْ عَلِمُوا وقْتَهُ وأيْقَنُوا بِحُصُولِهِ لَما كَذَّبُوا بِهِ وبِمَن أنْذَرَهم بِهِ، ولَما عَدُّوا تَأْخِيرَهُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِ. وجُمْلَةُ ”لا يَكُفُّونَ“ مُضافٌ إلَيْها ”حِينَ“، وضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما بَدا لِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مَلائِكَةِ العَذابِ، فَمُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، ونَظائِرُ هَذا المُعادِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ومَعْنى الكَفِّ عَلى هَذا الوَجْهِ: الإمْساكُ وهو حَقِيقَتُهُ، أيْ حِينَ لا يُمْسِكُ المَلائِكَةُ اللَّفْحَ بِالنّارِ عَنْ وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] فَإنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِسِياطٍ مِن نارٍ ويَكُونُ ما هُنا إنْذارًا بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَما أنَّ آيَةَ الأنْفالِ حِكايَةٌ لِما لَقُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ٧١
وذِكْرُ الوُجُوهَ والأدْبارَ لِلتَّنْكِيلِ بِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ؛ لِأنَّ الوُجُوهَ أعَزُّ الأعْضاءِ عَلى النّاسِ كَما قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إذا التَقَيْنا وُجُوهًا لا تُعَرَّضُ لِلِّطامِ
ولِأنَّ الأدْبارَ يَأْنَفُ النّاسُ مِن ضَرْبِها؛ لِأنَّ ضَرْبَها إهانَةٌ وخِزْيٌ، ويُسَمّى الكَسْعَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، والكَفُّ بِمَعْنى الدَّرْءِ والسَّتْرِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أيْ حِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَدْفَعُوا النّارَ عَنْ وُجُوهِهِمْ بِأيْدِيهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ، أيْ حِينَ تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ مُواجَهَةً ومُدابَرَةً. وذِكْرُ الظُّهُورِ بَعْدَ ذِكْرِ الوُجُوهِ عَنْ هَذا الِاحْتِمالِ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهم قَدْ يَكُفُّونَها عَنْ ظُهُورِهِمْ إنْ لَمْ تَشْتَغِلْ أيْدِيهِمْ بِكَفِّها عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَن لَدَيْنا كُتُبُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ، والوَجْهُ الأوَّلُ أرْجَحُ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ مُناسَبَةً تامَّةً لِلْكافِرِينَ الحاضِرِينَ المُقَرَّعِينَ ولِتَكْذِيبِهِمْ بِالوَعِيدِ بِالهَلاكِ في قَوْلِهِمْ ”مَتى هَذا الوَعْدُ“ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧] كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ”ولا هم يُنْصَرُونَ“ عَطْفٌ عَلى ”لا يَكُفُّونَ“، أيْ لا يَكُفُّ عَنْهم نَفْحُ النّارِ، أوْ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ نَفْحَ النّارِ ولا يَجِدُونَ لَهم ناصِرًا يَنْصُرُهم، فَهم واقِعُونَ في ورْطَةِ العَذابِ. وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهم سَتَحُلُّ بِهِمْ هَزِيمَةُ بَدْرٍ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَلاصًا مِنها ولا يَجِدُونَ نَصِيرًا مِن أحْلافِهِمْ.
و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن تَهْوِيلِ ما أُعِدَّ لَهم، إلى التَّهْدِيدِ بِأنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ بِهِمْ بَغْتَةً وفَجْأةً، وهو أشَدُّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِعَدَمِ التَّهَيُّؤِ لَهُ والتَّوَطُّنِ عَلَيْهِ، كَما قالَ كُثَيِّرٌ:
فَقُلْتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ
صفحة ٧٢
وإنْ كانَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ فَنَفْيُ النّاصِرِ تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وفاعِلُ ”تَأْتِيهِمْ“ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الوَعْدِ، وإنَّما قُرِنَ الفِعْلُ بِعَلامَةِ المُؤَنَّثِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ بِاعْتِبارِ الوَقْعَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وهو إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ فِيما اسْمُهُ لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ مِثْلَ الوَقْعَةِ والغَزْوَةِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي المُتَقَدِّمِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ فِيما رَأيْنا فَلِتَأْوِيلِ الوَعْدِ بِالسّاعَةِ أوِ القِيامَةِ أوِ الحِينِ في مَعْنى السّاعَةِ.
والبَغْتَةُ: المُفاجَأةُ، وهي حُدُوثُ شَيْءٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ.
والبَهْتُ: الغَلَبُ المُفاجِئُ المُعْجِزُ عَنِ المُدافَعَةِ، يُقالُ: بَهَتَهُ فَبُهِتَ. قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أيْ غَلَبَ، وهو مَعْنى التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ”ولا هم يُنْظَرُونَ“ أيْ لا تُؤَخَّرُ عَنْهم. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم إلى أنَّهم أُنْظِرُوا زَمَنًا طَوِيلًا لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ، وما أشَدَّ انْطِباقِ هَذِهِ الهَيْئَةِ عَلى ما حَصَلَ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] في الأنْفالِ، وقالَ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] . ولا شَكَّ في أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، كانُوا مِمَّنْ بَغَتَهم عَذابُ السَّيْفِ، وكانَ أنْصارُهم مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ بَهَتَهم ذَلِكَ. وأمّا إذا أُرِيدَ بِضَمِيرِ ”تَأْتِيهِمْ“ السّاعَةُ والقِيامَةُ فَهي تَأْتِي بَغْتَةً لِمَن هم مِن جِنْسِ المُشْرِكِينَ أوْ تَأْتِيَهُمُ النَّفْخَةُ والنَّشْرَةُ بَغْتَةً. وأمّا أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئُونَ فَكانُوا قَدِ انْقَرَضُوا مُنْذُ قُرُونٍ.
21:41Page 325
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by what they used to ridicule.
صفحة ٧٣
﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧] تَطْمِينٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ. ومُناسَبَةُ عَطْفِها عَلى جُمْلَةِ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] إلى آخِرِها ظاهِرَةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences