Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:27–31
22:27–28Page 335
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨
That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.
﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾
(وأذِّنْ) عَطْفٌ عَلى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] . وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن إكْرامِ الزّائِرِ تَنْظِيفَ المَنزِلِ وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ الزّائِرِ بِالمَكانِ.
والتَّأْذِينُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالإعْلامِ بِشَيْءٍ. وأصْلُهُ مُضاعَفُ أذِنَ إذا سَمِعَ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى بَلَغَهُ الخَبَرُ فَجاءَ مِنهُ آذَنَ بِمَعْنى أخْبَرَ. وأذِّنْ بِما فِيهِ مِن مُضاعَفَةِ الحُرُوفِ مُشْعِرٌ بِتَكْرِيرِ الفِعْلِ، أيْ أكْثِرِ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ، والكَثْرَةُ تَحْصُلُ بِالتَّكْرارِ وبِرَفْعِ الصَّوْتِ القائِمِ مَقامَ التَّكْرارِ. ولِكَوْنِهِ بِمَعْنى الإخْبارِ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ.
والنّاسُ يَعُمُّ كُلَّ البَشَرِ، أيْ كُلَّ ما أمْكَنَهُ أنْ يُبَلِّغَ إلَيْهِ ذَلِكَ.
صفحة ٢٤٣
والمُرادُ بِالحَجِّ: القَصْدُ إلى بَيْتِ اللَّهِ. وصارَ لَفْظُ الحَجِّ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الحُضُورِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ لِأداءِ المَناسِكِ. ومِن حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ تَلَقِّي عَقِيدَةِ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِطَرِيقِ المُشاهِدَةِ لِلْهَيْكَلِ الَّذِي أُقِيمَ لِذَلِكَ حَتّى يَرْسَخَ مَعْنى التَّوْحِيدِ في النُّفُوسِ لِأنَّ لِلنُّفُوسِ مَيْلًا إلى المَحْسُوساتِ لِيَتَقَوّى الإدْراكُ العَقْلِيُّ بِمُشاهَدَةِ المَحْسُوسِ. فَهَذِهِ أصْلٌ في سُنَّةِ المُؤَثِّراتِ لِأهْلِ المَقْصِدِ النّافِعِ. وفي تَعْلِيقِ فِعْلِ (يَأْتُوكَ) بِضَمِيرِ خِطابِ إبْراهِيمَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَحْضُرُ مَوْسِمَ الحَجِّ كُلَّ عامٍ يُبْلِغُ لِلنّاسَ التَّوْحِيدَ وقَواعِدَ الحَنِيفِيَّةِ. رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ اعْتَلى جَبَلَ أبِي قَيْسٍ وجَعَلَ إصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ونادى: ”إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“ . وذَلِكَ أقْصى اسْتِطاعَتِهِ في امْتِثالِ الأمْرِ بِالتَّأْذِينِ. وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ رَحّالَةً فَلَعَلَّهُ كانَ يُنادِي في النّاسِ في كُلِّ مَكانٍ يَحِلُّ فِيهِ. وجُمْلَةُ (يَأْتُوكَ) جَوابٌ لِلْأمْرِ، جَعَلَ التَّأْذِينَ سَبَبًا لِلْإتْيانِ تَحْقِيقًا لِتَيْسِيرِ الحَجِّ عَلى النّاسِ. فَدَلَّ جَوابُ الأمْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُ اسْتِجابَةَ نِدائِهِ. وقَوْلُهُ (رِجالًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (يَأْتُوكَ) . وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ بِواوِ التَّقْسِيمِ الَّتِي بِمَعْنى (أوْ) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] إذْ مَعْنى العَطْفِ هُنا عَلى اعْتِبارِ التَّوْزِيعِ بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، إذِ الرّاكِبُ لا يَكُونُ راجِلًا ولا العَكْسَ. والمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِيعابُ أحْوالِ الآتِينَ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ بِتَيْسِيرِ الإتْيانِ المُشارِ إلَيْهِ بِجَعْلِ إتْيانِهِمْ جَوابًا لِلْأمْرِ، أيْ يَأْتِيكَ مَن لَهم رَواحِلُ ومَن يَمْشُونَ عَلى أرْجُلِهِمْ.
صفحة ٢٤٤
ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالِ أغْرَبَ قُدِّمَ قَوْلُهُ (رِجالًا) ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ تَكْمِلَةً لِتَعْمِيمِ الأحْوالِ إذْ إتْيانُ النّاسِ لا يَعْدُو أحَدَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. و(رِجالًا): جَمْعُ راجِلٍ وهو ضِدُّ الرّاكِبِ.
والضّامِرُ: قَلِيلُ لَحْمِ البَطْنِ. يُقالُ: ضَمُرَ ضُمُورًا فَهو ضامِرٌ، وناقَةٌ ضامِرٌ أيْضًا. والضُّمُورُ مِن مَحاسِنِ الرَّواحِلِ والخَيْلِ لِأنَّهُ يُعِينُها عَلى السَّيْرِ والحَرَكَةِ. فالضّامِرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ كَأنَّهُ قالَ: وعَلى كُلِّ راحِلَةٍ. وكَلِمَةُ (كُلِّ) مِن قَوْلِهِ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ، أيْ وعَلى رَواحِلَ كَثِيرَةٍ. وكَلِمَةُ (كُلِّ) أصْلُها الدَّلالَةُ عَلى اسْتِغْراقِ جِنْسِ ما تُضافُ إلَيْهِ ويَكْثُرُ اسْتِعْمالُها في مَعْنًى كَثِيرٍ مِمّا تُضافُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ مِن أكْثَرِ الأشْياءِ الَّتِي يُؤْتاها أهْلُ المُلْكِ، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ
أيْ بِها وحْشٌ كَثِيرٌ في رِمالٍ كَثِيرَةٍ. وتَكَرَّرَ هَذا الإطْلاقُ ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
سَحًّا وتَسْكابًا فَكُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ يَجْرِي عَلَيْها الماءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةَ البَقَرَةِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةَ النَّمْلِ.
صفحة ٢٤٥
و(يَأْتِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ ﴿كُلِّ ضامِرٍ﴾ لِأنَّ لَفْظَ ”كُلِّ“ صَيَّرَهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وإذْ هو جَمْعٌ لِما لا يَعْقِلُ فَحَقُّهُ التَّأْنِيثُ، وإنَّما أُسْنِدَ الإتْيانُ إلى الرَّواحِلِ دُونَ النّاسِ فَلَمْ يَقُلْ: يَأْتُونَ، لِأنَّ الرَّواحِلَ هي سَبَبُ إتْيانِ النّاسِ مِن بُعْدٍ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ السَّفَرَ عَلى رِجْلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ (يَأْتِينَ) حالًا ثانِيَةً مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في (يَأْتُوكَ) لِأنَّ الحالَ الأُولى تَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّنْوِيعِ والتَّصْنِيفِ، فَصارَ المَعْنى: يَأْتُوكَ جَماعاتٍ، فَلَمّا تَأوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنى الجَماعاتِ جَرى عَلَيْهِمُ الفِعْلُ بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ زِيادَةَ التَّعْجِيبِ مِن تَيْسِيرِ الحَجِّ حَتّى عَلى المُشاةِ، وقَدْ تُشاهِدُ في طَرِيقِ الحَجِّ جَماعاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ يَمْشُونَ رِجالًا بِأوْلادِهِمْ وأزْواجِهِمْ وكَذَلِكَ يَقْطَعُونَ المَسافاتِ بَيْنَ مَكَّةَ وبِلادِهِمْ.
والفَجُّ: الشِّقُّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ تَسِيرُ فِيهِ الرِّكابُ، فَغَلَبَ الفَجُّ عَلى الطَّرِيقِ لِأنَّ أكْثَرَ الطُّرُقِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَكَّةَ تُسْلَكُ بَيْنَ الجِبالِ.
والعَمِيقُ: البَعِيدُ إلى أسْفَلَ لِأنَّ العُمْقَ البُعْدُ في القَعْرِ، فَأُطْلِقَ عَلى البَعِيدِ مُطْلَقًا بِطَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ مَكَّةَ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ والنّاسُ مُصَعِّدُونَ إلَيْهِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى السَّفَرِ مِن مَوْطِنِ المُسافِرِ إلى مَكانٍ آخَرَ إصْعادٌ كَما يُطْلَقُ عَلى الرُّجُوعِ انْحِدارٌ وهُبُوطٌ، فَإسْنادُ الإتْيانِ إلى الرَّواحِلِ تَشْرِيفٌ لَها بِأنْ جَعَلَها مُشارَكَةً لِلْحَجِيجِ في الإتْيانِ إلى البَيْتِ. وقَوْلُهُ (لِيَشْهَدُوا) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (يَأْتُوكَ) فَهو عِلَّةٌ لِإتْيانِهِمُ الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَلى التَّأْذِينِ بِالحَجِّ فَآلَ إلى كَوْنِهِ عِلَّةً في التَّأْذِينِ بِالحَجِّ. ومَعْنى (لِيَشْهَدُوا) لِيَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم، أيْ لِيَحْضُرُوا فَيُحَصِّلُوا مَنافِعَ لَهم إذْ يُحَصِّلُ كُلُّ واحِدٍ ما فِيهِ نَفْعُهُ. وأهَمُّ المَنافِعِ
صفحة ٢٤٦
ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الثَّوابِ. فَكَنى بِشُهُودِ المَنافِعِ عَنْ نَيْلِها. ولا يُعْرَفُ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْيِينِ. وأعْظَمُ ذَلِكَ اجْتِماعُ أهْلِ التَّوْحِيدِ في صَعِيدٍ واحِدٍ لِيَتَلَقّى بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ما بِهِ كَمالُ إيمانِهِ. وتَنْكِيرُ (مَنافِعَ) لِلتَّعْظِيمِ المُرادِ مِنهُ الكَثْرَةُ وهي المَصالِحُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ لِأنَّ في مَجْمَعِ الحَجِّ فَوائِدَ جَمَّةً لِلنّاسِ؛ لِأفْرادِهِمْ مِنَ الثَّوابِ والمَغْفِرَةِ لِكُلِّ حاجٍّ، ولِمُجْتَمَعِهِمْ لِأنَّ في الِاجْتِماعِ صَلاحًا في الدُّنْيا بِالتَّعارُفِ والتَّعامُلِ. وخَصَّ مِنَ المَنافِعِ أنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وذَلِكَ هو النَّحْرُ والذَّبْحُ لِلْهَدايا. وهو مُجْمَلٌ في الواجِبَةِ والمُتَطَوَّعِ بِها. وقَدْ بَيَّنَتْهُ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ مِن قَبْلُ بِما لَمْ يَبْلُغْ إلَيْنا. وبَيَّنَهُ الإسْلامُ بِما فِيهِ شِفاءٌ. وحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَذْكُرُوا) . وهو لِلِاسْتِعْلاءِ المُجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى المُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ، أيْ عَلى الأنْعامِ. وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عِنْدِ نَحْرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ أوْ ذَبْحِها. و(ما) مَوْصُولَةٌ، ومِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ بَيانٌ لِمَدْلُولِ (ما) . والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وأُدْمِجَ في هَذا الحُكْمِ الِامْتِنانُ بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم تِلْكَ الأنْعامَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِطَلَبِ الشُّكْرِ عَلى هَذا الرِّزْقِ بِالإخْلاصِ لِلَّهِ في العِبادَةِ وإطْعامِ المَحاوِيجِ مِن عِبادِ اللَّهِ مِن لُحُومِها، وفي ذَلِكَ سَدٌّ لِحاجَةِ الفُقَراءِ بِتَزْوِيدِهِمْ ما يَكْفِيهِمْ لِعامِهِمْ. ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ .
صفحة ٢٤٧
فالأمْرُ بِالأكْلِ مِنها يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أمْرَ وُجُوبٍ في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ (فَكُلُوا) لِإبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ. وقَدْ عَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ الواقِعَةِ في ضَمائِرِ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، إلى الخِطابِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ إلَخْ. عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أوْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَأْمُورٍ بِهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وفي حِكايَةِ هَذا تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذْ كانُوا يَمْنَعُونَ الأكْلَ مِنَ الهَدايا. ثُمَّ عادَ الأُسْلُوبُ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] . ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ فَكُلُوا مِنها إلَخْ مُعْتَرِضَةً مُفَرَّعَةً عَلى خِطابِ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ تَفْرِيعَ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ تَحْذِيرًا مِن أنْ يُمْنَعَ الأكْلُ مِن بَعْضِها.
والأيّامُ المَعْلُوماتُ أُجْمِلَتْ هُنا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِها إذْ غَرَضُ الكَلامِ ذِكْرُ حَجِّ البَيْتِ وقَدْ بَيَّنْتُ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِأعْمالِ الحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] .
والبائِسُ: الَّذِي أصابَهُ البُؤْسُ، وهو ضِيقُ المالِ، وهو الفَقِيرُ. هَذا قَوْلُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي المُوَطَّأِ: في بابِ ما يُكْرَهُ مِن أكْلِ الدَّوابِّ. قالَ مالِكٌ: سَمِعْتُ أنَّ البائِسَ هو الفَقِيرُ اهـ.
وقُلْتُ: مِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ أحَدُ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ كالبَيانِ لَهُ وإنَّما ذُكِرَ البائِسُ مَعَ أنَّ الفَقِيرَ مُغْنٍ عَنْهُ لِتَرْقِيقِ أفْئِدَةِ النّاسِ عَلى الفَقِيرِ بِتَذْكِيرِهِمْ أنَّهُ في بُؤْسٍ لِأنَّ وصْفَ فَقِيرٍ لِشُيُوعِ تَداوُلِهِ عَلى الألْسُنِ صارَ كاللَّقَبِ
صفحة ٢٤٨
غَيْرَ مُشْعِرٍ بِمَعْنى الحاجَةِ وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ التَّأْكِيدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البائِسُ الَّذِي ظَهَرَ بُؤْسُهُ في ثِيابِهِ وفي وجْهِهِ، والفَقِيرُ الَّذِي تَكُونُ ثِيابُهُ نَقِيَّةً ووَجْهُهُ وجْهَ غَنِيٍّ. فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ البائِسُ هو المِسْكِينُ ويَكُونُ ذِكْرُ الوَصْفَيْنِ لِقَصْدِ اسْتِيعابِ أحْوالِ المُحْتاجِينَ والتَّنْبِيهِ إلى البَحْثِ عَنْ مَوْقِعِ الِامْتِناعِ.
22:29Page 335
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾
هَذا مِن جُمْلَةِ ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ لامِ (لِيَقْضُوا) . وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ. وهُما لُغَتانِ في لامِ الأمْرِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ثُمَّ)، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) . و(ثُمَّ) هُنا عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ فَهي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا الزَّمَنِيِّ فَتُفِيدُ أنَّ المَعْطُوفَ بِها أهَمُّ في الغَرَضِ المَسُوقِ إلَيْهِ الكَلامُ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وذَلِكَ في الوَفاءِ بِالنَّذْرِ والطَّوافِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ ظاهِرٌ إذْ هُما نُسُكانِ أهَمُّ مِن نَحْرِ الهَدايا، وقَضاءُ التَّفَثِ مَحْمُولٌ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ كَما سَنُبَيِّنُهُ.
والتَّفَثُ: كَلِمَةٌ وقَعَتْ في القُرْآنِ وتَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنها. واضْطَرَبَ عُلَماءُ اللُّغَةِ في مَعْناها لَعَلَّهم لَمْ يَعْثُرُوا عَلَيْها في كَلامِ العَرَبِ المُحْتَجِّ بِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْلَمُونَ التَّفَثَ إلّا مِنَ التَّفْسِيرِ، أيْ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ:
صفحة ٢٤٩
التَّفَثُ: مَناسِكُ الحَجِّ وأفْعالُهُ كُلُّها. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ لَوْ صَحَّ عَنْهُما لَكانَ حُجَّةَ الإحاطَةِ بِاللُّغَةِ. قُلْتُ: رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُما بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ. ونَسَبَهُ الجَصّاصُ إلى سَعِيدٍ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ وقُطْرُبٌ: التَّفَثُ: هو الوَسَخُ والدَّرَنُ. ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
حَفُّوا رُءُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا ولَمْ يَسُلُّوا لَهم قَمْلًا وصِئْبانا
ويَحْتَمِلُ أنَّ البَيْتَ مَصْنُوعٌ لِأنَّ أئِمَّةَ اللُّغَةِ قالُوا لَمْ يَجِئْ في مَعْنى التَّفَثِ شِعْرٌ يُحْتَجُّ بِهِ. قالَ نِفْطَوَيْهِ: سَألْتُ أعْرابِيًّا: ما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فَقالَ: ما أُفَسِّرُ القُرْآنَ ولَكِنْ نَقُولُ لِلرَّجُلِ ما أتْفَثَكَ، أيْ ما أدْرَنَكَ.
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: التَّفَثُ: قَصُّ الأظْفارِ والأخْذُ مِنَ الشّارِبِ وكُلُّ ما يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ ورُبَّما زادَ مُجاهِدٌ مَعَ ذَلِكَ رَمْيَ الجِمارِ.
وعَنْ صاحِبِ العَيْنِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ: التَّفَثُ الرَّمْيُ، والذَّبْحُ، والحَلْقُ وقَصُّ الأظْفارِ والشّارِبِ وشَعْرِ الإبِطِ. وهو قَوْلُ الحَسَنِ ونُسِبَ إلى مالِكِ بْنِ أنَسٍ أيْضًا. وعِنْدِي: أنَّ فِعْلَ (لْيَقْضُوا) يُنادِي عَلى أنَّ التَّفَثَ عَمَلٌ مِن أعْمالِ الحَجِّ ولَيْسَ وسَخًا ولا ظُفْرًا ولا شَعْرًا. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ آنِفًا، وأنَّ مَوْقِعَ (ثُمَّ) في عَطْفِ جُمْلَةِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها يُنادِي عَلى مَعْنى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَيَقْتَضِي أنَّ المَعْطُوفَ بِـ (ثُمَّ) أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ قَبْلَها فَإنَّ أعْمالَ الحَجِّ هي المُهِمُّ في الإتْيانِ إلى مَكَّةَ، فَلا جَرَمَ أنَّ التَّفَثَ هو مَناسِكُ الحَجِّ وهَذا الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في قَوْلِهِ في المَقامَةِ المَكِّيَّةِ ”فَلَمّا قَضَيْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ التَّفَثَ. واسْتَبَحْتُ الطِّيبَ والرَّفَثَ. صادَفَ مَوْسِمُ الخَيْفِ. مَعْمَعانَ الصَّيْفِ“ .
صفحة ٢٥٠
وقَوْلُهُ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ إنْ كانُوا نَذَرُوا أعْمالًا زائِدَةً عَلى ما تَقْتَضِيهِ فَرِيضَةُ الحَجِّ مِثْلَ نَذْرِ طَوافٍ زائِدٍ أوِ اعْتِكافٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ نُسُكًا أوْ إطْعامَ فَقِيرٍ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
والنَّذْرُ: التِزامُ قُرْبَةٍ لِلَّهِ تَعالى لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلى مُلْتَزِمِها بِتَعْلِيقٍ عَلى حُصُولِ مَرْغُوبٍ أوْ بِدُونِ تَعْلِيقٍ، وبِالنَّذْرِ تَصِيرُ القُرْبَةُ المُلْتَزَمَةُ واجِبَةً عَلى النّاذِرِ. وأشْهَرُ صِيغَةٍ: لِلَّهِ عَلَيَّ. . .، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّذْرَ كانَ مَشْرُوعًا في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ. «وقَدْ نَذَرَ عُمَرُ في الجاهِلِيَّةِ اعْتِكافَ لَيْلَةٍ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ ووَفّى بِهِ في إسْلامِهِ» كَما في الحَدِيثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ولْيُوفُوا) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها مُضارِعِ أوْفى. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ولْيُوَفُّوا) بِتَشْدِيدِ الفاءِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ كِلْتا الصِّيغَتَيْنِ مِن فِعْلِ ”وفى“ المَزِيدِ فِيهِ بِالهَمْزَةِ وبِالتَّضْعِيفِ. وخُتِمَ خِطابُ إبْراهِيمَ بِالأمْرِ بِالطَّوافِ بِالبَيْتِ إيذانًا بِأنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ آخِرَ أعْمالِ الحَجِّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ وهو المُسَمّى في الإسْلامِ طَوافَ الإفاضَةِ.
والعَتِيقُ: المُحَرَّرُ غَيْرُ المَمْلُوكِ لِلنّاسِ. شُبِّهَ بِالعَبْدِ العَتِيقِ في أنَّهُ لا مِلْكَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَمْنَعُونَ مِنهُ مَن يَشاءُونَ حَتّى جَعَلُوا بابَهُ مُرْتَفِعًا بِدُونِ دَرَجٍ لِئَلّا يَدْخُلَهُ إلّا مَن شاءُوا كَما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ أيّامَ الفَتْحِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إنَّما سَمّى اللَّهُ البَيْتَ العَتِيقَ لِأنَّهُ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبّارٌ قَطُّ» . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ حِكايَةٌ عَمّا كانَ في عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلا تُؤْخَذُ مِنها أحْكامُ الحَجِّ والهَدايا في الإسْلامِ.
صفحة ٢٥١
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمَّ لْيَقْضُوا - ولْيُوفُوا - ولْيَطَّوَّفُوا) بِإسْكانِ لامِ الأمْرِ في جَمِيعِها. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (ولِيُوفُوا - ولِيَطَّوَّفُوا) بِكَسْرِ اللّامِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ هِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، وقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (ثُمَّ لِيَقْضُوا) بِكَسْرِ اللّامِ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الوَجْهَيْنِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) . وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ولْيُوَفُّوا) بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الفاءِ مِن وفّى المُضاعَفِ.
22:30Page 335
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهْوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
اسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ هُنا لِلْفَصْلِ بَيْنَ كَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ وجْهَيْنِ مِن كَلامٍ واحِدٍ. والقَصْدُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى الِاهْتِمامِ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ. فالإشارَةُ مُرادٌ بِها التَّنْبِيهُ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ ما بَعْدَهُ غَيْرَ صالِحٍ لِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ خَبَرٍ عَنْهُ في مَعْنى: ذَلِكَ بَيانٌ، أوْ ذِكْرٌ، وهو مِن أسالِيبِ الِاقْتِضابِ في الِانْتِقالِ. والمَشْهُورُ في هَذا الِاسْتِعْمالِ لَفْظُ هَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَئابٍ﴾ [ص: ٥٥] وقَوْلِ زُهَيْرٍ:
هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعْيا بِخُطْبَتِهِ وسْطَ النَّدِيِّ إذا ما قائِلٌ نَطَقا
وأُوثِرَ في الآيَةِ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ المَنزِلَةِ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ. فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِظُهُورِ تَقْدِيرِهِ، أيْ ذَلِكَ بَيانٌ ونَحْوُهُ. وهو كَما يُقَدِّمُ الكاتِبُ جُمْلَةً مِن كِتابِهِ في بَعْضِ الأغْراضِ فَإذا أرادَ الخَوْضَ في غَرَضٍ آخَرَ، قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَذا وكَذا.
صفحة ٢٥٢
وجُمْلَةُ ومَن يُعَظِّمْ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] عَطْفَ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ. وهو انْتِقالٌ إلى بَيانِ ما يَجِبُ الحِفاظُ عَلَيْهِ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ والتَّنْبِيهِ إلى أنَّ الإسْلامَ بُنِيَ عَلى أساسِها. وضَمِيرُ (فَهو) عائِدٌ إلى التَّعْظِيمِ المَأْخُوذِ مَن فِعْلِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ . والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ تِلْكَ الحُرُماتِ لَمْ يُعَطِّلِ الإسْلامُ حُرْمَتَها، فَيَكُونُ الِانْتِقالُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ ومِن مُخاطَبٍ إلى مُخاطَبٍ آخَرَ. فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَعْتَمِرُونَ ويَحُجُّونَ قَبْلَ إيجابِ الحَجِّ عَلَيْهِمْ. أيْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.
والحُرُماتُ: جَمْعُ حُرُمَةٍ بِضَمَّتَيْنِ: وهي ما يَجِبُ احْتِرامُهُ.
والِاحْتِرامُ: اعْتِبارُ الشَّيْءِ ذا حَرَمٍ، كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الدُّخُولِ فِيهِ، أيْ عَدَمِ انْتِهاكِهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ في شَأْنِهِ، والحُرُماتُ يَشْمَلُ كُلَّ ما أوْصى اللَّهُ بِتَعْظِيمِ أمْرِهِ فَتَشْمَلُ مَناسِكَ الحَجِّ كُلَّها. وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: الحُرُماتُ خَمْسٌ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والبَيْتُ الحَرامُ، والبَلَدُ الحَرامُ، والشَّهْرُ الحَرامُ، والمُحْرِمُ ما دامَ مُحْرِمًا. فَقَصْرُهُ عَلى الذَّواتِ دُونَ الأعْمالِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الحُرُماتِ يَشْمَلُ الهَدايا والقَلائِدَ والمَشْعَرَ الحَرامَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ الحَجِّ. كالغُسْلِ في مَواقِعِهِ، والحَلْقِ ومَواقِيتِهِ ومَناسِكِهِ.
* * *
﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١]
لَمّا ذَكَرَ آنِفًا بَهِيمَةَ الأنْعامِ وتَعْظِيمَ حُرُماتِ اللَّهِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ ما حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ مِثْلِ: البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ،
صفحة ٢٥٣
والوَصِيلَةِ، والحامِي وبَعْضِ ما في بُطُونِها. وقَدْ ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ. واسْتَثْنى مِنهُ ما يُتْلى تَحْرِيمُهُ في القُرْآنِ وهو ما جاءَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآياتِ وما ذُكِرَ في سُورَةِ النَّحْلِ وكِلْتاهُما مَكِّيَّتانِ سابِقَتانِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم لِيَشْمَلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ في ذَلِكَ مِمّا سَبَقَ نُزُولَ سُورَةِ الحَجِّ بِأنَّهُ تُلِيَ فِيما مَضى ولَمْ يَزَلْ يُتْلى، ويَشْمَلُ ما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِن بَعْدُ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] الآيَةَ في سُورَةِ العُقُودِ.
والأمْرُ بِاجْتِنابِ الأوْثانِ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِالأمْرِ بِاجْتِنابِ ما لَيْسَ مِن حُرُماتِ اللَّهِ، وهو الأوْثانُ. واجْتِنابُ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ لِبَعْضِ المُحَرَّماتِ هَذا حَلالٌ مِثْلِ الدَّمِ وما أُهِّلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وقَوْلِهِمْ لِبَعْضٍ هَذا حَرامٌ مِثْلِ: البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] .
والرِّجْسُ: حَقِيقَتُهُ الخُبْثُ والقَذارَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى فَإنَّهُ رِجْسٌ في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَصْفُ الأوْثانِ بِالرِّجْسِ أنَّها رِجْسٌ مَعْنَوِيٌّ لِكَوْنِ اعْتِقادِ إلَهِيَّتِها في النُّفُوسِ بِمَنزِلَةِ تَعَلُّقِ الخُبْثِ بِالأجْسادِ فَإطْلاقُ الرِّجْسِ عَلَيْها تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(مِنَ) في قَوْلِهِ (مِنَ الأوْثانِ) بَيانٌ لِمُجْمَلِ الرِّجْسِ، فَهي تَدْخُلُ عَلى بَعْضِ أسْماءِ التَّمْيِيزِ بَيانًا لِلْمُرادِ مِنَ الرِّجْسِ هُنا لا أنَّ مَعْنى
صفحة ٢٥٤
ذَلِكَ أنَّ الرِّجْسَ هو عَيْنُ الأوْثانِ بَلِ الرِّجْسُ أعَمُّ أُرِيدَ بِهِ هُنا بَعْضُ أنْواعِهِ فَهَذا تَحْقِيقُ مَعْنى (مِن) البَيانِيَّةِ. و(حُنَفاءَ لِلَّهِ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (اجْتَنِبُوا) أيْ تَكُونُوا إنِ اجْتَنَبْتُمْ ذَلِكَ حُنَفاءَ لِلَّهِ، جَمْعُ حَنِيفٍ وهو المُخْلِصُ لِلَّهِ في العِبادَةِ، أيْ تَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَقًّا. ولِذَلِكَ زادَ مَعْنى (حُنَفاءَ) بَيانًا بِقَوْلِهِ (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] . والباءُ في قَوْلِهِ مُشْرِكِينَ بِهِ لِلْمُصاحَبَةِ والمَعِيَّةِ، أيْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ.
22:31Page 336
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾
أُعْقِبَ نَهْيُهم عَنِ الأوْثانِ بِتَمْثِيلِ فَظاعَةِ حالِ مَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ في مَصِيرِهِ بِالشِّرْكِ إلى حالِ انْحِطاطِ وتَلَقُّفِ الضَّلالاتِ إيّاهُ ويَأْسِهِ مِنَ النَّجاةِ ما دامَ مُشْرِكًا تَمْثِيلًا بَدِيعًا إذْ كانَ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ القابِلِ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ إلى تَشْبِيهاتٍ.
قالَ في الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْبِيهُ مِنَ المُرَكَّبِ والمُفَرَّقِ بِأنْ صَوَّرَ حالَ المُشْرِكِ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فَتَفَرَّقَ مَزْعًا في حَواصِلِها، أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطاوِحِ البَعِيدَةِ، وإنْ كانَ مُفَرَّقًا، فَقَدْ شُبِّهَ الإيمانُ في عُلُوِّهِ بِالسَّماءِ، والَّذِي تَرَكَ الإيمانَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ بِالسّاقِطِ مِنَ السَّماءِ، والأهْواءَ الَّتِي تَتَوَزَّعُ أفْكارَهُ بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ. والشَّيْطانَ الَّذِي يُطَوِّحُ
صفحة ٢٥٥
بِهِ في وادِي الضَّلالَةِ بِالرِّيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُتْلِفَةِ اهـ. يَعْنِي أنَّ المُشْرِكَ لَمّا عَدَلَ عَنِ الإيمانِ الفِطْرِيِّ وكانَ في مِكْنَتِهِ فَكَأنَّهُ كانَ في السَّماءِ فَسَقَطَ مِنها، فَتَوَزَّعَتْهُ أنْواعُ المَهالِكِ. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ في مَطاوِي هَذا التَّمْثِيلِ تَشْبِيهاتٍ كَثِيرَةً لا يَعُوزُكَ اسْتِخْراجُها.
والسَّحِيقُ: البَعِيدُ فَلا نَجاةَ لِمَن حَلَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ تَخْيِيرٌ في نَتِيجَةِ التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] . أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ الكافِرِينَ قِسْمانِ: قِسْمٌ شِرْكُهُ ذَبْذَبَةٌ وشَكٌّ، فَهَذا مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى مِزْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ، فَكَذَلِكَ المُذَبْذَبُ مَتى لاحَ لَهُ خَيالٌ اتَّبَعَهُ وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ. وقِسْمٌ مُصَمِّمٌ عَلى الكُفْرِ مُسْتَقِرٌّ فِيهِ، فَهو مُشَبَّهٌ بِمَن ألْقَتْهُ الرِّيحُ في وادٍ سَحِيقٍ، وهو إيماءٌ إلى أنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن شِرْكُهُ لا يُرْجى مِنهُ خَلاصٌ كالَّذِي تَخَطَّفَتْهُ الطَّيْرُ. ومِنهم مَن شِرْكُهُ قَدْ يَخْلُصُ مِنهُ بِالتَّوْبَةِ إلّا أنَّ تَوْبَتَهُ أمْرٌ بَعِيدٌ عَسِيرُ الحُصُولِ.
والخُرُورُ: السُّقُوطُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. و(تَخَطَّفُهُ) مُضاعَفُ خَطِفَ لِلْمُبالِغَةِ. الخَطْفُ والخَطَفُ: أخْذُ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ سَواءً كانَ في الأرْضِ أمْ كانَ في الجَوِّ ومِنهُ تَخَطُّفُ الكُرَةِ. والهُوِيُّ: نُزُولُ شَيْءٍ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ. والباءُ في (تَهْوِي بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مِثْلُها في: ذَهَبَ بِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ (فَتَخَطَّفُهُ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ مَفْتُوحَةً مُضارِعِ خَطَّفَ المُضاعَفِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً مُضارِعِ خَطِفَ المُجَرَّدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences