Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:32–37
22:32Page 336
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
صفحة ٢٥٦
﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾
(ذَلِكَ) تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ السّابِقِ.
الشَّعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ: المَعْلَمُ الواضِحُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّعُورِ. وشَعائِرُ اللَّهِ: لَقَبٌ لِمَناسِكِ الحَجِّ. جَمْعُ شَعِيرَةٍ بِمَعْنى: مُشْعِرَةٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ. مُعْلِمَةٍ بِما عَيَّنَهُ اللَّهُ. فَمَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلَخْ أخَصُّ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وذِكْرُ الأخَصِّ بَعْدَ الأعَمِّ لِلِاهْتِمامِ، أوْ بِمَعْنًى مُشْعَرٍ بِها، فَتَكُونُ شَعِيرَةٌ فَعِيلَةً بِمَعْنى مُفْعُولَةٍ لِأنَّها تُجْعَلُ لِيَشْعُرَ بِها الرّائِي. وتَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَكُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ بِزِيارَتِهِ أوْ بِفِعْلٍ يُوقَعُ فِيهِ فَهو مِن شَعائِرِ اللَّهِ، أيْ مِمّا أشْعَرَ اللَّهُ لِلنّاسِ وقَرَّرَهُ وشَهَرَهُ؛ وهي مَعالِمُ الحَجِّ: الكَعْبَةُ، والصَّفا والمَرْوَةُ، وعَرَفَةُ، والمَشْعَرُ الحَرامُ، ونَحْوُها مِن مَعالِمِ الحَجِّ. وتُطْلَقُ الشَّعِيرَةُ أيْضًا عَلى بَدَنَةِ الهَدْيِ قالَ تَعالى ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] لِأنَّهم يَجْعَلُونَ فِيها شِعارًا، والشِّعارُ العَلّامَةُ بِأنْ يَطْعَنُوا في جِلْدِ جانِبِها الأيْمَنِ طَعْنًا حَتّى يَسِيلَ مِنهُ الدَّمُ فَتَكُونَ عَلامَةً عَلى أنَّها نُذِرَتْ لِلْهَدْيِ. فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ مَصُوغَةٌ مِن أشْعَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. فَعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] إلَخْ. وشَعائِرُ اللَّهِ أخَصُّ مِن حُرُماتِ اللَّهِ فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلْعِنايَةِ بِالشَّعائِرِ.
صفحة ٢٥٧
وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلشَّعائِرِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] تَخْصِيصًا لَها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ حُرُماتِ اللَّهِ. وضَمِيرُ (فَإنَّها) عائِدٌ إلى شَعائِرِ اللَّهِ المُعَظَّمَةِ فَيَكُونُ المَعْنى: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ والرّابِطُ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ هو العُمُومُ في قَوْلِهِ (القُلُوبِ) فَإنَّ مِن جُمْلَةِ القُلُوبِ قُلُوبَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ شَعائِرَ اللَّهِ. فالتَّقْدِيرُ: فَقَدْ حَلَّتِ التَّقْوى قَلْبَهُ بِتَعْظِيمِ الشَّعائِرِ لِأنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ. أيْ لِأنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ. وإضافَةُ (تَقْوى) إلى (القُلُوبِ) لِأنَّ تَعْظِيمَ الشَّعائِرِ اعْتِقادٌ قَلْبِيٌّ يَنْشَأُ عَنْهُ العَمَلُ.
22:33Page 336
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾
جُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ حالٌ مِنَ الأنْعامِ في قَوْلِهِ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ [الحج: ٣٠] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ أوْ حالٌ مِن شَعائِرِ اللَّهِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلشَّعائِرِ. والمَقْصُودُ بِالخَبَرِ هُنا: هو صِنْفٌ مِنَ الأنْعامِ، وهو صِنْفُ الهَدايا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ . وضَمِيرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والمَنافِعُ: جَمْعُ مَنفَعَةٍ، وهي اسْمُ النَّفْعِ، وهو حُصُولُ ما يُلائِمُ ويَحُفُّ. وجَعْلُ المَنافِعِ فِيها يَقْتَضِي أنَّها انْتِفاعٌ بِخَصائِصِها مِمّا يُرادُ مِن نَوْعِها قَبْلَ أنْ تَكُونَ هَدْيًا.
صفحة ٢٥٨
وفِي هَذا تَشْرِيعٌ لِإباحَةِ الِانْتِفاعِ بِالهَدايا انْتِفاعًا لا يُتْلِفُها، وهو رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قَلَّدُوا الهَدْيَ وأشْعَرُوهُ حَظَرُوا الِانْتِفاعَ بِهِ: مِن رُكُوبِهِ وحَمْلٍ عَلَيْهِ وشُرْبِ لَبَنِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي المُوَطَّأِ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقالَ: ارْكَبْها ؟ فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها، فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها، ويْلَكَ في الثّانِيَةِ أوَ الثّالِثَةِ» .
والأجَلُ المُسَمّى هو وقْتُ نَحْرِها، وهو يَوْمٌ مِن أيّامِ مِنًى. وهي الأيّامُ المَعْدُوداتُ.
والمَحِلُّ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الحاءِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حَلَّ يَحِلُّ إذا بَلَغَ المَكانَ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وهو كِنايَةٌ عَنْ نِهايَةِ أمْرِها، كَما يُقالُ: بَلَغَ الغايَةَ. ونِهايَةُ أمْرِها النَّحْرُ أوِ الذَّبْحُ. و(إلى) حَرْفُ انْتِهاءٍ مَجازِيٍّ لِأنَّها لا تُنْحَرُ في الكَعْبَةِ، ولَكِنَّ التَّقَرُّبَ بِها بِواسِطَةِ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ لِأنَّ الهَدايا إنَّما شُرِعَتْ تَكْمِلَةً لِشَرْعِ الحَجِّ، والحَجُّ قَصْدُ البَيْتِ. قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فالهَدايا تابِعَةٌ لِلْكَعْبَةِ قالَ تَعالى ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وإنْ كانَتِ الكَعْبَةُ لا يُنْحَرُ فِيها، وإنَّما المَناحِرُ: مِنًى، والمَرْوَةُ، وفِجاجُ مَكَّةَ أيْ، طُرُقُها بِحَسَبِ أنْواعِ الهَدايا. وتَبْيِينُهُ في السُّنَّةِ. وقَدْ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ هَذِهِ الآياتِ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] .
22:34Page 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
صفحة ٢٥٩
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] . والأُمَّةُ: أهْلُ الدِّينِ الَّذِينَ اشْتَرَكُوا في اتِّباعِهِ. والمُرادُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَهم مَنسَكٌ واحِدٌ وهو البَيْتُ العَتِيقُ كَما تَقَدَّمَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ جَعَلُوا لِأصْنامِهِمْ مَناسِكَ تُشابِهُ مَناسِكَ الحَجِّ وجَعَلُوا لَها مَواقِيتَ ومَذابِحَ مِثْلَ الغَبْغَبِ مَنحَرِ العُزّى. فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ما جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ إلّا مَنسَكًا واحِدًا لِلْقُرْبانِ إلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي رَزَقَ النّاسَ الأنْعامَ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ مِنها فَلا يَحِقُّ أنْ يُجْعَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَنسَكٌ لِأنَّ ما لا يَخْلُقُ الأنْعامَ المُقَرَّبَ بِها ولا يَرْزُقُها النّاسَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُجْعَلَ لَهُ مَنسَكٌ لِقُرْبانِها فَلا تَتَعَدَّدُ المَناسِكَ. فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ وأدَلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ . والكَلامُ يُفِيدُ الِاقْتِداءَ بِبَقِيَّةِ الأُمَمِ أهْلِ الأدْيانِ الحَقِّ. و(عَلى) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ مُتَعَلِّقَةً بِـ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ بَعْدَ (عَلى) تَقْدِيرُهُ ”إهْداءِ ما رَزَقَهم“ أيْ عِنْدَ إهْداءِ ما رَزَقَهم، يَعْنِي ونَحْرَها أوْ ذَبْحَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَلى) بِمَعْنى: لامِ التَّعْلِيلِ، والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ لِأجْلِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
صفحة ٢٦٠
وقَدْ فُرِّعَ عَلى هَذا الِانْفِرادُ بِالإلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ أيْ إذْ كانَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَنسَكًا واحِدًا فَقَدْ نَبَّهَكم بِذَلِكَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ، ولَوْ كانَتْ آلِهَةٌ كَثِيرَةٌ لَكانَتْ شَرائِعُها مُخْتَلِفَةً. وهَذا التَّفْرِيعُ الأوَّلُ تَمْهِيدٌ لِلتَّفْرِيعِ الَّذِي عَقِبَهُ وهو المَقْصُودُ، فَوَقَعَ في النَّظْمِ تَغْيِيرٌ بِتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ. وأصْلُ النَّظْمِ: فَلِلَّهِ أسْلِمُوا؛ لِأنَّ إلَهَكم إلَهٌ واحِدٌ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ لِلْحَصْرِ، أيْ أسْلِمُوا لَهُ لا لِغَيْرِهِ. والإسْلامُ: الِانْقِيادُ التّامُّ، وهو الإخْلاصُ في الطّاعَةِ، أيْ لا تُخْلِصُوا إلّا لِلَّهِ، أيْ فاتْرُكُوا جَمِيعَ المَناسِكِ الَّتِي أُقِيمَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تَنْسُكُوا إلّا في المَنسَكِ الَّذِي جَعَلَهُ لَكم، تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَنسَكًا) بِفَتْحِ السِّينِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ السِّينِ. وهو عَلى القِراءَتَيْنِ اسْمُ مَكانٍ لِلنُّسُكِ، وهو الذَّبْحُ. إلّا أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ جارٍ عَلى القِياسِ لِأنَّ قِياسَهُ الفَتْحُ في اسْمِ المَكانِ إذْ هو مِن نَسَكَ يَنْسُكُ بِضَمِّ العَيْنِ في المُضارِعِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَهو سَماعِيٌّ مِثْلُ مَسْجِدٍ مِن سَجَدَ يَسْجُدُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويُشْبِهُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَهُ مِنَ العَرَبِ.
22:35Page 336
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ سَوْقِ المِنَنِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وأصْحابُ هَذِهِ الصِّفاتِ هُمُ المُسْلِمُونَ.
والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الَّذِي لا تَكَبُّرَ عِنْدَهُ. وأصْلُ المُخْبِتِ مَن سَلَكَ الخَبْتَ. وهو المَكانُ المُنْخَفِضُ ضِدُّ المُصْعِدِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْمُتَواضِعِ
صفحة ٢٦١
كَأنَّهُ سَلَكَ نَفْسَهُ في الِانْخِفاضِ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ التَّواضُعَ مِن شِيَمِهِمْ كَما كانَ التَّكَبُّرُ مِن سِماتِ المُشْرِكِينَ قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] .
والوَجَلُ: الخَوْفُ الشَّدِيدُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أتْبَعَ صِفَةَ (المُخْبِتِينَ) بِأرْبَعِ صِفاتٍ وهي: وجَلُ القُلُوبِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، والصَّبْرُ عَلى الأذى في سَبِيلِهِ، وإقامَةُ الصَّلاةِ، والإنْفاقُ. وكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ مَظاهِرُ لِلتَّواضُعِ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مَن جَمَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ؛ لِأنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ مِنهُ وإنَّما المَقْصُودُ مَن لَمْ يُخِلَّ بِواحِدَةٍ مِنها عِنْدَ إمْكانِها. والمُرادُ مِنَ الإنْفاقِ الإنْفاقُ عَلى المُحْتاجِينَ الضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ ذَلِكَ هو دَأْبُ المُخْبِتِينَ. وأمّا الإنْفاقُ عَلى الضَّعِيفِ والأصْحابِ فَذَلِكَ مِمّا يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ مِنَ العَرَبِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] . وهو نَظِيرُ الإنْفاقِ عَلى النُّدَماءِ في مَجالِسِ الشَّرابِ. ونَظِيرُ إتْمامِ الإيسارِ في مَواقِعِ المَيْسِرِ، كَما قالَهُ النّابِغَةُ:
إنِّي أُتَمِّمُ أيْسارِي وأمْنَحُهم مُثْنِي الأيادِي وأكْسُو الجَفْنَةَ الأُدُما
والمُرادُ بِالصَّبْرِ: الصَّبْرُ عَلى ما يُصِيبُهم مِنَ الأذى في سَبِيلِ الإسْلامِ. وأمّا الصَّبْرُ في الحُرُوبِ وعَلى فَقْدِ الأحِبَّةِ فَمِمّا تَشْتَرِكُ فِيهِ النُّفُوسُ الجَلْدَةُ مِنَ المُتَكَبِّرِينَ والمُخْبِتِينَ. وفي كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ الصَّبْرِ فَضِيلَةٌ إسْلامِيَّةٌ إذا كانَ تَخَلُّقًا بِأدَبِ الإسْلامِ قالَ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآيَةَ.
22:36Page 336
وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦
And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.
صفحة ٢٦٢
﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] أيْ جَعَلْنا مَنسَكًا لِلْقُرْبانِ والهَدايا، وجَعَلْنا البُدْنَ الَّتِي تُهْدى ويُتَقَرَّبُ بِها شَعائِرَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِقُرْبانِ البُدْنِ في الحَجِّ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجَعَلَها جَزاءً عَمّا يُتَرَخَّصُ فِيهِ مِن أعْمالِ الحَجِّ. وأمَرَ بِالتَّطَوُّعِ بِها فَوَعَدَ عَلَيْها بِالثَّوابَ الجَزِيلِ فَنالَتْ بِذَلِكَ الجَعْلَ الإلَهِيِّ يُمْنًا وبَرَكَةً وحُرْمَةً ألْحَقَتْها بِشَعائِرِ اللَّهِ، وامْتَنَّ بِذَلِكَ عَلى النّاسِ بِما اقْتَضَتْهُ كَلِمَةُ (لَكم) .
والبُدْنُ: جَمْعُ بَدَنَةٍ بِالتَّحْرِيكِ، وهي البَعِيرُ العَظِيمُ البَدَنِ. وهو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ البَدانَةِ. وهي عِظَمُ الجُثَّةِ والسِّمَنُ. وفِعْلُهُ كَكَرُمَ ونَصَرَ، ولَيْسَتْ زِنَةُ بَدَنَةٍ وصْفًا ولَكِنَّها اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن مادَّةِ الوَصْفِ. وجَمْعُهُ بُدْنٌ، وقِياسُ هَذا الجَمْعِ أنْ يَكُونَ مَضْمُومَ الدّالِ مِثْلَ خُشُبٍ جَمْعِ خَشَبَةٍ، وثُمُرٍ جَمْعِ ثَمَرَةٍ، فَتَسْكِينُ الدّالِ تَخْفِيفٌ شائِعٌ. وغَلَبَ اسْمُ البَدَنَةِ عَلى البَعِيرِ المُعَيَّنِ لِلْهَدْيِ.
وفِي المُوَطَّأِ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقالَ: ارْكَبْها، فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها، فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها ويْلَكَ في الثّانِيَةِ أوَ الثّالِثَةِ» فَقَوْلُ الرَّجُلِ: إنَّها بَدَنَةٌ، مُتَعَيَّنٌ لِإرادَةِ هَدْيِهِ لِلْحَجِّ،
صفحة ٢٦٣
وتَقْدِيمُ (البُدْنِ) عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِها تَنْوِيهًا بِشَأْنِها. والِاقْتِصارُ عَلى البُدْنِ الخاصِّ بِالإبِلِ لِأنَّها أفْضَلُ في الهَدْيِ لِكَثْرَةِ لَحْمِها. وقَدْ أُلْحِقَتْ بِها البَقَرُ والغَنَمُ بِدَلِيلِ السُّنَّةِ. واسْمُ ذَلِكَ هَدْيٌ. ومَعْنى كَوْنِها مِن شَعائِرِ اللَّهِ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَها مَعالِمَ تُؤْذِنُ بِالحَجِّ وجَعَلَ لَها حُرْمَةً. وهَذا وجْهُ تَسْمِيَتِهِمْ وضْعَ العَلامَةِ الَّتِي يُعْلَمُ بِها بَعِيرُ الهَدْيِ في جِلْدِهِ إشْعارًا.
قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذا أهْدى هَدْيًا مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، يُقَلِّدُهُ قَبْلَ أنْ يُشْعِرَهُ. . . يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ ويُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الأيْسَرِ. . بِطَعْنٍ في سَنامِهِ فالإشْعارُ إعْدادٌ لِلنَّحْرِ. وقَدْ عَدَّها في جُمْلَةِ الحُرُماتِ في قَوْلِهِ ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ﴾ [المائدة: ٢] في سُورَةِ العُقُودِ، وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى المُبْتَدَأِ لِيَتَأتّى كَوْنُ المُبْتَدَأِ نَكِرَةً لِيُفِيدَ تَنْوِينُهُ التَّعْظِيمَ، وتَقْدِيمُ (فِيها) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (خَيْرٌ) لِلِاهْتِمامِ بِما تَجْمَعُهُ وتَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ.
والخَيْرُ: النَّفْعُ، وهو ما يَحْصُلُ لِلنّاسِ مِنَ النَّفْعِ في الدُّنْيا مِنِ انْتِفاعِ الفُقَراءِ بِلُحُومِها وجُلُودِها وجِلالِها ونِعالِها وقَلائِدِها. وما يَحْصُلُ لِلْمُهْدِينَ وأهْلِهِمْ مِنَ الشِّبَعِ مِن لَحْمِها يَوْمَ النَّحْرِ، وخَيْرُ الآخِرَةِ مِن ثَوابِ المُهْدِينَ، وثَوابِ الشُّكْرِ مِنَ المُعْطِينَ لُحُومَها لِرَبِّهِمُ الَّذِي أغْناهم بِها. وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ أنْ أُمِرَ النّاسُ بِأنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها حِينَ نَحْرِها.
صفحة ٢٦٤
وصَوافَّ: جَمْعُ صافَّةٍ. يُقالُ: صُفَّ إذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ صَفًّا بِأنِ اتَّصَلَ بِهِ. ولَعَلَّهم كانُوا يَصُفُّونَها في المَنحَرِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، لِأنَّهُ كانَ بِمِنًى مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلنَّحْرِ وهو المَنحَرُ. وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في حَجَّةِ الوَداعِ قالَ فِيهِ: «ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إلى المَنحَرِ فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً جَعَلَ يَطْعَنُها بِحَرْبَةٍ في يَدِهِ ثُمَّ أعْطى الحَرْبَةَ عَلِيًّا فَنَحَرَ ما غَبَرَ»، أيْ ما بَقِيَ وكانَتْ مِائَةَ بَدَنَةٍ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ مُجْتَمِعَةً مُتَقارِبَةً. وانْتَصَبَ (صَوافَّ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (عَلَيْها) . وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ ذِكْرُ مَحاسِنَ مِن مَشاهِدِ البُدْنِ فَإنَّ إيقافَ النّاسِ بُدْنَهم لِلنَّحْرِ مُجْتَمِعَةً ومُنْتَظِمَةً غَيْرَ مُتَفَرِّقَةٍ مِمّا يَزِيدُ هَيْئَتَها جَلالًا. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . ومَعْنى: (وجَبَتْ) سَقَطَتْ، أيْ إلى الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ زَوالِ الرُّوحِ الَّتِي بِها الِاسْتِقْلالُ. والقَصْدُ مِن هَذا التَّوْقِيتِ المُبادَرَةُ بِالِانْتِفاعِ بِها إسْراعًا إلى الخَيْرِ الحاصِلِ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا بِإطْعامِ الفُقَراءِ وأكْلِ أصْحابِها مِنها فَإنَّهُ يُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ فُطُورُ الحاجِّ يَوْمَ النَّحْرِ مِن هَدْيِهِ، وكَذَلِكَ الخَيْرُ الحاصِلُ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ فَكُلُوا مِنها مُجْمَلٌ، يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ الإباحَةَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ. وقَرِينَةُ عَدَمِ الوُجُوبِ ظاهِرَةٌ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا يُفْرَضُ عَلَيْهِ ما الدّاعِي إلى فِعْلِهِ مِن طَبْعِهِ. وإنَّما أرادَ اللَّهُ إبْطالَ ما كانَ عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ مِن تَحْرِيمِ أكْلِ المُهْدِي مِن لُحُومِ هَدْيِهِ فَبَقِيَ النَّظَرُ في أنَّهُ مُباحٌ بَحْتٌ أوْ هو مَندُوبٌ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الأكْلِ مِن لُحُومِ الهَدايا الواجِبَةِ.
صفحة ٢٦٥
فَقالَ مالِكٌ: يُباحُ الأكْلُ مِن لُحُومِ الهَدايا الواجِبَةِ. وهو عِنْدُهُ مُسْتَحَبٌّ ولا يُؤْكَلُ مِن فِدْيَةِ الأذى وجَزاءِ الصَّيْدِ ونَذْرِ المَساكِينِ. والحُجَّةُ لِمالِكٍ صَرِيحُ الآيَةِ. فَإنَّها عامَّةٌ إلّا ما قامَ الدَّلِيلُ عَلى مَنعِهِ وهي الثَّلاثَةُ الأشْياءِ المُسْتَثْناةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَأْكُلُ مِن هَدْيِ التَّمَتُّعِ والقِرانِ. ولا يَأْكُلُ مِنَ الواجِبِ الَّذِي عَيَّنَهُ الحاجُّ عِنْدَ إحْرامِهِ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَأْكُلُ مِن لُحُومِ الهَدايا بِحالٍ مُسْتَنِدًا إلى القِياسِ. وهو أنَّ المُهْدِيَ أوْجَبَ إخْراجَ الهَدْيِ مِن مالِهِ فَكَيْفَ يَأْكُلُ مِنهُ. كَذا قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ. وإذا كانَ هَذا قُصارى كَلامِ الشّافِعِيِّ فَهو اسْتِدْلالٌ غَيْرُ وجِيهٍ ولَفْظُ القُرْآنِ يُنافِيهِ لاسِيَّما وقَدْ ثَبَتَ أكْلُ النَّبِيءِ ﷺ وأصْحابِهِ مِن لُحُومِ الهَدايا بِأحادِيثَ صَحِيحَةٍ.
وقالَ أحْمَدُ: يُؤْكَلُ مِنَ الهَدايا الواجِبَةِ إلّا جَزاءَ الصَّيْدِ والنَّذْرِ.
وأمّا الأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ فَقالَ الشّافِعِيُّ: لِلْوُجُوبِ. وهو الأصَحُّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ وهو صَرِيحُ قَوْلِ مالِكٍ. وقُلْتُ: المَعْرُوفُ مِن قَوْلِ مالِكٍ أنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ المُهْدِي عَلى نَحْوِ هَدْيِهِ ولَمْ يَتَصَدَّقْ مِنهُ ما كانَ آثِمًا.
والقانِعُ: المُتَّصِفُ بِالقُنُوعِ. وهو التَّذَلُّلُ. يُقالُ: قَنَعَ مِن بابِ سَألَ، قُنُوعًا بِضَمِّ القافِ إذا سَألَ بِتَذَلُّلٍ.
وأمّا القَناعَةُ فَفِعْلُها مِن بابِ تَعِبَ ويَسْتَوِي الفِعْلُ المُضارِعُ مَعَ اخْتِلافِ المُوجَبِ. ومِن أحْسَنِ ما جُمِعَ مِنَ النَّظائِرِ ما أنْشَدَهُ الخَفاجِيُّ:
العَبْدُ حُرٌّ إنْ قَنَعْ والحُرُّ عَبْدٌ إنْ قَنِعْ
فاقْنَعْ ولا تَقْنَعْ فَما ∗∗∗ شَيْءٌ يَشِينُ سِوى الطَّمَعِ
صفحة ٢٦٦
ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في مَقاماتِهِ: يا أبا القاسِمِ اقْنَعْ مِنَ القَناعَةِ لا مِنَ القُنُوعِ، تَسْتَغْنِ عَنْ كُلِّ مِعْطاءٍ ومَنُوعٍ. وفي المُوَطَّأِ في كِتابِ الصَّيْدِ: قالَ مالِكٌ: والقانِعُ هو الفَقِيرُ.
والمُعْتَرُّ: اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اعْتَرَّ، إذا تَعَرَّضَ لِلْعَطاءِ، أيْ دُونَ سُؤالٍ بَلْ بِالتَّعْرِيضِ وهو أنْ يَحْضُرَ مَوْضِعَ العَطاءِ، يُقالُ: اعْتَرَّ، إذا تَعَرَّضَ، وفي المُوَطَّأِ في كِتابِ الصَّيْدِ: قالَ مالِكٌ: وسَمِعْتُ أنَّ المُعْتَرَّ هو الزّائِرُ، أيْ فَتَكُونُ مِن عَرَّ إذا زارَ. والمُرادُ زِيارَةُ التَّعَرُّضِ لِلْعَطاءِ. وهَذا التَّفْسِيرُ أحْسَنُ. ويُرَجِّحُهُ أنَّهُ عَطَفَ المُعْتَرَّ عَلى القانِعِ، فَدَلَّ العَطْفُ عَلى المُغايَرَةِ، ولَوْ كانا في مَعْنًى واحِدٍ لَما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما لَمْ يُعْطَفْ في قَوْلِهِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] . وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلِامْتِنانِ بِما خَلَقَ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِنَفْعِ النّاسِ. والأمارَةُ الدّالَّةُ عَلى إرادَتِهِ ذَلِكَ أنَّهُ سَخَّرَها لِلنّاسِ مَعَ ضَعْفِ الإنْسانِ وقُوَّةِ تِلْكَ الأنْعامِ فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ الواحِدُ العَدَدَ مِنها ويَسُوقُها مُنْقادَةً ويُؤْلِمُونَها بِالإشْعارِ ثُمَّ بِالطَّعْنِ. ولَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في طِباعِها هَذا الِانْقِيادَ لَما كانَتْ أعْجَزَ مِن بَعْضِ الوُحُوشِ الَّتِي هي أضْعَفُ مِنها فَتَنْفِرُ مِنَ الإنْسانِ ولا تُسَخَّرُ لَهُ.
وقَوْلُهُ (كَذَلِكَ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ العَجِيبِ الَّذِي تَرَوْنَهُ كانَ تَسْخِيرُها لَكم. ومَعْنى (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) خَلَقْناها مُسَخَّرَةً لَكُمُ اسْتِجْلابًا لِأنْ تَشْكُرُوا اللَّهَ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ وضَعُوا الشِّرْكَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ.
22:37Page 336
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧
Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.
صفحة ٢٦٧
﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾
جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] . أيْ دَلَّ عَلى أنّا سَخَّرْناها لَكم لِتَشْكُرُونِي أنَّهُ لا انْتِفاعَ لِلَّهِ بِشَيْءٍ مِن لُحُومِها ولا دِمائِها حِينَ تَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها فَلا يُرِيدُ اللَّهُ مِنكم عَلى ذَلِكَ إلّا أنْ تَتَّقُوهُ.
والنَّيْلُ: الإصابَةُ. يُقالُ نالَهُ. أيْ أصابَهُ ووَصَلَ إلَيْهِ. ويُقالُ أيْضًا بِمَعْنى أحْرَزَ، فَإنَّ فِيهِ مَعْنى الإصابَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقَوْلِهِ ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] . والمَقْصُودُ مَن نَفْيِ أنْ يَصِلَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ودِماؤُها إبْطالُ ما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ مَن نَضْحِ الدِّماءِ في المَذابِحِ وحَوْلَ الكَعْبَةِ وكانُوا يَذْبَحُونَ بِالمَرْوَةِ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُلَطَّخُونَ بِدِماءِ القَرابِينِ وكانُوا يُشَرِّحُونَ لُحُومَ الهَدايا ويَنْصِبُونَها حَوْلَ الكَعْبَةِ قُرْبانًا لِلَّهِ تَعالى. يَعْنِي زِيادَةً عَلى ما يُعْطُونَهُ لِلْمَحاوِيجِ. وفي قَوْلِهِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ إراقَةَ الدِّماءِ وتَقْطِيعَ اللُّحُومِ لَيْسا مَقْصُودَيْنِ بِالتَّعَبُّدِ ولَكِنَّهُما وسِيلَةٌ لِنَفْعِ النّاسِ بِالهَدايا إذْ لا يُنْفَعُ بِلُحُومِها وجُلُودِها وأجْزائِها إلّا بِالنَّحْرِ أوِ الذَّبْحِ وأنَّ المَقْصِدَ مِن شَرْعِها انْتِفاعُ النّاسِ المُهْدِينَ وغَيْرُهم.
فَأمّا المُهْدُونَ فانْتِفاعُهم بِالأكْلِ مِنها في يَوْمِ عِيدِهِمْ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ في تَحْرِيمِ صِيامِ يَوْمِ النَّحْرِ
صفحة ٢٦٨
«يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكم» فَذَلِكَ نَفْعٌ لِأنْفُسِهِمْ ولِأهالِيهِمْ ولَوْ بِالِادِّخارِ مِنهُ إلى رُجُوعِهِمْ إلى آفاقِهِمْ. وأمّا غَيْرُهم فانْتِفاعُ مَن لَيْسَ لَهُ هَدْيٌ مِنَ الحَجِيجِ بِالأكْلِ مِمّا يُهْدِيهِ إلَيْهِمْ أقارِبُهم وأصْحابُهم، وانْتِفاعُ المَحاوِيجِ مِن أهْلِ الحَرَمِ بِالشِّبَعِ والتَّزَوُّدِ مِنها والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وجَلالِها وقَلائِدِها. كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] . وقَدْ عَرَضَ غَيْرَ مَرَّةٍ سُؤالٌ عَمّا إذا كانَتِ الهَدايا أوْفَرَ مِن حاجَةِ أهْلِ المَوْسِمِ قَطْعًا أوْ ظَنًّا قَرِيبًا مِنَ القَطْعِ كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في مَواسِمِ الحَجِّ، فَما يَبْقى مِنها حَيًّا يُباعُ ويُنْفَقُ ثَمَنُهُ في سَدِّ خَلَّةِ المَحاوِيجِ أجْدى مِن نَحْرِهِ أوْ ذَبْحِهِ حِينَ لا يَرْغَبُ فِيهِ أحَدٌ. ولَوْ كانَتِ اللُّحُومُ الَّتِي فاتَ أنْ قُطِعَتْ وكانَتْ فاضِلَةً عَنْ حاجَةِ المَحاوِيجِ يُعْمَلُ تَصْبِيرُها بِما يَمْنَعُ عَنْها التَّعَفُّنَ فَيُنْفَعُ بِها في خِلالِ العامِ أجْدى لِلْمَحاوِيجِ. وقَدْ تَرَدَّدَتْ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ أنْظارُ المُتَصَدِّينَ لِلْإفْتاءِ مِن فُقَهاءِ هَذا العَصْرِ، وكادُوا أنْ تَتَّفِقَ كَلِماتُ مَن صَدَرَتْ مِنهم فَتاوى عَلى أنَّ تَصْبِيرَها مُنافٍ لِلتَّعَبُّدِ بِهَدْيِها.
أمّا أنا فالَّذِي أراهُ أنَّ المَصِيرَ إلى كِلا الحالَيْنِ مِنَ البَيْعِ والتَّصْبِيرِ لِما فَضَلَ عَنْ حاجَةِ النّاسِ في أيّامِ الحَجِّ. لِيَنْتَفِعَ بِها المُحْتاجُونَ في عامِهِمْ، أوْفَقُ بِمَقْصِدِ الشّارِعِ تَجَنُّبًا لِإضاعَةِ ما فَضَلَ مِنها رَعْيًا لِمَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ مِن نَفْعِ المُحْتاجِ وحِفْظِ الأمْوالِ مَعَ عَدَمِ تَعْطِيلِ النَّحْرِ والذَّبْحِ لِلْقَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ مِنها المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾، جَمْعًا بَيْنَ المَقاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
صفحة ٢٦٩
وتَعْرِضُ صُورَةٌ أُخْرى وهي تَوْزِيعُ المَقادِيرِ الكافِيَةِ لِلِانْتِفاعِ بِها عَلى أيّامِ النَّحْرِ الثَّلاثَةِ بِحَيْثُ لا يُتَعَجَّلُ بِنَحْرِ جَمِيعِ الهَدايا في اليَوْمِ الأوَّلِ طَلَبًا لِفَضِيلَةِ المُبادَرَةِ. فَإنَّ التَّقْوى الَّتِي تَصِلُ إلى اللَّهِ مِن تِلْكَ الهَدايا هي تَسْلِيمُها لِلنَّفْعِ بِها. وهَذا قِياسٌ عَلى أصْلِ حِفْظِ الأمْوالِ كَما فَرَضُوهُ في بَيْعِ الفَرَسِ الحُبُسِ إذا أصابَهُ ما يُفْضِي بِهِ إلى الهَلاكِ أوْ عَدَمِ النَّفْعِ، وفي المُعاوَضَةِ لِرِيعِ الحُبُسِ إذا خَرِبَ. وحُكْمُ الهَدايا مُرَكَّبٌ مِن تَعَبُّدٍ وتَعْلِيلٍ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ فِيهِ أقْوى. وعِلَّتُهُ انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ، ومَسْلَكُ العِلَّةِ الإيماءُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] .
واعْلَمْ أنَّ تَوَهُّمَ التَّقَرُّبِ بِتَلْطِيخِ دِماءِ القَرابِينِ وانْتِفاعِ المُتَقَرَّبِ إلَيْهِ بِتِلْكَ الدِّماءِ عَقِيدَةٌ وثَنِيَّةٌ قَدِيمَةٌ فَرُبَّما كانُوا يَطْرَحُونَ ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ مِن لَحْمٍ وطَعامٍ فَلا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْكُلُهُ. وكانَ اليُونانُ يَشْوُونَ لُحُومَ القَرابِينِ عَلى النّارِ حَتّى تَصِيرَ رَمادًا ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ رائِحَةَ الشِّواءِ تَسُرُّ الآلِهَةَ المُتَقَرَّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ. وكانَ المِصْرِيُّونَ يُلْقُونَ الطَّعامَ لِلتَّماسِيحِ الَّتِي في النِّيلِ لِأنَّها مُقَدَّسَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَنالَ)، و(يَنالُهُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِما. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَوْقِيَّةٍ عَلى مُراعاةِ ما يَجُوزُ في ضَمِيرِ جَمْعِ غَيْرِ العاقِلِ، ورُبَّما كانُوا يَقْذِفُونَ بِمُزَعٍ مِنَ اللَّحْمِ عَلى أنَّها لِلَّهِ فَرُبَّما أصابَها مُحْتاجٌ ورُبَّما لَمْ يَتَفَطَّنْ لَها فَتَأْكُلُها السِّباعُ أوْ تَفْسُدُ.
ويَشْمَلُ التَّقْوى ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها والتَّصَدُّقَ بِبَعْضِها عَلى المُحْتاجِينَ. و(يَنالُهُ) مُشاكِلَةٌ لِـ (يَنالَ) الأوَّلِ، اسْتُعِيرَ النَّيْلُ لِتَعَلُّقَ العِلْمِ. شُبِّهَ عِلْمُ اللَّهِ تَقْواهم بِوُصُولِ الشَّيْءِ المَبْعُوثِ إلى اللَّهِ تَشْبِيهًا وجْهُهُ الحُصُولُ في كُلٍّ وحَسَّنَتْهُ المُشاكَلَةُ.
صفحة ٢٧٠
و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنكم) ابْتِدائِيَّةٌ. وهي تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِلَفْظِ ﴿التَّقْوى مِنكُمْ﴾ دُونَ: تَقْواكم أوِ التَّقْوى مُجَرَّدًا مَعَ كَوْنِ المَعْدُولِ عَنْهُ أوْجَزَ لِأنَّ في هَذا الإطْنابِ زِيادَةَ مَعْنًى مِنَ البَلاغَةِ.
* * *
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾
تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ [الحج: ٣٦] . ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ مُسَخِّرِها هو رَأْسُ الشُّكْرِ المُنَبَّهِ عَلَيْهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فَصارَ مَدْلُولُ الجُمْلَتَيْنِ مُتَرادِفًا، فَوَقَعَ التَّأْكِيدُ. فالقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ كالقَوْلِ في أشْباهِها. وقَوْلُهُ عَلى ما هَداكم (عَلى) فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ. أيْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عِنْدَ تَمَكُّنِكم مِن نَحْرِها. و(ما) مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ مَعَ جارِهِ. والتَّقْدِيرُ: عَلى ما هَداكم إلَيْهِ مِنَ الأنْعامِ. والهِدايَةُ إلَيْها: هي تَشْرِيعٌ في تِلْكَ المَواقِيتِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ ويَرْتَزِقَ سُكّانُ الحَرَمِ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِيَكُونُوا دُعاةَ التَّوْحِيدِ لا يُفارِقُونَ ذَلِكَ المَكانَ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ تَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قَدِ اهْتَدَوْا وعَمِلُوا بِالِاهْتِداءِ فَأحْسَنُوا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences