Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:38–44
22:38Page 336
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨
Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.
صفحة ٢٧١
﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا لِسُؤالٍ يَخْطِرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ يَنْشَأُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥] الآيَةَ، فَإنَّهُ تَوَعَّدَ المُشْرِكِينَ عَلى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ بِالعَذابِ الألِيمِ. وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ المُخْبِتِينَ والمُحْسِنِينَ بِما يَتَبادَرُ مِنهُ ضِدُّ وعِيدِ المُشْرِكِينَ وذَلِكَ ثَوابُ الآخِرَةِ. وطالَ الكَلامُ في ذَلِكَ بِما تَبِعَهُ لا جَرَمَ تَشَوَّفَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ إلى مَعْرِفَةِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا. وهَلْ يُنْتَصَرُ لَهم مِن أعْدائِهِمْ أوْ يُدَّخَرُ لَهُمُ الخَيْرُ كُلُّهُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ. فَكانَ المَقامُ خَلِيقًا بِأنْ يُطَمْئِنَ اللَّهُ نُفُوسَهم بِأنَّهُ كَما أعَدَّ لَهم نَعِيمَ الآخِرَةِ هو أيْضًا مُدافِعٌ عَنْهم في الدُّنْيا وناصِرُهم. وحَذْفُ مَفْعُولِ (يُدافِعُ) لِدَلالَةِ المَقامِ.
فالكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ. ولِذَلِكَ فافْتِتاحُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ إمّا لِمُجَرَّدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَنْزِيلِ غَيْرِ المُتَرَدَّدِ لِشِدَّةِ انْتِظارِهِمُ النَّصْرَ واسْتِبْطائِهِمْ إيّاهُ. والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ أيْ وجْهُ بِناءِ الخَبَرِ وأنَّ دِفاعَ اللَّهِ عَنْهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لَفْظَ (يُدافِعُ) بِألْفٍ بَعْدَ الدّالِ فَيُفِيدُ قُوَّةَ الدَّفْعِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ (يَدْفَعُ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الدّالِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ تَعْلِيلُ الدِّفاعِ بِكَوْنِهِ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، بِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ الخائِنِينَ،
صفحة ٢٧٢
فَلِذَلِكَ يَدْفَعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ لِرَدِّ أذى الكافِرِينَ: فَفي هَذا إيذانٌ بِمَفْعُولِ (يُدافِعُ) المَحْذُوفِ، أيْ يُدافِعُ الكافِرِينَ الخائِنِينَ.
والخَوّانُ: الشَّدِيدُ الخَوْنِ، والخَوْنُ كالخِيانَةِ: الغَدْرُ بِالأمانَةِ. والمُرادُ بِالخَوّانِ الكافِرُ، لِأنَّ الكُفْرَ خِيانَةٌ لِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المَخْلُوقاتِ بِأنْ يُوَحِّدُوهُ فَجَعَلَهُ في الفِطْرَةِ وأبْلَغَهُ النّاسَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ ما أوْدَعَهُ في فِطْرَتِهِمْ.
والكَفُورُ: الشَّدِيدُ الكُفْرِ. وأفادَتْ (كُلَّ) في سِياقِ النَّفْيِ عُمُومَ نَفْيِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَنْ جَمِيعِ الكافِرِينَ إذْ لا يَحْتَمِلُ المَقامُ غَيْرَ ذَلِكَ. ولا يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ (﴿لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ﴾) أنَّهُ يُحِبُّ بَعْضَ الخَوّانِينَ لِأنَّ كَلِمَةَ (كُلَّ) اسْمٌ جامِدٌ لا يُشْعِرُ بِصِفَةٍ فَلا يُتَوَهَّمُ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى مَعْنى الكُلِّيَّةِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ (كُلَّ) ولَيْسَ هو مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] المُوهِمِ أنَّ نَفْيَ قُوَّةِ الظُّلْمِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ قَلِيلِ الظُّلْمِ.
22:39Page 337
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩
Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لِقَدِيرٌ﴾
جُمْلَةٌ وقَعَتْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ [الحج: ٣٨]) لِأنَّ دِفاعَ اللَّهِ عَنِ النّاسِ يَكُونُ تارَةً بِالإذْنِ لَهم بِمُقاتَلَةِ مَن أرادَ اللَّهُ مُدافَعَتَهم عَنْهم فَإنَّهُ إذا أُذِنَ لَهم بِمُقاتِلَتِهِمْ كانَ مُتَكَفِّلًا لَهم بِالنَّصْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ (أُذِنَ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ. وقُراهُ الباقُونَ بِالبِناءِ إلى الفاعِلِ.
صفحة ٢٧٣
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ (يُقاتَلُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا إلى المَجْهُولِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِكَسْرِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والَّذِينَ يُقاتَلُونَ مُرادٌ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ لِأنَّهم إذا قُوتِلُوا فَقَدْ قاتَلُوا. والقِتالُ مُسْتَعْمَلٌ في المَعْنى المَجازِيِّ إمّا بِمادَّتِهِ. وإمّا بِصِيغَةِ المُضِيِّ. فَعَلى قِراءَةِ فَتْحِ التّاءِ فالمُرادُ بِالقِتالِ فِيهِ القَتْلُ المُجازِيُّ. وهو الأذى. وأمّا عَلى قِراءَةِ (يُقاتِلُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ فَصِيغَةُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في التَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ. أيْ أُذِنَ لِلَّذِينَ تَهَيَّئُوا لِلْقِتالِ وانْتَظَرُوا إذْنَ اللَّهِ. وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ أذًى شَدِيدًا فَكانَ المُسْلِمُونَ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ يَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ. فَيَقُولُ لَهُمُ: اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتالِ. فَلَمّا هاجَرَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ إذْنًا لَهم بِالتَّهَيُّؤِ لِلدِّفاعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَ هَذا ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] .
والباءُ في (﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾) أراها مُتَعَلِّقَةً بِـ (أُذِنَ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإخْبارِ. أيْ أخْبَرْناهم بِأنَّهم مَظْلُومُونَ. وهَذا الإخْبارُ كِنايَةٌ عَنِ الإذْنِ لِلدِّفاعِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لِأحَدٍ: إنَّكَ مَظْلُومٌ، فَكَأنَّكَ اسْتَعْدَيْتَهُ عَلى ظالِمِهِ وذَكَّرْتَهُ بِوُجُوبِ الدِّفاعِ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾) نائِبَ فاعِلِ (أُذِنَ) عَلى قِراءَةِ ضَمِّ الهَمْزَةِ أوْ مَفْعُولًا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الهَمْزَةِ. وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ إلى أنَّ الباءَ سَبَبِيَّةٌ وأنَّ المَأْذُونَ بِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (يُقاتَلُونَ)، أيْ أُذِنَ لَهم في القِتالِ،
صفحة ٢٧٤
وهَذا يَجْرِي عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ في قَوْلِهِ (يُقاتَلُونَ)، والتَّفْسِيرِ الَّذِي رَأيْتُهُ أنْسَبَ وأرْشَقَ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾، أيْ أُذِنَ لَهم بِذَلِكَ وذُكِّرُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يَنْصُرَهم. وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ وارِدٌ عَلى سُنَنِ كَلامِ العَظِيمِ المُقْتَدِرِ بِإيرادِ الوَعْدِ في صُورَةِ الإخْبارِ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَحَلِّ العِلْمِ مِنهُ ونَحْوِهِ، كَقَوْلِهِمْ: عَسى أنْ يَكُونَ كَذا، أوْ أنَّ عِنْدَنا خَيْرًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، بِحَيْثُ لا يَبْقى لِلْمُتَرَقِّبِ شَكٌّ في الفَوْزِ بِمَطْلُوبِهِ.
وتَوْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِهِ، أوْ تَعْرِيضٌ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ.
22:40Page 337
ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠
[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾
بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يُقاتَلُونَ، وفي إجْراءِ هَذِهِ الصِّلَةِ عَلَيْهِمْ إيماءٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالمُقاتَلَةِ الأذى، وأعْظَمُهُ إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] . و(﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أُخْرِجُوا)، أيْ أُخْرِجُوا مُتَلَبِّسِينَ بِعَدَمِ الحَقِّ عَلَيْهِمُ المُوجِبِ إخْراجَهم. فَإنَّ لِلْمَرْءِ حَقًّا في وطَنِهِ ومُعاشَرَةِ قَوْمِهِ، وهَذا الحَقُّ ثابِتٌ بِالفِطْرَةِ لِأنَّ مِنَ الفِطْرَةِ أنَّ النّاشِئَ في أرْضٍ والمُتَوَلِّدَ بَيْنَ قَوْمٍ هو مُساوٍ لِجَمِيعِ أهْلِ ذَلِكَ المَوْطِنِ في حَقِّ القَرارِ في وطَنِهِمْ وبَيْنَ قَوْمِهِمْ بِالوَجْهِ الَّذِي ثَبَتَ لِجُمْهُورِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ مِن نَشْأةٍ مُتَقادِمَةٍ أوْ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ لِسُكّانِهِ، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ:
صفحة ٢٧٥
إنَّها لَبِلادُهم قاتَلُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمُوا عَلَيْها في الإسْلامِ. ولا يَزُولُ ذَلِكَ الحَقُّ إلّا بِمُوجِبٍ قَرَّرَهُ الشَّرْعُ أوِ العَوائِدُ قَبْلَ الشَّرْعِ. كَما قالَ زُهَيْرٌ:
فَإنَّ الحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلاثٌ يَمِينٌ أوْ نِفارٌ أوْ جَلاءُ
فَمِن ذَلِكَ في الشَّرائِعِ التَّغْرِيبُ والنَّفْيُ، ومِن ذَلِكَ في قَوانِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الجَلاءُ والخَلْعُ. وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِاعْتِداءٍ يَعْتَدِيهِ المَرْءُ عَلى قَوْمِهِ لا يَجِدُونَ لَهُ مَسْلَكًا مِنَ الرَّدْعِ غَيْرَ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ فَإنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ لا يَنْجَرُّ مِنهُ اعْتِداءٌ عَلى غَيْرِهِمْ إذْ هو شَيْءٌ قاصِرٌ عَلى نُفُوسِهِمْ والإعْلانُ بِهِ بِالقَوْلِ لا يَضُرُّ بِغَيْرِهِمْ. فالِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِالإخْراجِ مِن دِيارِهِمْ لِأجْلِ ذَلِكَ ظُلْمٌ بَواحٌ واسْتِخْدامٌ لِلْقُوَّةِ في تَنْفِيذِ الظُّلْمِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الحَقِّ حَقًّا يُوجِبُ الإخْراجَ؛ أيِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، كانَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُسْتَعْمَلًا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ. أيْ إنْ كانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ فَهو أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ، فَيُسْتَفادُ مِن ذَلِكَ تَأْكِيدُ عَدَمِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ اسْتِقْراءِ ما قَدْ يُتَخَيَّلُ أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ. وهَذا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُوهِمُ نَقْضَهُ. ويُسَمّى عِنْدَ أهْلِ البَدِيعِ تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وشاهِدُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وهَذِهِ الآيَةُ لا مَحالَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
* * *
صفحة ٢٧٦
﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ إلَخْ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الحج: ٤١] إلَخْ. فَلَمّا تَضَمَّنَتْ جُمْلَةُ (﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩]) إلَخْ. . . الإذْنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِدِفاعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم أُتْبِعَ ذَلِكَ بِبَيانِ الحِكْمَةِ في هَذا الإذْنِ بِالدِّفاعِ، مَعَ التَّنْوِيهِ بِهَذا الدِّفاعِ، والمُتَوَلِّينَ لَهُ بِأنَّهُ دِفاعٌ عَنِ الحَقِّ والدِّينِ يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ أهْلِ أدْيانِ التَّوْحِيدِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ، ولَيْسَ هو دِفاعًا لِنَفْعِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والواوُ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ إلى آخِرِهِ. اعْتِراضِيَّةٌ وتُسَمّى واوَ الِاسْتِئْنافِ. ومُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْلِيلُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ إلَخْ.
و(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوابِهِ، أيِ انْتِفائِهِ لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِهِ، أيْ عِنْدَ تَحْقِيقِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ شَرْطِهِ فَهو حَرْفٌ يَقْتَضِي جُمْلَتَيْنِ. والمَعْنى: لَوْلا دِفاعُ النّاسِ عَنْ مَواضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ لانْتَصَرَ المُشْرِكُونَ ولَتَجاوَزُوا فِيهِ المُسْلِمِينَ إلى الِاعْتِداءِ عَلى ما يُجاوِرُ بِلادَهم مِن أهْلِ المِلَلِ الأُخْرى المُناوِئَةِ لِمِلَّةِ الشِّرْكِ ولَهَدَمُوا مَعابِدَهم مِن صَوامِعَ، وبِيَعٍ، وصَلَواتٍ، ومَساجِدَ، لِلْأدْيانِ المُخالِفَةِ لِلشِّرْكِ. فَذِكْرُ الصَّوامِعِ، والبِيَعِ، إدْماجٌ لِيَنْتَبِهُوا إلى تَأْيِيدِ المُسْلِمِينَ فالتَّعْرِيفُ في (النّاسِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ النّاسِ الَّذِينَ يَتَقاتَلُونَ وهُمُ المُسْلِمُونَ ومُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ.
صفحة ٢٧٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَوْلا ما سَبَقَ قَبْلَ الإسْلامِ مِن إذْنِ اللَّهِ لِأُمَمِ التَّوْحِيدِ بِقِتالِ أهْلِ الشِّرْكِ كَما قاتَلَ داوُدُ جالُوتَ. وكَما تَغَلَّبَ سُلَيْمانُ عَلى مَلِكَةِ سَبَأٍ لَمَحَقَ المُشْرِكُونَ مَعالِمَ التَّوْحِيدِ كَما مَحَقَ ”بُخْتَنَصَّرُ“ هَيْكَلَ سُلَيْمانَ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، أيْ أُذِنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالقِتالِ كَما أُذِنَ لِأُمَمٍ قَبْلَهم لِكَيْلا يَطْغى عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ كَما طَغَوْا عَلى مَن قَبْلَهم حِينَ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَهم بِالقِتالِ، فالتَّعْرِيفُ في (النّاسِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وإضافَةُ الدِّفاعِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ مُجازِيٌّ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ إذْنٌ لِلنّاسِ أنْ يَدْفَعُوا عَنْ مَعابِدِهِمْ فَكانَ إذْنُ اللَّهِ سَبَبَ الدَّفْعِ. وهَذا يُهِيبُ بِأهْلِ الأدْيانِ إلى التَّألُّبِ عَلى مُقاوَمَةِ أهْلِ الشِّرْكِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (دِفاعُ) . وقَرَأ الباقُونَ (دَفْعُ) بِفَتْحِ الدّالِ وبِدُونِ ألِفٍ. و(بَعْضَهم) بَدَلٌ مِنَ (النّاسِ) بَدَلُ بَعْضٍ. و(بِبَعْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (دِفاعُ) والباءُ لِلْآلَةِ.
والهَدْمُ: تَقْوِيضُ البِناءِ وتَسْقِيطُهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (﴿لَهُدِمَتْ﴾) بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ لِلْمُبالَغَةِ في الهَدْمِ، أيْ (لَهُدِّمَتْ) هَدْمًا ناشِئًا عَنْ غَيْظٍ بِحَيْثُ لا يُبْقُونَ لَها أثَرًا.
والصَّوامِعُ: جَمْعُ صَوْمَعَةٍ بِوَزْنِ فَوْعَلَةٍ، وهي بِناءٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ يُصْعَدُ إلَيْهِ بِدَرَجٍ وبِأعْلاهُ بَيْتٌ، كانَ الرُّهْبانُ يَتَّخِذُونَهُ لِلْعِبادَةِ لِيَكُونُوا بُعَداءَ عَنْ مُشاغَلَةِ النّاسِ إيّاهم، وكانُوا يُوقِدُونَ بِهِ مَصابِيحَ لِلْإعانَةِ عَلى السَّهَرِ لِلْعِبادَةِ ولِإضاءَةِ الطَّرِيقِ لِلْمارِّينَ. مِن أجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَتِ الصَّوْمَعَةُ المَنارَةَ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعَشِيِّ كَأنَّها مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
صفحة ٢٧٨
والبِيَعُ جَمْعُ: بِيعَةٍ - بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ - مَكانُ عِبادَةِ النَّصارى ولا يُعْرَفُ أصْلُ اشْتِقاقِها. ولَعَلَّها مُعَرَّبَةٌ عَنْ لُغَةٍ أُخْرى.
والصَّلَواتُ جَمْعُ: صَلاةٍ وهي هُنا مُرادٌ بِها كَنائِسُ اليَهُودِ مُعَرَّبَةٌ عَنْ كَلِمَةِ (صَلُوثا) بِالمُثَلَّثَةِ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ. فَلَمّا عُرِّبَتْ جَعَلُوا مَكانَ المُثَلَّثَةِ مُثَنّاةً فَوْقِيَّةً وجَمَعُوها كَذَلِكَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ. والجَحْدَرِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وأبِي رَجاءٍ أنَّهم قَرَءُوها هُنا (وصَلَواثٍ) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةُ: قَرَأ عِكْرِمَةُ. ومُجاهِدٌ (صِلْوِيثا) بِكَسْرِ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ الواوِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدَ الثّاءِ أيِ المُثَلَّثَةِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ وهَذِهَ المادَّةُ قَدْ فاتَتْ أهْلَ اللُّغَةِ وهي غَفْلَةٌ عَجِيبَةٌ.
والمَساجِدُ: اسْمٌ لِمَحَلِّ السُّجُودِ مِن كُلِّ مَوْضِعِ عِبادَةٍ لَيْسَ مِنَ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ نَزَلَتْ في ابْتِداءِ هِجْرَةِ المُسْلِمِينَ إلى المَدِينَةِ حِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ قُباءٍ ومَسْجِدَ المَدِينَةِ. وجُمْلَةُ (﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾) صِفَةٌ والغالِبُ في الصِّفَةِ الوارِدَةِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ فِيها أنْ تَرْجِعَ إلى ما في تِلْكَ الجُمَلِ مِنَ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ. فَلِذَلِكَ قِيلَ بِرُجُوعِ صِفَةِ (﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ﴾) إلى صَوامِعَ، وبِيَعٍ، وصَلَواتٍ، ومَساجِدَ لِلْأرْبَعَةِ المَذْكُوراتِ قَبْلَها وهي مَعادُ ضَمِيرِ (فِيها) .
وفائِدَةُ هَذا الوَصْفِ الإيماءُ إلى أنَّ سَبَبَ هَدْمِها أنَّها يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، أيْ ولا تُذْكَرُ أسْماءُ أصْنامِ أهْلِ الشِّرْكِ فَإنَّهم لَمّا أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ بِلا سَبَبٍ إلّا أنَّهم يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ فَيَقُولُونَ رَبُّنا اللَّهُ. لِمَحْوِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ مِن بَلَدِهِمْ لا جَرَمَ أنَّهم يَهْدِمُونَ المَواضِعَ المَجْعُولَةَ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ كَثِيرًا. أيْ دُونَ ذِكْرِ الأصْنامِ. فالكَثْرَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الدَّوامِ
صفحة ٢٧٩
لِاسْتِغْراقِ الأزْمِنَةِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ في هَذِهِ المَواضِعِ فائِدَةً دِينِيَّةً وهي ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ مِن أئِمَّةِ المالِكِيَّةِ مِن أهْلِ أواخِرِ القَرْنِ الرّابِعِ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَنعَ مِن هَدْمِ كَنائِسِ أهْلِ الذِّمَّةِ وبِيَعِهِمْ وبُيُوتِ نارِهِمْ اهـ.
قُلْتُ: أمّا بُيُوتُ النّارِ فَلا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ مَنعَ هَدْمِها فَإنَّها لا يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ وإنَّما مَنعُ هَدْمِها عَقْدُ الذِّمَّةِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بَيْنَ أهْلِها وبَيْنَ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ الصِّفَةُ راجِعَةٌ إلى مَساجِدَ خاصَّةٍ.
وتَقْدِيمُ الصَّوامِعِ في الذِّكْرِ عَلى ما بَعْدَهُ لِأنَّ صَوامِعَ الرُّهْبانِ كانَتْ أكْثَرَ في بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها، وكانَتْ أشْهَرَ عِنْدَهم، لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِأضْوائِها في أسْفارِهِمْ ويَأْوُونَ إلَيْها. وتَعْقِيبُها بِذِكْرِ البِيَعِ لِلْمُناسَبَةِ إذْ هي مَعابِدُ النَّصارى مِثْلُ الصَّوامِعِ. وأمّا ذِكْرُ الصَّلَواتِ بَعْدَهُما فَلِأنَّهُ قَدْ تَهَيَّأ المَقامُ لِذِكْرِها، وتَأْخِيرُ المَساجِدِ لِأنَّها أعَمُّ، وشَأْنُ العُمُومِ أنْ يُعَقَّبَ بِهِ الخُصُوصُ إكْمالًا لِلْفائِدَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ﴾)، أيْ أمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِالدِّفاعِ عَنْ دِينِهِمْ. وضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ في ذَلِكَ الدِّفاعِ لِأنَّهم بِدِفاعِهِمْ يَنْصُرُونَ دِينَ اللَّهِ، فَكَأنَّهم نَصَرُوا اللَّهَ. ولِذَلِكَ أكَّدَ الجُمْلَةَ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾، أيْ كانَ نَصْرُهم مَضْمُونًا لِأنَّ ناصِرَهم قَدِيرٌ عَلى ذَلِكَ بِالقُوَّةِ والعِزَّةِ. والقُوَّةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في القُدْرَةِ. والعِزَّةُ هُنا حَقِيقَةٌ لِأنَّ العِزَّةَ هي المَنَعَةُ، أيْ عَدَمُ تَسَلُّطِ غَيْرِ صاحِبِها عَلى صاحِبِها.
صفحة ٢٨٠
بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. فالمُرادُ مِنَ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الحج: ٤١] المُهاجِرُونَ فَهو ثَناءٌ عَلى المُهاجِرِينَ وشَهادَةٌ لَهم بِكَمالِ دِينِهِمْ. وعَنْ عُثْمانَ: هَذا واللَّهِ ثَناءٌ قَبْلَ بَلاءٍ. أيْ قَبْلَ اخْتِبارٍ. أيْ فَهو مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ الَّذِي عَلِمَهُ اللَّهُ مِن حالِهِمْ. ومَعْنى ﴿إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الحج: ٤١] أيْ بِالنَّصْرِ الَّذِي وعَدْناهم في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] .
22:41Page 337
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١
[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.
﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (مَن) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ (﴿مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]) فَيَكُونُ المُرادُ: كُلَّ مَن نَصْرَ الدِّينَ مِن أجْيالِ المُسْلِمِينَ. أيْ مَكَّنّاهم بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ إنْ نَصَرُوا دِينَ اللَّهِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فالكَلامُ مَسُوقٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الشُّكْرِ عَلى نِعْمَةِ النَّصْرِ بِأنْ يَأْتُوا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن أُصُولِ الإسْلامِ فَإنَّ بِذَلِكَ دَوامَ نَصْرِهِمْ، وانْتِظامَ عَقْدِ جَماعَتِهِمْ، والسَّلامَةَ مِنِ اخْتِلالِ أمْرِهِمْ، فَإنْ حادُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّطُوا في ضَمانِ نَصْرِهِمْ وأمْرُهم إلى اللَّهِ. فَأمّا إقامَةُ الصَّلاةِ فَلِدَلالَتِها عَلى القِيامِ بِالدِّينِ وتَجْدِيدٍ لِمَفْعُولِهِ في النُّفُوسِ، وأمّا إيتاءُ الزَّكاةِ فَهو لِيَكُونَ أفْرادُ الأُمَّةِ مُتَقارِبِينَ في نِظامِ مَعاشِهِمْ، وأمّا الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَلِتَنْفِيذِ قَوانِينِ الإسْلامِ بَيْنَ سائِرِ الأُمَّةِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.
والتَّمْكِينُ: التَّوْثِيقُ. وأصْلُهُ إقْرارُ الشَّيْءِ في مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في التَّسْلِيطِ والتَّمْلِيكِ، والأرْضُ لِلْجِنْسِ، أيْ تَسْلِيطُهم عَلى شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شَأْنَهم فِيما هو مِلْكُهم وما بُسِطَتْ فِيهِ أيْدِيهم.
صفحة ٢٨١
وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ [الأعراف: ١٠] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] في سُورَةِ يُوسُفَ: والمُرادُ بِالمَعْرُوفِ ما هو مُقَرَّرٌ مِن شُئُونِ الدِّينِ: وإمّا بِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا لِلْأُمَّةِ كُلِّها: وهو ما يُعْلَمُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَسْتَوِي في العِلْمِ بِكَوْنِهِ مِنَ الدِّينِ سائِرُ الأُمَّةِ. وإمّا بِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا لِطائِفَةٍ مِنهم وهو دَقائِقُ الأحْكامِ فَيَأْمُرُ بِهِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَعْلَمُوهُ وهُمُ العُلَماءُ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِ العِلْمِ ومَراتِبِ عُلَمائِهِ.
والمُنْكَرُ: ما شَأْنَهُ أنْ يُنْكَرَ في الدِّينِ، أيْ أنْ لا يُرْضى بِأنَّهُ مِنَ الدِّينِ. وذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ يَدْخُلُ في أُمُورِ الأُمَّةِ والشَّرِيعَةِ وهو مُخالِفٌ لَها فَعُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ بِالمُنْكَرِ الأعْمالُ الَّتِي يُرادُ إدْخالُها في شَرِيعَةِ المُسْلِمِينَ وهي مُخالِفَةٌ لَها، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ النّاسُ في شُئُونِ عاداتِهِمْ مِمّا هو في مِنطَقَةِ المُباحِ، ولا ما يَفْعَلُونَ في شُئُونِ دِينِهِمْ مِمّا هو مِن نَوْعِ الدِّياناتِ كالأعْمالِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ كُلِّيّاتٍ دِينِيَّةٍ، والأعْمالِ المَشْرُوعَةِ بِطَرِيقِ القِياسِ وقَواعِدِ الشَّرِيعَةِ مِن مَجالاتِ الِاجْتِهادِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ.
والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ آيِلٌ إلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وكَذَلِكَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ آيِلٌ إلى النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وإنَّما جَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَها بِاعْتِبارِ أوَّلِ ما تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ عَنْ مُشاهَدَةِ الأعْمالِ، ولِتَكُونَ مَعْرُوفَةً دَلِيلًا عَلى إنْكارِ المُنْكَرِ وبِالعَكْسِ إذْ بِضِدِّها تَتَمايَزُ الأشْياءُ، ولَمْ يَزَلْ مِن طُرُقِ النَّظَرِ والحِجاجِ الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقائِضِ والعُكُوسِ.
* * *
صفحة ٢٨٢
﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، والمَآلُ واحِدٌ، وهو تَحْقِيقُ وُقُوعِ النَّصْرِ، لِأنَّ الَّذِي وعَدَ بِهِ لا يَمْنَعُهُ مِن تَحْقِيقِ وعْدِهِ مانِعٌ، وفِيهِ تَأْنِيسٌ لِلْمُهاجِرِينَ لِئَلّا يَسْتَبْطِئُوا النَّصْرَ.
والعاقِبَةُ: آخِرُ الشَّيْءِ وما يَعْقُبُ الحاضِرَ. وتَأْنِيثُها لِمُلاحَظَةِ مَعْنى الحالَةِ وصارَتْ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ اسْمًا. وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ هُنا لِلِاهْتِمامِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما هو لِلَّهِ فَهو يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ.
22:42–44Page 337
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢
And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],
وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣
And the people of Abraham and the people of Lot
وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤
And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾
لَمّا نَعى عَلى المُشْرِكِينَ مَساوِيَهم في شُئُونِ الدِّينِ بِإشْراكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ وصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما ناسَبَ ذَلِكَ في غَرَضِهِ مِن إخْراجِ أهْلِهِ مِنهُ، عَطَفَ هُنا إلى ضَلالِهِمْ بِتَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ”عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“ وتَمْثِيلَهم بِأمْثالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ، وتَهْدِيدَهم
صفحة ٢٨٣
بِالمَصِيرِ إلى مَصِيرِهِمْ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وغَيْرِها. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾) إلَخْ إذِ التَّقْدِيرُ: فَلا عَجَبَ في تَكْذِيبِهِمْ، أوْ فَلا غَضاضَةَ عَلَيْكَ في تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ فَإنَّ تِلْكَ عادَةُ أمْثالِهِمْ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ هُمُ الكَلْدانُ. وأصْحابُ مَدْيَنَ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ. وإنَّما لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهم بِقَوْمِ شُعَيْبٍ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظُ قَوْمٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ. وقالَ وكُذِّبَ مُوسى لِأنَّ مُكَذِّبِيهِ هُمُ القِبْطُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ ولَمْ يُكَذِّبْهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ مَعْناهُ فَأمْلَيْتُ لَهم، فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإمْلاءِ لَهم ثُمَّ أخْذِهِمْ هو الكُفْرُ بِالرُّسُلِ تَعْرِيضًا بِالنِّذارَةِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
والأخْذُ، حَقِيقَتُهُ: التَّناوُلُ لِما لَمْ يَكُنْ في اليَدِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِتَسْلِيطِ الإهْلاكِ بَعْدَ إمْهالِهِمْ. ومُناسِبَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الإمْلاءَ لَهم يُشْبِهُ بُعْدَ الشَّيْءِ عَنْ مُتَناوِلِهِ فَشُبِّهَ انْتِهاءَ ذَلِكَ الإمْلاءِ بِالتَّناوُلِ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِأخْذِ اللَّهِ إيّاهم عِنْدَهُ، لِظُهُورِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وعِيدِهِمْ، وهَذا الأخْذُ مَعْلُومٌ في آياتٍ أُخْرى عَدا أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يَتَقَدَّمْ في القُرْآنِ ذِكْرٌ لِعَذابِهِمْ أوْ أخْذِهِمْ سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] مُشِيرٌ إلى سُوءِ عاقِبَتِهِمْ مِمّا أرادُوا بِهِ مِنَ الكَيْدِ. وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في ذَلِكَ كَما أشَرْنا هُنالِكَ.
ومُناسَبَةُ عَدِّ قَوْمِ إبْراهِيمَ هُنا في عِدادِ الأقْوامِ الَّذِينَ أخَذَهُمُ اللَّهُ دُونَ الآياتِ الأُخْرى الَّتِي ذُكِرَ فِيها مَن أُخِذُوا مِنَ الأقْوامِ، أنَّ
صفحة ٢٨٤
قَوْمَ إبْراهِيمَ أتَمُّ شَبَهًا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم وآذَوْهُ، وألْجَأُوهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، فَكانَ ذِكْرُ إلْجاءِ قُرَيْشٍ المُؤْمِنِينَ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] مُناسَبَةً لِذِكْرِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
والإمْلاءُ: تَرْكُ المُتَلَبِّسِ بِالعِصْيانِ دُونَ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِ وتَأْخِيرِها إلى وقْتٍ مُتَأخِّرٍ، حَتّى يَحْسَبَ أنَّهُ قَدْ نَجا ثُمَّ يُؤْخَذَ بِالعُقُوبَةِ.
والفاءُ في (﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾) لِلتَّعْقِيبِ دَلالَةً عَلى أنَّ تَقْدِيرَ هَلاكِهِمْ حاصِلٌ في وقْتِ تَكْذِيبِهِمْ وإنَّما أُخِّرَ لَهم، وهو تَعْقِيبٌ مُوَزَّعٌ، فَلِكُلِّ قَوْمٍ مِن هَؤُلاءِ تَعْقِيبُ إمْلائِهِ. والأخْذُ حاصِلٌ بَعْدَ الإمْلاءِ بِمُهْلَةٍ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ فِعْلُهُ بِحَرْفِ المُهْلَةِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ بِالفاءِ لِأنَّ حَقَّ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يَحْصُلَ عِنْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ الأخْذِ، وهو اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ، أيْ فاعْجَبْ مِن نَكِيرِي كَيْفَ حَصَلَ. ووَجْهُ التَّعْجِيبِ مِنهُ أنَّهم أُبْدِلُوا بِالنِّعْمَةِ مِحْنَةً، وبِالحَياةِ هَلاكًا، وبِالعِمارَةِ خَرابًا فَهو عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِمْ.
والنَّكِيرُ: الإنْكارُ الزَّجْرِيُّ لِتَغْيِيرِ الحالَةِ الَّتِي عَلَيْها الَّذِي يُنْكَرُ عَلَيْهِ. و(نَكِيرِ) بِكَسْرَةٍ في آخِرِهِ دالَّةٍ عَلى بِناءِ المُتَكَلِّمِ المَحْذُوفَةِ تَخْفِيفًا. وكانَ مُناسَبَةُ اخْتِيارِ النَّكِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ العَذابِ ونَحْوِهِ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِالنَّهْيِ عَنِ النُّكْرِ لِيُنَبِّهَ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَبْذُلُوا في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مُنْتَهى اسْتِطاعَتِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ عاقَبَ عَلى المُنْكَرِ بِأشَدِّ العِقابِ، فَعَلى المُؤْمِنِينَ الِائْتِساءُ بِصُنْعِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ الحُكَماءُ: إنَّ
صفحة ٢٨٥
الحِكْمَةَ هي التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ بِقَدْرِ ما تَبْلُغُهُ القُوَّةُ الإنْسانِيَّةُ، وفي هَذا المَجالِ تَتَسابَقُ جِيادُ الهِمَمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences