Ibn 'AshurAl‑Hajj · 22:45–51

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:45–51

22:45Page 337

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2

﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهْيَ ظالِمَةٌ فَهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾

تَفَرَّعَ ذِكْرُ جُمْلَةِ (﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾) عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] فَعُطِفَتْ عَلَيْها بِفاءِ التَّفْرِيعِ، والتَّعْقِيبُ في الذِّكْرِ لا في الوُجُودِ، لِأنَّ الإمْلاءَ لِكَثِيرٍ مِنَ القُرى ثُمَّ أخْذَها بَعْدَ الإمْلاءِ لَها يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ نَكِيرِ اللَّهِ وغَضَبِهِ عَلى القُرى الظّالِمَةِ ويُفَسِّرُهُ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ التَّفْسِيرَ عَقِبَ المُفَسَّرِ بِحَرْفِ التَّفْرِيعِ. ثُمَّ هو يُفِيدُ بِما ذُكِرَ فِيهِ مِنِ اسْمٍ كَثْرَةَ العَدَدِ شُمُولًا لِلْأقْوامِ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الحج: ٤٢] إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ لِتِلْكَ الجُمْلَةِ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ. و(كَأيِّنِ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الإخْبارِ عَنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ. ومَوْضِعُها مِنَ الجُمْلَةِ مَحَلُّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. والتَّقْدِيرُ: كَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها، وجُمْلَةُ (أهْلَكْناها) الخَبَرُ: ويَجُوزُ كَوْنُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (أهْلَكْناها) . والتَّقْدِيرُ: أهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى أهْلَكْناها، والأحْسَنُ الوَجْهُ الأوَّلُ لِأنَّهُ يُحَقِّقُ الصَّدارَةَ الَّتِي تَسْتَحِقُّها (كَأيِّنْ) بِدُونِ حاجَةٍ إلى ذِكْرِ الِاكْتِفاءِ بِالصَّدارَةِ الصُّورِيَّةِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَجُمْلَةُ (أهْلَكْناها) في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِـ (قَرْيَةٍ)، وجُمْلَةُ (﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (أهْلَكْناها) وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ (﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

صفحة ٢٨٦

وأهْلُ المُدُنِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِظُلْمِهِمْ كَثِيرُونَ، مِنهم مَن ذُكِرَ في القُرْآنِ مِثْلُ عادٍ وثَمُودٍ، ومِنهم مَن لَمْ يُذْكَرْ مِثْلَ طَسْمٍ وجَدِيسٍ وآثارُهم باقِيَةٌ في اليَمامَةِ. ومَعْنى (﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾) أنَّها لَمْ يَبْقَ فِيها سَقْفٌ ولا جِدارٌ. وجُمْلَةُ (﴿عَلى عُرُوشِها﴾) خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ (فَهي) . والمَعْنى: ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها، أيْ ساقِطَةٌ جُدْرانُها فَوْقَ سُقُفِها.

والعُرُوشُ: جَمْعُ عَرْشٍ، وهو السَّقْفُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُعَطَّلَةُ: الَّتِي عُطِّلَ الِانْتِفاعُ بِها مَعَ صَلاحِها لِلِانْتِفاعِ، أيْ هي نابِعَةٌ بِالماءِ وحَوْلَها وسائِلُ السَّقْيِ ولَكِنَّها لا يُسْتَقى مِنها لِأنَّ أهْلَها هَلَكُوا. وقَدْ وجَدَ المُسْلِمُونَ في مَسِيرِهِمْ إلى تَبُوكَ بِئارٍ في دِيارِ ثَمُودٍ ونَهاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنها إلّا بِئْرًا واحِدَةً الَّتِي شَرِبَتْ مِنها ناقَةُ صالِحٍ ”- عَلَيْهِ السَّلامُ -“ .

والقَصْرُ: المَسْكَنُ المَبْنِيُّ بِالحِجارَةِ المَجْعُولُ طِباقًا.

والمَشِيدُ: المَبْنِيُّ بِالشِّيدِ - بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الياءِ - وهو الجِصُّ، وإنَّما يُبْنى بِهِ البِناءُ مِنَ الحَجَرِ لِأنَّ الجِصَّ أشَدُّ مِنَ التُّرابِ فَبِشِدَّةِ مَسْكِهِ يَطُولُ بَقاءُ الحَجَرِ الَّذِي رُصَّ بِهِ.

والقُصُورُ المَشِيدَةُ - وهي المُخَلَّفَةُ عَنِ القُرى الَّتِي أهْلَكَها اللَّهُ - كَثِيرَةٌ مِثْلُ: قَصْرِ غُمْدانَ في اليَمَنِ، وقُصُورِ ثَمُودٍ في الحِجْرِ، وقُصُورِ الفَراعِنَةِ في صَعِيدِ مِصْرَ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ يُقالُ: أنَّ هَذِهِ البِئْرَ وهَذا القَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ. ويُقالُ: إنَّها بِئْرُ الرَّسِّ وكانَتْ في عَدَنٍ وتُسَمّى ”حَضُورٍ“ بِفَتْحِ الحاءِ وكانَ أهْلُها بَقِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِصالِحٍ الرَّسُولِ ”- عَلَيْهِ السَّلامُ -“ وكانَ صالِحٌ مَعَهم، وأنَّهم آلَ أمْرُهم

صفحة ٢٨٧

إلى عِبادَةِ صَنَمٍ وأنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِمْ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ رَسُولًا فَنَهاهم عَنْ عِبادَةِ الصَّنَمِ فَقَتَلُوهُ فَغارَتِ البِئْرُ وهَلَكُوا عَطَشًا. يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ واحِدَةٌ مِنَ القُرى المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وإلّا فَإنَّ كَلِمَةَ (كَأيِّنْ) تُنافِي إرادَةَ قَرْيَةٍ مُعَيَّنَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (أهْلَكْناها) بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (أهْلَكْتُها) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.

22:46Page 337

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحج: ٤٥] وما بَعْدَها. والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِن حالِهِمْ في عَدَمِ الِاعْتِبارِ بِمَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِأنْبِيائِها: والتَّعْجِيبُ مُتَعَلِّقٌ بِمَن سافَرُوا مِنهم ورَأوْا شَيْئًا مِن تِلْكَ القُرى المُهْلَكَةِ وبِمَن لَمْ يُسافِرُوا، فَإنَّ شَأْنَ المُسافِرِينَ أنْ يُخْبِرُوا القاعِدِينَ بِعَجائِبِ ما شاهَدُوهُ في أسْفارِهِمْ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فالمَقْصُودُ بِالتَّعَجُّبِ هو حالُ الَّذِينَ سارُوا في الأرْضِ، ولَكِنَّ جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى نَفْيِ السَّيْرِ؛ لِأنَّ سَيْرَ السّائِرِينَ مِنهم لَمّا لَمْ يُفِدْهم عِبْرَةً وذِكْرى جُعِلَ كالعَدَمِ فَكانَ التَّعَجُّبُ مِنِ انْتِفائِهِ، فالكَلامُ جارٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ. والفاءُ في (فَتَكُونَ) سَبَبِيَّةٌ جَوابِيَّةٌ مُسَبِّبُ ما بَعْدَها عَلى السَّيْرِ، أيْ لَمْ يَسِيرُوا سَيْرًا تَكُونُ لَهم بِهِ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وآذانٌ يَسْمَعُونَ

صفحة ٢٨٨

بِها، أيِ انْتَفى أنْ تَكُونَ لَهم قُلُوبٌ وآذانٌ بِهَذِهَ المَثابَةِ لِانْتِفاءِ سَيْرِهِمْ في الأرْضِ. وهَذا شَأْنُ الجَوابِ بِالفاءِ بَعْدَ النَّفْيِ أنْ تَدْخُلَ الفاءُ عَلى ما هو مُسَبَّبٌ عَلى المَنفِيِّ لَوْ كانَ ثابِتًا. وفي هَذا المَعْنى قالَ المَعَرِّيِّ:

وقِيلَ أفادَ بِالأسْفارِ مالًا فَقُلْنا هَلْ أفادَ بِها فُؤادا

وهَذا شَأْنُ الأسْفارِ أنْ تُفِيدَ المُسافِرَ ما لا تُفِيدُهُ الإقامَةُ في الأوْطانِ مِنِ اطِّلاعٍ عَلى أحْوالِ الأقْوامِ وخَصائِصِ البُلْدانِ واخْتِلافِ العاداتِ، فَهي تُفِيدُ كُلَّ ذِي هِمَّةٍ في شَيْءٍ فَوائِدَ تَزِيدُ هِمَّتَهُ نَفاذًا فِيما تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وأعْظَمُ ذَلِكَ فَوائِدُ العِبْرَةِ بِأسْبابِ النَّجاحِ والخَسارَةِ.

وأُطْلِقَتِ القُلُوبُ عَلى تَقاسِيمِ العَقْلِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّ القَلْبَ هو مُفِيضُ الدَّمِ وهو مادَّةُ الحَياةِ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ وأهَمُّها الدِّماغُ الَّذِي هو عُضْوُ العَقْلِ، ولِذَلِكَ قالَ (﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾) وإنَّما آلَةُ العَقْلِ هي الدِّماغُ، ولَكِنَّ الكَلامَ جَرى أوَّلُهُ عَلى مُتَعارَفِ أهْلِ اللُّغَةِ ثُمَّ أُجْرِيَ عَقِبَ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ العِلْمِيَّةِ فَقالَ (﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾) فَأشارَ إلى أنَّ القُلُوبَ هي العَقْلُ.

ونُزِّلَتْ عُقُولُهم مَنزِلَةَ المَعْدُومِ كَما نُزِّلَ سَيْرُهم في الأرْضِ مَنزِلَةَ المَعْدُومِ. وأمّا ذِكْرُ الآذانِ فَلِأنَّ الآذانَ آلَةُ السَّمْعِ والسّائِرُ في الأرْضِ يَنْظُرُ آثارَ الأُمَمِ ويَسْمَعُ أخْبارَ فَنائِهِمْ فَيَسْتَدِلُّ مِن ذَلِكَ عَلى تَرَتُّبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها، عَلى أنَّ حَظَّ كَثِيرٍ مِنَ المُتَحَدَّثِ إلَيْهِمْ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسافِرُوا أنْ يَتَلَقَّوُا الأخْبارَ مِنَ المُسافِرِينَ فَيَعْلَمُوا ما عَلِمَهُ المُسافِرُونَ عِلْمًا سَبِيلُهُ سَماعُ الأخْبارِ.

وفِي ذِكْرِ الآذانِ اكْتِفاءٌ عَنْ ذِكْرِ الأبْصارِ إذْ يُعْلَمُ أنَّ القُلُوبَ الَّتِي تَعْقِلُ إنَّما طَرِيقُ عِلْمِها مُشاهَدَةُ آثارِ العَذابِ والِاسْتِئْصالِ كَما أشارَ

صفحة ٢٨٩

إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ .

فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ نَظْمِ الآيَةِ أنَّهم بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ لَهم آلاتُ الِاسْتِدْلالِ وقَدِ انْعَدَمَتْ مِنهم آثارُها (فَلَهم قُلُوبٌ لا يَعْقِلُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها) وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] .

والفاءُ في جُمْلَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَوابِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾، وفَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ، وتَذْيِيلٌ لَهُ بِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ العُمُومِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (فَإنَّها) ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، أيْ فَإنَّ الشَّأْنَ والقِصَّةَ هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ بَعْدَ الضَّمِيرِ، أيْ لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ. أيْ فَإنَّ الأبْصارَ والأسْماعَ طُرُقٌ لِحُصُولِ العِلْمِ بِالمُبْصَراتِ والمَسْمُوعاتِ، والمُدْرِكَ لِذَلِكَ هو الدِّماغُ فَإذا لَمْ يَكُنْ في الدِّماغِ عَقْلٌ كانَ المُبْصِرُ كالأعْمى والسّامِعُ كالأصَمِّ، فَآفَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ هو اخْتِلالُ العَقْلِ.

واسْتُعِيرَ العَمى الثّانِي لِانْتِفاءِ إدْراكِ المُبْصَراتِ بِالعَقْلِ مَعَ سَلامَةِ حاسَّةِ البَصَرِ لِشَبَهِهِ بِهِ في الحالَةِ الحاصِلَةِ لِصاحِبِهِ. والتَّعْرِيفُ في (الأبْصارِ، والقُلُوبِ، والصُّدُورِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ الشّامِلِ لِقُلُوبَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وغَيْرِهِمْ. والجَمْعُ فِيها بِاعْتِبارِ أصْحابِها.

وحَرْفُ التَّوْكِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ لِغَرابَةِ الحُكْمِ لا لِأنَّهُ مِمّا يُشَكُّ فِيهِ.

صفحة ٢٩٠

وغالِبُ الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ اقْتِرانُها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ النَّفْيِ وحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ فَقْدِ حاسَّةِ البَصَرِ المُسَمّى بِالعَمى كَأنَّهُ غَيْرُ عَمًى، وجَعْلِ عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى دَلالَةِ المُبْصَراتِ مَعَ سَلامَةِ حاسَّةِ البَصَرِ هو العَمى مُبالَغَةً في اسْتِحْقاقِهِ لِهَذا الِاسْمِ الَّذِي اسْتُعِيرَ إلَيْهِ، فالقَصْرُ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ. فَفي هَذِهِ الآيَةِ أفانِينُ مِنَ البَلاغَةِ والبَيانِ وبَداعَةِ النَّظْمِ.

و(﴿الَّتِي في الصُّدُورِ﴾) صِفَةٌ (لِلْقُلُوبِ) تُفِيدُ تَوْكِيدًا لِلَفْظِ (القُلُوبِ) فَوِزانُهُ وِزانُ الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ووِزانُ القَيْدِ في قَوْلِهِ (﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]) فَهو لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّشْخِيصِ. ويُفِيدُ هَذا الوَصْفُ وراءَ التَّوْكِيدِ تَعْرِيضًا بِالقَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأفْئِدَتِهِمْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها بِهِمْ إذْ هي قارَّةٌ في صُدُورِهِمْ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «”فالآنَ أنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ“» فَإنَّ كَوْنَها بَيْنَ جَنْبَيْهِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ.

22:47Page 338

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (وإنْ يُكَذِّبُوكَ) عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَإنَّ مِن تَكْذِيبِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا بِالوَعِيدِ وقالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا في وعِيدِهِ لَعَجَّلَ لَنا وعِيدَهُ، فَكانُوا يَسْألُونَهُ التَّعْجِيلَ بِنُزُولِ العَذابِ اسْتِهْزاءً،

صفحة ٢٩١

كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالَ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ (فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ) الآيَةَ. وحُكِيَ (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى تَكْرِيرِهِمْ ذَلِكَ تَجْدِيدًا مِنهم لِلِاسْتِهْزاءِ وتَوَرُّكًا عَلى المُسْلِمِينَ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ إبْلاغُهُ إيّاهم.

والباءُ مِن قَوْلِهِ (بِالعَذابِ) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِعْجالِ بِشِدَّتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ يَحْرِصُونَ عَلى تَعْجِيلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ. ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم إيّاهُ تَعْرِيضًا مِنهم بِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ . أيْ فالعَذابُ المَوْعُودُ لَهم واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. وفِيهِ تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَسْتَبْطِئُونَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ فَإنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم بِالعَذابِ وهو صادِقٌ عَلى عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهم إنَّما اسْتَعْجَلُوا عَذابَ الدُّنْيا تَهَكُّمًا وكِنايَةً عَنْ إيقانِهِمْ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ بِلازِمٍ واحِدٍ، وإيماءً إلى عَدَمِ وُقُوعِ عَذابِ الآخِرَةِ بِلازِمَيْنِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَدًّا عامًّا بِقَوْلِهِ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾، وكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ أعْقَبَهُ بِإنْذارِهِمْ بِأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يُفْلِتُونَ مِنهُ أيْضًا وهو أشَدُّ العَذابِ.

فَقَوْلُهُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ. وهَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

صفحة ٢٩٢

وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] . ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِقْصارَ أجْلِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا كَما دَرَجَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لِعَدَمِ رَشاقَةِ ذَلِكَ، عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِقْصارَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ عَقِبَ هَذا ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها﴾ [الحج: ٤٨] .

والخِطابُ في (تَعُدُّونَ) لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَعُدُّونَ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (مِمّا يَعُدُّونَ) بِياءِ الغائِبِينَ، أيْ مِمّا يَعُدُّهُ المُشْرِكُونَ المُسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ.

22:48Page 338

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنُهُ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم آيِسُونَ مِنهُ لِتَأخُّرِ وُقُوعِهِ، فَذُكِّرُوا بِأنَّ أُمَمًا كَثِيرَةً أُمْهِلَتْ ثُمَّ حَلَّ بِها العَذابُ. فَوِزانُ هَذِهِ الآيَةِ وِزانُ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥] إلَخْ، إلّا أنَّ الأُولى قُصِدَ مِنها كَثْرَةُ الأُمَمِ الَّتِي أُهْلِكَتْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن ذِكْرِ قَوْمِ نُوحٍ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ أنَّ الهَلاكَ لَمْ يَتَجاوَزْهم ولِذَلِكَ اقْتُصِرَ فِيها عَلى ذِكْرِ الإهْلاكِ دُونَ الإمْهالِ. وهَذِهِ الآيَةُ القَصْدُ مِنها التَّذْكِيرُ بِأنَّ تَأْخِيرَ

صفحة ٢٩٣

الوَعِيدِ لا يَقْتَضِي إبْطالَهُ، ولِذَلِكَ اقْتُصِرَ فِيها عَلى ذِكْرِ الإمْهالِ ثُمَّ الأخْذِ بَعْدَهُ المُناسِبِ لِلْإمْلاءِ مِن حَيْثُ أنَّهُ دُخُولٌ في القَبْضَةِ بَعْدَ بُعْدِهِ عَنْها. وأمّا عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحج: ٤٥] بِالفاءِ وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ﴾ بِالواوِ فَلِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى وقَعَتْ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] فَقُرِنَتْ بِالفاءِ الَّتِي دَخَلَتْ نَظِيرَتُها عَلى الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها، وأمّا هَذِهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ فَخَلِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ فَعُطِفَتْ بِالحَرْفِ الأصْلِيِّ لِلْعَطْفِ. وجُمْلَةُ (﴿وإلَيَّ المَصِيرُ﴾) تَذْيِيلٌ، أيْ مَصِيرُ النّاسِ كُلِّهِمْ إلَيَّ والمَصِيرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِـ (صارَ) بِمَعْنى: رَجَعَ، وهو رُجُوعٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الحُصُولِ في المِكْنَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْحَصْرِ الحَقِيقِيِّ، أيْ لا يَصِيرُ النّاسُ إلّا إلى اللَّهِ، وهو يَقْتَضِي أنَّ المَصِيرَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وهو المَقْصُودُ مِنَ الحَصْرِ لِأنَّ الحَصْرَ يَقْتَضِي بِالأحْرى فَهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإفْلاتِ.

22:49–51Page 338

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩

Say, "O people, I am only to you a clear warner."

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠

And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١

But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾

اسْتِئْنافٌ بَعْدَ المَواعِظِ السّالِفَةِ والإنْذاراتِ. وافْتِتاحُهُ بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ: وافْتِتاحُ المَقُولِ بِنِداءِ النّاسِ لِلَفْتِ ألْبابِهِمْ إلى الكَلامِ. والمُخاطَبُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ.

صفحة ٢٩٤

والغَرَضُ مِن خِطابِهِمْ إعْلامُهم بِأنَّ تَكْذِيبَهم واسْتِهْزاءَهم لا يَغِيظُ النَّبِيءَ ﷺ ولا يَصُدُّهُ عَنْ أداءِ رِسالَتِهِ: فَفي ذَلِكَ قَمْعٌ لَهم إذا كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ يُمِلُّونَهُ فَيَتْرُكُ دَعْوَتَهم. وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ وتَسْلِيَةٌ فِيما يَلْقاهُ مِنهم. وقَصْرُ النَّبِيءِ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ طالِبًا نِكايَتَكم ولا تَزَلُّفًا فَمَن آمَنَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها.

والنَّذِيرُ: المُحَذِّرُ مِن شَرٍّ يُتَوَقَّعُ.

وفِي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ المُؤْذِنِ بِالِاهْتِمامِ بِنِذارَتِهِمْ إيماءٌ إلى أنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى شَرٍّ عَظِيمٍ فَهم أحْرِياءُ بِالنِّذارَةِ.

والمُبِينُ: المُفْصِحُ المُوَضِّحُ، أيْ مُبِينٌ لِلْإنْذارِ بِما لا إيهامَ فِيهِ ولا مُصانَعَةَ. وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِالقَوْلِ تَقْسِيمٌ لِلنّاسِ في تَلَقِّي هَذا الإنْذارِ المَأْمُورِ الرَّسُولُ بِتَبْلِيغِهِ إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِبَيانِ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرْغِيبًا في الحالَةِ الحُسْنى وتَحْذِيرًا مِنَ الحالَةِ السُّوأى فَقالَ تَعالى فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم إلى آخِرِهِ، فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فِي آياتِنا﴾) والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ.

والمَغْفِرَةُ: غُفْرانُ ما قَدَّمُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وما يَتْبَعُهُ مِن شَرائِعِ الشِّرْكِ وضَلالاتِهِ ومَفاسِدِهِ. وهَذِهِ المَغْفِرَةُ تُفْضِي إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ، فالمَعْنى: أنَّهم فازُوا في الدّارِ الآخِرَةِ.

والرِّزْقُ: العَطاءُ. ووَصْفُهُ بِالكَرِيمِ يَجْمَعُ وفْرَتَهُ وصَفاءَهُ مِنَ المُكَدِّراتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] ذَلِكَ هو الجَنَّةُ.

صفحة ٢٩٥

والرِّزْقُ مِنهُ ما هو حاصِلٌ لَهم في الدُّنْيا، فَهم مُتَمَتِّعُونَ بِانْشِراحِ صُدُورِهِمْ ورِضاهم عَنْ رَبِّهِمْ، وأعْظَمُهُ ما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ.

والَّذِينَ سَعَوْا هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَمَعْناهُ: والَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، فَعُبِّرَ عَنِ الِاسْتِمْرارِ بِالسَّعْيِ في الآياتِ لِأنَّهُ أخَصُّ مِنَ الكُفْرِ، وذَلِكَ حالُ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم.

والسَّعْيُ: المَشْيُ الشَّدِيدُ، ويُطْلَقُ عَلى شِدَّةِ الحِرْصِ في العَمَلِ تَشْبِيهًا لِلْعامِلِ الحَرِيصِ بِالماشِي الشَّدِيدِ في كَوْنِهِ يَكِدُّ لِلْوُصُولِ إلى غايَةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] . فَلَيْسَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ يَمْشِي وإنَّما المُرادُ أنَّهُ صَرَفَ عِنايَتَهُ لِإحْضارِ السَّحَرَةِ لِإحْباطِ دَعْوَةِ مُوسى، وقالَ تَعالى ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] . والكَلامُ تَمْثِيلٌ، شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَفَنُّنِهِمْ في التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ وتَطَلُّبِ المَعاذِيرِ لِنَقْضِ دَلائِلِهِ مِن قَوْلِهِمْ: هو سِحْرٌ، هو شِعْرٌ، هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، هو قَوْلُ مَجْنُونٍ، وتَعَرُّضُهِمْ بِالمُجادَلاتِ والمُناقَضاتِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِهَيْئَةِ السّاعِي في طَرِيقٍ يُسابِقُ غَيْرَهُ لِيَفُوزَ بِالوُصُولِ.

والمُعاجِزُ: المُسابِقُ الطّالِبُ عَجْزَ مُسايِرِهِ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ وعَنِ اللِّحاقِ بِهِ، فَصِيغَ لَهُ المُفاعَلَةُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَطْلُبُ عَجْزَ الآخَرِ عَنْ لِحاقِهِ. والمَعْنى: أنَّهم بِعَمَلِهِمْ يُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يَغْلِبُوا اللَّهَ وقَدْ ظَنُّوا أنَّهم نالُوا مُرادَهم في الدُّنْيا ولَمْ يَعْلَمُوا ما لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُعاجِزِينَ) بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (مُعَجِّزِينَ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَضْعِيفِ الجِيمِ أيْ مُحاوِلِينَ إعْجازَ اللَّهِ تَعالى وهم لا يَعْلَمُونَ.

صفحة ٢٩٦

والتَّصْدِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُخَبَرَ عَنْهم جَدِيرُونَ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ، أيْ هم أصْحابُ الجَحِيمِ لِأنَّهم سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ. ومِن أحْسَنِ ما يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ ما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ إنِّي رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِي وأنا النَّذِيرُ العُرْيانُ. فالنِّجاءَ النِّجاءَ، فَأطاعَتْهُ طائِفَةٌ مِن قَوْمِهِ فَأدْلَجُوا، وانْطَلَقُوا عَلى مَهَلِهِمْ. وكَذَّبَتْ طائِفَةٌ مِنهم فَأصْبَحُوا مَكانَهم فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأهْلَكَهم واجْتاحَهم. فَذَلِكَ مَثَلِي ومَثَلُ مَن أطاعَنِي واتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، ومَثَلُ مَن عَصانِي وكَذَّبَ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском