Ibn 'AshurAl‑Hajj · 22:56–64

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:56–64

22:56–59Page 339

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٥٦

[All] sovereignty that Day is for Allāh;1 He will judge between them. So they who believed and did righteous deeds will be in the Gardens of Pleasure.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥٧

And they who disbelieved and denied Our signs - for those there will be a humiliating punishment.

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٥٨

And those who emigrated for the cause of Allāh and then were killed or died - Allāh will surely provide for them a good provision. And indeed, it is Allāh who is the best of providers.

لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ ٥٩

He will surely cause them to enter an entrance with which they will be pleased, and indeed, Allāh is Knowing and Forbearing.

﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مَّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لِعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾

صفحة ٣٠٩

آذَنَتِ الغايَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥] أنَّ ذَلِكَ وقْتُ زَوالِ مِرْيَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَكانَ ذَلِكَ مَنشَأ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ صُورَةِ زَوالِ المِرْيَةِ، وعَنْ ماذا يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ زَوالِها، فَكانَ المَقامُ أنْ يُجابَ السُّؤالُ بِجُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِ ما فِيها مِنَ التَّفْصِيلِ، فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ.

فَقَوْلُهُ (يَوْمَئِذٍ) تَقْدِيرُ مُضافِهِ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ: يَوْمَ إذْ تَزُولُ مِرْيَتُهم بِحُلُولِ السّاعَةِ وظُهُورِ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ هو الحَقُّ، أوْ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. وجُمْلَةُ (يَحْكُمُ بَيْنَهم) اشْتِمالٌ مِن جُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ .

والحُكْمُ بَيْنَهُمُ: الحُكْمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنِ ادِّعاءِ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى الحَقِّ وأنْ ضِدَّهُ عَلى الباطِلِ، الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤] وقَوْلُهُ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ [الحج: ٥٥] فَقَدْ يَكُونُ الحُكْمُ بِالقَوْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِظُهُورِ آثارِ الحَقِّ لِفَرِيقٍ وظُهُورِ آثارِ الباطِلِ لِفَرِيقٍ. وقَدْ فُصِّلَ الحُكْمُ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الحج: ٥٠] إلَخْ، وهو تَفْصِيلٌ لِأثَرِ الحُكْمِ يَدُلُّ عَلى تَفْصِيلِ أصْلِهِ، أيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ.

وأُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عُمُومُهُ. وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِنهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الهِجْرَةِ، ولِأجْلِها اسْتَوى أصْحابُها في دَرَجاتِ الآخِرَةِ سَواءٌ مِنهم مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ ماتَ في غَيْرِ قِتالٍ بَعْدَ أنْ هاجَرَ مِن دارِ الكُفْرِ.

صفحة ٣١٠

والتَّعْرِيفُ في (المُلْكُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فَدَلَّتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ المُلْكِ مَقْصُورَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلى الكَوْنِ مُلْكًا لِلَّهِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ لا مُلْكَ لِغَيْرِهِ يَوْمَئِذٍ.

والمَقْصُودُ بِالكَلامِ هو جُمْلَةُ يَحْكُمُ بَيْنَهم إذْ هي البَدَلُ. وإنَّما قُدِّمَتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تَمْهِيدًا لَها، ولِيَقَعَ البَيانُ بِالبَدَلِ بَعْدَ الإبْهامِ الَّذِي في المُبْدَلِ مِنهُ.

وافْتُتِحَ الخَبَرُ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ المُهِينَ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن صِفَتِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ.

والمُهِينُ: المُذِلُّ، أيْ لَهم عَذابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما فِيهِ مَذَلَّتُهم كالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ ونَحْوِهِ.

وقُرِنَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِالفاءِ لِما تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيمُ مِن مَعْنى حَرْفِ التَّفْصِيلِ وهو (أمّا)، كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ثَوابُ الَّذِينَ آمَنُوا كانَ المَقامُ مُثِيرًا لِسُؤالِ مَن يَتَرَقَّبُ مُقابَلَةَ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ بِعِقابِ الكافِرِينَ وتِلْكَ المُقابَلَةُ مِن مَواقِعِ حَرْفِ التَّفْصِيلِ.

والرِّزْقُ: العَطاءُ، وهو كُلُّ ما يُتَفَضَّلُ بِهِ مِن أعْيانٍ ومَنافِعَ. ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّهُ يُرْضِيهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَطَلَّبُونَ غَيْرَهُ لِأنَّهُ لا أحْسَنَ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ كَرامَةَ المَنزِلِ مِن جُمْلَةِ

صفحة ٣١١

الإحْسانِ في العَطاءِ بَلْ هي أبْهَجُ لَدى أهْلِ الهِمَمِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ المَدْخَلُ بِـ (يَرْضَوْنَهُ) . ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. وصَرِيحُها الثَّناءُ عَلى اللَّهِ، وكِنايَتُها التَّعْرِيضُ بِأنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يَرْزُقُهُمَ اللَّهُ هو خَيْرُ الأرْزاقِ لِصُدُورِهِ مِن خَيْرِ الرّازِقِينَ. وأُكِّدَتَ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِهِ وضَمِيرِ الفَصْلِ تَصْوِيرًا لِعَظَمَةِ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ عَلِيمٌ بِما تَجَشَّمُوهُ مِنَ المَشاقِّ في شَأْنِ هِجْرَتِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأهْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو حَلِيمٌ بِهِمْ فِيما لاقَوْهُ فَهو يُجازِيهِمْ بِما لاقَوْهُ مِن أجْلِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ مَزِيَّةَ المُهاجِرِينَ في الإسْلامِ.

وقَرَأ نافِعٌ (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّها اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الإدْخالَ يَقْتَضِي الدُّخُولَ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ جَرْيًا عَلى فِعْلِ (لَيُدْخِلَنَّهُمُ) المَزِيدِ وهو أيْضًا اسْمُ مَكانٍ لِلْإدْخالِ.

22:60Page 339

۞ ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٦٠

That [is so]. And whoever responds [to injustice] with the equivalent of that with which he was harmed and then is tyrannized - Allāh will surely aid him. Indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.1

﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾

اسْمُ الإشارَةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ لَفْتًا لِأذْهانِ السّامِعِينَ إلى ما سَيَجِيءُ مِنَ الكَلامِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] . وجُمْلَةُ ﴿ومَن عاقَبَ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٥٨] الآيَةَ.

صفحة ٣١٢

والغَرَضُ مِنها التَّهْيِئَةُ لِلْجِهادِ والوَعْدُ بِالنَّصْرِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، فَإنَّهُ قَدْ جاءَ مُعْتَرِضًا في خِلالِ النَّعْيِ عَلى تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ وكُفْرِهِمُ النِّعَمَ، فَأُكْمِلَ الغَرَضُ الأوَّلُ بِما فِيهِ مِنِ انْتِقالاتٍ، ثُمَّ عُطِفَ الكَلامُ إلى الغَرَضِ الَّذِي جَرَتْ مِنهُ لَمْحَةٌ فَعادَ الكَلامُ هُنا إلى الوَعْدِ بِنَصْرِ اللَّهِ القَوْمَ المُعْتَدى عَلَيْهِمْ كَما وعَدَهم بِأنْ يُدْخِلَهم في الآخِرَةِ مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ.

وجِيءَ بِإشارَةِ الفَصْلِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أهَمِّيَّةِ ما بَعْدَهُ. وماصَدَقُ (مَن) المَوْصُولَةِ العُمُومُ لِقَوْلِهِ فِيما سَلَفَ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ القِتالَ المَأْذُونَ فِيهِ هو قِتالُ جَزاءٍ عَلى اعْتِداءٍ سابِقٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وتَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الجَمْعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] إلى أُسْلُوبِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن عاقَبَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى إرادَةِ العُمُومِ مُكِّنَ هَذا الكَلامُ لِيَكُونَ بِمَنزِلَةِ القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ لِسُنَّةٍ مِن سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ.

ولَمّا أتى في الصِّلَةِ هُنا بِفِعْلِ (عاقَبَ) مَعَ قَصْدِ شُمُولِ عُمُومِ الصِّلَةِ لِلَّذِينَ أُذِنَ لَهم بِأنَّهم ظُلِمُوا عَلِمَ السّامِعُ أنَّ القِتالَ المَأْذُونَ لَهم بِهِ قِتالُ جَزاءٍ عَلى ظُلْمٍ سابِقٍ. وفي ذَلِكَ تَحْدِيدٌ لِقانُونِ العِقابِ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا لِلْعُدْوانِ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ، أيْ أنْ لا يَكُونَ أشَدَّ مِنهُ.

وسُمِّيَ اعْتِداءُ المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ عِقابًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ لِأنَّ الَّذِي دَفَعَ المُعْتَدِينَ إلى الِاعْتِداءِ قَصْدُ العِقابِ عَلى خُرُوجِهِمْ عَنْ دِينِ الشِّرْكِ ونَبْذِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ. ويُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ العِقابَ

صفحة ٣١٣

ظُلْمٌ بِقَوْلِهِ فِيما مَضى ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] . ومَعْنى ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ المُماثَلَةُ في الجِنْسِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ آذَوُا المُسْلِمِينَ وأرْغَمُوهم عَلى مُغادَرَةِ مَوْطِنِهِمْ فَيَكُونُ عِقابُهم عَلى ذَلِكَ بِإخْراجِ مَن يُمْكِنُهم أنْ يُخْرِجُوهُ مِن ذَلِكَ الوَطَنِ، ولا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ إلّا بِالجِهادِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أهْلَ كَثْرَةٍ وكانُوا مُسْتَعْصِمِينَ بِبَلَدِهِمْ فَإلْجاءُ مَن يُمْكِنُ إلْجاؤُهُ إلى مُفارَقَةِ وطَنِهِ، إمّا بِالقِتالِ فَهو إخْراجٌ كامِلٌ، أوْ بِالأسْرِ: و(ثُمَّ) مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾، فَ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ البَغْيَ عَلَيْهِ أهَمُّ مِن كَوْنِهِ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ إذْ كانَ مَبْدُوءًا بِالظُّلْمِ كَما يُقالُ البادِئُ أظْلَمُ. فَكانَ المُشْرِكُونَ مَحْقُوقِينَ بِأنْ يُعاقَبُوا لِأنَّهم بَغَوْا عَلى المُسْلِمِينَ. ومَعْنى الآيَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] . وكانَ هَذا شَرْعًا لِأصُولِ الدِّفاعِ عَنِ البَيْضَةِ، وأمّا آياتُ التَّرْغِيبِ في العَفْوِ فَلَيْسَ هَذا مَقامَ تَنْزِيلِها وإنَّما هي في شَرْعِ مُعامَلاتِ الأُمَّةِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ، وقَدْ أكَّدَ لَهُمُ اللَّهُ نَصْرَهُ إنْ هُمُ امْتَثَلُوا لِما أُذِنُوا بِهِ وعاقَبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبُوا بِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَكَلُّفاتٌ تُنْبِئُ عَنْ حَيْرَةٍ في تَلْئِيمِ مَعانِيها.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاقْتِصارِ عَلى الإذْنِ في العِقابِ بِالمُماثَلَةِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ دُونَ الزِّيادَةِ في الِانْتِقامِ مَعَ أنَّ البادِئَ أظْلَمُ بِأنَّ عَفْوَ اللَّهِ ومَغْفِرَتَهُ لِخَلْقِهِ قَضَيا بِحِكْمَتِهِ أنْ لا يَأْذَنَ إلّا بِمُماثَلَةِ العِقابِ لِلذَّنْبِ لِأنَّ ذَلِكَ هو أوْفَقُ بِالحَقِّ. ومِمّا يُؤْثَرُ عَنْ كِسْرى أنَّهُ قِيلَ لَهُ: بِمَ دامَ مُلْكُكم ؟ فَقالَ:

صفحة ٣١٤

لِأنَّنا نُعاقِبُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الغَضَبِ، فَلَيْسَ ذِكْرُ وصْفَيْ (عَفُوٌّ غَفُورٌ) إيماءً إلى التَّرْغِيبِ في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْوَعْدِ بِجَزاءِ المُهاجِرِينَ اتِّباعًا لِلتَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَمِرٌّ في شَأْنِهِمْ.

22:61Page 339

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٦١

That1 is because Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and because Allāh is Hearing and Seeing.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

لَيْسَ اسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلًا في الفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِثْلَ شَبِيهِهِ الَّذِي قَبْلَهُ، بَلِ الإشارَةُ هُنا إلى الكَلامِ السّابِقِ الدّالِّ عَلى تَكَفُّلِ النَّصْرِ، فَإنَّ النَّصْرَ يَقْتَضِي تَغْلِيبَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى ضِدِّهِ وإقْحامَ الجَيْشِ في الجَيْشِ الآخَرِ في المَلْحَمَةِ، فَضَرَبَ لَهُ مَثَلًا بِتَغْلِيبِ مُدَّةِ النَّهارِ عَلى مُدَّةِ اللَّيْلِ في بَعْضِ السَّنَةِ، وتَغْلِيبِ مُدَّةِ اللَّيْلِ عَلى مُدَّةِ النَّهارِ في بَعْضِها، لِما تَقَرَّرَ مِنِ اشْتِهارِ التَّضادِّ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيِ الظُّلْمَةِ والنُّورِ. وقَرِيبٌ مِنها اسْتِعارَةُ التَّلْبِيسِ لِلْإقْحامِ في الحَرْبِ في قَوْلِ المَرّارِ السُّلَمِيِّ:

وكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي

فَخَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ هُنا هو قَوْلُهُ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ تَكْرِيرًا لِشَبِيهِهِ السّابِقِ لِقَصْرِ تَوْكِيدِهِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ إلَخْ، مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ ﴿ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج: ٦٠] إلَخْ. ولِذَلِكَ يَصِحُّ جَعْلُ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ إلَخْ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] .

والإيلاجُ: الإدْخالُ. مُثِّلَ بِهِ اخْتِفاءُ ظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدَ ظُهُورِ نُورِ النَّهارِ وعَكْسِهِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ التَّصْيِيرِ بِإدْخالِ جِسْمٍ في جِسْمٍ آخَرَ،

صفحة ٣١٥

فَإيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهارِ: غَشَيانُ ضَوْءِ النَّهارِ عَلى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وإيلاجُ النَّهارِ في اللَّيْلِ: غَشَيانُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَلى ما كانَ مِن ضَوْءِ النَّهارِ. فالمُولَجُ هو المُخْتَفِي. فَإيلاجُ اللَّيْلِ انْقِضاؤُهُ. واسْتِعارَةُ الإيلاجِ لِذَلِكَ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِأنَّ تَقَلُّصَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ تَدْرِيجًا. وكَذَلِكَ تَقَلُّصُ ضَوْءِ النَّهارِ يَحْصُلُ تَدْرِيجًا، فَأشْبَهَ ذَلِكَ إيلاجَ شَيْءٍ في شَيْءٍ إذْ يَبْدُو داخِلًا فِيهِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. أيْ لا عَجَبَ في النَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ المُسْلِمُونَ عَلى الكافِرِينَ مَعَ قِلَّةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ القادِرَ عَلى تَغْلِيبِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ حِينًا بَعْدَ أنْ كانَ أمْرُهُما عَلى العَكْسِ حِينًا آخَرَ قادِرٌ عَلى تَغْلِيبِ الضَّعِيفِ عَلى القَوِيِّ، فَصارَ حاصِلُ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ.

والجَمْعُ بَيْنَ ذِكْرِ إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيْلِ لِلْإيماءِ إلى تَقَلُّبِ أحْوالِ الزَّمانِ فَقَدْ يَصِيرُ المَغْلُوبُ غالِبًا ويَصِيرُ ذَلِكَ الغالِبُ مَغْلُوبًا. مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ بِحَيْثُ تَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ المُتَضادَّةِ ولا تَلْزَمُ طَرِيقَةً واحِدَةً كَقُدْرَةِ الصُّنّاعِ مِنَ البَشَرِ. وفِيهِ إدْماجُ التَّنْبِيهِ بِأنَّ العَذابَ الَّذِي اسْتَبْطَأهُ المُشْرِكُونَ مَنُوطٌ بِحُلُولِ أجَلِهِ، وما الأجَلُ إلّا إيلاجُ لَيْلٍ في نَهارٍ ونَهارٍ في لَيْلٍ.

وفِي ذِكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ في هَذا المَقامِ إدْماجُ تَشْبِيهِ الكُفْرِ بِاللَّيْلِ والإسْلامِ بِالنَّهارِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ ضَلالَةُ اعْتِقادٍ، فَصاحِبُهُ مِثْلُ الَّذِي يَمْشِي في ظُلْمَةٍ، ولِأنَّ الإيمانَ نُورٌ يَتَجَلّى بِهِ الحَقُّ والِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ، فَصاحِبُهُ كالَّذِي يَمْشِي في النَّهارِ. فَفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ الإيلاجَ المَقْصُودَ هو ظُهُورُ النَّهارِ بَعْدَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. أيْ ظُهُورُ الدِّينِ الحَقِّ بَعْدَ ظُلْمَةِ الإشْراكِ. ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ في الآيَةِ بِإيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ، أيْ دُخُولِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ تَحْتَ ضَوْءِ النَّهارِ.

صفحة ٣١٦

وقَوْلُهُ ﴿ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ تَتْمِيمٌ لِإظْهارِ صَلاحِيَّةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٢٧] . وعَطْفُ ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عَلى السَّبَبِ لِلْإشارَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ بِالأحْوالِ كُلِّها فَهو يَنْصُرُ مَن يَنْصُرُهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ويَعِدُ بِالنَّصْرِ مَن عَلِمَ أنَّهُ ناصِرُهُ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْدُرُ مِنهُ شَيْءٌ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ.

22:62Page 339

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٦٢

That is because Allāh is the True Reality, and that which they call upon other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .

اسْمُ الإشارَةِ هُنا تَكْرِيرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي سَبَقَهُ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِسَبَبٍ آخَرَ لِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّبُّ الحَقُّ الَّذِي إذا أرادَ فَعَلَ وقَدَّرَ فَهو يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ وأنَّ ما يَدْعُوهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو الباطِلُ فَلا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ. وهَذا عَلى حَمْلِ الباءِ في قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، وهو مَحْمِلُ المُفَسِّرِينَ. وسَيَأْتِي في سُورَةِ لُقْمانَ في نَظِيرِها: أنَّ الأظْهَرَ حَمْلُ الباءِ عَلى المُلابَسَةِ لِيَلْتَئِمَ عَطْفُ (وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ) .

والحَقُّ: المُطابِقُ لِلْواقِعِ، أيِ الصِّدْقُ، مَأْخُوذٌ مِن حَقَّ الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ. والمَعْنى: أنَّهُ الحَقُّ في الإلَهِيَّةِ. فالقَصْرُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ.

وأمّا القَصْرُ في قَوْلِهِ (وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ) المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِباطِلٍ غَيْرِها حَتّى كَأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الباطِلِ. وهَذا مُبالَغَةٌ في تَحْقِيرِ أصْنامِهِمْ لِأنَّ

صفحة ٣١٧

المَقامَ مَقامُ مُناضَلَةٍ وتَوَعُّدٍ، وإلّا فَكَثِيرٌ مِن أصْنامِ وأوْثانِ غَيْرِ العَرَبِ باطِلٌ أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ الكَلامَ السّابِقَ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ إسْماعُهم والتَّعْرِيضُ بِاقْتِرابِ الِانْتِصارِ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ البَقِيَّةُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ السّابِقِ. وعُلُوُّ اللَّهِ: مُسْتَعارٌ لِلْجَلالِ والكَمالِ التّامِّ.

والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِتَمامِ القُدْرَةِ، أيْ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ دُونَ الأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها إذْ لَيْسَ لَها كَمالٌ ولا قُدْرَةٌ بِبُرْهانِ المُشاهَدَةِ.

22:63Page 339

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ٦٣

Do you not see that Allāh has sent down rain from the sky and the earth becomes green? Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.2

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾

انْتِقالٌ إلى التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ بِمُناسَبَةِ ما جَرى مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١] الآيَةَ. والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِشُكْرِ اللَّهِ عَلى نِعَمِهِ وأنْ لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّذْيِيلُ عَقِبَ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦]، أيِ الإنْسانُ المُشْرِكُ. وفي ذَلِكَ كُلِّهِ إدْماجُ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ فَهو الرَّبُّ الحَقُّ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ. والمُناسَبَةُ هي ما جَرى مِن أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَهُ الباطِلُ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.

والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَصْلُحُ مِنهُ الرُّؤْيَةُ لِأنَّ المَرْئِيَّ مَشْهُورٌ.

صفحة ٣١٨

والِاسْتِفْهامُ: إنْكارِيٌّ، نَزَلَتْ غَفْلَةُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ عَنِ الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ والِاعْتِدادِ بِها مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ بِها. فَأُنْكِرَ ذَلِكَ العَدَمُ عَلى النّاسِ الَّذِينَ أهْمَلُوا الشُّكْرَ والِاعْتِبارَ. وإنَّما حُكِيَ الفِعْلُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ الإنْكارِيُّ مُقْتَرِنًا بِحَرْفِ (لَمْ) الَّذِي يُخَلِّصُهُ إلى المُضِيِّ، وحُكِيَ مُتَعَلِّقُهُ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وهو الإنْزالُ بِصِيغَةِ الماضِي كَذَلِكَ ولَمْ يُراعَ فِيهِما مَعْنى تَجَدُّدِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ إنْكارِ عَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ هو كَوْنُهُ أمْرًا مُتَقَرِّرًا ماضِيًا لا يُدَّعى جَهْلُهُ. و(تُصْبِحُ) بِمَعْنى تَصِيرُ فَإنَّ خَمْسًا مِن أخَواتِ (كانَ) تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: صارَ.

واخْتِيرَ في التَّعْبِيرِ عَنِ النَّباتِ الَّذِي هو مُقْتَضى الشُّكْرِ لِما فِيهِ مِن إقامَةِ أقْواتِ النّاسِ والبَهائِمِ بِذِكْرِ لَوْنِهِ الأخْضَرِ لِأنَّ ذَلِكَ اللَّوْنَ مُمْتِعٌ لِلْأبْصارِ فَهو أيْضًا مُوجِبُ شُكْرٍ عَلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن جَمالِ المَصْنُوعاتِ في المَرْأى كَما قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] . وإنَّما عَبَّرَ عَنْ مَصِيرِ الأرْضِ خَضْراءَ بِصِيغَةِ (تُصْبِحُ مُخْضَرَّةً) مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلى فِعْلِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الَّذِي هو بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّهُ قَصَدَ مِنَ المُضارِعِ اسْتِحْضارَ تِلْكَ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ الحَسَنَةِ، ولِإفادَةِ بَقاءِ أثَرِ إنْزالِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ كَما تَقُولُ: أنْعَمَ فَلانٌ عَلَيَّ فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ.

وفِعْلُ (تُصْبِحُ) مُفَرَّعٌ عَلى فِعْلِ (أنْزَلَ) فَهو مُثْبَتٌ في المَعْنى. ولَيْسَ مُفَرَّعًا عَلى النَّفْيِ ولا عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبْ بَعْدَ الفاءِ لِأنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالفاءِ جَوابٌ لِلنَّفْيِ إذْ لَيْسَ المَعْنى: ألَمْ تَرَ فَتُصْبِحَ الأرْضُ.

صفحة ٣١٩

قالَ سِيبَوَيْهِ وسَألْتُهُ يَعْنِي الخَلِيلَ عَنْ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فَقالَ: هَذا واجِبٌ أيِ الرَّفْعُ واجِبٌ وهو تَنْبِيهٌ كَأنَّكَ قُلْتَ: أتَسْمَعُ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَكانَ كَذا وكَذا اهـ.

قالَ في الكَشّافِ: لَوْ نُصِبَ لَأعْطى ما هو عَكْسُ الغَرَضِ لِأنَّ مَعْناهُ ”أيِ الكَلامَ“ إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ. مِثالُهُ أنْ تَقُولَ لِصاحِبِكَ: ألَمْ تَرَ أنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرُ، إنْ نَصَبْتَهُ فَأنْتَ نافٍ لِشُكْرِهِ شاكٍّ تَفْرِيطَهُ فِيهِ، وإنْ رَفَعْتَهُ فَأنْتَ مُثْبِتٌ لِلشُّكْرِ. وهَذا وأمْثالُهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يَرْغَبَ لَهُ مَنِ اتَّسَمَ بِالعِلْمِ في عِلْمِ الإعْرابِ اهـ. والمُخْضَرَّةُ: الَّتِي صارَ لَوْنُها الخُضْرَةَ. يُقالُ: اخْضَرَّ الشَّيْءُ، كَما يُقالُ: اصْفَرَّ الثَّمَرُ واحْمَرَّ، واسْوَدَّ الأُفُقُ. وصِيغَةُ ”افْعَلَّ“ مِمّا يُصاغُ لِلِاتِّصافِ بِالألْوانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِلْإنْزالِ، أيْ أنْزَلَ الماءَ المُتَفَرِّعَ عَلَيْهِ الِاخْضِرارُ لِأنَّهُ لَطِيفٌ، أيْ رَفِيقٌ بِمَخْلُوقاتِهِ، ولِأنَّهُ عَلِيمٌ بِتَرْتِيبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها.

22:64Page 339

لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦٤

To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth. And indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾

الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِالخالِقِيَّةِ والمُلْكِ الحَقِّ لِيُعْلَمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمَعْبُودِيَّةِ فَيُرَدَّ زَعْمُ المُشْرِكِينَ أنَّ الأصْنامَ لَهُ شُرَكاءُ في الإلَهِيَّةِ وصَرْفُ عِبادَتِهِمْ إلى أصْنامِهِمْ. والمُناسَبَةُ هي ذِكْرُ إنْزالِ

صفحة ٣٢٠

المَطَرِ وإنْباتِ العُشْبِ فَما ذَلِكَ إلّا بَعْضُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها مَعَ اتِّحادِهِما في الغَرَضِ لِأنَّ هَذِهِ تَتَنَزَّلُ مِنَ الأُولى مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ بِالعُمُومِ الشّامِلِ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها، ولِأنَّ هَذِهِ لا تَتَضَمَّنُ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةٍ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ. أيْ لَهُ ذَلِكَ لا لِغَيْرِهِ مِن أصْنامِكم، إنْ جَعَلْتَ القَصْرَ إضافِيًّا، أوْ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغِنى غَيْرِهِ ومَحْمُودِيَّتِهِ إنْ جَعَلْتَ القَصْرَ ادِّعائِيًّا. ونُبِّهَ بِوَصْفِ الغِنى عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ، وهو مَعْنى الغِنى في صِفاتِهِ تَعالى أنَّهُ عَدَمُ الِافْتِقارِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ لا إلى مَحَلٍّ ولا إلى مُخَصَّصٍ بِالوُجُودِ دُونَ العَدَمِ والعَكْسُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ افْتِقارَ الأصْنامِ إلى مَن يَصْنَعُها ومَن يَنْقُلُها مِن مَكانٍ إلى آخَرَ ومَن يَنْفُضُ عَنْها القَتامَ والقَذَرَ دَلِيلٌ عَلى انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها.

وأمّا وصْفُ (الحَمِيدِ) بِمَعْنى المَحْمُودِ كَثِيرًا، فَذِكْرُهُ لِمُزاوَجَةِ وصْفِ الغِنى لِأنَّ الغَنِيَّ مُفِيضٌ عَلى النّاسِ فَهم يَحْمَدُونَهُ. وفي ضَمِيرِ الفَصْلِ إفادَةُ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِوَصْفِ الغِنى دُونَ الأصْنامِ وبِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمَحْمُودِيَّةِ فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يُوَجِّهُونَ الحَمْدَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وأكَّدَ الحَصْرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِلامِ الِابْتِداءِ تَحْقِيقًا لِنِسْبَةِ القَصْرِ إلى المَقْصُورِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ”إنِّي أنا المَوْتُ“ . وهَذا التَّأْكِيدُ لِتَنْزِيلِ تَحَقُّقِهِمُ اخْتِصاصَهُ بِالغِنى أوِ المَحْمُودِيَّةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ أوِ الإنْكارِ لِأنَّهم لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ حِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ وإنَّما يُعْبَدُ مَن وصْفُهُ الغَنِيُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском