Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:72–77
22:72Page 340
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢
And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] لِبَيانِ جُرْمٍ آخَرَ مِن أجْرامِهِمْ مَعَ جُرْمِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وهو جُرْمُ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ والتَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ.
والآياتُ هي القُرْآنُ لا غَيْرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لِقَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٧٣] .
والمُنْكَرُ: إمّا الشَّيْءُ الَّذِي تُنْكِرُهُ الأنْظارُ والنُّفُوسُ فَيَكُونُ هُنا اسْمًا، أيْ دَلائِلُ كَراهِيَتِهِمْ وغَضَبِهِمْ وعَزْمِهِمْ عَلى السُّوءِ، وإمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الإنْكارِ كالمُكْرَمِ بِمَعْنى الإكْرامِ. والمَحْمَلانِ آيِلانِ إلى مَعْنى أنَّهم يَلُوحُ عَلى وُجُوهِهِمُ الغَيْظُ والغَضَبُ عِنْدَما يُتْلى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ ويُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنِ امْتِلاءِ نُفُوسِهِمْ مِنَ الإنْكارِ والغَيْظِ حَتّى تَجاوَزَ أثَرُهُ بَواطِنَهم عَلى وُجُوهِهِمْ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] كِنايَةً عَنْ وفْرَةِ نَعِيمِهِمْ وفَرْطِ مَسَرَّتِهِمْ بِهِ. ولِأجْلِ هَذِهِ الكِنايَةِ عُدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِنَحْوِ: اشْتَدَّ غَيْظُهم، أوْ يَكادُونَ يَتَمَيَّزُونَ غَيْظًا، ونَحْوِ قَوْلِهِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
صفحة ٣٣٥
وتَقْيِيدُ الآياتِ بِوَصْفِ البَيِّناتِ لِتَفْظِيعِ إنْكارِهِمْ إيّاها. إذْ لَيْسَ فِيها ما يُعْذَرُ بِهِ مُنْكِرُوها.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (تَعْرِفُ) لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ . والتَّعْبِيرُ بِـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . أيْ وُجُوهِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا. فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ هو ما يُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ.
والسَّطْوُ: البَطْشُ، أيْ يُقارِبُونَ أنْ يَصُولُوا عَلى الَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ والغَيْظِ مِن سَماعِ القُرْآنِ.
والَّذِينَ يَتْلُونَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن إطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، أيْ كَذَّبُوا الرَّسُولَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مِنَ المُسْلِمِينَ والرَّسُولُ. أمّا الَّذِينَ سَطَوْا عَلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَعَلَّهم غَيْرُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، أوْ لَعَلَّ السَّطْوَ عَلَيْهِمْ كانَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا إشْكالَ في ذِكْرِ فِعْلِ المُقارَبَةِ. وجُمْلَةُ ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِجُمْلَةِ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ لِأنَّ الهَمَّ بِالسَّطْوِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ المُنْكَرُ.
* * *
صفحة ٣٣٦
﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يُفِيدُ زِيادَةَ إغاظَتِهِمْ بِأنَّ أمْرَ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ما يُفِيدُ أنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ.
والتَّفْرِيعُ بِالفاءِ ناشِئٌ مِن ظُهُورِ أثَرِ المُنْكَرِ عَلى وُجُوهِهِمْ فَجُعِلَ دَلالَةُ مَلامِحِهِمْ بِمَنزِلَةِ دَلالَةِ الألْفاظِ. فَفُرِّعَ عَلَيْها ما هو جَوابٌ عَنْ كَلامٍ فَيَزِيدُهم غَيْظًا، ويَجُوزُ كَوْنُ التَّفْرِيعِ عَلى التِّلاوَةِ المَأْخُوذَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ اتْلُ عَلَيْهِمُ الآياتِ المُنْذِرَةَ والمُبَيِّنَةَ لِكُفْرِهِمْ، وفُرِّعَ عَلَيْها وعِيدُهم بِالنّارِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِئْذانِ، وهو اسْتِئْذانٌ تَهَكُّمِيٌّ لِأنَّهُ قَدْ نَبَّأهم بِذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْتَظِرَ جَوابَهم.
و”شَرٍّ“: اسْمُ تَفْضِيلٍ، أصْلُهُ أشَرُّ. كَثُرَ حَذْفُ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا، كَما حُذِفَتْ في خَيْرٍ بِمَعْنى أخْيَرَ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى ما أثارَ نُكْرَهم وحَفِيظَتَهم، أيْ بِما هو أشَدُّ شَرًّا عَلَيْكم في نُفُوسِكم مِمّا سَمِعْتُمُوهُ فَأغْضَبَكم، أيْ فَإنْ كُنْتُمْ غاضِبِينَ لِما تُلِيَ عَلَيْكم مِنَ الآياتِ فازْدادُوا غَضَبًا بِهَذا الَّذِي أُنَبِّئُكم بِهِ. وقَوْلُهُ (النّارُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: شَرٌّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ.
صفحة ٣٣٧
فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أيْ إنْ سَألْتُمْ عَنِ الَّذِي هو أشَدُّ شَرًّا فاعْلَمُوا أنَّهُ النّارُ.
وجُمْلَةُ (وعَدَها اللَّهُ) حالٌ مِنَ النّارِ، أوْ هي اسْتِئْنافٌ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِقَوْلِهِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، أيْ وعَدَها اللَّهُ إيّاكم لِكُفْرِكم.
(وبِئْسَ المَصِيرُ) أيْ بِئْسَ مَصِيرُهم هي، فَحَرْفُ التَّعْرِيفِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ إنْشاءَ ذَمٍّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ فَيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ بِئْسَ المَصِيرُ هي لِمَن صارَ إلَيْها، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِما فِيها مِن عُمُومِ الحُكْمِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ وتَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً تَذْيِيلِيَّةً.
22:73Page 341
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣
O people, an example is presented, so listen to it. Indeed, those you invoke besides Allāh will never create [as much as] a fly, even if they gathered together for it [i.e., that purpose]. And if the fly should steal from them a [tiny] thing, they could not recover it from him. Weak are the pursuer and pursued.1
﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾
أُعْقِبَتْ تَضاعِيفُ الحُجَجِ والمَواعِظِ والإنْذاراتِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها السُّورَةُ مِمّا فِيهِ مُقْنِعٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّ إلَهَ النّاسِ واحِدٌ وأنَّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ باطِلٌ، أُعْقِبَتْ تِلْكَ كُلُّها بِمَثَلٍ جامِعٍ لِوَصْفِ حالِ تِلْكَ المَعْبُوداتِ وعابِدِيها. والخِطابُ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ.
صفحة ٣٣٨
فالمُرادُ بِـ (النّاسِ) هُنا المُشْرِكُونَ عَلى ما هو المُصْطَلَحُ الغالِبُ في القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (النّاسِ) جَمِيعَ النّاسِ مِن مُسْلِمِينَ ومُشْرِكِينَ. وفي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) وتَنْهِيَتِها بِمِثْلِ ذَلِكَ شِبْهٌ بِرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. ومِمّا يَزِيدُهُ حُسْنًا أنْ يَكُونَ العَجُزُ جامِعًا لِما في الصَّدْرِ وما بَعْدَهُ. حَتّى يَكُونَ كالنَّتِيجَةِ لِلِاسْتِدْلالِ والخُلاصَةِ لِلْخُطْبَةِ والحَوْصَلَةِ لِلدَّرْسِ.
وضَرْبُ المَثَلِ: ذِكْرُهُ وبَيانُهُ؛ اسْتُعِيرَ الضَّرْبُ لِلْقَوْلِ والذِّكْرِ تَشْبِيهًا بِوَضْعِ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ، أيْ أُلْقِيَ إلَيْكم مَثَلٌ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وبُنِيَ فِعْلُ (ضُرِبَ) بِصِيغَةِ النّائِبِ فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ فاعِلٌ بِعَكْسِ ما في المَواضِعِ الأُخْرى الَّتِي صُرِّحَ فِيها بِفاعِلِ ضَرْبِ المَثَلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ و﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] في سُورَةِ النَّحْلِ و﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ [الزمر: ٢٩] في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل: ٧٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. إذْ أُسْنِدَ في تِلْكَ المَواضِعِ وغَيْرِها ضَرْبُ المَثَلِ إلى اللَّهِ، ونَحْوُ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] في سُورَةِ يس، إذْ أُسْنِدَ الضَّرْبُ إلى المُشْرِكِينَ. لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا نَسْجُ التَّرْكِيبِ عَلى إيجازٍ صالِحٍ لِإفادَةِ احْتِمالَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ اللَّهَ تَعالى وأنْ يَكُونَ المَثَلُ تَشْبِيهًا تَمْثِيلِيًّا، أيْ أوْضَحَ اللَّهُ تَمْثِيلًا يُوَضِّحُ حالَ الأصْنامِ في فَرْطِ العَجْزِ عَنْ إيجادِ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ كَما هو مُشاهَدٌ لِكُلِّ أحَدٍ.
والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ المُشْرِكِينَ ويَكُونُ المَثَلُ بِمَعْنى المُماثِلُ، أيْ جَعَلُوا أصْنامَهم مُماثِلَةً لِلَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ.
صفحة ٣٣٩
وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ (ضُرِبَ) مُسْتَعْمَلَةٌ في تَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى﴿لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩] . أيْ لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا. أيْ بَعْدَ المَوْتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِفِعْلِ (ضُرِبَ) عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في التَّقْدِيرِ، أيْ بُيِّنَ تَمْثِيلٌ عَجِيبٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِلَّفْظِ (مَثَلٌ) لِما فِيها مِن قَوْلِهِ ﴿تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي. وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ المَعْنى مِنَ الإيجازِ قَوْلُهُ ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ إلى مُفادِ هَذا المَثَلِ مِمّا يُبْطِلُ دَعْوى الشَّرِكَةِ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ. أيِ اسْتَمِعُوا اسْتِماعَ تَدَبُّرٍ. فَصِيغَةُ الأمْرِ في ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، وفي التَّعْجِيبِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي. وضَمِيرُ لَهُ عائِدٌ عَلى المَثَلِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لِأنَّ المَثَلَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ المَسْمُوعَةِ، وعائِدٌ عَلى الضَّرْبِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (ضُرِبَ) عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي عَلى طَرِيقَةِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، أيِ اسْتَمِعُوا لِلضَّرْبِ، أيْ لِما يَدُلُّ عَلى الضَّرْبِ مِنَ الألْفاظِ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ بِقَرِينَةِ (اسْتَمِعُوا) لِأنَّ المَسْمُوعَ لا يَكُونُ إلّا ألْفاظًا، أيِ اسْتَمِعُوا لِما يَدُلُّ عَلى ضَرْبِ المَثَلِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ في حَماقَةِ ضارِبِيهِ. واسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ الماضِي في (ضُرِبَ) مَعَ أنَّهُ لَمّا يُقَلْ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ كَقَوْلِهِ ﴿لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩]، أيْ لَوْ قارَبُوا أنْ يَتْرُكُوا. وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِلسّامِعِينَ بِأنْ يَتَهَيَّئُوا لِتَلَقِّي هَذا المَثَلِ، لِما هو مَعْرُوفٌ لَدى البُلَغاءِ مِنِ اسْتِشْرافِهِمْ لِلْأمْثالِ ومَواقِعِها.
صفحة ٣٤٠
والمَثَلُ: شاعَ في تَشْبِيهِ حالَةٍ بِحالَةٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالتَّشْبِيهُ في هَذِهِ الآيَةِ ضِمْنِيٌّ خَفِيٌّ يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ وقَوْلُهُ ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ . فَشُبِّهَتِ الأصْنامُ المُتَعَدِّدَةُ المُتَفَرِّقَةُ في قَبائِلِ العَرَبِ وفي مَكَّةَ بِالخُصُوصِ بِعُظَماءَ، أيْ عِنْدَ عابِدِيها. وشُبِّهَتْ هَيْئَتُها في العَجْزِ بِهَيْئَةِ ناسٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ خَلْقُ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ، وهو الذُّبابُ، بَلْهَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةَ كالسَّماواتِ والأرْضِ. وقَدْ دَلَّ إسْنادُ نَفْيِ الخَلْقِ إلَيْهِمْ عَلى تَشْبِيهِهِمْ بِذَوِي الإرادَةِ لِأنَّ نَفْيَ الخَلْقِ بِمُقْتَضى مُحاوَلَةِ إيجادِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ولَوْ فُرِضَ أنَّ الذُّبابَ سَلَبَهم شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِيعُوا أخْذَهُ مِنهُ، ودَلِيلُ ذَلِكَ مُشاهَدَةُ عَدَمِ تَحَرُّكِهِمْ، فَكَما عَجَزَتْ عَنْ إيجادِ أضْعَفِ الخَلْقِ وعَنْ دَفْعِ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ عَنْها فَكَيْفَ تُوسَمُ بِالإلَهِيَّةِ. ورُمِزَ إلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بِذِكْرِ لَوازِمِ أرْكانِ التَّشْبِيهِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا﴾ وقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ إلى آخِرِهِ. لا جَرَمَ حَصَلَ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ الأصْنامِ في عَجْزِها بِما دُونَ هَيْئَةِ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ فَكانَتْ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً. وفَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ المَثَلَ هُنا بِالصِّفَةِ الغَرِيبَةِ تَشْبِيهًا لَها بِبَعْضِ الأمْثالِ السّائِرَةِ. وهو تَفْسِيرٌ بِما لا نَظِيرَ لَهُ ولا اسْتِعْمالَ يُعَضِّدُهُ اقْتِصادًا مِنهُ في الغَوْصِ عَنِ المَعْنى لا ضَعْفًا عَنِ اسْتِخْراجِ حَقِيقَةِ المَثَلِ فِيها وهو جُذَيْلُها المُحَكَّكُ. وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ ولَكِنْ أحْسَبُهُ صادَفَ مِنهُ وقْتَ سُرْعَةٍ في التَّفْسِيرِ أوْ شُغْلًا بِأمْرٍ خَطِيرٍ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْأخِيرِ.
وفُرِّعَ عَلى التَّهْيِئَةِ لِتَلَقِّي هَذا المَثَلِ الأمْرُ بِالِاسْتِماعِ لَهُ وإلْقاءُ الشَّراشِرِ لِوَعْيِهِ وتَرَقُّبِ بَيانِ إجْمالِهِ تَوَخِّيًا لِلتَّفَطُّنِ لِما يُتْلى بَعْدُ.
صفحة ٣٤١
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِـ (مَثَلٌ) عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ في مَعْنى ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، فَإنَّ المَثَلَ في مَعْنى القَوْلِ فَصَحَّ بَيانُهُ بِهَذا الكَلامِ. وأُكِّدَ إثْباتُ الخَبَرِ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ الإثْباتِ وهو (إنَّ)، وأُكِّدَ ما فِيهِ مِنَ النَّفْيِ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ (لَنْ) لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِمَضْمُونِ الخَبَرِ، لِأنَّ جَعْلَهُمُ الأصْنامَ آلِهَةً يَقْتَضِي إثْباتَهُمُ الخَلْقَ إلَيْها وقَدْ نُفِيَ عَنْها الخَلْقُ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّهُ أظْهَرُ في إقْحامِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لَها الإلَهِيَّةَ لِأنَّ نَفْيَ أنْ تَخْلُقَ في المُسْتَقْبَلِ يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ في الماضِي بِالأحْرى لِأنَّ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا يَكُونُ فِعْلُهُ مِن بَعْدُ أيْسَرَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ (يا أيُّها النّاسُ) خُصُوصُ المُشْرِكِينَ. وقَرَأهُيَعْقُوبُ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنْ يُقْصَدَ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) جَمِيعَ النّاسِ وأنَّهم عَلِمُوا بِحالِ فَرِيقٍ مِنهم وهم أهْلُ الشِّرْكِ. والتَّقْدِيرُ: أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ هم فَرِيقٌ مِنكم.
والذُّبابُ: اسْمُ جَمْعِ ذُبابَةٍ، وهي حَشَرَةٌ طائِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى ذِبّانٍّ بِكَسْرِ الذّالِ وتَشْدِيدِ النُّونِ ولا يُقالُ في العَرَبِيَّةِ لِلْواحِدَةِ ذِبّانَةٌ.
وذِكْرُ الذُّبابِ لِأنَّهُ مِن أحْقَرِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي فِيها الحَياةُ المُشاهَدَةُ. وأمّا ما في الحَدِيثِ في المُصَوِّرِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى ”«فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً ولْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» “ فَهو في سِياقِ التَّعْجِيزِ لِأنَّ الحَبَّةَ لا حَياةَ فِيها والذَّرَّةُ فِيها حَياةٌ ضَعِيفَةٌ. ومَوْقِعُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ مَوْقِعُ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، و(لَوِ) فِيهِ وصْلِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ حَقِيقَتِها عِنْدَ قَوْلِهِ
صفحة ٣٤٢
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ الخَلْقَ وهم مُفْتَرِقُونَ، بَلْ ولَوِ اجْتَمَعُوا مِن مُفْتَرَقِ القَبائِلِ وتَعاوَنُوا عَلى خَلْقِ الذُّبابِ لَنْ يَخْلُقُوهُ.
والِاسْتِنْقاذُ: مُبالَغَةٌ في الإنْقاذِ مِثْلُ الِاسْتِحْياءِ والِاسْتِجابَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِلْغَرَضِ مِنَ التَّمْثِيلِ، أيْ ضَعُفَ الدّاعِي والمَدْعُوُّ، إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ إلَخْ. أيْ ضَعُفْتُمْ أنْتُمْ في دَعْوَتِهِمْ آلِهَةً وضَعُفَتِ الأصْنامُ عَنْ صِفاتِ الإلَهِ. وهَذِهَ الجُمْلَةُ كَلامٌ أُرْسِلَ مَثَلًا، وذَلِكَ مِن بَلاغَةِ الكَلامِ.
22:74Page 341
مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤
They have not appraised Allāh with true appraisal.1 Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لِقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
تَذْيِيلٌ لِلْمَثَلِ بِأنَّ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ مَعَ اللَّهِ اسْتِخْفافٌ بِحَقِّ إلَهِيَّتِهِ تَعالى إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ في أعْظَمِ الأوْصافِ أحْقَرَ المَوْصُوفِينَ، وإذِ اسْتَكْبَرُوا عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وإذْ هَمُّوا بِالبَطْشِ بِرَسُولِهِ.
والقَدْرُ: العَظَمَةُ: وفِعْلُ قَدَرَ يُفِيدُ أنَّهُ عامِلٌ بِقَدْرِهِ. فالمَعْنى: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ الضُّعَفاءَ العُجَّزَ وهو الغالِبُ القَوِيُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَإنَّ ما أشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في العِبادَةِ كُلُّ ضَعِيفٍ ذَلِيلٍ فَما قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ لِأنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ فَكَيْفَ يُشارِكُهُ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ. والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: ما قَدَرْتُمُ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ، التِفاتٌ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم
صفحة ٣٤٣
لَيْسُوا أهْلًا لِلْمُخاطَبَةِ وتَوْبِيخًا لَهم، وبِذَلِكَ يَنْدَمِجُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهم عَلى وقاحَتِهِمْ.
وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ مَعَ أنَّ مَضْمُونَها مِمّا لا يُخْتَلَفُ فِيهِ لِتَنْزِيلِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ الإنْكارِ لِأنَّهم لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجِبِ العِلْمِ حِينَ أشْرَكُوا مَعَ القَوِيِّ العَزِيزِ ضُعَفاءَ أذِلَّةً.
والقَوِيُّ: مِن أسْمائِهِ تَعالى. وهو مُسْتَعْمَلٌ في القُدْرَةِ عَلى كُلِّ مُرادٍ لَهُ.
والعَزِيزُ: مِن أسْمائِهِ، وهو بِمَعْنى: الغالِبِ لِكُلِّ مُعانِدٍ.
22:75Page 341
ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٧٥
Allāh chooses from the angels messengers and from the people. Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
لَمّا نَفَتِ الآياتُ السّابِقَةُ أنْ يَكُونَ لِلْأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ مَزِيَّةٌ في نَصْرِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، وقَوْلِهِ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ونَعى عَلى المُشْرِكِينَ تَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢]، وقَدْ كانَ مِن دَواعِي التَّكْذِيبِ أنَّهم أحالُوا أنْ يَأْتِيَهم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، أيْ يُصاحِبُهُ، ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] أُعْقِبَ إبْطالُ أقْوالِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن شاءَ اصْطِفاءَهُ مِنَ المَلائِكَةِ ومِنَ النّاسِ دُونَ الحِجارَةِ، وأنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِيُرْسِلَهم إلى النّاسِ، أيْ لا لِيَكُونُوا شُرَكاءَ. فَلا جَرَمَ أبْطَلَ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ جَمِيعَ مَزاعِمِهِمْ في أصْنامِهِمْ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. والمُناسَبَةُ ما عَلِمْتَ.
صفحة ٣٤٤
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو اسْمُ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: يَصْطَفِي، لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يَصْطَفِي لا أنْتُمْ تَصْطَفُونَ وتَنْسِبُونَ إلَيْهِ.
والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ هُنا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: هو يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا، لِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ أصْلُهُ الإلَهُ، أيِ الإلَهُ المَعْرُوفُ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، فاشْتِقاقُهُ مُشِيرٌ إلى أنَّ مُسَمّاهُ جامِعٌ كُلَّ الصِّفاتِ العُلى تَقْرِيرًا لِلْقُوَّةِ الكامِلَةِ والعِزَّةِ القاهِرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ لِأنَّ المُحِيطَ عِلْمُهُ بِالأشْياءِ هو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالِاصْطِفاءِ. ولَيْسَ لِأهْلِ العُقُولِ مَهْما بَلَغَتْ بِهِمْ عُقُولُهم مِنَ الفِطْنَةِ والِاخْتِيارِ أنْ يَطَّلِعُوا عَلى خَفايا الأُمُورِ فَيُصْطَفَوْا لِلْمَقاماتِ العُلْيا مَن قَدْ تَخْفى عَنْهم نَقائِصُهم بَلْهَ اصْطِفاءُ الحِجارَةِ الصَّمّاءِ.
والسَّمِيعُ البَصِيرُ: كِنايَةٌ عَنْ عُمُومِ العِلْمِ بِالأشْياءِ بِحَسَبِ المُتَعارَفِ في المَعْلُوماتِ أنَّها لا تَعْدُو المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ.
22:76Page 341
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٧٦
He knows what is [presently] before them and what will be after them.1 And to Allāh will be returned [all] matters.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] . وفائِدَتُها - زِيادَةً عَلى التَّقْرِيرِ - أنَّها تَعْرِيضٌ بِوُجُوبِ مُراقَبَتِهِمْ رَبَّهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ لِأنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
و﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾
مُسْتَعارٌ لِما يُظْهِرُونَهُ، وما خَلْفَهم هو ما يُخْفُونَهُ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُظْهِرُهُ صاحِبُهُ يَجْعَلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ والشَّيْءَ الَّذِي يُخْفِيهِ يَجْعَلُهُ وراءَهُ.
صفحة ٣٤٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مُسْتَعارًا لِما سَيَكُونُ مِن أحْوالِهِمْ لِأنَّها تُشْبِهُ الشَّيْءَ الَّذِي هو تُجاهَ الشَّخْصِ وهو يَمْشِي إلَيْهِ.
وما خَلْفَهم مُسْتَعارٌ لِما مَضى وغَبَرَ مِن أحْوالِهِمْ لِأنَّها تُشْبِهُ ما تَرَكَهُ السّائِرُ وراءَهُ وتَجاوَزَهُ. وضَمِيرُ (أيْدِيهِمْ) و(خَلْفَهم) عائِدانِ: إمّا إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧]، وإمّا إلى المَلائِكَةِ والنّاسِ. وإرْجاعُ الأُمُورِ إرْجاعُ القَضاءِ في جَزائِها مِن ثَوابٍ وعِقابٍ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وبُنِيَ فِعْلُ (تُرْجَعُ) إلى النّائِبِ لِظُهُورِ مَن هو فاعِلُ الإرْجاعِ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، فَهو يُمْهِلُ النّاسَ في الدُّنْيا وهو يَرْجِعُ الأُمُورَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ الحَقِيقِيِّ، أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ يَرْجِعُ الجَزاءُ لِأنَّهُ مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ. والتَّعْرِيفُ في (الأُمُورِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلِّ أمْرٍ. وذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ تَبَعًا لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ .
22:77Page 341
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧
O you who have believed, bow and prostrate and worship your Lord and do good - that you may succeed.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
لَمّا كانَ خِطابُ المُشْرِكِينَ فاتِحًا لِهَذِهِ السُّورَةِ وشاغِلًا لِمُعْظَمِها عَدا ما وقَعَ اعْتِراضًا في خِلالِ ذَلِكَ. فَقَدْ خُوطِبَ المُشْرِكُونَ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) أرْبَعَ مَرّاتٍ، فَعِنْدَ اسْتِيفاءِ ما سِيقَ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ الحُجَجِ والقَوارِعِ والنِّداءِ عَلى مَساوِي أعْمالِهِمْ. خُتِمَتِ السُّورَةُ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِما يُصْلِحُ أعْمالَهم ويُنَوِّهُ بِشَأْنِهِمْ.
صفحة ٣٤٦
وفِي هَذا التَّرْتِيبِ إيماءٌ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِإصْلاحِ الِاعْتِقادِ مُقَدَّمٌ عَلى الِاشْتِغالِ بِإصْلاحِ الأعْمالِ.
والمُرادُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ الصَّلَواتُ. وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ أعْمالِ الصَّلاةِ لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِ الصَّلاةِ إذْ بِهِما إظْهارُ الخُضُوعِ والعُبُودِيَّةِ. وتَخْصِيصُ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ قَبْلَ الأمْرِ بِبَقِيَّةِ العِباداتِ المَشْمُولَةِ لِقَوْلِهِ ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ عِمادُ الدِّينِ.
والمُرادُ بِالعِبادَةِ: ما أمَرَ اللَّهُ النّاسَ أنْ يَتَعَبَّدُوا بِهِ مِثْلُ الصِّيامِ والحَجِّ.
وقَوْلُهُ ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ أمْرٌ بِإسْداءِ الخَيْرِ إلى النّاسِ مِنَ الزَّكاةِ، وحُسْنِ المُعامَلَةِ: كَصِلَةِ الرَّحِمِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وسائِرِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهَذا مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ وبَيَّنَتْ مَراتِبَهُ أدِلَّةٌ أُخْرى. والرَّجاءُ المُسْتَفادُ مِن ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى تَقْرِيبِ الفَلاحِ لَهم إذا بَلَغُوا بِأعْمالِهِمُ الحَدَّ المُوجِبَ لِلْفَلاحِ فِيما حَدَّدَ اللَّهُ تَعالى. فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الرَّجاءِ. وأمّا ما يَسْتَلْزِمُهُ الرَّجاءُ مِن تَرَدُّدِ الرّاجِي في حُصُولِ المَرْجُوِّ فَذَلِكَ لا يَخْطُرُ بِالبالِ لِقِيامِ الأدِلَّةِ الَّتِي تُحِيلُ الشَّكَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ إلى ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في كَوْنِ ذَلِكَ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أنْ لَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ وهو قَوْلُ مالِكٍ في المُوَطَّأِ والمُدَوَّنَةِ، وأبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ.
وذَهَبَ جَمْعٌ غَفِيرٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ، ورَوى الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وفُقَهاءُ المَدِينَةِ، ونَسَبَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ إلى مالِكٍ
صفحة ٣٤٧
فِي رِوايَةِ المَدَنِيِّينَ مِن أصْحابِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الكافِي: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَدِيمًا وحَدِيثًا مَن يَرى السُّجُودَ في الثّانِيَةِ مِنَ الحَجِّ قالَ: وقَدْ رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ. وتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أنَّها إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ في المُفَصَّلِ مِنها شَيْءٌ، فَلَمْ يَنْسِبْهُ إلى مالِكٍ إلّا مِن رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ، وكَذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: فَما نَسَبَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ إلى المَدَنِيِّينَ مِن أصْحابِ مالِكٍ غَرِيبٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ مِشْرَحٍ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ لِأنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ومَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» اهـ. قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ إسْنادُهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ اهـ، أيْ مِن أجْلِ أنَّ ابْنَ لَهِيعَةَ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ. وقالَ مُسْلِمٌ: تَرَكَهُ وكِيعٌ، والقَطّانُ، وابْنُ مَهْدِيٍّ. وقالَ أحْمَدُ: احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَمَن رَوى عَنْهُ قَدِيمًا أيْ قَبْلَ احْتِراقِ كُتُبِهِ قُبِلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences