Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:23–32
23:23–25Page 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ لَمّا كانَ الِاسْتِدْلالُ والِامْتِنانُ اللَّذانِ تَقَدَّما مُوَجَّهَيْنِ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ واعْتَلُّوا لِذَلِكَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِرِسالَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ وسَألُوا إنْزالَ مَلائِكَةٍ ووَسَمُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُنُونِ، فَلَمّا شابَهُوا بِذَلِكَ قَوْمَ نُوحٍ ومَن جاءَ بَعْدَهم ناسَبَ أنْ يُضْرَبَ لَهم بِقَوْمِ نُوحٍ مَثَلٌ تَحْذِيرًا مِمّا أصابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ العَذابِ. وقَدْ جَرى في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ ذِكْرُ الحَمْلِ في الفُلْكِ فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً لِلِانْتِقالِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ حُسْنُ التَّخَلُّصِ، فَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ قَصَصِ الرُّسُلِ إمّا اسْتِطْرادًا في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وإمّا انْتِقالًا كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] .
وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ تَأْكِيدٌ لِلْمَضْمُونِ التَّهْدِيدِيِّ مِنَ القِصَّةِ، فالمَعْنى تَأْكِيدُ الإرْسالِ إلى نُوحٍ وما عَقَّبَ بِهِ ذَلِكَ.
صفحة ٤١
وعَطْفُ مَقالَةِ نُوحٍ عَلى جُمْلَةِ إرْسالِهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ أدائِهِ رِسالَةَ رَبِّهِ بِالفَوْرِ مِن أمْرِهِ وهو شَأْنُ الِامْتِثالِ.
وأمْرُهُ قَوْمَهُ بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ بِأنْ أقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ: (ودٍّ، وسُواعَ، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرٍ) حَتّى أهْمَلُوا عِبادَةَ اللَّهِ ونَسُوها. وكَذَلِكَ حُكِيَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ قَوْمَهُ في أكْثَرِ الآياتِ بِصِيغَةِ أمْرٍ بِأصْلِ عِبادَةِ اللَّهِ دُونَ الأمْرِ بِقَصْرِ عِبادَتِهِمْ عَلى اللَّهِ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ فَهم مُثْبِتُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ. فَجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ وهو تَعْلِيلٌ أخَصُّ مِنَ المُعَلَّلِ، وهو أوْقَعُ لِما فِيهِ مِنَ الإيجازِ لِاقْتِضائِهِ مَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ. فالمَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ الَّذِي تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وهو إلَهُكم دُونَ غَيْرِهِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ العِبادَةَ فَلا تَعْبُدُوا أصْنامَكم مَعَهُ.
و(غَيْرُهُ) نَعْتٌ لِـ (إلَهٍ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى اعْتِبارِ مَحَلِّ المَنعُوتِ بِـ (غَيْرِ)؛ لِأنَّ المَنعُوتَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرٍّ زائِدٍ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى اعْتِبارِ اللَّفْظِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ الزّائِدِ.
وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ عَلى عَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ خُولِفَتْ في حِكايَةِ جَوابِ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ وهي تَرْكُ العَطْفِ الَّتِي جَرى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَعُطِفَ هُنا جَوابُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِالفاءِ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُوَجِّهُوا الكَلامَ إلَيْهِ بَلْ تَرَكُوهُ، وأقْبَلُوا عَلى قَوْمِهِمْ يُفَنِّدُونَ لَهم ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ.
والثّانِي: لِيُفادَ أنَّهم أسْرَعُوا لِتَكْذِيبِهِ وتَزْيِيفِ دَعْوَتِهِ قَبْلَ النَّظَرِ. ووَصْفُ المَلَأِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْإيماءِ إلى أنَّ كُفْرَهم هو الَّذِي أنْطَقَهم
صفحة ٤٢
بِهَذا الرَّدِّ عَلى نُوحٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّدِّ لا نُهُوضَ لَهُ ولَكِنَّهم رَوَّجُوا بِهِ كُفْرَهم خَشْيَةً عَلى زَوالِ سِيادَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ: (مِن قَوْمِهِ) صِفَةٌ ثانِيَةٌ.
وقَوْلُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ خاطَبَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا؛ إذِ المَلَأُ هُمُ القَوْمُ ذَوُو السِّيادَةِ والشّارَةِ، أيْ فَقالَ عُظَماءُ القَوْمِ لِعامَّتِهِمْ.
وإخْبارُهم بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِدَلِيلٍ مِن ذاتِهِ، أوْهَمُوهم أنَّ المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ مانِعَةٌ مِنَ الوَساطَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهَذا مِنَ الأوْهامِ الَّتِي أضَلَّتْ أُمَمًا كَثِيرَةً. واسْمُ الإشارَةِ مُنْصَرِفٌ إلى نُوحٍ وهو يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ المَلَأِ وقَعَ بِحَضْرَةِ نُوحٍ في وقْتِ دَعْوَتِهِ، فَعَدَلُوا مِنَ اسْمِهِ العَلَمِ إلى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَهم تَصْغِيرُ أمْرِهِ وتَحْقِيرُهُ لَدى عامَّتِهِمْ كَيْلا يَتَقَبَّلُوا قَوْلَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
وزادَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ سادَةَ القَوْمِ ظَنُّوا أنَّهُ ما جاءَ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ إلّا حُبًّا في أنْ يُسَوَّدَ عَلى قَوْمِهِمْ فَخَشُوا أنْ تَزُولَ سِيادَتُهم وهم بِجَهْلِهِمْ لا يَتَدَبَّرُونَ أحْوالَ النُّفُوسِ ولا يَنْظُرُونَ مَصالِحَ النّاسِ ولَكِنَّهم يَقِيسُونَ غَيْرَهم عَلى مِقْياسِ أنْفُسِهِمْ.
فَلَمّا كانَتْ مَطامِحُ أنْفُسِهِمْ حُبَّ الرِّئاسَةِ والتَّوَسُّلَ إلَيْها بِالِانْتِصابِ لِخِدْمَةِ الأصْنامِ تَوَهَّمُوا أنَّ الَّذِي جاءَ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ إنَّما أرادَ مُنازَعَتَهم سُلْطانَهم.
والتَّفَضُّلُ: تَكَلُّفُ الفَضْلِ وطَلَبُهُ، والفَضْلُ أصْلُهُ الزِّيادَةُ ثُمَّ شاعَ في زِيادَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، أيْ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ النّاسِ؛ لِأنَّهُ نَسَبَهم كُلَّهم إلى الضَّلالِ.
وقَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مَهَّدُوا لَهُ بِأنَّ البَشَرِيَّةَ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا لِلَّهِ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ لِظُهُورِهِ مِن جَوابِ (لَوْ)، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ
صفحة ٤٣
رَسُولٍ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً رُسُلًا. وحَذْفُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ جائِزٌ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ، وذَلِكَ مِنَ الإيجازِ. ولا يَخْتَصُّ بِالمَفْعُولِ الغَرِيبِ مِثْلَما قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: ألا تَرى قَوْلَ المَعَرِّي:
وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَـهَـكَ يَشْـهَـدِ
وهَلْ أغْرَبُ مِن هَذا الزَّعْمِ لَوْ كانَتِ الغَرابَةُ مُقْتَضِيَةً ذِكْرَ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ. فَلَمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ جَوابِ الشَّرْطِ حَسُنَ حَذْفُهُ مِن فِعْلِ الشَّرْطِ.
وجُمْلَةِ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ قَصَدُوا بِها تَكْذِيبَ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَكْذِيبِ الدّاعِي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَقْصُودَةٌ بِذاتِها ولَيْسَتْ تَكْمِلَةً لِما قَبْلَها، بِخِلافِ أُسْلُوبِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ إذْ كانَ مَضْمُونُها مِن تَمامِ غَرَضِ ما قَبْلَها.
فالإشارَةُ بِـ (هَذا) إلى الكَلامِ الَّذِي قالَهُ نُوحٌ، أيْ: ما سَمِعْنا بِأنْ لَيْسَ لَنا إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ في مُدَّةِ أجْدادِنا، فالمَقْصُودُ بِالإشارَةِ مَعْنى الكَلامِ لا نَفْسُهُ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ. ولَمّا كانَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِي زَمَنًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَدْخُولُهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في مُدَّةِ آبائِنا؛ لِأنَّ الآباءَ لا يَصْلُحُ لِلظَّرْفِيَّةِ.
والآباءُ الأوَّلُونَ هُمُ الأجْدادُ.
ولَمّا كانَ السَّماعُ المَنفِيُّ لَيْسَ سَماعًا بِآذانِهِمْ لِكَلامٍ في زَمَنِ آبائِهِمْ بَلِ المُرادُ: ما بَلَغَ إلَيْنا وُقُوعُ مِثْلِ هَذا في زَمَنِ آبائِنا، عُدِّيَ فِعْلُ (سَمِعْنا) بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاتِّصالِ. جَعَلُوا انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِالشَّيْءِ حُجَّةً عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وهو مُجادَلَةٌ سُوفِسْطائِيَّةٌ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ انْتِفاءُ العِلْمِ عَنْ تَقْصِيرٍ في اكْتِسابِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَ مِثْلِهِ بِأنْ كانَ النّاسُ عَلى حَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ داعٍ إلى مُخاطَبَتِهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ النّاسُ مِن زَمَنِ آدَمَ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى حَدَثَ الشِّرْكُ في النّاسِ فَأرْسَلَ اللَّهُ نُوحًا فَهو أوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ إلى أهْلِ الأرْضِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ.
صفحة ٤٤
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيُّ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما قالُوهُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَساءَلُوا إذا كانَ هَذا حالُ دَعْوَتِهِ في البُطْلانِ والزَّيْفِ فَماذا دَعاهُ إلى القَوْلِ بِها ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ أصابَهُ خَلَلٌ في عَقْلِهِ فَطَلَبَ ما لَمْ يَكُنْ لِيَنالُهُ مِثْلَهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ فَقَدْ طَمِعَ فِيما لا يَطْمَعُ عاقِلٌ في مِثْلِهِ فَدَلَّ طَمَعُهُ في ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجْنُونٌ.
والتَّنْوِينُ في (جِنَّةٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: هو مُتَلَبِّسٌ بِشَيْءٍ مِنَ الجُنُونِ، وهَذا اقْتِصادٌ مِنهم في حالِهِ حَيْثُ احْتَرَزُوا مِن أنْ يُوَرِّطُوا أنْفُسَهَمْ في وصْفِهِ بِالخَبالِ مَعَ أنَّ المُشاهَدَ مِن حالِهِ يُنافِي ذَلِكَ فَأوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّ بِهِ جُنُونًا خَفِيفًا لا تَبْدُو آثارُهُ واضِحَةً.
وقَصَرُوهُ عَلى صِفَةِ المَجْنُونِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَيْسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ.
وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ أمْرًا لِقَوْمِهِمْ بِانْتِظارِ ما يَنْكَشِفُ عَنْهُ أمْرُهُ بَعْدَ زَمانٍ: إمّا شِفاءٌ مِنَ الجِنَّةِ فَيَرْجِعُ إلى الرُّشْدِ، أوِ ازْدِيادُ الجُنُونِ بِهِ فَيَتَّضِحُ أمْرُهُ فَتَعْلَمُوا أنْ لا اعْتِدادَ بِكَلامِهِ.
والحِينُ: اسْمٌ لِلزَّمانِ غَيْرِ المَحْدُودِ.
والتَّرَبُّصُ: التَّوَقُّفُ عَنْ عَمَلٍ، يُرادُ عَمَلُهُ والتَّرَيُّثُ فِيهِ انْتِظارًا لِما قَدْ يُغْنِي عَنِ العَمَلِ أوِ انْتِظارًا لِفُرْصَةٍ تُمَكِّنُ مِن إيقاعِهِ عَلى أتْقَنِ كَيْفِيَّةٍ لِنَجاحِهِ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالباءِ الَّتِي هي لِلتَّعْدِيَةِ ومَعْناها: السَّبَبِيَّةُ، أيْ كانَ تَرَبُّصُ المُتَرَبِّصِ بِسَبَبِ مَدْخُولِ الباءِ. والمُرادُ: بِسَبَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِن أحْوالٍ، فَهو عَلى نِيَّةِ مُضافٍ حُذِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] في سُورَةِ بَراءَةٌ فانْظُرْهُ مَعَ ما هُنا.
23:26–27Page 343
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧
So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾
صفحة ٤٥
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ عَنْ صَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ تَصْدِيقِ دَعْوَةِ نُوحٍ وما لَفَّقُوهُ مِنَ البُهْتانِ في نِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ، مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَمّاذا صَنَعَ نُوحٌ حِينَ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ فَيُجابُ بِأنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ إلَخْ.
ودُعاؤُهُ بِطَلَبِ النَّصْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ عَدَّ فِعْلَهم مَعَهُ اعْتِداءً عَلَيْهِ بِوَصْفِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ رَبِّهِ.
والنَّصْرُ: تَغْلِيبُ المُعْتَدى عَلَيْهِ عَلى المُعْتَدِي، فَقَدْ سَألَ نُوحٌ نَصْرًا مُجْمَلًا كَما حُكِيَ هُنا، وأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا رَجاءَ في إيمانِ قَوْمِهِ إلّا مَن آمَنَ مِنهم كَما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ، فَلا رَجاءَ في أنْ يَكُونَ نَصْرُهُ بِرُجُوعِهِمْ إلى طاعَتِهِ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَسَألَ نُوحٌ حِينَ ذاكَ نَصْرًا خاصًّا وهو اسْتِئْصالُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا كَما جاءَ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ [نوح: ٢٧] . فالتَّعْقِيبُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ تَعْقِيبٌ بِتَقْدِيرِ جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو إيجازٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] إلَخْ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
والباءُ في (﴿بِما كَذَّبُونِ﴾) سَبَبِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النَّصْرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ الدُّعاءِ، أيْ نَصْرًا كائِنًا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَجَعَلَ حَظَّ نَفْسِهِ فِيما اعْتَدَوْا عَلَيْهِ مُلْغًى واهْتَمَّ بِحَظِّ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ عَلى الرَّسُولِ اسْتِخْفافٌ بِمَن أرْسَلَهُ.
وجُمْلَةُ (أنِ اصْنَعْ) جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ ”أوْحَيْنا“؛ لِأنَّ فِعْلَ (أوْحَيْنا) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ [هود: ٣٧] في سُورَةِ هُودٍ.
صفحة ٤٦
وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ تَفْصِيلُ ما يَفْعَلُهُ عِنْدَ الحاجَةِ إلى اسْتِعْمالِ الفُلْكِ فَوُقِّتَ لَهُ اسْتِعْمالُهُ بِوَقْتِ الِاضْطِرارِ إلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ والحَيَوانِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ ومَعْنى ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ في سُورَةِ هُودٍ.
والزَّوْجُ: اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِهِ بِحَيْثُ يَجْعَلُهُ شَفْعًا في حالَةٍ ما. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. وإنَّما عُبِّرَ هُنالِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠] وهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ حَكَتْ ما خاطَبَهُ اللَّهُ بِهِ عِنْدَ حُدُوثِ الطُّوفانِ وذَلِكَ وقْتٌ ضَيِّقٌ فَأُمِرَ بِأنْ يَحْمِلَ في السَّفِينَةِ مَن أرادَ اللَّهُ إبْقاءَهم، فَأُسْنِدَ الحَمْلُ إلى نُوحٍ تَمْثِيلًا لِلْإسْراعِ بِإرْكابِ ما عُيِّنَ لَهُ في السَّفِينَةِ حَتّى كَأنَّ حالَهُ في إدْخالِهِ إيّاهم حالُ مَن يَحْمِلُ شَيْئًا لِيَضَعَهُ في مَوْضِعٍ، وآيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ حَكَتْ ما خاطَبَهُ اللَّهُ بِهِ مِن قَبْلِ حُدُوثِ الطُّوفانِ إنْباءً بِما يَفْعَلُهُ عِنْدَ حُدُوثِ الطُّوفانِ فَأمَرَهُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُدْخِلُ في السَّفِينَةِ مَن عَيَّنَ اللَّهُ إدْخالَهم، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في حِكايَةِ القِصَّةِ.
ومَعْنى (اسْلُكْ): أدْخِلْ، وفِعْلُ (سَلَكَ) يَكُونُ قاصِرًا بِمَعْنى: دَخَلَ ومُتَعَدِّيًا بِمَعْنى: أدْخَلَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] . وقَوْلُ الأعْشى:
كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ في سُورَةِ هُودٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾ بِإضافَةِ (كُلٍّ) إلى (زَوْجَيْنِ) . وقَرَأهُ حَفْصٌ بِالتَّنْوِينِ (كُلٍّ) عَلى أنْ يَكُونَ (زَوْجَيْنِ) مَفْعُولَ (فاسْلُكْ)، وتَنْوِينُ (كُلٍّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ يُشْعِرُ بِمَحْذُوفٍ أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلٍّ) . وتَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ ما أمَرْتُكَ أنْ تَحْمِلَهُ في السَّفِينَةِ.
23:28–29Page 344
فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨
And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'
وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩
And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"
صفحة ٤٧
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ الِاسْتِواءُ: الِاعْتِلاءُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وإطْلاقُ الِاسْتِواءِ عَلى الِاسْتِقْرارِ في داخِلِ السَّفِينَةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعِلاقَةِ الإطْلاقِ وإلّا فَحَقِيقَةُ الِاسْتِقْرارِ في الفُلْكِ أنَّهُ دُخُولٌ. وأُتِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ دُونَ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ مَعْنى الِاعْتِلاءِ إيذانًا بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الفُلْكِ فَهو تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ.
والتَّنْجِيَةُ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ: الإنْجاءُ مِن أذاهم والكَوْنِ فِيهِمْ؛ لِأنَّ في الكَوْنِ بَيْنَهم مُشاهَدَةَ كُفْرِهِمْ ومَناكِرِهِمْ وذَلِكَ مِمّا يُؤْذِي المُؤْمِنَ.
والظُّلْمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ الكافِرِينَ كانُوا يُؤْذُونَ نُوحًا والمُؤْمِنِينَ بِشَتّى الأذى باطِلًا وعُدْوانًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ إنْجاءً؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَقَلُّوا بِجَماعَتِهِمْ فَسَلِمُوا مِنَ الِاخْتِلاطِ بِأعْدائِهِمْ.
وقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ بِالوَحْيِ أنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما سَهَّلَ لَهُ مِن سَبِيلِ النَّجاةِ وأنْ يَسْألَهُ نُزُولًا في مَنزِلٍ مُبارَكٍ عَقِبَ ذَلِكَ التَّرَحُّلِ، والدُّعاءُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ سُؤالَ سَلامَةٍ مِن غَرَقِ السَّفِينَةِ. وهَذا كالمَحامِدِ الَّتِي يُعَلِّمُها اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ يَوْمَ الشَّفاعَةِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَتَقَبَّلُ ذَلِكَ مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وفِيها مَعْنى تَعْلِيلِ سُؤالِهِ ذَلِكَ.
صفحة ٤٨
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُنْزَلًا) بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (أنْزَلَهُ) عَلى حَذْفِ المَجْرُورِ، أيْ: مُنْزَلًا فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: إنْزالًا مُبارَكًا. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، وهو اسْمٌ لِمَكانِ النُّزُولِ.
23:30Page 344
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠
Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ العَظِيمَةَ أعْقَبَها بِالتَّنْبِيهِ إلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها لِلْمُسْلِمِينَ فَأتى بِهَذا الِاسْتِئْنافِ لِذَلِكَ.
والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ وما فِيها. والآياتُ: الدَّلالاتُ، أيْ: لَآياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما هي دَلائِلُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ نُوحٍ وهي إجابَةُ دَعْوَتِهِ وتَصْدِيقُ رِسالَتِهِ وإهْلاكُ مُكَذِّبِيهِ، ومِنها آياتٌ لِأمْثالِ قَوْمِ نُوحٍ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، ومِنها آياتٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إحْداثِ الطُّوفانِ وإنْزالِ مَن في السَّفِينَةِ مَنزِلًا مُبارَكًا، ومِنها آياتٌ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ إذْ قَدَّرَ لِتَطْهِيرِ الأرْضِ مِنَ الشِّرْكِ مِثْلَ هَذا الِاسْتِيصالِ العامِّ لِأهْلِهِ، وإذْ قَدَّرَ لِإبْقاءِ الأنْواعِ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي أنْجى بِهِ مِن كُلِّ نَوْعٍ زَوْجَيْنِ لِيُعادَ التَّناسُلُ.
وعُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ جُمْلَةُ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾؛ لِأنَّ مَضْمُونَ ”﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾“ يُفِيدُ مَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ لِبَلْوى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وابْتِلاءٍ، وكُنّا مُبْتَلِينَ أيْ: وشَأْنُنا ابْتِلاءُ أوْلِيائِنا. فَإنَّ الِابْتِلاءَ مِن آثارِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ لِتَرْتاضَ بِهِ نُفُوسُ أوْلِيائِهِ وتُظْهِرَ مُغالَبَتَها لِلدَّواعِي الشَّيْطانِيَّةِ فَتَحْمَدُ عَواقِبَ البَلْوى، ولِتَتَخَبَّطَ نُفُوسُ المُعانِدِينَ ويَنْزَوِي بَعْضُ شَرِّها زَمانًا.
والمَعْنى: أنَّ ما تَقَدَّمَ قَبْلَ الطُّوفانِ مِن بَعْدِ بَعْثَةِ نُوحٍ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وأذاهم إيّاهُ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ إنَّما كانَ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لِحِكْمَتِهِ تَعالى لِيُمَيِّزَ
صفحة ٤٩
اللَّهُ لِلنّاسِ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَآمَنَ بِنُوحٍ قَوْمُهُ ثُمَّ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَنَصَرَهُ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وهَذِهِ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ. وفي هَذا المَعْنى ما جاءَ في حَدِيثِ أبِي سُفْيانَ أنَّ هِرَقْلَ قالَ لَهُ: وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ. وفي القُرْآنِ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
والِابْتِلاءُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى ما يَلْقاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وتَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ ما يُواجِهُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ لا بَقاءَ لَهُ وإنَّما هو بَلْوى تَزُولُ عَنْهُ وتَحِلُّ بِهِمْ ولِكُلٍّ حَظٌّ يُناسِبُهُ.
ولِكَوْنِ هَذا مِمّا قَدْ يَغِيبُ عَنِ الألْبابِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُتَرَدَّدِ فِيهِ فَأُكِّدَ بِـ (إنَّ) المُخَفَّفَةِ وبِفِعْلِ (كُنّا) .
واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنَّ) المُؤَكِّدَةِ المُخَفَّفَةِ عِنْدَ إهْمالِ عَمَلِها وبَيْنَ (إنَّ) النّافِيَةِ.
23:31–32Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١
Then We produced after them a generation of others.
فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢
And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَعْقِيبُ قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ رَسُولٍ آخَرَ، أيْ: أُخْرى، وما بَعْدَها مِنَ القَصَصِ يُرادُ مِنهُ أنَّ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَهُ لَمْ يَكُنْ صُدْفَةً ولَكِنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ في المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنِ القَرْنَ ولا القُرُونَ بِأسْمائِهِمْ.
والقَرْنُ: الأُمَّةُ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا ثَمُودُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُناسِبُهُ قَوْلُهُ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٤١]؛ لِأنَّ ثَمُودَ أُهْلِكُوا بِالصّاعِقَةِ
صفحة ٥٠
ولِقَوْلِهِ: ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] مَعَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] فَكانَ هَلاكُهم في الصَّباحِ. ولَعَلَّ تَخْصِيصَهم بِالذِّكْرِ هُنا دُونَ عادٍ خِلافًا لِما تَكَرَّرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِحالِهِمْ أظْهَرُ لِبَقاءِ آثارِ دِيارِهِمْ بِالحِجْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ أيْ: جُعِلَ الرَّسُولُ بَيْنَهم وهو مِنهم، أيْ: مِن قَبِيلَتِهِمْ. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى (قَرْنًا)؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلٍ (النّاسِ) كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
وعُدِّيَ فِعْلُ (أرْسَلْنا) بِـ (في) دُونَ (إلى) لِإفادَةِ أنَّ الرَّسُولَ كانَ مِنهم ونَشَأ فِيهِمْ؛ لِأنَّ القَرْنَ لَمّا لَمْ يُعَيَّنْ بِاسْمٍ حَتّى يُعْرَفَ أنَّ رَسُولَهم مِنهم أوْ وارِدًا إلَيْهِمْ مِثْلَ لُوطٍ لِأهْلِ سَدُومَ، ويُونُسَ لِأهْلِ نِينَوى، ومُوسى لِلْقِبْطِ. وكانَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ رَسُولَهم مِنهم مَقْصُودًا، إتْمامًا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ .
وكَلامُ رَسُولِهِمْ مِثْلُ كَلامِ نُوحٍ.
و(أنْ) تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ (أرْسَلْنا) مِن مَعْنى القَوْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences