Ibn 'AshurAl‑Mu'minun · 23:45–54

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:45–54

23:45–48Page 345

ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥

Then We sent Moses and his brother Aaron with Our signs and a clear authority1

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦

To Pharaoh and his establishment, but they were arrogant and were a haughty people.

فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧

They said, "Should we believe two men like ourselves while their people are for us in servitude?"

فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨

So they denied them and were of those destroyed.

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾

الآياتُ: المُعْجِزاتُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِها وتَعْظِيمِها. والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ الَّتِي لَقَّنَها اللَّهُ مُوسى فانْتَهَضَتْ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: بَعَثْناهُ مُلابِسًا لِلْمُعْجِزاتِ والحُجَّةِ.

ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أهْلُ مَجْلِسِهِ وعُلَماءُ دِينِهِ وهُمُ السَّحَرَةُ. وإنَّما جَعَلَ الإرْسالَ إلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أُمَّةِ القِبْطِ؛ لِأنَّ دَعْوَةَ مُوسى وأخِيهِ إنَّما كانَتْ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلَتِهِ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَصْرِيفُ أُمُورِ الأُمَّةِ لِتَحْرِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اسْتِعْبادِهِمْ إيّاهم قالَ تَعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . ولَمْ يُرْسَلا بِشَرِيعَةٍ إلى القِبْطِ. وأمّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَمُقَدَّمَةٌ لِإثْباتِ الرِّسالَةِ لَهم.

وعَطْفُ (فاسْتَكْبَرُوا) بِفاءِ التَّعْقِيبِ يُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا الدَّعْوَةَ والآياتِ والحُجَّةَ ولَكِنَّهم أفْرَطُوا في الكِبْرِياءِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: تَكَبَّرُوا كِبْرِياءً شَدِيدَةً بِحَيْثُ لَمْ يُعِيرُوا آياتِ مُوسى وحُجَّتَهُ أُذُنًا صاغِيَةً.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ (اسْتَكْبَرُوا) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: (فَقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ: فاسْتَكْبَرُوا بِأنْ أعْرَضُوا عَنِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ مُوسى وهارُونَ وشَأْنُهُمُ الكِبْرِياءُ والعُلُوُّ، أيْ: كانَ الكِبْرُ خُلُقَهم وسَجِيَّتَهم. وقَدْ بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ٦٤

﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ إجْراءَ وصْفٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) أوِ الإخْبارَ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) مَتْبُوعٍ بِاسْمِ فاعِلٍ إنَّما يُقْصَدُ مِنهُ تَمَكُّنُ ذَلِكَ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) أوْ تَمَكُّنُهُ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ. فالمَعْنى هُنا: أنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ مُوسى وآياتِهِ وحُجَّتِهِ إنَّما نَشَأ عَنْ سَجِيَّتِهِمْ مِنَ الكِبْرِ وتَطَبُّعِهِمْ. فالعُلُوُّ بِمَعْنى: التَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ. وسَيَجِيءُ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] في سُورَةِ القَصَصِ. وبُيِّنَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ فَهو مُتَفَرِّعٌ عَلى قَوْلِهِ: (فاسْتَكْبَرُوا)، أيِ: اسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ عَنِ اتِّباعِ مُوسى وهارُونَ، فَأفْصَحُوا عَنْ سَبَبِ اسْتِكْبارِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ . وهَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ ولَكِنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ المَلَأِ لِبَعْضٍ، ولَمّا كانُوا قَدْ تَراضَوْا عَلَيْهِ نُسِبَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وأمّا فِرْعَوْنُ فَكانَ مُصْغِيًا لِرَأْيِهِمْ ومَشُورَتِهِمْ وكانَ لَهُ قَوْلٌ آخَرُ حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مَعْدُودًا في دَرَجَةِ الآلِهَةِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ بَشَرًا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ اكْتَسَبَ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُ ابْنُ الآلِهَةِ.

والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) إنْكارِيٌّ، أيْ: ما كانَ لَنا أنْ نُؤْمِنَ بِهِما وهُما مِثْلُنا في البَشَرِيَّةِ ولَيْسا بِأهْلٍ لِأنْ يَكُونا ابْنَيْنِ لِلْآلِهَةِ؛ لِأنَّهُما جاءا بِتَكْذِيبِ إلَهِيَّةِ الآلِهَةِ، فَكانَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ لِضَلالِهِمْ يَتَطَلَّبُونَ لِصِحَّةِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُبايِنًا لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَتَخَيَّلُونَ آلِهَتَهم أجْناسًا غَرِيبَةً مِثْلَ جَسَدِ آدَمِيٍّ ورَأْسِ بَقَرَةٍ أوْ رَأْسِ طائِرٍ أوْ رَأْسِ ابْنِ آوى أوْ جَسَدِ أسَدٍ ورَأْسِ آدَمِيٍّ، ولا يُقِيمُونَ وزْنًا لِتَبايُنِ مَراتِبِ النُّفُوسِ والعُقُولِ وهي أجْدَرُ بِظُهُورِ التَّفاوُتِ؛ لِأنَّها قَرارَةُ الإنْسانِيَّةِ. وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي سَبَبُ ضَلالَةِ أكْثَرِ الأُمَمِ الَّذِينَ أنْكَرُوا رُسُلَهم.

واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِبَشَرَيْنِ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (نُؤْمِنُ) . يُقالُ لِلَّذِي يُصَدِّقُ المُخْبِرَ فِيما أخْبَرَ بِهِ: آمَنَ لَهُ، فَيُعَدّى فِعْلُ (آمَنَ) بِاللّامِ عَلى اعْتِبارِ أنَّهُ

صفحة ٦٥

صَدَّقَ بِالخَبَرِ لِأجْلِ المُخْبِرِ، أيْ: لِأجْلِ ثِقَتِهِ في نَفْسِهِ. فَأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] . وأمّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ الإيمانِ بِالباءِ فَإنَّها إذا عُلِّقَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ تَقُولُ: آمَنتُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ. وبِهَذا ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وقَوْلِكَ: آمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. فَمَعْنى الأوَّلِ: أنَّكَ صَدَّقْتَ شَيْئًا. ولِذَلِكَ لا يُقالُ: آمَنتُ لِلَّهِ وإنَّما يُقالُ: آمَنتُ بِاللَّهِ. وتَقُولُ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وآمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. ومَعْنى الأوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ وهو الرِّسالَةُ ومَعْنى الثّانِي أنَّكَ صَدَّقْتَهُ فِيما جاءَ بِهِ.

و(مِثْلِنا) وصْفٌ (لِبَشَرَيْنِ) وهو مِمّا يَصِحُّ التِزامُ إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ دُونَ نَظَرٍ إلى مُخالَفَةِ صِيغَةٍ مَوْصُوفَهٍ كَما هُنا. ويَصِحُّ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] .

وهَذا طَعْنٌ في رِسالَتِهِما مِن جانِبِ حالِهِما الذّاتِيِّ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِطَعْنٍ مِن جِهَةِ مَنشَئِهِما وقَبِيلِهِما فَقالُوا: ﴿وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾، أيْ: وهم مِن فَرِيقٍ هم عِبادٌ لَنا وأحَطُّ مِنّا فَكَيْفَ يَسُودانِنا.

وقَوْلُهُ: (عابِدُونَ) جَمْعُ عابِدٍ، أيْ: مُطِيعٌ خاضِعٌ. وقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ خَوَلًا لِلْقِبْطِ وخَدَمًا لَهم قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] .

وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمُ التَّصْمِيمُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُما المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: فَكَذَّبُوهُما أيْ: أُرْسِيَ أمْرُهم عَلى أنْ كَذَّبُوهُما، ثُمَّ فُرِّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أنْ كانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ إذْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ، أيْ: فانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأقْوامِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا. وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: فَأُهْلِكُوا، كَما مَرَّ بِنا غَيْرَ مَرَّةٍ.

والتَّعْقِيبُ هُنا تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ؛ لِأنَّ الإغْراقَ لَمّا نَشَأ عَنِ التَّكْذِيبِ فالتَّكْذِيبُ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الإهْلاكِ.

وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ قُرَيْشٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم ﷺ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الإهْلاكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.

23:49Page 345

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩

And We certainly gave Moses the Scripture that perhaps they1 would be guided.

صفحة ٦٦

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لَمّا ذُكِرَتْ دَعْوَةُ مُوسى وهارُونَ لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وما تَرَتَّبَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مِن إهْلاكِهِمْ أُكْمِلَتْ قِصَّةُ بَعْثَةِ مُوسى بِالمُهِمِّ مِنها الجارِي ومِن بَعْثَةِ مَن سَلَفَ مِنَ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وهو إيتاءُ مُوسى الكِتابَ لِهِدايَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِحُصُولِ اهْتِدائِهِمْ؛ لِيَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ الِاتِّعاظَ بِخِلافِهِمْ عَلى رُسُلِهِمْ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣] فَإنَّ مَوْعِظَةَ المُكَذِّبِينَ رَسُولَهم بِذَلِكَ أوْلى. وهُنا وقَعَ الإعْراضُ عَنْ هارُونَ؛ لِأنَّ رِسالَتَهُ قَدِ انْتَهَتْ لِاقْتِصارِهِ عَلى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إذْ كانَتْ مَقامَ مُحاجَّةٍ واسْتِدْلالٍ فَسَألَ مُوسى رَبَّهُ إشْراكَ أخِيهِ هارُونَ في تَبْلِيغِها؛ لِأنَّهُ أفْصَحُ مِنهُ لِسانًا في بَيانِ الحُجَّةِ والسُّلْطانِ المُبِينِ.

والتَّعْرِيفُ في (الكِتابِ) لِلْعَهْدِ. وهو التَّوْراةُ. ولِذَلِكَ كانَ ضَمِيرُ ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ظاهِرَ العَوْدِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ القَوْمُ المُخاطَبُونَ بِالتَّوْراةِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ فانْتِساقُ الضَّمائِرِ ظاهِرٌ في المَقامِ دُونَ حاجَةٍ إلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آتَيْنا مُوسى﴾ بِمَعْنى: آتَيْنا قَوْمَ مُوسى، كَما سَلَكَهُ في الكَشّافِ.

و(لَعَلَّ) لِلرَّجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الكِتابَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَرَقَّبَ مِن إيتائِهِ اهْتِداءُ النّاسِ بِهِ.

23:50Page 345

وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠

And We made the son of Mary and his mother a sign and sheltered them within a high ground having level [areas] and flowing water.

﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رُبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾

لَمّا كانَتْ آيَةُ عِيسى العُظْمى في ذاتِهِ في كَيْفِيَّةِ تَكْوِينِهِ كانَ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِها هُنا، ولَمْ تُذْكَرْ رِسالَتُهُ؛ لِأنَّ مُعْجِزَةَ تَخْلِيقِهِ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: (﴿وأُمَّهُ﴾) فَهو إدْماجٌ لِتَسْفِيهِ اليَهُودِ فِيما رَمَوْا بِهِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ فَإنَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لَها ولِابْنِها جَعَلُوهُ مَطْعَنًا ومَغْمَزًا فِيهِما.

صفحة ٦٧

وتَنْكِيرُ (آيَةً) لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّها آيَةٌ تَحْتَوِي عَلى آياتٍ. ولَمّا كانَ مَجْمُوعُها دالًّا عَلى صِدْقِ عِيسى في رِسالَتِهِ جُعِلَ مَجْمُوعُها آيَةً عَظِيمَةً عَلى صِدْقِهِ كَما عَلِمْتَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآوَيْناهُما إلى رُبْوَةٍ﴾ فَهو تَنْوِيهٌ بِهِما إذْ جَعَلَهُما اللَّهُ مَحَلَّ عِنايَتِهِ ومَظْهَرَ قُدْرَتِهِ ولُطْفِهِ.

والإيواءُ: جَعْلُ الغَيْرِ آوِيًا، أيْ: ساكِنًا. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] في سُورَةِ هُودٍ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] في سُورَةِ هُودٍ.

والرُّبْوَةُ بِضَمِّ الرّاءِ: المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ. ويَجُوزُ في الرّاءِ الحَرَكاتُ الثَّلاثُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] في البَقَرَةِ. والمُرادُ بِهَذا الإيواءِ وحْيُ اللَّهِ لِمَرْيَمَ أنْ تَنْفَرِدَ بِرَبْوَةٍ حِينَ اقْتَرَبَ مَخاضُها لِتَلِدَ عِيسى في مُنْعَزَلٍ مِنَ النّاسِ حِفْظًا لِعِيسى مِن أذاهم.

والقَرارُ: المُكْثُ في المَكانِ، أيْ: هي صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ قَرارًا، فَأُضِيفَتِ الرَّبْوَةُ إلى المَعْنى الحاصِلِ فِيها لِأدْنى مُلابَسَةٍ وذَلِكَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّخِيلِ المُثْمِرِ فَتَكُونُ في ظِلِّهِ ولا تَحْتاجُ إلى طَلَبِ قُوَّتِها.

والمَعِينُ: الماءُ الظّاهِرُ الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، وهو وصْفٌ جَرى عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ماءٌ مَعِينٌ، لِدَلالَةِ الوَصْفِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] . وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] .

23:51Page 345

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١

[Allāh said], "O messengers, eat from the good foods and work righteousness. Indeed I, of what you do, am Knowing.

﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .

صفحة ٦٨

يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ اكْتِفاءً بِالمَقُولِ، وهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، أيْ: قُلْنا: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا﴾ . والمَحْكِيُّ هُنا حُكِيَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الخِطابَ المَذْكُورَ هُنا لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا لِلرُّسُلِ في وقْتٍ واحِدٍ بِضَرُورَةِ اخْتِلافِ عُصُورِهِمْ. فالتَّقْدِيرُ: قُلْنا لِكُلِّ رَسُولٍ مِمَّنْ مَضى ذِكْرُهم: كُلْ مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلْ صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُ عَلِيمٌ.

وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْزِيعِ لِمَدْلُولِ الكَلامِ وهي شائِعَةٌ في خِطابِ الجَماعاتِ. ومِنهُ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم.

والغَرَضُ مِن هَذا بَيانُ كَرامَةِ الرُّسُلِ عِنْدَ اللَّهِ ونَزاهَتِهِمْ في أُمُورِهِمُ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، فالأكْلُ مِنَ الطَّيِّباتِ نَزاهَةٌ جِسْمِيَّةٌ والعَمَلُ الصّالِحُ نَزاهَةٌ نَفْسانِيَّةٌ.

والمُناسَبَةُ لِهَذا الِاسْتِئْنافِ هي قَوْلُهُ: ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ الرَّدُّ عَلى اعْتِقادِ الأقْوامِ المُعَلِّلِينَ تَكْذِيبَهم رُسُلَهم بِعِلَّةِ أنَّهم يَأْكُلُونَ الطَّعامَ كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ السّابِقَةِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وقالَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]، ولِيُبْطِلَ بِذَلِكَ ما ابْتَدَعَهُ النَّصارى مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ. وهَذِهِ فَوائِدُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ والتَّعْلِيمِ كانَ لَها في هَذا المَكانِ الوَقْعُ العَظِيمُ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ: (كُلُوا) لِلْإباحَةِ، وإنْ كانَ الأكْلُ أمْرًا جِبِلِّيًّا لِلْبَشَرِ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا لازِمُهُ وهو إعْلامُ المُكَذِّبِينَ بِأنَّ الأكْلَ لا يُنافِي الرِّسالَةَ وأنَّ الَّذِي أرْسَلَ الرُّسُلَ أباحَ لَهُمُ الأكْلَ.

وتَعْلِيقُ (مِنَ الطَّيِّباتِ) بِكَسْبِ الإباحَةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الأمْرِ شَرْطٌ أنْ يَكُونَ المُباحُ مِنَ الطَّيِّباتِ، أيْ: أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ طَيِّبًا. ويَزِيدُ في الرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ بِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما يَجْتَنِبُونَ الخَبائِثَ ولا يَجْتَنِبُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الطَّيِّباتِ. والطَّيِّباتُ: ما لَيْسَ بِحَرامٍ ولا مَكْرُوهٍ.

صفحة ٦٩

وعُطِفَ العَمَلُ الصّالِحُ عَلى الأمْرِ بِأكْلِ الطَّيِّباتِ إيماءً إلى أنَّ هِمَّةَ الرُّسُلِ إنَّما تَنْصَرِفُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [المائدة: ٩٣] والمُرادُ بِهِ ما تَناوَلُوهُ مِنَ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ بِالجَزاءِ عَنْها وأنَّهُ لا يَضِيعُ مِنهُ شَيْءٌ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْرِيضِ.

23:52Page 345

وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢

And indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so fear Me."

﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] إلَخْ، فَيَكُونُ هَذا مِمّا قِيلَ لِلرُّسُلِ. والتَّقْدِيرُ: وقُلْنا لَهم إنَّ هَذِهِ أمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً. الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى قَصَصِ الإرْسالِ المَبْدُوءَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣]؛ لِأنَّ تِلْكَ القَصَصَ إنَّما قُصَّتْ عَلَيْهِمْ لِيَهْتَدُوا بِها إلى أنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ مُنْذُ ابْتِداءِ الرِّسالَةِ هو الدَّعْوَةُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ سِياقُها كَسِياقِ آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] الآيَةَ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثُ قِراءاتٍ بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ. فَتِلْكَ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَتِها بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) . فَأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَرَأ الجُمْهُورُ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِلرُّسُلِ وأنْ تَكُونَ خِطابًا لِلْمَقْصُودِينَ بِالنِّذارَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ. وفَتْحُ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ لامِ كَيْ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: (فاتَّقُونِ) عِنْدَ مَن لا يَرى وُجُودَ الفاءِ فِيهِ مانِعًا مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِهِ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (فاتَّقُونِ) عِنْدَ مَن يَمْنَعُ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ عَلى العامِلِ المُقْتَرِنِ بِالفاءِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٧٠

والمَعْنى عَلَيْهِ: ولِكَوْنِ دِينِكم دِينًا واحِدًا لا يَتَعَدَّدُ فِيهِ المَعْبُودُ. وكَوْنِي رَبَّكم فاتَّقُونِ ولا تُشْرِكُوا بِي غَيْرِي، خِطابًا لِلرُّسُلِ والمُرادُ أُمَمُهم، أوْ خِطابًا لِمَن خاطَبَهُمُ القُرْآنُ.

وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيٌّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) وتَشْدِيدِ النُّونِ، فَكَسْرُ هَمْزَةِ (إنَّ) إمّا لِأنَّها واقِعَةٌ في حِكايَةِ القَوْلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وإمّا لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. والمَعْنى كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِن (أنَّ) المَفْتُوحَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ وخَبَرُها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها. ومَعْناهُ كَمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ سَواءً.

واسْمُ الإشارَةِ مُرادٌ بِهِ شَرِيعَةُ كُلٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أوْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ عَلى الوَجْهَيْنِ في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) عَلى القِراءاتِ كُلِّها لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ أوِ المُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ الأنْبِياءِ؛ إلّا أنَّ الواقِعَ هُنا (فاتَّقُونِ) وهُناكَ (فاعْبُدُونِ) فَيَجُوزُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالعِبادَةِ وبِالتَّقْوى ولَكِنْ حَكى في كُلِّ سُورَةٍ أمْرًا مِنَ الأمْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرانِ وقَعا في خِطابٍ واحِدٍ، فاقْتُصِرَ عَلى بَعْضِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وذُكِرَ مُعْظَمُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ ما اقْتَضاهُ مَقامُ الحِكايَةِ في كِلْتا السُّورَتَيْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ أمْرٍ مِنَ الأمْرَيْنِ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ والأمْرُ بِالتَّقْوى، قَدْ وقَعَ في خِطابٍ مُسْتَقِلٍّ تَماثَلَ بَعْضُهُ وزادَ الآخَرُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ما اقْتَضاهُ مَقامُ الخِطابِ مِن قَصْدِ إبْلاغِهِ لِلْأُمَمِ كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، أوْ مِن قَصْدِ اخْتِصاصِ الرُّسُلِ كَما في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. ويُرَجِّحُ هَذا أنَّهُ قَدْ ذُكِرَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ خِطابُ الرُّسُلِ بِالصَّراحَةِ.

وأيًّا ما كانَ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ فَوُجِّهَ ذَلِكَ أنَّ آيَةَ سُورَةِ الأنْبِياءِ لَمْ تُذْكَرْ فِيها رِسالاتُ الرُّسُلِ إلى أقْوامِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ عَدا رِسالَةِ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١]

صفحة ٧١

ثُمَّ جاءَ ذِكْرُ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ وطالَ البُعْدُ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ الَّذِي هو المَعْنى الَّذِي اتُّحِدَتْ فِيهِ الأدْيانُ. أوْلى هُنالِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الأمْرِ أنْ يَبْلُغَ إلى أقْوامِهِمْ، فَكانَ ذِكْرُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ أوْلى بِالمَقامِ في تِلْكَ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي حَظُّ الأُمَمِ مِنهُ أكْثَرُ. إذِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ لَمْ يَكُونُوا بِخِلافِ ذَلِكَ قَطُّ فَلا يُقْصَدُ أمْرُ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ إذْ يَصِيرُ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ الأمْرُ بِالدَّوامِ. وأمّا آيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدْ جاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ ما أُرْسِلَ بِهِ الرُّسُلُ إلى أقْوامِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ فَكانَ حَظُّ الرُّسُلِ مِن ذَلِكَ أكْثَرُ كَما يَقْتَضِيهِ افْتِتاحُ الخِطابِ بِـ ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] فَكانَ ذِكْرُ الأمْرِ بِالتَّقْوى هُنا أنْسَبُ بِالمَقامِ؛ لِأنَّ التَّقْوى لا حَدَّ لَها، فالرُّسُلُ مَأْمُورُونَ بِها وبِالِازْدِيادِ مِنها كَما قالَ تَعالى في حَقِّ نَبِيِّهِ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] ثُمَّ قالَ في حَقِّ الأُمَّةِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيَةَ. وقَدْ مَضى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ شَيْءٌ مِنَ الإشارَةِ إلى هَذا ولَكِنْ ما ذَكَرْناهُ هُنا أبْسَطُ فَضَمَّهُ إلَيْهِ وعَوَّلَ عَلَيْهِ.

وقَدْ فاتَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ أنْ نُبَيِّنَ عَرَبِيَّةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] فَوَجَبَ أنْ نُشْبِعَ القَوْلَ فِيهِ هُنا. فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (هَذِهِ) إلى أمْرٍ مُسْتَحْضَرٍ في الذِّهْنِ بَيَّنَهُ الخَبَرُ والحالُ ولِذَلِكَ أُنِّثَ اسْمُ الإشارَةِ، أيْ: هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هي شَرِيعَتُكَ. ومَعْنى هَذا الإخْبارِ أنَّكَ تَلْتَزِمُها ولا تُنْقِصُ مِنها ولا تُغَيِّرُ مِنها شَيْئًا، ولِأجْلِ هَذا المُرادِ جُعِلَ الخَبَرُ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ بَيانُ اسْمِ الإشارَةِ بَلْ قُصِدَ بِهِ الإخْبارُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ الِاتِّحادِ بَيْنَ مَدْلُولَيِ اسْمِ الإشارَةِ وخَبَرِهِ فَيُفِيدُ أنَّهُ هو هو لا يُغَيَّرُ عَنْ حالِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُ هَذِهِ الحالِ مِن لَطِيفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ إذْ لا تَجُوزُ إلّا حَيْثُ يُعْرَفُ الخَبَرُ. فَفي قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا، لا يُقالُ إلّا لِمَن يَعْرِفُهُ

صفحة ٧٢

فَيُفِيدُهُ قِيامَهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونُ زَيْدًا عِنْدَ عَدَمِ القِيامِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.

وبِهَذا يُعْلَمُ بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ حَقِيقَتَهُ بَلِ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في مَعْنى التَّحْرِيضِ والمُلازَمَةِ، وهو يُشْبِهُ لازِمَ الفائِدَةِ وإنْ لَمْ يَقَعْ في أمْثِلَتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] فَإنَّ سارَةَ قَدْ عَلِمَتْ أنَّ المَلائِكَةَ عَرِفُوا أنَّ إبْراهِيمَ بَعْلُها إذْ قَدْ بَشَّرُوها بِإسْحاقَ. وإنَّما المَعْنى: وهَذا الَّذِي تَرَوْنَهُ هو بَعْلِي الَّذِي يُتَرَقَّبُ مِنهُ النَّسْلُ المُبَشَّرُ بِهِ، أيْ: حالُهُ يُنافِي البِشارَةَ، ولِذَلِكَ يُتْبَعُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ بِحالٍ تُبَيِّنُ المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ لَطِيفَةٍ في تِلْكَ الآيَةِ.

23:53Page 345

فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣

But they [i.e., the people] divided their religion among them into portions [i.e., sects] - each faction, in what it has,1 rejoicing.

﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

جِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ أنَّ الأُمَمَ لَمْ يَتَرَيَّثُوا عَقِبَ تَبْلِيغِ الرُّسُلِ إيّاهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] أنْ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم فاتَّخَذُوا آلِهَةً كَثِيرَةً فَصارَ دِينُهم مُتَقَطِّعًا قِطَعًا، لِكُلِّ فَرِيقٍ صَنَمٌ وعِبادَةٌ خاصَّةٌ بِهِ. فَضَمِيرُ (تَقَطَّعُوا) عائِدٌ إلى الأُمَمِ المَفْهُومُ مِنَ السِّياقِ الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] . وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى أُمَمِ الرُّسُلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.

فالكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ الذَّمِّ. ولِذَلِكَ قَدْ تُفِيدُ الفاءُ مَعَ التَّعْقِيبِ مَعْنى التَّفْرِيعِ، أيْ: فَتَفَرَّعَ عَلى ما أمَرْناهم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ أنَّهم أتَوْا بِعَكْسِ المَطْلُوبِ مِنهم، فَيُفِيدُ الكَلامُ زِيادَةً عَلى الذَّمِّ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ. ومِمّا يُزِيدُ مَعْنى الذَّمِّ تَذْيِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أيْ: وهم لَيْسُوا بِحالِ مَن يَفْرَحُ.

والتَّقَطُّعُ أصْلُهُ مُطاوِعُ قَطَّعَ. واسْتُعْمِلَ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى قَطَّعَ بِقَصْدِ إفادَةِ الشِّدَّةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ تَخَوَّفَهُ السَّيْرُ، أيْ: تَنَقَّصَهُ، وتَجَهَّمَهُ اللَّيْلُ وتَعَرَّفَهُ الزَّمَنُ. فالمَعْنى: قَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم قِطَعًا كَثِيرَةً، أيْ: تَفَرَّقُوا عَلى

صفحة ٧٣

نِحَلٍ كَثِيرَةٍ فَجَعَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم لِنَفْسِهِ دِينًا. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ (تَقَطَّعُوا) قاصِرًا أُسْنِدَ التَّقَطُّعُ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ ثُمَّ مُيِّزَ بِقَوْلِهِ: (أمْرَهم) كَأنَّهُ قِيلَ: تَقَطَّعُوا أمْرًا، فَإنَّ كَثِيرًا مِن نُحاةِ الكُوفَةِ يُجَوِّزُونَ كَوْنَ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً. وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في مَعْنى ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ وما صَدَقُهُ أُمُورُ دِينِهِمْ.

والزُّبُرُ بِضَمِّ الزّايِ وضَمِّ المُوَحَّدَةِ كَما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو الكِتابُ. اسْتُعِيرَ اسْمُ الكِتابِ لِلدِّينِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الدِّينِ أنْ يَكُونَ لِأهْلِهِ كِتابٌ، فَيَظْهَرُ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ فَرِيقٍ كِتابٌ ولَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ أدْيانًا وعَقائِدَ لَوْ سُجِّلَتْ لَكانَتْ زُبُرًا.

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ (زُبَرًا) بِضَمِّ الزّاءِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وهو جَمْعُ زُبْرَةٍ بِمَعْنى قِطْعَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ التَّقَطُّعَ يَقْتَضِي التَّحَزُّبَ فَذُيِّلَ بِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم فَرِحٌ بِدِينِهِ، فَفي الكَلامِ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ لِـ (حِزْبٍ) أيْ: كُلُّ حِزْبٍ مِنهم، بِدَلالَةِ المَقامِ. والفَرَحُ: شِدَّةُ المَسَرَّةِ، أيْ: راضُونَ جَذِلُونَ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا طَرِيقَتَهم في الدِّينِ. والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُونَ بِدِينِهِمْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ولا تَبَصُّرٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ العُكُوفِ عَلى المُعْتادِ، وذَلِكَ يُومِئُ إلَيْهِ (لَدَيْهِمْ) المُقْتَضِي أنَّهُ مُتَقَرِّرٌ بَيْنَهم مِن قَبْلُ، أيْ: بِالدِّينِ الَّذِي هو لَدَيْهِمْ فَهم لا يَرْضَوْنَ عَلى مَن خالَفَهم ويُعادُونَهُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى التَّفْرِيقِ والتَّخاذُلِ بَيْنَ الأُمَّةِ الواحِدَةِ وهو خِلافُ مُرادِ اللَّهِ ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] . وقَدِيمًا كانَ التَّحَزُّبُ مُسَبِّبًا لِسُقُوطِ الأدْيانِ والأُمَمِ وهو مِن دَعْوَةِ الشَّيْطانِ الَّتِي يُلْبِسُ فِيها الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ.

والحِزْبُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ مِنَ اعْتِقادٍ أوْ عَمَلٍ، أوِ المُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ.

23:54Page 345

فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤

So leave them in their confusion for a time.

صفحة ٧٤

﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾

انْتِقالٌ بِالكَلامِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ . وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى مَعْرُوفٍ مِنَ السِّياقِ وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ الأحْزابِ الَّذِينَ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا، أوْ هم عَيْنُهم: فَمِنهم مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ العُزّى. ومِنهم مَنِ اتَّخَذَ مَناةَ، ومِنهم مَنِ اتَّخَذَ ذا الخَلَصَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

والكَلامُ ظاهِرُهُ المُتارَكَةُ، والمَقْصُودُ مِنهُ الإمْلاءُ لَهم وإنْذارُهم بِما يَسْتَقْبِلُهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ في وقْتٍ ما. ولِذَلِكَ نُكِّرَ لَفْظُ (حِينَ) المَجْعُولُ غايَةً لِاسْتِدْراجِهِمْ، أيْ: زَمَنٌ مُبْهَمٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .

والغَمْرَةُ حَقِيقَتُها: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ قامَةَ الإنْسانِ بِحَيْثُ يُغْرِقُهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وإضافَتُها إلى ضَمِيرِهِمْ بِاعْتِبارِ مُلازَمَتِها إيّاهم حَتّى قَدْ عُرِفَتْ بِهِمْ، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالِ اشْتِغالِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الِازْدِهارِ وتَرَفِ العَيْشِ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ لِيُنَجِّيهِمْ مِنَ العِقابِ بِحالِ قَوْمٍ غَمَرَهُمُ الماءُ فَأوْشَكُوا عَلى الغَرَقِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَسْبَحُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском