Ibn 'AshurAl‑Mu'minun · 23:64–70

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:64–70

23:64–67Page 346

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤

Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.

لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥

Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.

قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦

My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels

مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧

In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تُهْجِرُونَ﴾

(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] .

و(حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ يَكُونُ ما بَعْدَها ابْتِداءَ كَلامٍ، فَلَيْسَ الدّالُّ عَلى الغايَةِ لَفْظًا مُفْرَدًا كَما هو الشَّأْنُ مَعَ (حَتّى) الجارَّةِ و(حَتّى) العاطِفَةِ، بَلْ هي غايَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ في مَعْنى التَّفْرِيعِ.

وبِهَذِهِ الغايَةِ صارَ الكَلامُ تَهْدِيدًا لَهم بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ يَجْأرُونَ مِنهُ ولا مَلْجَأ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ عَذابٌ في الدُّنْيا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] .

صفحة ٨٢

و(إذا) الأُولى ظَرْفِيَّةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كانَ الأصْلُ والغالِبُ فِيها أنْ تَدُلَّ عَلى ظَرْفٍ مُسْتَقْبَلٍ. (وإذا) الثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطِ (إذا) .

والمُتْرَفُونَ: المُعْطُونَ تَرَفًا وهو الرَّفاهِيَةُ، أيِ: المُنَعَّمُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] فالمُتْرَفُونَ مِنهم هم سادَتُهم وأكابِرُهم والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ أصْحابِ الغَمْرَةِ.

وإنَّما جُعِلَ الأخْذُ واقِعًا عَلى المُتْرَفِينَ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا عامَّةَ قَوْمِهِمْ ولَوْلا نُفُوذُ كَلِمَتِهِمْ عَلى قَوْمِهِمْ لاتَّبَعَتِ الدَّهْماءُ الحَقَّ؛ لِأنَّ العامَّةَ أقْرَبُ إلى الإنْصافِ إذا فَهِمُوا الحَقَّ بِسَبَبِ سَلامَتِهِمْ مِن جُلِّ دَواعِي المُكابَرَةِ مِن تَوَقُّعِ تَقَلُّصِ سُؤْدُدٍ وزَوالِ نَعِيمٍ. وكَذَلِكَ حَقٌّ عَلى قادَةِ الأُمَمِ أنْ يُؤاخَذُوا بِالتَّبِعاتِ اللّاحِقَةِ لِلْعامَّةِ مِن جَرّاءِ أخْطائِهِمْ ومُغامَرَتِهِمْ عَنْ تَضْلِيلٍ أوْ سُوءِ تَدَبُّرٍ، وأنْ يُسْألُوا عَنِ الخَيْبَةِ أنْ ألْقَوْا بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مَهْواةِ الخَطَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨]، وقالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] .

وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالتَّعْذِيبِ مَعَ أنَّ شَأْنَ العَذابِ الإلَهِيِّ إنْ كانَ دُنْيَوِيًّا أنْ يَعُمَّ النّاسَ كُلَّهم إيماءً إلى أنَّ المُتْرَفِينَ هم سَبَبُ نُزُولِ العَذابِ بِالعامَّةِ، ولِأنَّ المُتْرَفِينَ هم أشَدُّ إحْساسًا بِالعَذابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا مَسَّ الضَّرّاءِ والآلامِ. وقَدْ عُلِمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ العَذابَ يَعُمُّ جَمِيعَهم مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَيْنِ في (إذا هم) و(يَجْأرُونَ) عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (مُتْرَفِيهِمْ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ جَمِيعِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُتْرَفِينَ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ فَتَكُونُ الإضافَةُ بَيانِيَّةً ويَكُونَ ذِكْرُ المُتْرَفِينَ تَهْوِيلًا في التَّهْدِيدِ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ العَذابَ

صفحة ٨٣

يُزِيلُ عَنْهم تَرَفَهم؛ فَقَدْ كانَ أهْلُ مَكَّةَ في تَرَفٍ ودَعَةٍ إذْ كانُوا سالِمِينَ مِن غاراتِ الأقْوامِ؛ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ الآمِنِ وكانُوا تُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ وكانُوا مُكَرَّمِينَ لَدى جَمِيعِ القَبائِلِ، قالَ الأخْطَلُ:

فَأمّا النّاسُ ما حاشا قُرَيْشًا فَإنّا نَحْنُ أفْضَلُهم فِعَـالا

وكانَتْ أرْزاقُهم تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ مَكانٍ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، فَيَكُونُ المَعْنى: حَتّى إذا أخَذْناهم وهم في تَرَفِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُلُولَ العَذابِ بِالمُتْرَفِينَ خاصَّةً، أيْ: بِسادَتِهِمْ وصَنادِيدِهِمْ وهو عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ كُبَراءُ قُرَيْشٍ وهم أصْحابُ القَلِيبِ. قالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ:

وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُزَيَّنُ بِالسَّنَـامِ

وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ

يَعْنِي ما ضُمِّنَهُ القَلِيبُ مِن رِجالٍ كانَتْ سَجاياهُمُ الإطْعامَ والطَّرَبَ واللَّذّاتِ.

وضَمِيرُ ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتْرَفِينَ؛ لِأنَّ المُتْرَفِينَ قَدْ هَلَكُوا فالبَقِيَّةُ يَجْأرُونَ مِنَ التَّلَهُّفِ عَلى ما أصابَ قَوْمَهم والإشْفاقِ أنْ يَسْتَمِرَّ القَتْلُ في سائِرِهِمْ فَهم يَجْأرُونَ كُلَّما صُرِعَ واحِدٌ مِن سادَتِهِمْ، ولِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ عَجِبُوا مِن تِلْكَ المُصِيبَةِ ورَثُوا أمْواتَهم بِالمَراثِي والنِّياحاتِ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا العَذابِ عَذابٌ يَحِلُّ بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي مَكِّيَّةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا عَذابٌ مَسْبُوقٌ بِعَذابٍ حَلَّ بِهِمْ قَبْلَهُ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآيَةَ. ولِذا فالعَذابُ المَذْكُورُ هُنا عَذابٌ هُدِّدُوا بِهِ. وهو إمّا عَذابُ الجُوعِ الثّانِي الَّذِي أصابَ أهْلَ مَكَّةَ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ هِجْرَتِهِ. ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ عَقِبَ سَرِيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلى بَنِي كَلْبٍ

صفحة ٨٤

الَّتِي أخَذَ فِيها ثُمامَةَ أسِيرًا وأسْلَمَ فَمَنَعَ صُدُورَ المِيرَةِ مِن أرْضِ قَوْمِهِ بِاليَمامَةِ إلى أهْلِ مَكَّةَ وكانَتِ اليَمامَةُ مَصْدَرَ أقْواتِهِمْ حَتّى سُمِّيَتْ رِيفَ أهْلِ مَكَّةَ فَأصابَهم جُوعٌ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ والجِيَفَ سَبْعَ سِنِينَ، وإمّا عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

وقِيلَ: إنَّ هَذا العَذابَ عَذابٌ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وتَعَيَّنَ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الَّذِي أصابَهم أيّامَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ في مَكَّةَ ثُمَّ كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم بِبَرَكَةِ نَبِيِّهِ وسَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .

وقِيلَ: العَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ سَيُذْكَرُ عَذابُ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] كَما سَتَعْلَمُهُ.

وتَجِيءُ مِنهُ وُجُوهٌ مِنَ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَخْفى تَقْرِيرُها.

ومَعْنى (يَجْأرُونَ): يَصْرُخُونَ، ومَصْدَرُهُ: الجَأْرُ. والِاسْمُ: الجُؤارُ بِضَمِّ الجِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ألَمِ العَذابِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ صَبْرًا عَلَيْهِ فَيَصْدُرُ مِنهم صُراخُ التَّأوُّهِ والوَيْلِ والثُّبُورِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَقُولُ لَهم: لا تَجْأرُوا اليَوْمَ.

وهَذا القَوْلُ كَلامٌ نَفْسِيٌّ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ لِتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابٍ لا يُغْنِي عَنْهم حِينَ حُلُولِهِ جُؤارٌ إذْ لا مُجِيبَ لِجُؤارِهِمْ ولا مُغِيثَ لَهم مِنهُ إذْ هو عَذابٌ خارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ النّاسِ لا يَطْمَعُ أحَدٌ في تَوَلِّي كَشْفِهِ. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم مِنَ

صفحة ٨٥

النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي هُدِّدُوا بِهِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابَ الآخِرَةِ فالقَوْلُ لَفْظِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ قَطْعُ طَماعِيَتِهِمْ في النَّجاةِ.

والنَّهْيُ عَنِ الجُؤارِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ. ووُرُودُ النَّهْيِ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ مَقِيسٌ عَلى وُرُودِ الأمْرِ في التَّسْوِيَةِ. وعَثَرْتُ عَلى اجْتِماعِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المُسْتَعْمَلِ في التَّسْوِيَةِ، أيْ: لا تَجْأرُوا إذْ لا جَدْوى لِجُؤارِكم إذْ لا يَقْدِرُ مُجِيرٌ أنْ يُجِيرَكم مِن عَذابِنا، فَمَوْقِعُ (إنَّ) إفادَةُ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّها تُغْنِي غِناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ.

وضُمِّنَ (تُنْصَرُونَ) مَعْنى النَّجاةِ فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِـ (مِن)، أيْ: لا تَنْجُونَ مِن عَذابِنا. فَثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بَعْدَ (مِن) وحَذْفُ المُضافِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّلْهِيفِ. وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ لِقَصْدِ إفادَةِ مَعْنى بِها غَيْرِ التَّعْلِيلِ إذْ لا كَبِيرَ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ عِلَّتَيْنِ.

والآياتُ هُنا هي آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ (تُتْلى) إذِ التِّلاوَةُ: القِراءَةُ.

والنُّكُوصُ: الرُّجُوعُ مِن حَيْثُ أتى، وهو الفِرارُ. والأعْقابُ: مُؤَخَّرُ الأرْجُلِ. والنُّكُوصُ هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ وذِكْرُ الأعْقابِ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] في سُورَةِ الأنْفالِ.

وذُكِرَ فِعْلُ (كُنْتُمْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم. وذُكِرَ المُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ فَذَلِكَ خُلُقٌ مِنهم مُعادٌ مَكْرُورٌ.

وضَمِيرُ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في تَأْوِيلِ القُرْآنِ فَيَكُونَ (مُسْتَكْبِرِينَ) بِمَعْنى مُعْرِضِينَ اسْتِكْبارًا، ويَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (عَنْ)، أوْ ضُمِّنَ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى ساخِرِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى تَضْمِينِهِ.

صفحة ٨٦

ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيْتِ أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ حاضِرٌ في الأذْهانِ فَلا يُسْمَعُ ضَمِيرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعادٌ إلّا ويُعْلَمُ أنَّهُ المَقْصُودُ بِمَعُونَةِ السِّياقِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَتْ تِلاوَةُ الآياتِ عَلَيْهِمْ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ في المَسْجِدِ الحَرامِ إذْ هو مُجْتَمَعُهم. فَتَكُونُ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. وفِيهِ إنْحاءٌ عَلَيْهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وفي كَوْنِ اسْتِكْبارِهِمْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ مَظْهَرًا لِلتَّواضُعِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فالِاسْتِكْبارُ في المَوْضِعِ الَّذِي شَأْنُ القائِمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا أشْنَعُ اسْتِكْبارٍ.

وعَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ البَلُّوطِيِّ الأنْدَلُسِيِّ قاضِي قُرْطُبَةٍ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ والباءُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْدِيَةِ، وتَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى مُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم هو سَبَبُ التَّكْذِيبِ.

و(سامِرًا) حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: حالَ كَوْنِكم سامِرِينَ. والسّامِرُ: اسْمٌ لِجَمْعِ السّامِرِينَ، أيِ: المُتَحَدِّثِينَ في سَمَرِ اللَّيْلِ وهو ظُلْمَتُهُ، أوْ ضَوْءُ قَمَرِهِ. وأُطْلِقَ السَّمَرُ عَلى الكَلامِ في اللَّيْلِ، فالسّامِرُ كالحاجِّ والحاضِرِ والجامِلِ بِمَعْنى: الحُجّاجُ والحاضِرِينَ وجَماعَةُ الجُمّالِ. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سامِرًا) مُرادًا مِنهُ مَجْلِسُ السَّمَرِ حَيْثُ يَجْتَمِعُونَ لِلْحَدِيثِ لَيْلًا، ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في سامِرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] .

و(تُهْجِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في قِراءَةِ نافِعٍ مُضارِعُ أهْجَرَ: إذا قالَ الهُجْرُ بِضَمِّ الهاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو اللَّغْوُ والسَّبُّ والكَلامُ السَّيِّئِ. وقَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِفَتْحِ التّاءِ مِن هَجَرَ إذا لَغا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (سامِرًا)، أيْ: في حالِ كَوْنِكم مُتَحَدِّثِينَ هَجْرًا وكانَ كُبَراءُ قُرَيْشٍ يَسْمُرُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ يَتَحَدَّثُونَ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ .

23:68–70Page 346

أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨

Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?

أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩

Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?

أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠

Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.

صفحة ٨٧

﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾

الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . وهَذا التَّفْرِيعُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] .

والمُفَرَّعُ اسْتِفْهاماتٌ عَنْ سَبَبِ إعْراضِهِمْ واسْتِمْرارِ قُلُوبِهِمْ في غَمْرَةٍ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ المَوْعُودُونَهُ.

وهَذِهِ الِاسْتِفْهاماتُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّخْطِئَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ اتِّضاحَ الخَطَأِ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ في صُدُورِهِ عَنِ العُقَلاءِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّكُّ السُّؤالَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنَ العُقَلاءِ.

ومَآلُ مَعانِي هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّها إحْصاءٌ لِمَثارِ ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ لِذَلِكَ خُصَّتْ بِذِكْرِ أُمُورٍ مِن هَذا القَبِيلِ. وكَذَلِكَ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ وقَطْعٌ لِمَعْذِرَتِهِمْ وإيقاظٌ لَهم بِأنَّ صِفاتِ الرَّسُولِ كُلَّها دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ.

فالِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ فِيما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ وهو المَقْصُودُ بِالقَوْلِ أيِ: الكَلامُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] . والتَّدَبُّرُ: إعْمالُ النَّظَرِ العَقْلِيِّ في دَلالاتِ الدَّلائِلِ عَلى ما نُصِبَتْ لَهُ. وأصْلُهُ أنَّهُ مِنَ النَّظَرِ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ: فِيما لا يَظْهَرُ مِنهُ لِلْمُتَأمِّلِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ٨٨

والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا قَوْلَ القُرْآنِ لَعَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ بِدَلالَةِ إعْجازِهِ وبِصِحَّةِ أغْراضِهِ، فَما كانَ اسْتِمْرارُ عِنادِهِمْ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ. وهَذا أحَدُ العِلَلِ الَّتِي غَمَرَتْ بِهِمْ في الكُفْرِ.

والِاسْتِفْهامُ الثّانِي هو المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ . فَـ (أمْ) حَرْفُ إضْرابٍ انْتِقالِيٍّ مِنَ اسْتِفْهامٍ إلى غَيْرِهِ وهي (أمْ) المُنْقَطِعَةُ بِمَعْنى (بَلْ) ويَلْزَمُها تَقْدِيرُ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها لا مَحالَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾ تَقْدِيرُهُ: بَلْ أجاءَهم. والمَجِيءُ مَجازٌ في الإخْبارِ والتَّبْلِيغِ وكَذَلِكَ الإتْيانُ.

و(ما) المَوْصُولَةُ صادِقَةٌ عَلى دِينٍ. والمَعْنى: أجاءَهم دِينٌ لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ وهو الدِّينُ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ الإلَهِ وإثْباتِ البَعْثِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: (﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]) . ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] .

ثُمَّ إنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ ظاهِرَ مَعْنى الصِّلَةِ وهي ﴿ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مِن أنَّ الدِّينَ الَّذِي جاءَهم لا عَهْدَ لَهم بِهِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ إذْ قَدْ أنْكَرُوا دِينًا جاءَهم ولَمْ يَسْبِقْ مَجِيئُهُ لَآباءِهم. ووَجْهُ التَّهَكُّمِ أنَّ شَأْنَ كُلِّ رَسُولٍ جاءَ بِدِينٍ أنْ يَكُونَ دِينُهُ أُنُفًا ولَوْ كانَ لِلْقَوْمِ مِثْلُهُ لَكانَ مَجِيئُهُ تَحْصِيلَ حاصِلٍ.

وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصِّلَةِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن مَعْنى: (﴿لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾)، كانَ الكَلامُ مُجَرَّدَ تَغْلِيطٍ، أيْ: لا اتِّجاهَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم إذْ لا يَكُونُ الدِّينُ إلّا مُخالِفًا لِلضَّلالَةِ ويَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] .

صفحة ٨٩

وأمّا الِاسْتِفْهامُ الثّالِثُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمُ الرَّسُولَ بِناءً عَلى أنَّ عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِهِ هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في شَأْنِهِمْ إذْ لا يَخْلُونَ عَنْ أحَدِهِما، فَأمّا كَوْنُهم يَعْرِفُونَهُ فَهو المَظْنُونُ بِهِمْ فَكانَ الأجْدَرُ بِالِاسْتِفْهامِ وهو عَدَمُ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ إذْ تُفْرَضُ كَما يُفْرَضُ الشَّيْءُ المَرْجُوحُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّغْلِيطِ؛ فَإنَّ رَمْيَهُمُ الرَّسُولَ بِالكَذِبِ وبِالسِّحْرِ والشِّعْرِ يُناسِبُ أنْ لا يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ إذِ العارِفُ بِالمَرْءِ لا يَصِفُهُ بِما هو مِنهُ بَرِيءٌ ولِذَلِكَ تَفَرَّعَ عَلى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ إنْكارُهم إيّاهُ، أيْ: إنْكارُهم صِفاتِهِ الكامِلَةَ.

فَتَعْلِيقُ ضَمِيرِ ذاتِ الرَّسُولِ بِـ (مُنْكِرُونَ) هو مِن بابِ إسْنادِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ والمُرادُ صِفاتُها مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وهَذِهِ الصِّفاتُ هي الصِّدْقُ والنَّزاهَةُ عَنِ السِّحْرِ وأنَّهُ لَيْسَ في عِدادِ الشُّعَراءِ.

ولِلَّهِ دَرُّ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ:

لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّبٌ لَدَيْنا ولا يُعْزى لِقَوْلِ الأباطِلِ

وقالَ تَعالى فِيما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] .

ولَمّا كانَ البَشَرُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ ما يَسْلُبُ خِصالَهُ وهو اخْتِلالُ عَقْلِهِ عُطِفَ عَلى ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾، وهو الِاسْتِفْهامُ الرّابِعُ، أيْ: ألَعَلَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ رَسُولَهُمُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ قَدْ أُصِيبَ بِجُنُونٍ فانْقَلَبَ صِدْقُهُ كَذِبًا.

والجِنَّةُ: الجُنُونُ، وهو الخَلَلُ العَقْلِيُّ الَّذِي يُصِيبُ الإنْسانَ، كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن مَسِّ الجِنِّ.

والجِنَّةُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ وهو المَخْلُوقاتُ المُسْتَتِرَةُ عَنْ أبْصارِنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] . ويُطْلَقُ الجِنَّةُ عَلى الدّاءِ اللّاحِقِ مِن إصابَةِ الجِنِّ وصاحِبُهُ: مَجْنُونٌ، وهو المُرادُ هُنا بِدَلِيلِ باءِ المُلابَسَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ

صفحة ٩٠

تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهم لَمْ يَظُنُّوا بِهِ الجُنُونَ ولَكِنَّهم كانُوا يَقُولُونَهُ بِألْسِنَتِهِمْ بُهْتانًا. ولَيْسَ القَوْلُ بِألْسِنَتِهِمْ هو مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. ثُمَّ قَدْ نُقِضَ ما تَسَبَّبَ عَلى ما اخْتَلَقُوهُ فَجِيءَ بِحَرْفِ الإضْرابِ في الخَبَرِ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ وهو (بَلْ) .

والحَقُّ: الثّابِتُ في الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، يَكُونُ في الذَّواتِ وأوْصافِها، وفي الأجْناسِ، وفي المَعانِي، وفي الأخْبارِ. فَهو ضِدُّ الكَذِبِ وضِدُّ السِّحْرِ وضِدُّ الشِّعْرِ، فَما جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الأخْبارِ والأوامِرِ والنَّواهِي كُلُّهُ مَلابِسٌ لِلْحَقِّ؛ فَبَطَلَ بِهَذا ما قالُوهُ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَةُ مَن لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ ومَن لَمْ يُراعُوا إلّا مُوافَقَةَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ ومَن لَمْ يَعْرِفُوا حالَ رَسُولِهِمُ الَّذِي هو مِن أنْفُسِهِمْ ومَقالَةُ مَن يَرْمِي بِالبُهْتانِ فَنَسَبُوا الصّادِقَ إلى التَّلْبِيسِ والتَّغْلِيطِ.

فالحَقُّ الَّذِي جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ أوَّلُهُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وإثْباتُ البَعْثِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ كالأمْرِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، والِاعْتِرافِ لِلْفاضِلِ بِفَضْلِهِ، وزَجْرِ الخَبِيثِ عَنْ خُبْثِهِ، وأُخُوَّةِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والمُساواةِ بَيْنَهم في الحَقِّ، ومَنعِ الفَواحِشِ مِنَ الزِّنى وقَتْلِ الأنْفُسِ ووَأْدِ البَناتِ والِاعْتِداءِ وأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وإهانَةِ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ. ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إبْطالِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العُدْوانِ. والخِلافَةِ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها مِن عَهْدٍ قَدِيمٍ. فَكُلُّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ يَوْمَئِذٍ هو المُوافِقُ لِمُقْتَضى نِظامِ العُمْرانِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ العالَمَ فَهو الحَقُّ كَما قالَ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] . ولَمّا كانَ قَوْلُ الكاذِبِ وقَوْلُ المَجْنُونِ المُخْتَصِّ بِهَذا الَّذِي لا يُشارِكُهُما فِيهِ العُقَلاءُ والصّادِقُونَ غَيْرَ جارِيَيْنِ عَلى هَذا الحَقِّ كانَ إثْباتُ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ حَقٌّ نَقْضًا لِإنْكارِهِمْ صِدْقَهُ. ولِقَوْلِهِمْ: هو مَجْنُونٌ كانَ ما بَعْدَ (بَلْ) نَقْضًا لِقَوْلِهِمْ.

وظاهِرُ تَناسُقِ الضَّمائِرِ يَقْتَضِي أنَّ ضَمِيرَ (أكْثَرُهم) يَعُودُ إلى القَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] فَيَكُونُ المَعْنى: أكْثَرُ

صفحة ٩١

المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ كارِهُونَ لِلْحَقِّ. وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ طِباعَهم تَأْنَفُ الحَقَّ الَّذِي يُخالِفُ هَواهم لِما تَخَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وإتْيانِ الفَواحِشِ والظُّلْمِ والكِبْرِ والغَصْبِ وأفانِينِ الفَسادِ، بَلْهَ ما هم عَلَيْهِ مِن فَسادِ الِاعْتِقادِ بِالإشْراكِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، فَلا جَرَمَ كانُوا بِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الحَقَّ؛ لِأنَّ جِنْسَ الحَقِّ يُجافِي هَذِهِ الطِّباعَ. ومِن هَؤُلاءِ أبُو جَهْلٍ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] . وإنَّما أُسْنِدَتْ كَراهِيَةُ الحَقِّ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ إنْصافًا لِمَن كانَ مِنهم مِن أهْلِ الأحْلامِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ عَلِمُوا بُطْلانَ الشِّرْكِ وكانُوا يَجْنَحُونَ إلى الحَقِّ ولَكِنَّهم يُشايِعُونَ طُغاةَ قَوْمِهِمْ مُصانَعَةً لَهم واسْتِبْقاءً عَلى حُرْمَةِ أنْفُسِهِمْ بِعِلْمِهِمْ أنَّهم إنْ صَدَعُوا بِالحَقِّ لَقُوا مِن طُغاتِهِمُ الأذى والِانْتِقاصَ، وكانَ مِن هَؤُلاءِ أبُو طالِبٍ والعَبّاسُ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. فَكانَ المَعْنى: بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ كُلُّهم فَأمّا أكْثَرُهم فَكَراهِيَةً لِلْحَقِّ وأمّا قَلِيلٌ مِنهم مُصانَعَةً لِسائِرِهِمْ وقَدْ شَمِلَ الكُفْرُ جَمِيعَهم.

وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ اهْتِمامٌ بِذِكْرِ الحَقِّ حَتّى يَسْتَوْعِيَ السّامِعُ ما بَعْدَهُ فَيَقَعُ مِن نَفْسِهِ حُسْنُ سَماعِهِ مَوْقِعَ العَجَبِ مِن كارِهِيهِ، ولَمّا ضُعِّفَ العامِلُ فِيهِ بِالتَّأْخِيرِ قُرِنَ المَعْمُولُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском