Ibn 'AshurAl‑Mu'minun · 23:78–90

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:78–90

23:78Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨

And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

﴿وهْوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾

هَذا رُجُوعٌ إلى غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ والِامْتِنانِ بِما مَنَحَ النّاسَ مِن نِعْمَةٍ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وذَلِكَ قَدِ انْتَقَلَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فانْتَقَلَ إلى الِاعْتِبارِ بِآيَةِ فُلْكِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُتْبِعَ بِالِاعْتِبارِ بِقَصَصِ أقْوامِ الرُّسُلِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فالجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [المؤمنون: ٢١] والغَرَضُ واحِدٌ وما بَيْنَهُما انْتِقالاتٌ.

وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ رُجُوعًا إلى غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] .

وفِي هَذا الِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلى الغَرَضِ تَجْدِيدٌ لِنَشاطِ الذِّهْنِ وتَحْرِيكٌ لِلْإصْغاءِ إلى الكَلامِ وهو مِن أسالِيبِ كَلامِ

صفحة ١٠٤

العَرَبِ في خُطَبِهِمْ وطِوالِهِمْ. وسَمّاهُ السَّكّاكِيُّ: قِرى الأرْواحِ، وجَعَلَهُ مِن آثارِ كَرَمِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ تَذْكِيرٌ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.

والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَلالَةِ مُسْنَدًا واسْمُ المَوْصُولِ مُسْنَدًا إلَيْهِ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ مُنْشِئًا أنْشَأ لَهُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ، فَصاحِبُ الصِّلَةِ هو الأوْلى بِأنْ يُعْتَبَرَ مُسْنَدًا إلَيْهِ، وهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَهُ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن جَهِلَ أنَّهُ الَّذِي أنْشَأ لَهُمُ السَّمْعَ فَأتى لَهم بِكَلامٍ مُفِيدٍ لِقَصْرِ القَلْبِ أوِ الإفْرادِ، أيِ: اللَّهُ الَّذِي أنْشَأ ذَلِكَ دُونَ أصْنامِكِمْ. والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ، أوْ لِلْمُسْلِمِينَ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ.

والإنْشاءُ: الإحْداثُ، أيِ: الإيجادُ.

وجَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أصْحابِها. وأمّا إفْرادُ السَّمْعِ فَجَرى عَلى الأصْلِ في إفْرادِ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ أصْلَ السَّمْعِ أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقِيلَ: الجَمْعُ بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقاتِ فَلَمّا كانَ البَصَرُ يَتَعَلَّقُ بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَوْجُوداتِ وكانَتِ العُقُولُ تُدْرِكُ أجْناسًا وأنْواعًا جُمِعا بِهَذا الِاعْتِبارِ، وأُفْرِدَ السَّمْعُ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِنَوْعٍ واحِدٍ وهو الأصْواتُ.

وانْتُصِبَ (قَلِيلًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَكم) . (وما) مَصْدَرِيَّةٌ. والتَّقْدِيرُ: في حالِ كَوْنِكم قَلِيلًا شُكْرُكم. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ فالشُّكْرُ مُرادٌ بِهِ التَّوْحِيدُ، أيْ: فالشُّكْرُ الصّادِرُ مِنكم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى تَشْرِيكِكم غَيْرَهُ مَعَهُ في العِبادَةِ؛ وإنْ كانَ الخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فالشُّكْرُ عامٌّ في كُلِّ شُكْرِ نِعْمَةٍ، وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِقِلَّةِ عَدَدِ الشّاكِرِينَ؛ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ مُشْرِكُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] . وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ فالشُّكْرُ عامٌّ وتَقْلِيلُهُ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِنهُ ونَبْذِ الشِّرْكِ.

23:79Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩

And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.

﴿وهْوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

صفحة ١٠٥

هُوَ عَلى شاكِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] .

والذَّرْءُ: البَثُّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والحَياةِ وتَيْسِيرِ التَّمَكُّنِ مِنَ الأرْضِ وإكْثارِ النَّوْعِ؛ لِأنَّ الذَّرْءَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وهَذا اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ إذْ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ أصْنافًا هم يَعْلَمُونَ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وهو أيْضًا اسْتِدْلالٌ عَلى البَعْثِ؛ لِأنَّ الَّذِي أحْيا النّاسَ عَنْ عَدَمٍ قادِرٌ عَلى إعادَةِ إحْيائِهِمْ بَعْدَ تَقَطُّعِ أوْصالِهِمْ.

وقُوبِلَ الذَّرْءُ بِضِدِّهِ وهو الحَشْرُ والجَمْعُ، فَإنَّ الحَشْرَ يَجْمَعُ كُلَّ مَن كانَ عَلى الأرْضِ مِنَ البَشَرِ، وفِيهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ الرَّدُّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في إلَيْهِ تُحْشَرُونَ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنَّهم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ فَهو يُجازِيهِمْ.

23:80–81Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠

And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?

بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١

Rather,1 they say like what the former peoples said.

﴿وهْوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

هُوَ مِن أُسْلُوبِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] . وأُعْقِبَ ذِكْرُ الحَشْرِ بِذِكْرِ الإحْياءِ؛ لِأنَّ البَعْثَ إحْياءٌ إدْماجًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عُمُومِ التَّصَرُّفِ في العالَمِ.

وأمّا ذِكْرُ الإماتَةِ فَلِمُناسَبَةِ التَّضادِّ، ولِأنَّ فِيها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والقَهْرِ. ولَمّا كانَ مِنَ الإحْياءِ خَلْقُ الإيقاظِ، ومِنَ الإماتَةِ خَلْقُ النَّوْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] الآيَةَ، عُطِفَ عَلى ذَلِكَ أنَّ بِقُدْرَتِهِ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ، ولِأنَّ في تَصْرِيفِ اللَّيْلِ والنَّهارِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، والعِلْمُ دَلالَةٌ عَلى الِانْفِرادِ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وعَلى وُقُوعِ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] .

صفحة ١٠٦

واللّامُ في ﴿لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] لِلْمِلْكِ، أيْ: بِقُدْرَتِهِ تَصْرِيفُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فالنَّهارُ يُناسِبُ الحَياةَ ولِذَلِكَ يُسَمّى الهُبُوبُ في النَّهارِ بَعْثًا، واللَّيْلُ يُناسِبُ المَوْتَ، ولِذَلِكَ سَمّى اللَّهُ النَّوْمَ وفاةً في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لا لِغَيْرِهِ، أيْ: فَغَيْرُهُ لا تَحِقُّ لَهُ الإلَهِيَّةُ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ تُفِيدُ مَن نَظَرَ فِيها عِلْمًا بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ وأنَّ البَعْثَ واقِعٌ وكانَ المَقْصُودُونَ بِالخِطابِ قَدْ أشْرَكُوا بِهِ ولَمْ يَهْتَدُوا بِهَذِهِ الأدِلَّةِ جُعِلُوا بِمَنزِلَةِ غَيْرِ العُقَلاءِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ العَقْلِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُفَرَّعِ عَلى الأدِلَّةِ الأرْبَعَةِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ.

وهَذا تَذْيِيلٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ وما بَعْدَهُ.

23:82–83Page 347

قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢

They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣

We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."

﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] ﴿قالُوا أاْذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

هَذا إدْماجٌ لِذِكْرِ أصْلٍ آخَرَ مِن أُصُولِ الشِّرْكِ وهو إحالَةُ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ إبْطالًا لِكَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ. وإثْباتٌ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ بَيانِ ما بَعَثَهم عَلى إنْكارِهِ وهو تَقْلِيدٌ. والمَعْنى: أنَّهم لا يَعْقِلُونَ الأدِلَّةَ لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ أقْوالَ آبائِهِمْ.

والكَلامُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ انْتُقِلَ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ إلى حِكايَةِ ضَلالِهِمْ فَناسَبَ هَذا الِانْتِقالَ مَقامُ الغَيْبَةِ لِما في الغَيْبَةِ مِنَ الإبْعادِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُخاطَبِينَ.

صفحة ١٠٧

والقَوْلُ هُنا مُرادٌ بِهِ ما طابَقَ الِاعْتِقادَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ مُطابَقَةُ اعْتِقادِ قائِلِهِ، فالمَعْنى: بَلْ ظَنُّوا مِثْلَ ما ظَنَّ الأوَّلُونَ.

والأوَّلُونَ: أسْلافُهم في النَّسَبِ أوْ أسْلافُهم في الدِّينِ مِنَ الأُمَمِ المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أإذا مِتْنا﴾ إلَخْ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ ﴿قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ المُماثَلَةِ، فالضَّمِيرُ الَّذِي مَعَ (قالُوا) الثّانِي عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا) الأوَّلُ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى (الأوَّلُونَ) . ويَجُوزُ جَعْلُ (قالُوا) الثّانِي اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ (ما قالَ الأوَّلُونَ) ويَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (الأوَّلُونَ) والمَعْنى واحِدٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإعادَةُ فِعْلِ (قالُوا) مِن قَبِيلِ إعادَةِ الَّذِي عُمِلَ بِهِ في المُبْدَلِ مِنهُ. ونُكْتَتُهُ هُنا التَّعْجِيبُ مِن هَذا القَوْلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أإذا مِتْنا﴾ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّرْطِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ، والِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ في جُمْلَةِ (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٤٩] بِهَمْزَتَيْنِ عَلى تَأْكِيدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الأُولى بِإدْخالِ مِثْلِها عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، ووُجُودُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةً عَلى الشَّرْطِ كافٍ في إفادَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ جَوابِهِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، و(إذا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (لَمَبْعُوثُونَ) .

والجَمْعُ بَيْنَ ذِكْرِ المَوْتِ والكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الإنْكارِ بِتَفْظِيعِ إخْبارِ القُرْآنِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، أيِ: الإحْياءُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّلاشِي القَوِيِّ.

وأمّا ذِكْرُ حَرْفِ (إنَّ) في قَوْلِهِمْ: (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) فالمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ دَعْوى البَعْثِ بِأنَّ الرَّسُولَ الَّذِي يَدَّعِيها بِتَحْقِيقٍ وتَوْكِيدٍ مَعَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الِاسْتِحالَةِ، فَفي حِكايَةِ تَوْكِيدِ مُدَّعِيها زِيادَةٌ في تَفْظِيعِ الدَّعْوى في وهْمِهِمْ.

وجُمْلَةُ (لَقَدْ وُعِدْنا) إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وتَقْوِيَةٌ لَهُ. وقَدْ جَعَلُوا مُسْتَنَدَ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ أنَّهُ تَكَرَّرَ الوَعْدُ بِهِ في أزْمانٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَلَمْ يَقَعْ ولَمْ يُبْعَثْ واحِدٌ مِن آبائِهِمْ.

صفحة ١٠٨

ووَجْهُ ذِكْرِ الآباءِ دَفْعُ ما عَسى أنْ يَقُولَ لَهم قائِلٌ: إنَّكم تُبْعَثُونَ قَبْلَ أنْ تَصِيرُوا تُرابًا وعِظامًا، فَأعَدُّوا الجَوابَ بِأنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ لَمْ يَكُنْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِمْ فَيَقَعُوا في شَكٍّ بِاحْتِمالِ وُقُوعِهِ بِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وقَبْلَ فَناءِ أجْسامِهِمْ بَلْ ذَلِكَ وعْدٌ قَدِيمٌ وُعِدَ بِهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ وقَدْ مَضَتْ أزْمانٌ وشُوهِدَتْ رُفاتُهم في أجْداثِهِمْ وما بُعِثَ أحَدٌ مِنهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ وهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ وهو أنْ يَقُولَ سائِلٌ: فَكَيْفَ تَمالَأ عَلى هَذِهِ الدَّعْوى العَدَدُ مِنَ الدُّعاةِ في عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ عَدَمَ وُقُوعِهِ، فَيُجِيبُونَ بِأنَّ هَذا الشَّيْءَ تَلَقَّفُوهُ عَنْ بَعْضِ الأوَّلِينَ فَتَناقَلُوهُ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ [النمل: ٦٨] إلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِمْ: ﴿أإذا مِتْنا﴾ إلى آخِرِهِ، أيْ: هَذا المَذْكُورُ مِنَ الكَلامِ. وكَذَلِكَ اسْمُ الإشارَةِ الثّانِي ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . وصِيغَةُ القَصْرِ بِمَعْنى: هَذا مُنْحَصِرٌ في كَوْنِهِ مِن حِكاياتِ الأوَّلِينَ. وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لا يَعْدُو كَوْنَهُ مِنَ الأساطِيرِ إلى كَوْنِهِ واقِعًا كَما زَعَمَ المُدَّعُونَ.

والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى اسْمِ الإشارَةِ الثّانِي لِقَصْدِ زِيادَةِ تَمْيِيزِهِ تَشْهِيرًا بِخَطَئِهِ في زَعْمِهِمْ.

والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي الخَبَرُ الكاذِبُ الَّذِي يُكْسى صِفَةَ الواقِعِ مِثْلُ الخُرافاتِ والرِّواياتِ الوَهْمِيَّةِ لِقَصْدِ التَّلَهِّي بِها. وبِناءُ الأُفْعُولَةِ يَغْلِبُ فِيما يُرادُ بِهِ التَّلَهِّي مِثْلُ: الأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ والأُرْجُوحَةِ والأُحْدُوثَةِ وقَدْ مَضى قَرِيبًا.

23:84–85Page 347

قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤

Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥

They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾

صفحة ١٠٩

اسْتِئْنافُ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِمْ في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى عادَ بِهِ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] .

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ؛ أيْ: أجِيبُوا عَنْ هَذا، ولا يَسَعُهم إلّا الجَوابُ بِأنَّها لِلَّهِ. والمَقْصُودُ: إثْباتُ لازِمِ جَوابِهِمْ وهو انْفِرادُهُ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ.

و﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُونِي عَنِ السُّؤالِ. وفي هَذا الشَّرْطِ تَوْجِيهٌ لِعُقُولِهِمْ أنْ يَتَأمَّلُوا فَيَظْهَرَ لَهم أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ وأنَّ مَن فِيها لِلَّهِ فَإنَّ كَوْنَ جَمِيعِ ذَلِكَ لِلَّهِ قَدْ يَخْفى؛ لِأنَّ النّاسَ اعْتادُوا نِسْبَةَ المُسَبَّباتِ إلى أسْبابِها المُقارِنَةِ والتَّصَرُّفاتِ إلى مُباشِرِيها فَنُبِّهُوا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى التَّأمُّلِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، أيْ: يُجِيبُونَ عَقِبَ التَّأمُّلِ جَوابًا غَيْرَ بَطِيءٍ. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ جَوابًا لِإقْرارِهِمْ واعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لِلَّهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، إنْكارٌ لِعَدَمِ تَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ: تَفْطِنُ عُقُولُهم لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. وخُصَّ بِالتَّذَكُّرِ لِما في بَعْضِهِ مِن خَفاءِ الدَّلالَةِ والِاحْتِياجِ إلى النَّظَرِ.

23:86–87Page 347

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦

Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧

They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِالقَوْلِ وإنْ كانَ المَقُولُ مُخْتَلِفًا دُونَ أنْ تُعْطَفَ جُمْلَةُ ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ﴾؛ لِأنَّها وقَعَتْ في سِياقِ التَّعْدادِ فَناسَبَ أنْ يُعادَ الأمْرُ بِالقَوْلِ دُونَ الِاسْتِغْناءِ بِحَرْفِ العَطْفِ. والمَقْصُودُ وُقُوعُ هَذِهِ الأسْئِلَةِ مُتَتابِعَةً دَفْعًا

صفحة ١١٠

لَهم بِالحُجَّةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعَدْ في السُّؤالَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ جُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] اكْتِفاءً بِالِافْتِتاحِ بِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بِلامٍ جارَّةٍ لِاسْمِ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِهِمُ المُتَوَقَّعِ بِمَعْناهُ لا بِلَفْظِهِ؛ لِأنَّهم لَمّا سُئِلُوا بِـ (مَن) ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌الَّتِي‌‌‌‌ هي لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ ذاتِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ كانَ مُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِذِكْرِ اسْمِ ذاتِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَكانَ العُدُولُ عَنْ ذَلِكَ إلى الجَوابِ عَنْ كَوْنِ السَّماواتِ السَّبْعِ والعَرْشِ مَمْلُوكَةً لِلَّهِ عُدُولًا إلى جانِبِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ مُراعاةً لِكَوْنِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لُوحِظَ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، والرُّبُوبِيَّةُ تَقْتَضِي المُلْكَ. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِعْمالِ ما أنْشَدَهُ القُرْطُبِيُّ وصاحِبُ المَطْلَعِ:

إذا قِيلَ: مَن رَبُّ المَزالِفِ والقُرى ورَبُّ الجِيادِ الجُرْدِ قُلْتُ لَخالِدُ

ولَمْ أقِفْ عَلى مَن سَبَقَهُما بِذِكْرِ هَذا البَيْتِ ولَعَلَّهُما أخَذاهُ مِن تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ ولَمْ يَعْزُواهُ إلى قائِلٍ ولَعَلَّ قائِلَهُ حَذا بِهِ حَذْوَ اسْتِعْمالِ الآيَةِ.

وأقُولُ: إنَّ الأجْدَرَ أنْ نُبَيِّنَ وجْهَ صَوْغِ الآيَةِ بِهَذا الأُسْلُوبِ فَأرى أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنْ أنْ يَقُولُوا: رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ اللَّهُ؛ لِأنَّهم أثْبَتُوا مَعَ اللَّهِ أرْبابًا في السَّماواتِ إذْ عَبَدُوا المَلائِكَةَ فَهم عَدَلُوا عَمّا فِيهِ نَفْيُ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْ مَعْبُوداتِهِمْ واقْتَصَرُوا عَلى الإقْرارِ بِأنَّ السَّماواتِ مِلْكٌ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُبْطِلُ أوْهامَ شِرْكِهِمْ مِن أصْلِها؛ ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ في التَّلْبِيَةِ في الحَجِّ: (لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ) . فَفي حِكايَةِ جَوابِهِمْ بِهَذا اللَّفْظِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَ حِكايَةَ جَوابِهِمْ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمُ انْتِفاءَ اتِّقائِهِمُ اللَّهَ تَعالى.

صفحة ١١١

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) بِدُونِ لامِ الجَرِّ وهو كَذَلِكَ في مُصْحَفِ البَصْرَةِ وبِذَلِكَ كانَ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ﴾ والمَعْنى واحِدٌ. ولَمْ يُؤْتَ مَعَ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِشَرْطِ (﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤]) ونَحْوِهِ كَما جاءَ في سابِقِهِ؛ لِأنَّ انْفِرادَ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ في السَّماواتِ والعَرْشِ لا يَشُكُّ فِيهِ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم لَمْ يَزْعُمُوا إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ في السَّماواتِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ.

وخُصَّ وعْظُهم عَقِبَ جَوابِهِمْ بِالحَثِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ اللَّهَ مالِكُ الأرْضِ ومَن فِيها وعُقِّبَتْ تِلْكَ الآيَةُ بِحَضِّهِمْ عَلى التَّذَكُّرِ لِيَظْهَرَ لَهم أنَّهم عِبادُ اللَّهِ لا عِبادُ الأصْنامِ. وتَبَيَّنَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ وهي أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ وأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِذَلِكَ ناسَبَ حَثَّهم عَلى تَقْواهُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ الطّاعَةَ لَهُ وحْدَهُ وأنْ يُطِيعُوا رَسُولَهُ فَإنَّ التَّقْوى تَتَضَمَّنُ طاعَةَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ .

وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَتَّقُونَ) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ القاصِرِ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى مَعْنًى خاصٍّ وهو التَّقْوى الشّامِلَةُ لِامْتِثالِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ.

23:88–89Page 347

قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨

Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩

They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهْوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾

قَدْ عَرَفْتَ آنِفًا نُكْتَةَ تَكْرِيرِ القَوْلِ.

والمَلَكُوتُ: مُبالَغَةٌ في المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ. فالمَلَكُوتُ: المُلْكُ المُقْتَرِنُ بِالتَّصَرُّفِ في مُخْتَلَفِ الأنْواعِ والعَوالِمِ لِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ (كُلِّ شَيْءٍ) .

واليَدُ: القُدْرَةُ. ومَعْنى (يُجِيرُ) يُغِيثُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِنَ الأذى. ومَصْدَرُهُ الإجارَةُ فَيُفِيدُ مَعْنى الغَلَبَةِ، وإذا عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ أفادَ أنَّ المَجْرُورَ

صفحة ١١٢

مَغْلُوبٌ عَلى أنْ لا يُنالَ المُجارُ بِأذًى، فَمَعْنى (﴿لا يُجارُ عَلَيْهِ﴾) لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَ أحَدًا مِن عِقابِهِ، فَيُفِيدُ مَعْنى العِزَّةِ التّامَّةِ.

وبُنِيَ فِعْلُ (﴿يُجارُ عَلَيْهِ﴾) لِلْمَجْهُولِ لِقَصْدِ انْتِفاءِ الفِعْلِ عَنْ كُلِّ فاعِلٍ فَيُفِيدُ العُمُومَ مَعَ الِاخْتِصارِ.

ولَمّا كانَ تَصَرُّفُ اللَّهِ هَذا خَفِيًّا يَحْتاجُ إلى تَدَبُّرِ العَقْلِ لِإدْراكِهِ عُقِّبَ الِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] كَما عُقِّبَ الِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ بِمِثْلِهِ حَثًّا لَهم عَلى عِلْمِهِ والِاهْتِداءِ إلَيْهِ.

ثُمَّ عُقِّبَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم إذا تَدَبَّرُوا عَلِمُوا فَقِيلَ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥] بِلامِ الجَرِّ داخِلَةً عَلى اسْمِ الجَلالَةِ مِثْلِ سالِفِهِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِدُونِ لامٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ في نَظِيرِهِ السّابِقِ.

(وأنّى) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (مِن أيْنَ) كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ [آل عمران: ٣٧] . والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ. والسِّحْرُ مُسْتَعارٌ لِتَرْوِيجِ الباطِلِ بِجامِعِ تَخَيُّلِ ما لَيْسَ بِواقِعٍ واقِعًا. والمَعْنى: فَمِن أيْنَ اخْتَلَّ شُعُورُكم فَراجَ عَلَيْكُمُ الباطِلُ. فالمُرادُ بِالسِّحْرِ: تَرْوِيجُ أيِمَّةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمُ الباطِلَ حَتّى جَعَلُوهم كالمَسْحُورِينَ.

23:90Page 348

بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠

Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.

﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

إضْرابٌ لِإبْطالِ أنْ يَكُونُوا مَسْحُورِينَ، أيْ: بَلْ لَيْسَ الأمْرُ كَما خُيِّلَ إلَيْهِمْ، فالَّذِي أتَيْناهم بِهِ الحَقُّ يَعْنِي القُرْآنَ. والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما يُقالُ: ذَهَبَ بِهِ. أيْ: أذْهَبَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ آنِفًا: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧١] .

والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] إلى الغَيْبَةِ التِفاتٌ؛ لِأنَّهُمُ المُوَجَّهُ إلَيْهِمُ الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ. والحَقُّ هُنا: الصِّدْقُ، فَلِذَلِكَ قُوبِلَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الكَذِبِ فِيما رَمَوْا بِهِ القُرْآنَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٣] .

وفِي مُقابَلَةِ الحَقِّ بِـ (كاذِبُونَ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ.

صفحة ١١٣

وتَأْكِيدُ نِسْبَتِهِمْ إلى الكَذِبِ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ.

وقَدْ سُلِكَتْ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الأدِلَّةِ طَرِيقَةُ التَّرَقِّي؛ فابْتُدِئَ بِالسُّؤالِ عَنْ مالِكِ الأرْضِ ومَن فِيها؛ لِأنَّها أقْرَبُ العَوالِمِ لِإدْراكِ المُخاطَبِينَ ثُمَّ ارْتُقِيَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِرُبُوبِيَّةِ السَّماواتِ والعَرْشِ، ثُمَّ ارْتُقِيَ إلى ما هو أعَمُّ وأشْمَلُ وهو تَصَرُّفُهُ المُطْلَقُ في الأشْياءِ كُلِّها ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ فِيهِ أداةُ العُمُومِ وهي (كُلُّ) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском