Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:40–46
24:40Page 355
أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠
Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.
﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾
شَأْنُ (أوْ) إذا جاءَتْ في عَطْفِ التَّشْبِيهاتِ أنْ تَدُلَّ عَلى تَخْيِيرِ السّامِعِ أنْ يُشَبَّهَ بِما قَبْلَها وبِما بَعْدَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ مَعَ اتِّحادِ وجْهِ الشَّبَهِ. ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحُ راهِبٍ
صفحة ٢٥٥
وقَوْلُ لَبِيَدٍ:
أفَتِلْكَ أمْ وحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ∗∗∗ خَذَلَتْ وهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها
فَإذا كانَ الكَلامُ هُنا جارِيًا عَلى ذَلِكَ الشَّأْنِ كانَ المَعْنى تَمْثِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في أعْمالِهِمْ الَّتِي يَظُنُّونَ أنَّهم يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ بِحالِ ظُلُماتِ لَيْلٍ غَشِيَتْ ماخِرًا في بَحْرٍ شَدِيدِ المَوْجِ قَدْ اقْتَحَمَ ذَلِكَ البَحْرَ لِيَصِلَ إلى غايَةٍ مَطْلُوبَةٍ، فَحالُهم في أعْمالِهِمْ تُشْبِهُ حالَ سابِحٍ في ظُلُماتِ لَيْلٍ في بَحْرٍ عَمِيقٍ يَغْشاهُ مَوْجٌ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا لِشِدَّةِ تَعاقُبِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ اشْتِدادِ الرِّياحِ حَتّى لا يَكادَ يَرى يَدَهُ الَّتِي هي أقْرَبُ شَيْءٍ إلَيْهِ وأوْضَحُهُ في رُؤْيَتِهِ فَكَيْفَ يَرْجُو النَّجاةَ.
وإنْ كانَ الكَلامُ جارِيًا عَلى التَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ مَعَ اخْتِلافِ وجْهِ التَّشْبِيهِ كانَ المَعْنى تَمْثِيلَ حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا في أعْمالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، وحالِ مَن رَكِبَ البَحْرَ يَرْجُو بُلُوغَ غايَةٍ، فَإذا هو في ظُلُماتٍ لا يَهْتَدِي مَعَها طَرِيقًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو ما حَفَّ بِأعْمالِهِمْ مِن ضَلالِ الكُفْرِ الحائِلِ دُونَ حُصُولِ مُبْتَغاهم.
ويُرَجِّحُ هَذا الوَجْهَ تَذْيِيلُ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَوْلُهُ: (كَظُلُماتٍ) عَطْفٌ عَلى (كَسَرابٍ) والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَظُلُماتٍ.
وهَذا التَّمْثِيلُ مِن قَبِيلِ تَشْبِيهِ حالَةٍ مَعْقُولَةٍ بِحالَةٍ مَحْسُوسَةٍ كَما يُقالُ: شاهَدْتُ سَوادَ الكُفْرِ في وجْهِ فُلانٍ.
والظُّلُماتُ: الظُّلْمَةُ الشَّدِيدَةُ. والجَمْعُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الكَثْرَةِ وهو الشِّدَّةُ، فالجَمْعُ كِنايَةٌ؛ لِأنَّ شِدَّةَ الظُّلْمَةِ يَحْصُلُ مِن تَظاهُرِ عِدَّةِ ظُلُماتٍ. ألا تَرى أنَّ ظُلْمَةَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ أشَدُّ مِن ظُلْمَةِ عَقِبِ الغُرُوبِ وظُلْمَةُ العِشاءِ أشَدُّ مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ ذَكَرْنا فِيما مَضى أنَّ لَفْظَ ظُلْمَةٍ بِالإفْرادِ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ، انْظُرْ أوَّلَ سُورَةِ الأنْعامِ. ومَعْنى كَوْنِها (في بَحْرٍ) أنَّها انْطَبَعَ سَوادُها عَلى ماءِ بَحْرٍ
صفحة ٢٥٦
فَصارَ كَأنَّها في البَحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ﴾ [البقرة: ١٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ إذْ جَعَلَ الظُّلُماتِ في الصَّيِّبِ.
واللُّجِّيُّ مَنسُوبٌ إلى اللُّجَّةِ، واللُّجُّ: هو مُعْظَمُ البَحْرِ، أيْ في بَحْرٍ عَمِيقٍ، فالنَّسَبُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ مِنَ الوَصْفِ كَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
والدَّهْرُ بِالإنْسانِ دَوّارِيٌّ
أيْ دَوّارٌ، وكَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ مُشْرِكِيٌّ ورَجُلٌ غِلابِيٌّ، أيْ قَوِيُّ الشِّرْكِ وكَثِيرُ الغَلَبِ.
والمَوْجُ: اسْمُ جَمْعِ مَوْجَةٍ. والمَوْجَةُ: مِقْدارٌ يَتَصاعَدُ مِن ماءِ البَحْرِ أوِ النَّهْرِ عَنْ سَطْحِ مائِهِ بِسَبَبِ اضْطِرابٍ في سَطْحِهِ بِهُبُوبِ رِيحٍ مِن جانِبِهِ يَدْفَعُهُ إلى الشّاطِئِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ: ماجَ البَحْرُ، أيِ اضْطَرَبَ وسُمِّي بِهِ ما يَنْشَأُ عَنْهُ.
ومَعْنى (﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾) أنَّ المَوْجَ لا يَتَكَسَّرُ حَتّى يَلْحَقَهُ مَوْجٌ آخَرُ مِن فَوْقِهِ وذَلِكَ أبْقى لِظُلْمَتِهِ.
والسَّحابُ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ. والسَّحابُ يَزِيدُ الظُّلْمَةَ إظْلامًا؛ لِأنَّهُ يَحْجِبُ ضَوْءَ النَّجْمِ والهِلالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ اسْتِئْنافٌ. والتَّقْدِيرُ: هي ظُلُماتٌ. والمُرادُ بِالظُّلُماتِ الَّتِي هُنا غَيْرُ المُرادِ بِقَوْلِهِ (أوْ كَظُلُماتٍ)؛ لِأنَّ الجَمْعَ هُنا جَمْعُ أنْواعٍ، وهُنالِكَ جَمْعُ أفْرادٍ مِن نَوْعٍ واحِدٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَحابٌ ظُلُماتٌ) بِالتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (مِن فَوْقِهِ سَحابُ ظُلُماتٍ) بِتَرْكِ بِالتَّنْوِينِ في (سَحابِ) وبِإضافَتِهِ إلى (ظُلُماتٍ) . وقَرَأهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِرَفْعِ (سَحابٌ) مُنَوَّنًا وبِجَرِّ (ظُلُماتٍ) عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: (أوْ كَظُلُماتٍ) .
وقَوْلُهُ: (لَمْ يَكَدْ يَراها) هو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] . وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذا الِاسْتِعْمالِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وما فِيهِ مِن قِصَّةِ بَيْتِ ذِي الرُّمَّةِ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ، أيْ هم باءُوا بِالخَيْبَةِ فِيما ابْتَغَوْا مِمّا عَمِلُوا وقَدْ حَفَّهُمُ الضَّلالُ الشَّدِيدُ فِيما عَمِلُوا حَتّى عَدِمُوا فائِدَتَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ في قُلُوبِهِمُ الهُدى حِينَ لَمْ يُوَفِّقْهم إلى الإيمانِ، أيْ أنَّ اللَّهَ جَبَلَهم غَيْرَ قابِلِينَ لِلْهُدى فَلَمْ يَجْعَلْ لَهم قَبُولَهُ في قُلُوبِهِمْ فَلا يَحُلُّ بِها شَيْءٌ مِنَ الهُدى.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَصَرِّفٌ بِالإعْطاءِ والمَنعِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ وحِكْمَتِهِ وما سَبَقَ مِن نِظامِ تَدْبِيرِهِ.
وهَذا التَّمْثِيلُ صالِحٌ لِاعْتِبارِ التَّفْرِيقِ في تَشْبِيهِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِأجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ فالضَّلالاتُ تُشْبِهُ الظُّلُماتِ، والأعْمالُ الَّتِي اقْتَحَمَها الكافِرُ لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ بِها تُشْبِهُ البَحْرَ، وما يُخالِطُ أعْمالَهُ الحَسَنَةَ مِنَ الأعْمالِ الباطِلَةِ كالبَحَيرَةِ والسّائِبَةِ يُشْبِهُ المَوْجَ في تَخْلِيطِهِ العَمَلَ الحَسَنَ وتَخَلُّلِهِ فِيهِ وهو المَوْجُ الأوَّلُ. وما يَرِدُ عَلى ذَلِكَ مِن أعْمالِ الكُفْرِ كالذَّبْحِ لِلْأصْنامِ يُشْبِهُ المَوْجَ الغامِرَ الآتِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالتَّخَلُّلِ والإفْسادِ وهو المَوْجُ الثّانِي، وما يَحُفُّ اعْتِقادَهُ مِنَ الحَيْرَةِ في تَمْيِيزِ الحَسَنِ مِنَ العَبَثِ ومِنَ القَبِيحِ يُشْبِهُ السَّحابَ الَّذِي يَغْشى ما بَقِيَ في السَّماءِ مِن بَصِيصِ أنْوارِ النُّجُومِ، وتَطَلُّبُهُ الِانْتِفاعَ مِن عَمَلِهِ يُشْبِهُ إخْراجَ الماخِرِ يَدَهُ لِإصْلاحِ أمْرِ سَفِينَتِهِ أوْ تَناوُلِ ما يَحْتاجُهُ فَلا يَرى يَدَهُ بَلْهَ الشَّيْءَ الَّذِي يُرِيدُ تَناوُلَهُ.
24:41Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾
أعْقَبَ تَمْثِيلَ ضَلالِ أهْلِ الضَّلالَةِ وكَيْفَ حَرَمَهُمُ اللَّهُ الهُدى في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]
صفحة ٢٥٨
بِطَلَبِ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ كَيْفَ هَدى اللَّهُ تَعالى كَثِيرًا مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى تَنْزِيهِ اللَّهِ المُقْتَضِي الإيمانَ بِهِ وحْدَهُ، وبِما ألْهَمَ الطَّيْرَ إلى أصْواتِها المُعْرِبَةِ عَنْ بَهْجَتِها بِنِعْمَةِ وجُودِها ورِزْقِها النّاشِئَيْنِ عَنْ إمْدادِ اللَّهِ إيّاها بِهِما فَكانَتْ أصْواتُها دَلائِلَ حالٍ عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ، فَأصْواتُها تَسْبِيحٌ بِلِسانِ الحالِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ومُناسَبَتُهُ ما عَلِمْتَ.
وجُمْلَةُ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ وهو مِن تَمامِ العِبْرَةِ إذْ أوْدَعَ اللَّهُ في جَمِيعِ أُولَئِكَ ما بِهِ مُلازَمَتُهم لِما فُطِرُوا عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ.
فَتَسْبِيحُ العُقَلاءِ حَقِيقَةٌ. وتَسْبِيحُ الطَّيْرِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في الدَّلالَةِ عَلى التَّنْزِيهِ. وفِيهِ اسْتِعْمالُ لَفْظِ التَّسْبِيحِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، ولِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ فَعُبِّرَ بِالصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ مُراعاةً لِاخْتِلافِ حالِ الفَرِيقَيْنِ: فَرِيقُ العُقَلاءِ، وفَرِيقُ الطَّيْرِ وإنْ جَمَعَتْهُما كَلِمَةُ (كُلٌّ)، فَأُطْلِقَ عَلى تَسْبِيحِ العُقَلاءِ اسْمُ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ. فالمُرادُ بِالصَّلاةِ الدُّعاءُ وهو مِن خَصائِصِ العُقَلاءِ، ولَيْسَ في أحْوالِ الطَّيْرِ اسْمُ التَّسْبِيحِ؛ لِأنَّهُ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى الدَّلالَةِ بِالصَّوْتِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ وذَلِكَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ ولَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ لَقِيلَ: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ تَسْبِيحَهُ، أوْ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صِلاتَهُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (ألَمْ تَرَ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . والمُرادُ مَن يَبْلُغُ إلَيْهِ، أوِ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مُخاطَبٍ كَما هو الشَّأْنُ في أمْثالِهِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ فَرِيقِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم مِن أصْحابِ العُقُولِ ومَعَ ذَلِكَ قَدْ حُرِمُوا الهُدى لَمّا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ فِيهِمْ. وقَدْ جَعَلَ الهُدى في العَجْماواتِ إذْ جَبَلَها عَلى إدْراكِ أثَرِ نِعْمَةِ الوُجُودِ والرِّزْقِ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .
صفحة ٢٥٩
والصّافّاتُ: مِن صِفاتِ الطَّيْرِ: يُرادُ بِهِ صَفُّهُنَّ أجْنِحَتَهُنَّ في الهَواءِ حِينَ الطَّيَرانِ. وتَخْصِيصُ الطَّيْرِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ المَخْلُوقاتِ لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَ مَخْلُوقاتِ الأرْضِ والسَّماءِ بِذِكْرِ مَخْلُوقاتٍ في الجَوِّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ولِذَلِكَ قُيِّدَتْ بِـ (صافّاتٍ) .
وفِعْلُ (عَلِمَ) مُرادٌ بِهِ المَعْرِفَةُ لِظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَ عِلْمِ العُقَلاءِ بِصَلاتِهِمْ وعِلْمِ الطَّيْرِ بِتَسْبِيحِها، فَإنَّ الثّانِي مُجَرَّدُ شُعُورٍ وقَصْدٌ لِلْعَمَلِ.
وضَمائِرُ ﴿عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ راجِعَةٌ إلى (كُلٌّ) لا مَحالَةَ.
ولَوْ كانَ المُرادُ بِها التَّوْزِيعَ عَلى مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرِ مِن جِهَةٍ وعَلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن جِهَةٍ لَوَقَعَ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَعْدَ (عَلِمَ) فَلَكانَ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى.
والرُّؤْيَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ؛ لِأنَّ تَسْبِيحَ العُقَلاءِ مَشاهَدٌ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ، وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ مَشاهِدٌ بِاعْتِبارِ مُسَمّاهُ، فَما عَلى النّاظِرِ إلّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ المُسَمّى جَدِيرٌ بِاسْمِ التَّسْبِيحِ.
وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ كانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مَكِينَ الوَقْعِ.
وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنْ جُمْلَةَ (ألَمْ تَرَ) جارِيَةٌ مَجْرى الأمْثالِ في كَلامِ البُلَغاءِ، فَلا التِفاتَ فِيها إلى مَعْنى الرُّؤْيَةِ.
وقِيلَ: الرُّؤْيَةُ هُنا قَلْبِيَّةٌ. وأغْنى المَصْدَرُ عَنِ المَفْعُولَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ وهو إعْلامٌ بِسَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الشّامِلِ لِلتَّسْبِيحِ وغَيْرِهِ مِنَ الأحْوالِ.
والإتْيانُ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ تَغْلِيبٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
24:42Page 355
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.
﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾
صفحة ٢٦٠
تَحْقِيقٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن إعْطائِهِ الهُدى لِلْعَجْماواتِ في شُئُونِهِ وحِرْمانِهِ إيّاهُ فَرِيقًا مِنَ العُقَلاءِ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ لَكانَ هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الطَّيْرِ في شَأْنِهِمْ.
وتَقْدِيمُ المَعْمُولَيْنِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ أنَّ التَّصَرُّفَ في العَوالِمِ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ.
وفِي هَذا انْتِقالٌ إلى دَلالَةِ أحْوالِ المَوْجُوداتِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ، ولِذَلِكَ أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ:
24:43Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣
Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾
أعْقَبَ الدَّلالَةَ عَلى إعْطاءِ الهُدى في قَوانِينِ الإلْهامِ في العَجْماواتِ بِالدَّلالَةِ عَلى خَلْقِ الخَصائِصِ في الجَمادِ بِحَيْثُ تَسِيرُ عَلى السَّيْرِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَها سَيْرًا لا يَتَغَيَّرُ، فَهي بِذَلِكَ أهْدى مِن فَرِيقِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لَهم عُقُولٌ وحَواسٌّ لا يَهْتَدُونَ بِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والنَّظَرِ في أدِلَّتِها، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ ووَحْدانِيَّةِ التَّصَرُّفِ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِنِظامِ بَعْضِ حَوادِثِ الجَوِّ حَتّى آلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ﴾ .
وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا حُسْنُ التَّخَلُّصِ لِلِانْتِقالِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسُمُوِّ الحِكْمَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ.
و(يُزْجِي): يَسُوقُ. يُقالُ: أزْجى الإبِلَ إزْجاءً.
وأُطْلِقَ الإزْجاءُ عَلى دُنُوِّ بَعْضِ السَّحابِ مِن بَعْضٍ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى الشَّبِيهِ بِالسَّوْقِ حَتّى يَصِيرَ سَحابًا كَثِيفًا، فانْضِمامُ بَعْضِ السَّحابِ إلى بَعْضٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّأْلِيفِ بَيْنَ أجْزائِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ إلَخْ.
صفحة ٢٦١
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى السَّحابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والسَّحابُ المُسَخَّرُ﴾ [البقرة: ١٦٤] وفي أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ.
ودَخَلَتْ (بَيْنَ) عَلى ضَمِيرِ السَّحابِ؛ لِأنَّ السَّحابَ ذُو أجْزاءٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
أيْ يُؤَلِّفُ بَيْنَ السَّحاباتِ مِنهُ.
والرُّكامُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّكْمِ. والرَّكْمُ: الجَمْعُ والضَّمُّ. ووَزْنُ فُعالٍ وفُعالَةٍ يَدُلُّ عَلى مَعْنى المَفْعُولِ. فالرُّكامُ بِمَعْنى المَرْكُومِ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] في سُورَةِ الطُّورِ.
فَإذا تَراكَمَ السَّحابُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ حَدَثَ فِيهِ ما يُسَمّى في عِلْمِ حَوادِثِ الجَوِّ بِالسِّيالِ الكَهْرَبائِيِّ وهو البَرْقُ. فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الوَدْقُ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الوَدْقَ هو المَطَرُ، وهو الَّذِي اقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ دَواوِينُ اللُّغَةِ، والمَطَرُ يَخْرُجُ مِن خِلالِ السَّحابِ.
والخِلالُ: الفُتُوقُ، جَمْعُ خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ. وتَقَدَّمَ (خِلالَ الدِّيارِ) في سُورَةِ الإسْراءِ.
ومَعْنى (يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ) يُسْقِطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، أيْ يُنَزِّلُ مِن جَوِّ السَّماءِ إلى الأرْضِ. والسَّماءُ: الجَوُّ الَّذِي فَوْقَ جِهَةِ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: (مِن جِبالٍ) بَدَلٌ مِنَ (السَّماءِ) بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو بَدَلُ بَعْضٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالجِبالِ سَحابٌ أمْثالُ الجِبالِ.
وإطْلاقُ الجِبالِ في تَشْبِيهِ الكَثْرَةِ مَعْرُوفٌ، يُقالُ: فُلانٌ جَبَلُ عِلْمٍ، وطَوْدُ عِلْمٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبا لَسَرَّنِي أنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيالٍ وعِنْدِي مِنهُ شَيْءٌ إلّا شَيْئًا أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ» أيْ: ما كانَ يَسُرُّنِي، فالكَلامُ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ لَما سَرَّنِي، أوْ لَما كانَ سَرَّنِي إلَخْ. .
صفحة ٢٦٢
وحَرْفُ (مِن) الأوَّلِ لِلِابْتِداءِ، و(مِن) الثّانِي كَذَلِكَ و(مِن) في قَوْلِهِ: (مِن بَرْدٍ) مَزِيدَةٌ في الإثْباتِ عَلى رَأْيِ الَّذِينَ جَوَّزُوا زِيادَةَ (مِن) في الإثْباتِ. أوْ تَكُونُ (مِن) اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ.
ومَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فِيها مِن بَرَدٍ﴾ . والتَّقْدِيرُ: يُنَزِّلُ بَرَدًا.
ووُقُوعُ (مِن) زائِدَةً لِقَصْدِ مُشاكَلَةِ قَوْلِهِ: (﴿مِن جِبالٍ﴾) .
وقَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ جَعَلَ نُزُولَ البَرْدِ إصابَةً؛ لِأنَّ الإصابَةَ إذا أُطْلِقَتْ في كَلامِهِمْ دَلَّتْ عَلى أنَّها حُلُولٌ مَكْرُوهٌ. ومِن ذَلِكَ سُمِّيَتِ المُصِيبَةُ الحادِثَةُ المَكْرُوهَةُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠]؛ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: (حَسَنَةٌ) قَرِينَةٌ عَلى إطْلاقِ الإصابَةِ عَلى مُطْلَقِ الحُدُوثِ إمّا مَجازًا مُرْسَلًا وإمّا مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا أوْ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا، فَإنَّ (أصابَ) مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّوْبِ وهو النُّزُولُ ومِنهُ صَوْبُ المَطَرِ، فَجَعَلَ نُزُولَ البَرَدِ إصابَةً؛ لِأنَّهُ يُفْسِدُ الزَّرْعَ والثَّمَرَةَ، فَضَمِيرُ (بِهِ) لِلْبَرْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ وصْفٌ لِـ (سَحابًا) . وضَمِيرُ (بَرْقِهِ) عائِدٌ إلى (سَحابًا) . وفائِدَةُ هَذِهِ الصِّفَةِ تَنْبِيهُ العُقُولِ إلى التَّدَبُّرِ في هَذِهِ التَّغَيُّراتِ إذْ كانَ شُعُورُ النّاسِ بِحُدُوثِ البَرْقِ أوْضَحَ وأكْثَرَ مِن شُعُورِهِمْ بِتَكَوُّنِ السَّحابِ وتَراكُمِهِ ونُزُولِ المَطَرِ والبَرَدِ، إذْ قَدْ يَغْفَلُ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ حُدُوثِهِ وتَعَوُّدِهِمْ بِهِ بِخِلافِ اشْتِدادِ البَرْقِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو أحَدٌ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لَهُ مَرّاتٍ، فَإنَّ أصْحابَ الأبْصارِ الَّتِي حَرَّكَها خَفْقُ البَرْقِ يَتَذَكَّرُونَ تِلْكَ الحالَةَ العَجِيبَةَ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ. ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ خُصِّصَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِن أحْوالِ البَرْقِ بِالذِّكْرِ.
والسَّنا مَقْصُورًا: ضَوْءُ البَرْقِ وضَوْءُ النّارِ. وأمّا السَّناءُ المَمْدُودُ فَهو الرِّفْعَةُ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في أبْياتٍ لَهُ في مُتَشابِهِ المَقْصُورِ والمَمْدُودِ:
زالَ السَّنا عَنْ ناظِرَيْهِ ∗∗∗ وزالَ عَنْ شَرَفِ السَّناءِ
صفحة ٢٦٣
ولامُ التَّعْرِيفِ في (الأبْصارِ) لامُ الحَقِيقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ وهو كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] سِوى أنْ هَذِهِ الآيَةَ زِيدَ فِيها لَفَظُ سَنا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في مَقامِ الِاعْتِبارِ بِتَكْوِينِ السَّحابِ وإنْزالِ الغَيْثِ، فَكانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا البَرْقِ وشِدَّةِ ضِيائِهِ حَتّى يَكُونَ الِاعْتِبارُ بِأمْرَيْنِ: بِتَكْوِينِ البَرْقِ في السَّحابِ، وبِقُوَّةِ ضِيائِهِ حَتّى يَكادَ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، وآيَةُ البَقَرَةِ وارِدَةٌ في مَقامِ التَّهْدِيدِ والتَّشْوِيهِ لِحالِهِمْ حِينَ كانُوا مُظْهِرِينَ الإسْلامَ ومُنْطَوِينَ عَلى الكُفْرِ والجُحُودِ فَكانَتْ حالُهم كَحالَةِ الغَيْثِ المُشْتَمِلِ عَلى صَواعِقَ ورَعْدٍ وبَرْقٍ فَظاهِرُهُ مَنفَعَةٌ، وفي باطِنِهِ قَوارِعُ ومَصائِبُ.
ومِن أجْلِ اخْتِلافِ المَقامَيْنِ وُضِعَ التَّعْبِيرُ هُنا بِـ (﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾) وهُنالِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠])؛ لِأنَّ في الخَطْفِ مِن مَعْنى النِّكايَةِ بِهِمْ والتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ ما لَيْسَ في (يَذْهَبُ) إذْ هو مُجَرَّدُ الِاسْتِلابِ.
وأمّا التَّعْبِيرُ هُنا بِـ (الأبْصارِ) مُعَرَّفًا بِاللّامِ فَلِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ البَرْقَ مُقارِبٌ أنْ يُزِيلَ طائِفَةً مِن جِنْسِ الأبْصارِ؛ إذِ اللّامُ هُنا لامُ الحَقِيقَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقَوْلُهم: ادْخُلِ السُّوقَ؛ لِأنَّ الحُكْمَ عَلى حالَةِ البَرْقِ الشَّدِيدِ مِن حَيْثُ هي. بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ فَإنَّها في مَقامِ التَّوْبِيخِ لَهم بِأنَّ ما شَأْنُهُ أنْ يَنْتَفِعَ النّاسُ بِهِ قَدْ أشْرَفَ عَلى الضُّرِّ بِهِمْ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ لَفْظَ أبْصارٍ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ مَعَ ما في هَذا التَّخالُفِ مَن تَفْنَيْنِ الكَلامِ الواحِدِ عَلى أفانِينَ مُخْتَلِفَةٍ حَتّى لا يَكُونَ الكَلامُ مُعادًا، وإنْ كانَ المَعْنى مُتَّحِدًا ولا تَجِدُ حَقَّ الإيجازِ فائِتًا، فَإنَّ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ في حَدِّ التَّساوِي في الحَرْفِ والنُّطْقِ. وهَكَذا نَرى بَلاغَةَ القُرْآنِ وإعْجازَهُ وحَلاوَةَ نَظْمِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَذْهَبُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الهاءِ، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ وحْدَهُ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ فَتَكُونُ الباءُ مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ مِثْلُ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
24:44Page 356
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤
Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾
صفحة ٢٦٤
التَّقْلِيبُ تَغْيِيرُ هَيْئَةٍ إلى ضِدِّها. ومِنهُ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢] أيْ يُدِيرُ كَفَّيْهِ مِن ظاهِرٍ إلى باطِنٍ، فَتَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَغْيِيرُ الأُفُقِ مِن حالَةِ اللَّيْلِ إلى حالَةِ الضِّياءِ ومِن حالَةِ النَّهارِ إلى حالَةِ الظَّلامِ، فالمُقَلَّبُ هو الجَوُّ بِما يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْراضِ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ حالَةُ ظُلْمَةِ الجَوِّ تُسَمّى لَيْلًا وحالَةُ نُورِهِ تُسَمّى نَهارًا عَبَّرَ عَنِ الجَوِّ في حالَتَيْهِ بِهِما، وعُدِّيَ التَّقْلِيبُ إلَيْهِما بِهَذا الِاعْتِبارِ.
ومِمّا يَدْخُلُ في مَعْنى التَّقْلِيبِ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِالطُّولِ والقِصَرِ. ولِرَعْيِ تَكَرُّرِ التَّقَلُّبِ بِمَعْنَيَيْهِ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ المُقْتَضِي لِلتَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ.
والكَلامُ اسْتِئْنافٌ. وجِيءَ بِهِ مُسْتَأْنِفًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلى آياتِ الِاعْتِبارِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِما قَدْ يَخْفى عَلى بَعْضِ الأبْصارِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما يُشاهِدُهُ كُلُّ ذِي بَصَرٍ كُلَّ يَوْمٍ وكُلَّ شَهْرٍ، فَهو لا يَكادُ يَخْفى عَلى ذِي بَصَرٍ. وهَذا تَدَرُّجٌ في مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ جُمْلَةِ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ [النور: ٤٣] كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. ولِذَلِكَ فالمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾، ولَكِنْ بُنِيَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِما تَقْتَضِيهِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ بِخِلافِ أنْ يُقالَ: إنَّ في تَقْلِيبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَعِبْرَةً.
والإشارَةُ الواقِعَةُ في قَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ) إلى ما تَضَمَّنَهُ فِعْلُ (يُقَلِّبُ) مِنَ المَصْدَرِ. أيْ إنَّ في التَّقْلِيبِ. ويُرَجِّحُ هَذا القَصْدَ ذِكْرُ العِبْرَةِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ المُنْكَرِ.
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) إمّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وإمّا لِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ في تَرْكِهِمْ الِاعْتِبارَ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً.
صفحة ٢٦٥
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ) إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ آنِفًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣] فَيَكُونُ الإفْرادُ في قَوْلِهِ: (لَعِبْرَةً) ناظِرًا إلى أنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ يُفِيدُ جِنْسَ العِبْرَةِ الجامِعَةِ لِلْيَقِينِ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في الكَوْنِ.
ولَمْ تَرِدِ العِبْرَةُ في القُرْآنِ مُعَرَّفَةً بِلامِ الجِنْسِ ولا مَذْكُورَةً بِلَفْظِ الجَمْعِ.
24:45Page 356
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥
Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
لَمّا كانَ الِاعْتِبارُ بِتَساوِي أجْناسِ الحَيَوانِ في أصْلِ التَّكْوِينِ مِن ماءِ التَّناسُلِ مَعَ الِاخْتِلافِ في أوَّلِ أحْوالِ تِلْكَ الأجْناسِ في آثارِ الخِلْقَةِ وهو حالُ المَشْيِ إنَّما هو بِاسْتِمْرارِ ذَلِكَ النِّظامِ بِدُونِ تَخَلُّفٍ وكانَ ذَلِكَ مُحَقَّقًا كانَ إفْراغُ هَذا المَعْنى بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ مُفِيدًا لِأمْرَيْنِ: التَّحَقُّقُ بِالتَّقْدِيمِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، والتَّجَدُّدُ بِكَوْنِ الخَبَرِ فِعْلِيًّا.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الخَلْقِ العَجِيبِ.
واخْتِيرَ فِعْلُ المُضِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْرِيرِ التَّقْوى بِأنَّ هَذا شَأْنٌ مُتَقَرَّرٌ مُنْذُ القِدَمِ مَعَ عَدَمِ فَواتِ الدَّلالَةِ عَلى التَّكْرِيرِ حَيْثُ عُقِّبَ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ ونَصْبِ (كُلَّ) . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ (﴿واللَّهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ﴾) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ وجَرِّ (كُلِّ) بِإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى مَفْعُولِهِ.
صفحة ٢٦٦
والدّابَّةُ: ما دَبَّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أيْ مَشى. وغُلِّبَ هُنا الإنْسانُ فَأُتِي بِضَمِيرِ العُقَلاءِ مُرادًا بِهِ الإنْسانُ وغَيْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
وتَنْكِيرُ (ماءٍ) لِإرادَةِ النَّوْعِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلى اخْتِلافِ صِفاتِ الماءِ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الدَّوابِّ إذِ المَقْصُودُ تَنْبِيهُ النّاسِ إلى اخْتِلافِ النُّطَفِ لِلزِّيادَةِ في الِاعْتِبارِ.
وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] إذْ قَصَدَ ثَمَّةَ إلى أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ مِن جِنْسِ الماءِ وهو جِنْسٌ واحِدٌ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، فَتَعْرِيفُ الجِنْسِ هُناكَ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِفُهُ النّاسُ إجْمالًا ويَعْهَدُونَهُ مِن أنَّ الحَيَوانَ كُلَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُطَفِ أُصُولِهِ. وهَذا مَناطُ الفَرْقِ بَيْنَ التَّنْكِيرِ كَما هُنا وبَيْنَ تَعْرِيفِ الجِنْسِ كَما في آيَةِ ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (خَلَقَ) .
ورُتِّبَ ذِكْرُ الأجْناسِ في حالِ المَشْيِ عَلى تَرْتِيبِ قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ الماشِيَ بِلا آلَةِ مَشْيٍ مُتَمَكِّنَةٍ أعْجَبُ مِنَ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وهَذا المَشْيُ زَحْفًا. أطْلَقَ المَشْيَ عَلى الزَّحْفِ بِالبَطْنِ لِلْمُشاكَلَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الأنْواعِ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي حَصْرَ المَشْيِ في هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الِاعْتِبارُ بِالغالِبِ المُشاهَدِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ زِيادَةٌ في العِبْرَةِ؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ خَلْقُ اللَّهِ ما يَشاءُ أنْ يَخْلُقَهُ مِمّا عَلِمْتُمْ وما لَمْ تَعْلَمُوا، فَهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ وتَذْيِيلٌ. ووَقَعَ فِيهِ إظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِيَكُونَ كامِلًا مُسْتَقِلًّا بِذاتِهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ التَّذْيِيلِ أنْ يَكُونَ كالمَثَلِ.
24:46Page 356
لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦
We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
صفحة ٢٦٧
تَذْيِيلٌ لِلدَّلائِلِ والعِبَرِ السّالِفَةِ وهو نَتِيجَةُ الِاسْتِدْلالِ ولِذَلِكَ خُتِمَ بُقُولِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أيْ إنْ لَمْ يَهْتَدِ بِتِلْكَ الآياتِ أهْلُ الضَّلالَةِ فَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَهْدِهِمْ لِأنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ. والمُرادُ بِالآياتِ هُنا آياتُ القُرْآنِ كَما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ (أنْزَلْنا) ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها بِعَكْسِ قَوْلِهِ السّابِقِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النور: ٣٤] .
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا إقامَةَ الحُجَّةِ دُونَ الِامْتِنانِ لَمْ يُقَيِّدْ إنْزالَ الآياتِ بِأنَّهُ إلى المُسْلِمِينَ كَما قَيَّدَ في قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النور: ٣٤] كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (مُبَيَّناتٍ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ بَيَّنَها اللَّهُ ووَضَّحَها بِبَلاغَتِها وقُوَّةِ حُجَّتِها. وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الياءِ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَإسْنادُ التَّبْيِينِ إلى الآياتِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّها سَبَبُ البَيانِ.
والمَعْنى أنَّ دَلائِلَ الحَقِّ ظاهِرَةٌ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ الهِدايَةَ إلى الحَقِّ لِمَن يَشاءُ هِدايَتَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences