Ibn 'AshurAl‑Furqan · 25:17–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:17–22

25:17–18Page 361

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧

And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨

They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾

عُطِفَ (﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾) إمّا عَلى جُمْلَةِ (﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ١٥]) إنْ كانَ المُرادُ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]) عَلى جَوازِ أنَّ المُرادَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فانْتِصابُ (يَوْمَ نَحْشُرُهم) ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ

صفحة ٣٣٧

مَعْلُومٍ في سِياقِ أمْثالِهِ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَهم بِالسَّعِيرِ وما يُلاقُونَ مِن هَوْلِها بَيَّنَ لَهم حالَ ما قَبْلَ ذَلِكَ وهو حالُهم في الحَشْرِ مَعَ أصْنامِهِمْ. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الهَوْلِ لَهم في المَحْشَرِ إذْ يُشاهِدُونَ خَيْبَةَ آمالِهِمْ في آلِهَتِهِمْ؛ إذْ يَرَوْنَ حَقارَتَها بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وتَبَرُّؤَها مِن عُبّادِها، وشَهادَتَها عَلَيْهِمْ بِكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، وإذْ يَسْمَعُونَ تَكْذِيبَ مَن عَبَدُوهم مِنَ العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ والجِنِّ، ونَسَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهم أمَرُوهم بِالضَّلالاتِ.

وعُمُومُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما يَعْبُدُونَ﴾) شامِلٌ لِأصْنافِ المَعْبُوداتِ الَّتِي عَبَدُوها ولِذَلِكَ أُوثِرَتْ (ما) المَوْصُولَةُ؛ لِأنَّها تَصْدُقُ عَلى العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ. عَلى أنَّ التَّغْلِيبَ هُنا لِغَيْرِ العُقَلاءِ. والخِطابُ في (﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ﴾) لِلْعُقَلاءِ بِقَرِينَةِ تَوْجِيهِ الخِطابِ.

فَجُمْلَةُ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾) جَوابٌ عَنْ سُؤالِ اللَّهِ إيّاهم: (﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾)، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ (يَوْمَ نَحْشُرُهم) ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ و(يَقُولُ) بِالياءِ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (يَحْشُرُهم - ويَقُولُ) كِلَيْهِما بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (نَحْشُرُهم - ونَقُولُ) كِلَيْهِما بِالنُّونِ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ لِلِاسْتِنْطاقِ والِاسْتِشْهادِ. والمَعْنى: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمُوهم أمْ ضَلُّوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ دُونَ تَضْلِيلٍ مِنكم ؟ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ.

وأخْبَرَ بِفِعْلِ (أضْلَلْتُمْ) عَنْ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ المُنْفَصِلِ وبِفِعْلِ (ضَلُّوا) عَنْ ضَمِيرِ الغائِبِينَ المُنْفَصِلِ لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِما عَلى الخَبَرَيْنِ الفِعْلِيَّيْنِ تَقَوِّي الحُكْمِ المُقَرَّرِ بِهِ لِإشْعارِهِمْ بِأنَّهم لا مَناصَ لَهم مِنَ الإقْرارِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ وأنَّ أحَدَهم مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ. فالمَقْصُودُ بِالتَّقْوِيَةِ هو مُعادِلُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو (﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾) .

صفحة ٣٣٨

والمُجِيبُونَ هُمُ العُقَلاءُ مِنَ المَعْبُودِينَ: المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وقَوْلُهم (سُبْحانَكَ) كَلِمَةُ تَنْزِيهٍ كُنِّيَ بِها عَنِ التَّعَجُّبِ مِن قَوْلٍ فَظِيعٍ، كَقَوْلِ الأعْشى:

قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ

وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ (﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]) . واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ ضَمِيرِ (نَحْشُرُهم) أنْ يَعُودَ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَرَّعَتْهُمُ الآيَةُ بِالوَعِيدِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا (﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]) إلى قَوْلِهِ: (مَسْحُورًا)؛ لَكِنْ ما يَقْتَضِيهِ وصْفُهم بِـ (الظّالِمُونَ) والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ﴾ [الفرقان: ١١]) مِن شُمُولِ كُلِّ مَن تَحَقَّقَ فِيهِ مَضْمُونُ الصِّلَةِ، كُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (نَحْشُرُهم) عائِدًا إلى (مَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ) فَيَشْمَلُ المُشْرِكِينَ المَوْجُودِينَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ ومَنِ انْقَرَضَ مِنهم بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ومَن سَيَأْتِي بَعْدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ.

ووَصْفُ العِبادِ هُنا تَسْجِيلٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِالعُبُودِيَّةِ وتَعْرِيضٌ بِكُفْرانِهِمْ حَقَّها.

والإشارَةُ إلَيْهِمْ لِتَمْيِيزِهِمْ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ العِبادِ.

وهَذا أصْلٌ في أداءِ الشَّهادَةِ عَلى عَيْنِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ لَدى القاضِي.

وإسْنادُ القَوْلِ إلى ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ في الأصْنامِ نُطْقًا يَسْمَعُهُ عَبَدَتُها، أمّا غَيْرُ الأصْنامِ مِمَّنْ عُبِدَ مِنَ العُقَلاءِ فالقَوْلُ فِيهِمْ ظاهِرٌ.

وإعادَةُ فِعْلِ (ضَلُّوا) في قَوْلِهِ: (﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾) لِيَجْرِيَ عَلى ضَمِيرِهِمْ مُسْنَدٌ فِعْلِيٌّ فَيُفِيدُ التَّقَوِّيَ في نِسْبَةِ الضَّلالِ إلَيْهِمْ. والمَعْنى: أمْ هم ضَلُّوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ دُونَ تَضْلِيلٍ مِنكم. وحَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى بِـ (عَنْ) ولَكِنَّهُ عُدِّيَ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (أخْطَئُوا)، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ.

و (سُبْحانَكَ) تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في مَقامِ الِاعْتِرافِ بِأنَّهم يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ أنْ يَدَّعُوا لِأنْفُسِهِمْ مُشارَكَتَهُ في الإلَهِيَّةِ.

صفحة ٣٣٩

ومَعْنى (﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾) ما يُطاوِعُنا طَلَبُ أنْ نَتَّخِذَ عَبَدَةً؛ لِأنَّ (انْبَغى) مُطاوِعُ (بَغاهُ) إذا طَلَبَهُ. فالمَعْنى: لا يُمْكِنُ لَنا اتِّخاذُنا أوْلِياءَ، أيْ عِبادًا، قالَ تَعالى: (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ طَلَبِهِمْ هَذا الِاتِّخاذَ انْتِفاءً شَدِيدًا، أيْ نَتَبَرَّأُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ نَفْيَ (كانَ) وجَعْلَ المَطْلُوبِ نَفْيُهُ خَبَرًا عَنْ (كانَ) أقْوى في النَّفْيِ ولِذَلِكَ يُسَمّى جُحُودًا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ فائِدَتِهِ، أيْ نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَنا فَكَيْفَ نُحاوِلُهُ.

و (مِن) في قَوْلِهِ (مِن دُونِكَ) لِلِابْتِداءِ؛ لِأنَّ أصْلَ (دُونَ) أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ مَحْذُوفٌ يُضافُ إلَيْهِ (دُونَ) نَحْوُ: جَلَسْتُ دُونَ، أيْ دُونَ مَكانِهِ، فَمَوْقِعُ (مِن) هُنا مَوْقِعُ الحالِ مِن (أوْلِياءَ) . وأصْلُها صِفَةٌ لِـ (أوْلِياءَ) فَلَمّا قُدِّمَتِ الصِّفَةُ عَلى المَوْصُوفِ صارَتْ حالًا. والمَعْنى: لا نَتَّخِذُ أوْلِياءَ لَنا مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم مِن جانِبٍ دُونَ جانِبِكَ، أيْ أنَّهم لا يَعْتَرِفُونَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ في الإلَهِيَّةِ فَهم يُشْرِكُونَ مَعَكَ في الإلَهِيَّةِ.

وعَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ: أنَّ (مِن) هُنا زائِدَةٌ. وأجازَ زِيادَةَ (مِن) في المَفْعُولِ.

و (مِن) في قَوْلِهِ (مِن أوْلِياءَ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ عُمُومِ النَّفْيِ، أيِ اسْتِغْراقِهِ؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ.

والأوْلِياءُ: جَمْعُ الوَلِيِّ بِمَعْنى التّابِعِ في الوَلاءِ فَإنَّ الوَلِيَّ يُرادِفُ المَوْلى فَيَصْدُقُ عَلى كِلا طَرَفَيِ الوَلاءِ، أيْ عَلى السَّيِّدِ والعَبْدِ، أوِ النّاصِرِ والمَنصُورِ. والمُرادُ هُنا: الوَلِيُّ التّابِعُ كَما في قَوْلِهِ: (﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]) في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ لا نَطْلُبُ مِنَ النّاسِ أنْ يَكُونُوا عابِدِينَ لَنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَتَّخِذُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (نُتَّخَذَ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ أنْ يَتَّخِذَنا النّاسُ أوْلِياءَ لَهم مِن دُونِكَ. فَمَوْقِعُ (مِن دُونِكَ) مَوْقِعُ الحالِ مِن ضَمِيرِ (نُتَّخَذَ) . والمَعْنى عَلَيْهِ: أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن أنْ يَدْعُوا النّاسَ لِعِبادَتِهِمْ، وهَذا تَسْفِيهٌ لِلَّذِينَ عَبَدُوهم

صفحة ٣٤٠

ونَسَبُوا إلَيْهِمْ مُوالاتَهم. والمَعْنى: لا نَتَّخِذُ مَن يُوالِينا دُونَكَ، أيْ مَن يَعْبُدُنا دُونَكَ.

والِاسْتِدْراكُ الَّذِي أفادَهُ (لَكِنْ) ناشِئٌ عَنِ التَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المُضِلِّينَ لَهم بِتَعْقِيبِهِ بِبَيانِ سَبَبِ ضَلالِهِمْ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ تَبْرِئَةَ أنْفُسِهِمْ مِن إضْلالِهِمْ يَرْفَعُ تَبِعَةَ الضَّلالِ عَنِ الضّالِّينَ. والمَقْصُودُ بِالِاسْتِدْراكِ ما بَعْدَ (حَتّى) وهو (﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾)، وأمّا ما قَبْلَها فَقَدْ أُدْمِجَ بَيْنَ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ومَدْخُولِهِ ما يُسَجِّلُ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم قابَلُوا رَحْمَةَ اللَّهِ ونِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ بِالكُفْرانِ، فالخَبَرُ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ مَتَّعَ الضّالِّينَ وآباءَهم مُسْتَعْمَلٌ في الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ، وفي الإنْكارِ عَلى المُشْرِكِينَ مُقابَلَةَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ.

وجَعَلَ نِسْيانَهُمُ الذِّكْرَ غايَةً لِلتَّمْتِيعِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ أفْضى إلى الكُفْرانِ لِخُبْثِ نُفُوسِهِمْ فَهو كَجَوْدٍ في أرْضٍ سَبِخَةٍ، قالَ تَعالى: (﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]) .

والتَّعَرُّضُ إلى تَمْتِيعِ آبائِهِمْ هُنا مَعَ أنَّ نِسْيانَ الذِّكْرِ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ ونَسُوا الذِّكْرَ، أيْ: القُرْآنَ، هو زِيادَةُ تَعْظِيمِ نِعْمَةِ التَّمْتِيعِ عَلَيْهِمْ بِأنَّها نِعْمَةٌ مُتَأثِّلَةٌ تَلِيدَةٌ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ قَدِ انْجَرَّ لَهم مِن آبائِهِمُ الَّذِينَ سَنُّوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَناعَةِ الإشْراكِ ولَوْ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ .

وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ (نَسُوا) وضَمِيرَ (كانُوا) عائِدانِ إلى الظّالِمِينَ المُكَذِّبِينَ بِالإسْلامِ دُونَ آبائِهِمْ؛ لِأنَّ الآباءَ لَمْ يَسْمَعُوا الذِّكْرَ.

والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ عَنْ عَمْدٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّهُ إعْراضٌ يُشْبِهُ النِّسْيانَ في كَوْنِهِ عَنْ غَيْرِ تَأمُّلٍ ولا بَصِيرَةٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١]) في سُورَةِ الأنْعامِ.

والذِّكْرُ: القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يَتَذَكَّرُ بِهِ الحَقَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ٣٤١

(﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) في سُورَةِ الحِجْرِ.

والبُورُ: جَمْعُ بائِرٍ كالعُوذِ جَمْعِ عائِذٍ، والبائِرُ: هو الَّذِي أصابَهُ البَوارُ، أيِ الهَلاكُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]) أيِ المَوْتِ. وقَدِ اسْتُعِيرَ البَوْرُ لِشِدَّةِ سُوءِ الحالَةِ بِناءً عَلى العُرْفِ الَّذِي يَعُدُّ الهَلاكَ آخِرَ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ الحَيُّ مِن سُوءِ الحالِ كَما قالَ تَعالى: (﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢])، أيْ سُوءُ حالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ وهم عَنْهُ غافِلُونَ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ في لُغَةِ الأزْدِ، وأنَّهُ وما اشْتُقَّ مِنهُ مِمّا جاءَ في القُرْآنِ بِغَيْرِ لُغَةِ مُضَرَ.

واجْتِلابُ فِعْلِ (كانَ) وبِناءُ (بُورًا) عَلى (قَوْمًا) دُونَ أنْ يُقالَ: حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وبارُوا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ البَوارِ مِنهم بِما تَقْتَضِيهِ (كانَ) مَن تَمَكُّنِ مَعْنى الخَبَرِ، وما يَقْتَضِيهِ (قَوْمًا) مِن كَوْنِ البَوارِ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

25:19Page 361

فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩

So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.

﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ .

الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ إفْصاحٌ عَنْ حُجَّةٍ بَعْدَ تَهْيِئَةِ ما يَقْتَضِيها، وهو إفْصاحٌ رائِعٌ وزادَهُ الِالتِفاتُ في قَوْلِهِ: (كَذَّبُوكم) .

وفِي الكَلامِ حَذْفُ فِعْلِ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ. والتَّقْدِيرُ: إنْ قُلْتُمْ: هَؤُلاءِ آلِهَتُنا فَقَدْ كَذَّبُوكم، وقَدْ جاءَ التَّصْرِيحُ بِما يَدُلُّ عَلى القَوْلِ المَحْذُوفِ في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ.

قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسَـانَـا

أيْ: إنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ جِئْنا خُراسانَ. وفي حَذْفِ فِعْلِ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِحْضارٌ لِصُورَةِ المَقامِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ غَيْرُ مَحْكِيٍّ، وكَأنَّ السّامِعَ آخِرَ الآيَةِ قَدْ سَمِعَ لِهَذِهِ المُحاوَرَةِ مُباشَرَةً دُونَ حِكايَةٍ فَقَرَعَ سَمْعَهُ شَهادَةُ الأصْنامِ عَلَيْهِمْ

صفحة ٣٤٢

ثُمَّ قَرَعَ سَمْعَهُ تُوَجُّهُ خِطابِ التَّكْذِيبِ إلى المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ، وهو تَفَنُّنٌ بَدِيعٌ في الحِكايَةِ يَعْتَمِدُ عَلى تَخْيِيلِ المَحْكِيِّ واقِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]) . فَجُمْلَةُ (﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ هو إقْبالٌ عَلى خِطابِ الحاضِرِينَ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الِالتِفاتِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]) بَعْدَ قَوْلِهِ: (﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ [يوسف: ٢٩]) .

والباءُ في قَوْلِهِ (بِما تَقُولُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ كَذَّبُوكم تَكْذِيبًا واقِعًا فِيما تَقُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ كَذَّبُوكم بِسَبَبِ ما تَقُولُونَ.

و (ما) مَوْصُولَةٌ. والَّذِي قالُوهُ هو ما يُسْتَفادُ مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ، وهو أنَّهم قالُوا إنَّهم دَعَوْهم إلى أنْ يَعْبُدُوهم.

وفُرِّعَ عَلى الإعْلانِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم تَأْيِيسُهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِمْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ إذْ بَيَّنَ لَهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا؛ أيْ: صَرْفَ ضُرٍّ عَنْهم، ولا نَصْرًا؛ أيْ: إلْحاقَ ضُرٍّ بِمَن يَغْلِبُهم. ووَجْهُ التَّفْرِيعِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: (سُبْحانَكَ) الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهم في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَسْتَطِيعُونَ) بِياءِ الغائِبِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ مِن دُونِ اللَّهِ.

* * *

(﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾) .

تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يَشْمَلُ عُمُومُهُ جَمِيعَ النّاسِ، ويَكُونُ خِطابُ (مِنكم) لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. ويُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم مُعَذَّبُونَ عَذابًا كَبِيرًا: والعَذابُ الكَبِيرُ هو عَذابُ جَهَنَّمَ.

25:20Page 361

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ .

صفحة ٣٤٣

هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: (﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]) بَعْدَ أنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: (﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٨]) بِقَوْلِهِ: (﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠])، ولَكِنْ لَمّا كانَ قَوْلُهم: (﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨]) حالَةً لَمْ تُعْطَ لِلرُّسُلِ في الدُّنْيا كانَ رَدُّ قَوْلِهِمْ فِيها بِأنَّ اللَّهَ أعْطاهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ في الآخِرَةِ.

وأمّا قَوْلُهم: (﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]) فَقَدْ تَوَسَّلُوا بِهِ إلى إبْطالِ رِسالَتِهِ بِثُبُوتِ صِفاتِ البَشَرِ لَهُ، فَكانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ البَشَرِ، ولَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ مُنْكِرِينَ وُجُودَ رُسُلٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ قالُوا: (﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥])، وإذا كانُوا مَوْجُودِينَ فَبِالضَّرُورَةِ كانُوا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ؛ إذْ هم مِنَ البَشَرِ ويَمْشُونَ في أسْواقِ المُدُنِ والبادِيَةِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ تَكُونُ في مَجامِع النّاسِ. وقَدْ قالَ مُوسى: (﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]) . وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُو قُرَيْشًا في مَجامِعِهِمْ ونَوادِيهِمْ ويَدْعُو سائِرَ العَرَبِ في عُكاظٍ وفي أيّامِ المَوْسِمِ.

وجُمْلَةُ (﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عُمُومُ الأحْوالِ. والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ في حالٍ إلّا في حالِ (﴿إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾) . والتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ الحالِ تَنْزِيلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَناسِيهِمْ أحْوالَ الرُّسُلِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الرُّسُلُ السّابِقُونَ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ. ولَمْ تَقْتَرِنْ جُمْلَةُ الحالِ بِالواوِ؛ لِأنَّ وُجُودَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ كافٍ في الرَّبْطِ ولا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ الرَّبْطُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ فَلا يُزادُ حَرْفٌ آخَرُ فَيَتَوالى أرْبَعَةُ حُرُوفٍ وهي: إلّا، وإنَّ، واللّامُ، ويُزادُ الواوُ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]) . وقَوْلِهِ: (﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]) .

وإنَّما أبْقى اللَّهُ الرُّسُلَ عَلى الحالَةِ المُعْتادَةِ لِلْبَشَرِ فِيما يَرْجِعُ إلى أسْبابِ الحَياةِ المادِّيَّةِ؛ إذْ لا حِكْمَةَ في تَغْيِيرِ حالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما يُغَيِّرُ اللَّهُ حَياتَهُمُ

صفحة ٣٤٤

النَّفْسِيَّةَ؛ لِأنَّ في تَغْيِيرِها إعْدادَ نُفُوسِهِمْ لِتَلَقِّي الفَيُوضاتِ الإلَهِيَّةِ.

ولِلَّهِ تَعالى حِفاظٌ عَلى نَوامِيسِ نِظامِ الخَلائِقِ والعَوالِمِ؛ لِأنَّهُ ما خَلَقَها عَبَثًا فَهو لا يُغَيِّرُها إلّا بِمِقْدارِ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهُ مِن تَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

* * *

(﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾) .

تَذْيِيلٌ، فَضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ: (بَعْضَكم) يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وكِلا البَعْضَيْنِ مُبْهَمٌ يُبَيِّنُهُ المَقامُ. وحالُ الفِتْنَةِ في كِلا البَعْضَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَبَعْضُها فِتْنَةٌ في العَقِيدَةِ، وبَعْضُها فِتْنَةٌ في الأمْنِ، وبَعْضُها فِتْنَةٌ في الأبْدانِ.

والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (فِتْنَةً) مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ، وشَمِلَ أحَدُ البَعْضَيْنِ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، والبَعْضُ الآخَرُ المُشْرِكِينَ؛ فَكانَ حالُ الرَّسُولِ فِتْنَةً لِلْمُشْرِكِينَ؛ إذْ زَعَمُوا أنَّ حالَهُ مُنافٍ لِلرِّسالَةِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وكانَ حالُ المُؤْمِنِينَ في ضَعْفِهِمْ فِتْنَةً لِلْمُشْرِكِينَ؛ إذْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ الَّذِي يُسَوِّيهِمْ بِهِمْ، فَقَدْ كانَ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنُ وائِلٍ وأضْرابُهم يَقُولُونَ: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ تَرَفَّعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ. وهَذا كَقَوْلِ صَنادِيدِ قَوْمِ نُوحٍ: لا نُؤْمِنُ حَتّى تَطْرُدَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ، فَقالَ: (﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠]) .

وقالَ تَعالى لِلنَّبِيءِ ﷺ: (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]) .

صفحة ٣٤٥

والكَلامُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَنْ إعْراضِ بَعْضِ قَوْمِهِ عَنِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: (أتَصْبِرُونَ)، وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ والأمْرِ كَقَوْلِهِ (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) .

ومَوْقِعُ (﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾) مَوْقِعُ الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ هو عَلِيمٌ بِالصّابِرِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ جَزاءَ الرَّسُولِ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ وأنَّهُ ناصِرُهُ عَلَيْهِمْ.

وفِي الإسْنادِ إلى وصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ إلْماعٌ إلى هَذا الوَعْدِ فَإنَّ الرَّبَّ لا يُضَيِّعُ أوْلِياءَهُ كَقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَك اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]) أيِ النَّصْرُ المُحَقَّقُ.

25:21Page 362

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١

And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.

صفحة ٥

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ .

حِكايَةُ مُقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ عَنْوَنَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ المَقالَةِ بِـ (﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾) وعَنْوَنَ عَلَيْهِمْ في المَقالاتِ السّابِقَةِ بِـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) وبِـ (الظّالِمُونَ)؛ لِأنَّ بَيْنَ هَذا الوَصْفِ وبَيْنَ مَقالَتِهِمُ انْتِقاضًا، فَهم كَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ بِما فِيهِ مِن رُؤْيَةِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ، وطَلَبُوا رُؤْيَةَ اللَّهِ في الدُّنْيا، ونُزُولَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وأرادُوا تَلَقِّيَ الدِّينِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ اللَّهِ مُباشَرَةً، فَكانَ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ وذِكْرِ وصْفِهِمْ تَعْجِيبٌ مِن تَناقُضِ مَدارِكِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الشِّرْكِ شَهِدُوا أنْفُسُهم بِإنْكارِ البَعْثِ وتَوَهَّمُوا أنَّ شُبْهَتَهم في إنْكارِهِ أقْوى حُجَّةٍ لَهم في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أيْضًا جَعَلَ قَوْلَهم ذَلِكَ طَرِيقًا لِتَعْرِيفِهِمْ بِالمَوْصُولِ كَما قالَ تَعالى: (﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]) في سُورَةِ يُونُسَ.

و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ والِاسْتِحالَةِ، أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ فَنُؤْمِنُ بِما جِئْتَ بِهِ، يَعْنُونَ أنَّهُ إنْ كانَ صادِقًا فَلْيَسْألْ مِن رَبِّهِ وسِيلَةً أُخْرى لِإبْلاغِ الدِّينِ إلَيْهِمْ.

ومَعْنى (لا يَرْجُونَ) لا يَظُنُّونَ ظَنًّا قَرِيبًا، أيْ يَعُدُّونَ لِقاءَ اللَّهِ مُحالًا. ومَقْصِدُهم مِن مَقالِهِمْ أنَّهم أعْلى مِن أنْ يَتَلَقَّوُا الدِّينَ مِن رَجُلٍ مِثْلِهِمْ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾) عَلى مَعْنى التَّعْجِيبِ مِنَ ازْدِهائِهِمْ وغُرُورِهِمُ الباطِلِ.

صفحة ٦

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ جَوابٍ عَنْ قَوْلِهِمْ. والتَّأْكِيدُ بِلامِ القَسَمِ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ القَسَمَ يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَقَوْلِ أحَدِ بَنِي كِلابٍ أوْ بَنِي نُمَيْرٍ أنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ في مَجالِسِهِ والقالِيُّ في أمالِيهِ:

ألا يا سَنا بَرْقٍ عَلى قُلَلِ الحِمى لَهِنَّكَ مِن بَرْقٍ عَلَـيَّ كَرِيمُ

فَإنَّ قَوْلَهُ: مِن بَرْقٍ، في قُوَّةِ التَّمْيِيزِ وإنَّما يَكُونُ التَّمْيِيزُ فِيهِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعَجُّبِ.

والِاسْتِكْبارُ: مُبالَغَةٌ في التَّكَبُّرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَجابَ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ؛ شُبِّهَتْ أنْفُسُهم بِالظُّرُوفِ في تَمَكُّنِ المَظْرُوفِ مِنها، أيْ هو اسْتِكْبارٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (في) لِلتَّعْلِيلِ كَما في الحَدِيثِ «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها» الحَدِيثَ، أيِ: اسْتَكْبَرُوا لِأجْلِ عَظَمَةِ أنْفُسِهِمْ في زَعْمِهِمْ. ولَيْسَتِ الظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةً لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِاسْتِكْبارَ لا يَكُونُ إلّا في النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأفْعالِ النَّفْسِيَّةِ.

والعُتُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧]) في الأعْرافِ. وإنَّما كانَ هَذا ظُلْمًا؛ لِأنَّهم تَجاوَزُوا مِقْدارَ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ مِنَ القابِلِيَّةِ.

وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ النُّبُوءَةَ لا تَكُونُ بِالِاكْتِسابِ وإنَّما هي إعْدادٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَ: (﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) ) .

25:22Page 362

يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢

The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ثانٍ جَوابٌ عَنْ مَقالَتِهِمْ، فَبَعْدَ إبْداءِ التَّعْجِيبِ مِنها عَقَّبَ بِوَعِيدٍ لَهم فِيهِ حُصُولُ بَعْضِ ما طَلَبُوا حُصُولَهُ الآنَ، أيْ هم سَيَرَوْنَ المَلائِكَةَ، ولَكِنَّها رُؤْيَةٌ تَسُوءُهم حِينَ يَرَوْنَ زَبانِيَةَ العَذابِ يَسُوقُونَهم إلى النّارِ، فَفي هَذا الِاسْتِئْنافِ تَمْلِيحٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ابْتِداءَهُ مُطَمِّعٌ بِالِاسْتِجابَةِ، وآخِرَهُ مُؤَيَّسٌ بِالوَعِيدِ، فالكَلامُ جَرى

صفحة ٧

عَلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَوَرُّكِهِمْ، والمَقْصُودُ إبْلاغُهُ لَهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ يَرَوْنَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ (لا بُشْرى) . وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِإثارَةِ الطَّمَعِ ولِلتَّشْوِيقِ إلى تَعْيِينِ إبّانِهِ حَتّى إذا ورَدَ ما فِيهِ خَيْبَةُ طَمَعِهِمْ كانَ لَهُ وقْعُ الكَآبَةِ عَلى نُفُوسِهِمْ حِينَما يَسْمَعُونَهُ.

وإعادَةُ (يَوْمَئِذٍ) تَأْكِيدٌ.

وذِكْرُ وصْفِ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُجْرِمُونَ بَعْدَ أنْ وُصِفُوا بِالكُفْرِ والظُّلْمِ واليَأْسِ مِن لِقاءِ اللَّهِ. وانْتِفاءُ البُشْرى مُسْتَعْمَلٌ في إثْباتِ ضِدِّهِ وهو الحُزْنُ.

و(حِجْرٌ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، ويُقالُ بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّها عَلى النُّدْرَةِ فَهي كَلِمَةٌ يَقُولُونَها عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُخافُ مِن إصابَتِهِ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِعاذَةِ. قالَ الخَلِيلُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: كانَ الرَّجُلُ إذا رَأى الرَّجُلَ الَّذِي يَخافُ مِنهُ أنْ يَقْتُلَهُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ يَقُولُ لَهُ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ حَرامٌ قَتْلِي، وهي عُوذَةٌ.

و(حِجْرٌ): مَصْدَرُ حَجَرَهُ، إذا مَنَعَهُ قالَ تَعالى: وحَرْثٌ حِجْرٌ، وهو في هَذا الِاسْتِعْمالِ لازِمُ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِثْلُ: مَعاذَ اللَّهِ، وأمّا رَفْعُهُ في قَوْلِ الرّاجِزِ:

قالَ فِيها حَيْدَةٌ وذُعْـرُ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ

فَهُوَ تَصَرُّفٌ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ضَرُورَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ في اسْتِعْمالِ هَذِهِ الكَلِماتِ في هَذا الغَرَضِ وهو الَّذِي حَكاهُ الرّاجِزُ. وأمّا رَفْعُ (حِجْرٌ) في غَيْرِ حالَةِ اسْتِعْمالِهِ لِلتَّعَوُّذِ فَلا مانِعَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ مَنصُوبًا لا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣])، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ (جَعَلَ) وسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

و(مَحْجُورًا) وصَفٌ لِـ (حِجْرًا) مُشْتَقٌّ مِن مادَّتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَعْنى المُشْتَقِّ مِنهُ كَما قالُوا: لَيْلٌ ألْيَلُ. وذَيْلٌ ذائِلٌ، وشِعْرٌ شاعِرٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском