Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:7–16
25:7Page 360
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٨] .
انْتِقالٌ مِن حِكايَةِ مَطاعِنِهِمْ في القُرْآنِ وبَيانِ إبْطالِها إلى حِكايَةِ مَطاعِنِهِمْ في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَمَدْلُولُ الصِّفَةِ مُراعًى كَما تَقَدَّمَ.
صفحة ٣٢٧
وقَدْ أوْرَدُوا طَعْنَهم في نُبُوءَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الحالَةِ المُخْتَصَّةِ بِهِ إذْ أوْرَدُوا اسْمَ الِاسْتِفْهامِ ولامَ الِاخْتِصاصِ، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ الَّتِي مَضْمُونُها مَثارُ الِاسْتِفْهامِ.
والِاسْتِفْهامُ تَعَجِيبِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو بُطْلانُ كَوْنِهِ رَسُولًا بِناءً عَلى أنَّ التَّعَجُّبَ مِنَ الدَّعْوى يَقْتَضِي اسْتِحالَتَها أوْ بُطْلانَها. وتَرْكِيبُ (ما لِهَذا) ونَحْوُهُ يُفِيدُ الِاسْتِفْهامَ عَنْ أمْرٍ ثابِتٍ لَهُ، فاسْمُ الِاسْتِفْهامِ مُبْتَدَأٌ و (لِهَذا) خَبَرٌ عَنْهُ، فَمَثارُ الِاسْتِفْهامِ في هَذِهِ الآيَةِ هو ثُبُوتُ حالِ أكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ لِلَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ.
فَجُمْلَةُ (يَأْكُلُ الطَّعامَ) جُمْلَةُ حالٍ. وقَوْلُهم: (لِهَذا الرَّسُولِ) أجْرَوْا عَلَيْهِ وصْفَ الرِّسالَةِ مُجاراةً مِنهم لِقَوْلِهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولَكِنَّهم بَنَوْا عَلَيْهِ لِيَتَأتّى لَهُمُ التَّعَجُّبُ، والمُرادُ مِنهُ الإحالَةُ والإبْطالُ.
والإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ، وقَدْ بَيَّنَ الإشارَةَ ما بَعْدَها مِنَ اسْمٍ مُعَرَّفٍ بِلامِ العَهْدِ وهو الرَّسُولُ.
وكَنَّوْا بِأكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ عَنْ مُماثَلَةِ أحْوالِهِ لِأحْوالِ النّاسِ تَذَرُّعًا مِنهم إلى إبْطالِ كَوْنِهِ رَسُولًا لِزَعْمِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ عَنِ اللَّهِ تَكُونُ أحْوالُهُ غَيْرَ مُماثِلَةٍ لِأحْوالِ النّاسِ، وخَصُّوا أكْلَ الطَّعامِ والمَشْيَ في الأسْواقِ؛ لِأنَّهُما مِنَ الأحْوالِ المُشاهَدَةِ المُتَكَرِّرَةِ. ورَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم هَذا بِقَوْلِهِ: (﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]) . ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى اقْتِراحِ أشْياءَ تُؤَيِّدُ رِسالَتَهُ فَقالُوا: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾) . وخَصُّوا مِن أحْوالِ الرَّسُولِ حالَ النِّذارَةِ؛ لِأنَّها الَّتِي أنْبَتَتْ حِقْدَهم عَلَيْهِ.
و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، أيْ لَوْ أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ لاتَّبَعْناهُ.
وانْتَصَبَ (فَيَكُونَ) عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في دَلائِلِ الرِّسالَةِ في وهْمِهِمْ.
صفحة ٣٢٨
ومَعْنى (﴿يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨]) أيْ: يَنْزِلُ إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ، إذْ كانَ الغِنى فِتْنَةً لِقُلُوبِهِمْ. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْطاءِ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَتَخَيَّلُونَ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ.
والكَنْزُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢]) في سُورَةِ هُودٍ. وجَعَلُوا إعْطاءَ جَنَّةٍ لَهُ عَلامَةً عَلى النُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ وُجُودَ الجَنَّةِ في مَكَّةَ خارِقٌ لِلْعادَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٨]) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ إلى (هَذا الرَّسُولِ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (﴿نَأْكُلُ مِنها﴾ [المائدة: ١١٣]) بِنُونِ الجَماعَةِ. والمَعْنى: لِيَتَيَقَّنُوا أنَّ ثَمَرَها حَقِيقَةٌ لا سِحْرٌ.
ذَكَرَ أصْحابُ السِّيَرِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ صَدَرَتْ مِن كُبَراءِ المُشْرِكِينَ وفي مَجْلِسٍ لَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ عَتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرُوها تَداوَلها أهَّلُ المَجْلِسِ؛ إذْ لَمْ يُعَيِّنْ أهْلُ السِّيَرِ قائِلَها.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأشاعُوا ذَلِكَ في النّاسِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في سُورَةِ الإسْراءِ.
وكُتِبَتْ لامُ (ما لِـ هَذا) مُنْفَصِلَةً عَنِ اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي بَعْدَها في المُصْحَفِ الإمامِ فاتَّبَعَتْهُ المَصاحِفُ؛ لِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ فِيهِ، كَما كُتِبَ (﴿ما لِـ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]) في سُورَةِ الكَهْفِ، وكَما كُتِبَ (﴿مالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦]) في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ، كَما كُتِبَ (﴿فَما لِـ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ [النساء: ٧٨]) في سُورَةِ النِّساءِ. ولَعَلَّ وجْهَ هَذا الِانْفِصالِ أنَّهُ طَرِيقَةُ رَسْمٍ قَدِيمٍ كانَتِ الحُرُوفُ تُكْتَبُ مُنْفَصِلًا بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ ولا سِيَّما حُرُوفُ المَعانِي فَعامَلُوا
صفحة ٣٢٩
ما كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ مُعامَلَةَ ما كانَ عَلى حَرْفَيْنِ، فَبَقِيَتْ عَلى يَدِ أحَدِ كُتّابِ المُصْحَفِ أثارَةٌ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ حُرُوفِ الهِجاءِ كُلِّها الِانْفِصالُ، وكَذَلِكَ هي في الخُطُوطِ القَدِيمَةِ لِلْعَرَبِ وغَيْرِهِمْ. وكانَ وصْلُ حُرُوفِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ تَحْسِينًا لِلرَّسْمِ وتَسْهِيلًا لِتَبادُرِ المَعْنى، وأمّا ما كانَ مِن كَلِمَتَيْنِ فَوَصْلُهُ اصْطِلاحٌ. وأكْثَرُ ما وصَلُوا مِنهُ الكَلِمَةُ المَوْضُوعَةُ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ مِثْلُ حُرُوفِ القَسَمِ أوْ كالواحِدِ مِثْلُ (ألْ) .
25:8–9Page 360
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
( ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
الظّالِمُونَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، فَغَيَّرَ عُنْوانَهُمُ الأوَّلَ إلى عُنْوانِ الظُّلْمِ وهم هم تَنْبِيهًا عَلى أنَّ في هَذا القَوْلِ اعْتِداءً عَلى الرَّسُولِ بِنَبْزِهِ بِما هو بَرِيءٌ مِنهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَظُلْمُهم لَهُ أشَدُّ ظُلْمٍ وﷺ .
ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ قائِلَ: (﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾) هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى، أيْ: هو مُبْتَكِرُ هَذا البُهْتانِ وإنَّما أُسْنِدَ القَوْلُ إلى جَمِيعِ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم تَلَقَّفُوهُ ولَهَجُوا بِهِ.
والمَسْحُورُ: الَّذِي أصابَهُ السِّحْرُ، وهو يُورِثُ اخْتِلالَ العَقْلِ عِنْدَهم، أيْ: ما تَتْبَعُونَ إلّا رَجُلًا أصابَهُ خَلَلُ العَقْلِ فَهو يَقُولُ ما لا يَقُولُ مِثْلَهُ العُقَلاءُ.
وذَكَرَ (رَجُلًا) هُنا لِتَمْهِيدِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ رَسُولًا؛ لِأنَّهُ رَجُلٌ مِنَ النّاسِ. وهَذا الخِطابُ خاطَبُوا بِهِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيءَ ﷺ .
ومَعْنى (﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا﴾): أنَّهم ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ الباطِلَةَ بِأنْ مَثَّلُوكَ بِرَجُلٍ مَسْحُورٍ.
صفحة ٣٣٠
وقَوْلُهُ: (انْظُرْ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى العِلْمِ تَشْبِيهًا لِلْأمْرِ المَعْقُولِ بِالأمْرِ المَرْئِيِّ لِشِدَّةِ وُضُوحِهِ.
و(كَيْفَ) اسْمٌ لِلْكَيْفِيَّةِ والحالَةِ مُجَرَّدٌ هُنا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّعْجِيبِ إخْبارٌ عَنْهم بِأنَّهم ضَلُّوا في تَلْفِيقِ المَطاعِنِ في رِسالَةِ الرَّسُولِ فَسَلَكُوا طَرائِقَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى دَلِيلٍ مُقْنِعٍ عَلى مُرادِهِمْ، فَفِعْلُ (ضَلُّوا) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ المَجازِيَّيْنِ هُما: مَعْنى عَدَمِ التَّوَفُّقِ في الحُجَّةِ، ومَعْنى عَدَمِ الوُصُولِ لِلدِّينِ الحَقِّ، وهو هُنا تَعْجِيبٌ مِن خَطَلِهِمْ وإعْراضٌ عَنْ مُجاوَبَتِهِمْ.
25:10Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾
ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وثَنائِهِ عَلى أنْ أنْزَلَ الفَرْقانَ عَلى رَسُولِهِ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِما تَلَقّى بِهِ المُشْرِكُونَ هَذِهِ المَزِيَّةَ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ النّاشِئِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِما اتَّخَذُوهُ مِن آلِهَةٍ مِن صِفاتِهِمْ ما يُنافِي الإلَهِيَّةَ، ثُمَّ طَعَنُوا في القُرْآنِ والَّذِي جاءَ بِهِ بِما هو كُفْرانٌ لِلنِّعْمَةِ ومَن جاءَ بِها.
فَلَمّا أُرِيدَ الإعْراضُ عَنْ باطِلِهِمْ والإقْبالُ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ بِتَثْبِيتِهِ وتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ أُعِيدَ اللَّفْظُ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ عَلى طَرِيقَةِ وصْلِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: (﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾) .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: (﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٨]) إلَخْ، أيْ إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ، أيْ: أفْضَلَ مِنهُ، أيْ: إنْ شاءَ عَجَّلَهُ لَكَ في الدُّنْيا، فالإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِمْ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ جَنّاتٍ في الدُّنْيا وقُصُورًا فِيها، أيْ: خَيْرًا مِنَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكَ في زَعْمِهِمْ بِأنْ تَكُونَ عِدَّةَ جَنّاتٍ وفِيها قُصُورٌ. وبِهَذا فَسَّرَ
صفحة ٣٣١
جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ واقِعَةً مَوْقِعَ (لَوْ)، أيْ: أنَّهُ لَمْ يَشَأْ ولَوْ شاءَهُ لَفَعَلَهُ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ عَدَمَ البَسْطِ لِلرَّسُولِ في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ لا يُدْرِكُونَ المَطالِبَ العالِيَةَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ لَيْسَتِ الَّتِي في الدُّنْيا، أيْ هي جَنّاتُ الخُلْدِ وقُصُورُ الجَنَّةِ فَيَكُونُ وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ.
واقْتِرانُ هَذا الوَعْدِ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ جارٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ العَظَمَةُ الإلَهِيَّةُ، وإلّا فَسِياقُ الوَعْدِ يَقْتَضِي الجَزْمَ بِحُصُولِهِ، فاللَّهُ شاءَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، بِأنْ يُقالَ: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ. فَمَوْقِعُ (إنْ شاءَ) اعْتِراضٌ.
وأصْلُ المَعْنى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ إلى آخِرِهِ. ويُساعِدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا) بِرَفْعِ (يَجْعَلُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ دُونَ إعْمالِ حَرْفِ الشَّرْطِ، وقِراءَةُ الأكْثَرِ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ مُحَقَّقُ الحُصُولِ بِالقَرِينَةِ، وهَذا المَحْمِلُ أشَدُّ تَبْكِيتًا لِلْمُشْرِكِينَ وقَطْعًا لِمُجادَلَتِهِمْ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: (﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١])، وهو ضِدٌّ ومُقابِلٌ لِما أعَدَّهُ لِرَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ.
والقُصُورُ: المَبانِي العَظِيمَةُ الواسِعَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ [الأعراف: ٧٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: (﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]) في سُورَةِ الحَجِّ.
25:11Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ .
(بَلْ) لِلْإضْرابِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إضْرابَ انْتِقالٍ مِن ذِكْرِ ضَلالِهِمْ في صِفَةِ الرَّسُولِ ﷺ إلى ذِكْرِ ضَلالِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ قَوْلَهُ (﴿إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]) كَما تَقَدَّمَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إضْرابَ إبْطالٍ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠])
صفحة ٣٣٢
عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ عَطِيَّةَ مِنَ الوَعْدِ بِإيتائِهِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، أيْ بَلْ هم لا يَقْنَعُونَ بِأنَّ حَظَّ الرَّسُولِ عِنْدَ رَبِّهِ لَيْسَ في مَتاعِ الدُّنْيا الفانِي الحَقِيرِ ولَكِنَّهُ في خَيْراتِ الآخِرَةِ الخالِدَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، أيْ أنَّ هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ ومُقْنِعٌ لَهم لَوْ كانُوا يُصَدِّقُونَ بِالسّاعَةِ، ولَكِنَّهم كَذَّبُوا بِها فَهم مُتَمادُونَ عَلى ضَلالِهِمْ لا تُقْنِعُهُمُ الحُجَجُ.
والسّاعَةُ: اسْمٌ غَلَبَ عَلى عالَمِ الخُلُودِ، تَسْمِيَةً بِاسْمِ مَبْدَئِهِ وهو ساعَةُ البَعْثِ. وإنَّما قَصَرَ تَكْذِيبَهم عَلى السّاعَةِ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ فَهم بِما وراءَهُ أحْرى تَكْذِيبًا.
وجُمْلَةُ (﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾) مُعْتَرِضَةٌ بِالوَعِيدِ لَهم، وهو لِعُمُومِهِ يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم، فَهو تَذْيِيلٌ. ومِن غَرَضِهِ مُقابَلَةُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في العاقِبَةِ بِما أعَدَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ.
والسَّعِيرُ: الِالتِهابُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَسْعُورٌ، أيْ: زِيدَ فِيها الوَقُودُ، وهو مُعامَلٌ مُعامَلَةَ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ اللَّهَبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذاتَ سَعِيرٍ.
25:12–14Page 361
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
تَخَلَّصَ مِنَ اليَأْسِ مِنِ اقْتِناعِهِمْ إلى وصْفِ السَّعِيرِ الَّذِي أُعِدَّ لَهم، وأُجْرِيَ عَلى السَّعِيرِ ضَمِيرُ (رَأتْهم) بِالتَّأْنِيثِ لِتَأْوِيلِ السَّعِيرِ بِجَهَنَّمَ إذْ هو عَلَمٌ عَلَيْها بِالغَلَبَةِ كَما تَقَدَّمَ.
وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى النّارِ اسْتِعارَةٌ. والمَعْنى: إذا سِيقُوا إلَيْها فَكانُوا مِنَ النّارِ بِمَكانٍ ما يَرى الرّائِي مَن وصَلَ إلَيْهِ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا مِن مَكانٍ
صفحة ٣٣٣
بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (رَأتْهم) رَآهم مَلائِكَتُها، أطْلَقُوا مَنافِذَها فانْطَلَقَتْ ألْسِنَتُها بِأصْواتِ اللَّهِيبِ كَأصْواتِ المُتَغَيِّظِ وزَفِيرِهِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى جَهَنَّمَ مَجازًا عَقْلِيًّا.
والتَّغَيُّظُ: شِدَّةُ الغَيْظِ. والغَيْظُ: الغَضَبُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ هُنا المَوْضُوعَةُ في الأصْلِ لِتَكَلُّفِ الفِعْلِ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في قُوَّتِهِ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ لِفِعْلٍ يَأْتِي بِهِ كَأشَدِّ ما يَكُونُ.
والمُرادُ بِهِ هُنا صَوْتُ المُتَغَيِّظِ، بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ (سَمِعُوا) فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
والزَّفِيرُ: امْتِدادُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ وضِيقِ الصَّدْرِ، أيْ صَوْتًا كالزَّفِيرِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ لِجَهَنَّمَ إدْراكًا لِلْمَرْئِيّاتِ بِحَيْثُ تَشْتَدُّ أحْوالُها عِنْدَ انْطِباعِ المَرْئِيّاتِ فِيها فَتَضْطَرِبُ وتَفِيضُ وتَتَهَيَّأُ لِالتِهامِ بَعْثِها فَتَحْصُلُ مِنها أصْواتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ حَقِيقَةً، وأُمُورُ العالَمِ الأُخْرى لا تُقاسُ عَلى الأحْوالِ المُتَعارَفَةِ في الدُّنْيا.
وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُحْمَلُ ما ورَدَ في القُرْآنِ والحَدِيثِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠])، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: يا رَبِّ، أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ في الصَّيْفِ ونَفَسٍ في الشِّتاءِ» رَواهُ في المُوَطَّأِ. زادَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ «فَما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ البَرْدِ فَذَلِكَ مِن زَمْهَرِيرِها وما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ الحَرِّ فَهو مِن سَمُومِها» .
وجُعِلَ إزْجاؤُهم إلى النّارِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ زِيادَةً في النِّكايَةِ بِهِمْ؛ لِأنَّ بُعْدَ المَكانِ يَقْتَضِي زِيادَةَ المَشَقَّةِ إلى الوُصُولِ ويَقْتَضِي طُولَ الرُّعْبِ مِمّا سَمِعُوا.
ووَصَفَ وُصُولَهم إلى جَهَنَّمَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ووَضْعَهم فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) فَصِيغَ نَظْمُهُ في صُورَةِ تَوْصِيفِ ضَجِيجِ أهْلِ النّارِ مِن قَوْلِهِ (﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) وأدْمَجَ في خِلالِ
صفحة ٣٣٤
ذَلِكَ وصْفَ داخِلِ جَهَنَّمَ ووَصْفَ وضْعِ المُشْرِكِينَ فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿مَكانًا ضَيِّقًا﴾) وقَوْلِهِ: (مُقَرَّنِينَ) تَفَنُّنًا في أُسْلُوبِ الكَلامِ.
والإلْقاءُ: الرَّمْيُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإهانَةِ.
وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في مَكانٍ ضَيِّقٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ضَيِّقًا) بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ضَيْقًا) بِسُكُونِ الياءِ وكِلاهُما لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ مِثْلُ: مَيِّتٍ ومَيْتٍ؛ لِأنَّ الضَّيِّقَ بِالتَّشْدِيدِ صِيغَةُ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ، والضَّيْقَ بِالسُّكُونِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ.
و(مُقَرَّنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أُلْقُوا) أيْ: مُقَرَّنًا بَعْضُهم في بَعْضٍ كَحالِ الأسْرى، والمَساجِينِ أنْ يُقْرَنَ عَدَدٌ مِنهم في وِثاقٍ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى: (﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨]) . والمُقَرَّنُ: المَقْرُونُ، صِيغَتْ لَهُ مادَّةُ التَّفْعِيلِ لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ القَرْنِ.
والدُّعاءُ: النِّداءُ بِأعْلى الصَّوْتِ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، أيْ نادَوْا: يا ثُبُورَنا، أوْ واثُبُوراهُ بِصِيغَةِ النُّدْبَةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالنِّداءُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَنِّي، أيْ تَمَنَّوْا حُلُولَ الهَلاكِ فَنادَوْهُ كَما يُنادى مَن يُطْلَبُ حُضُورُهُ، أوْ نَدَبُوهُ كَما يُنْدَبُ مَن يُتَحَسَّرُ عَلى فَقْدِهِ، أيْ: تَمَنَّوُا الهَلاكَ لِلِاسْتِراحَةِ مِن فَظِيعِ العَذابِ.
وجُمْلَةُ (﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾) إلى آخِرِها مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يُقالُ لَهم، ووَصَفَ الثُّبُورَ بِالكَثِيرِ إمّا لِكَثْرَةِ نِدائِهِ بِالتَّكْرِيرِ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثُّبُورِ؛ لِأنَّ انْتِهاءَ النِّداءِ يَكُونُ بِحُضُورِ المُنادى، أوْ هو يَأْسٌ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ التَّمَنِّي أوِ التَّحَسُّرِ.
25:15–16Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ .
صفحة ٣٣٥
الأمْرُ بِالقَوْلِ يَقْتَضِي مُخاطَبًا مَقُولًا لَهُ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ: قُلْ لَهم، أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ السّابِقَ: أذَلِكَ خَيْرٌ أمِ الجَنَّةُ ؟ فالجُمَلُ مُتَّصِلَةُ السِّياقِ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّهَكُّمِ؛ إذْ لا شُبْهَةَ في كَوْنِ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ خَيْرًا. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ آياتِ الوَعِيدِ لِمُناسَبَةِ إبْداءِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ وحالِ المُؤْمِنِينَ. والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمْلِيحِ والتَّلَطُّفِ. وهَذا كَقَوْلِهِ: (﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢]) في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والإشارَةُ إلى المَكانِ الضَّيِّقِ في جَهَنَّمَ.
و(خَيْرٌ) اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأصْلُهُ أخْيَرُ بِوَزْنِ اسْمِ التَّفْضِيلِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. والتَّفْضِيلُ عَلى المَحْمِلِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ الآيَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، وعَلى المَحْمِلِ الثّانِي مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّمْلِيحِ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ.
ووَصْفُ المَوْعُودِينَ بِأنَّهم مُتَّقُونَ عَلى المَحْمِلِ الأوَّلِ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وعَلى المَحْمِلِ الثّانِي جارٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُوتى بِضَمِيرِ الخِطابِ، فَوَجْهُ العُدُولِ إلى الإظْهارِ ما يُفِيدُهُ (المُتَّقُونَ) مِنَ العُمُومِ لِلْمُخاطَبِينَ ومَن يَجِيءُ بَعْدَهم.
وجُمْلَةُ (﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾) تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾) لِما فِيها مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الجَنَّةِ بِتَنْكِيرِ (جَزاءً ومَصِيرًا) مَعَ الإيماءِ إلى أنَّهم وُعِدُوا بِها وعْدَ مُجازاةٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]) وقَوْلُهُ: (بِيسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا) في سُورَةِ الكَهْفِ.
وجُمْلَةُ (﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾) )، حالٌ مِن (﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾)، أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ. وجُمْلَةُ (﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾) حالٌ ثانِيَةٌ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ إذِ التَّقْدِيرُ: وعْدًا لَهم.
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا﴾) عائِدٌ إمّا إلى الوَعْدِ المَفْهُومِ
صفحة ٣٣٦
مِن قَوْلِهِ: (﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾)، أيْ: كانَ الوَعْدُ وعْدًا مَسْئُولًا. وأخْبَرَ عَنِ الوَعْدِ بِـ (وعْدًا) وهو عَيْنُهُ لِيُبْنى عَلَيْهِ (مَسْئُولًا) .
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى (ما يَشاءُونَ)، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (وعْدًا) مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ والمُرادُ المَفْعُولُ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.
ويَتَعَلَّقُ (عَلى رَبِّك) بِـ (وعْدًا) لِتَضْمِينِ (وعْدًا) مَعْنى (حَقًّا) لِإفادَةِ أنَّهُ (وعْدًا) لا يُخْلَفُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) .
والمَسْئُولُ: الَّذِي يَسْألُهُ مُسْتَحِقُّهُ ويُطالِبُ بِهِ، أيْ حَقًّا لِلْمُتَّقِينَ أنْ يَتَرَقَّبُوا حُصُولَهُ كَأنَّهُ أجْرٌ لَهم عَنْ عَمَلٍ. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ المُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ الوَعْدِ والكَرَمِ كَما يَشْكُرُكَ شاكِرٌ عَلى إحْسانٍ فَتَقُولُ: ما أتَيْتُ إلّا واجِبًا؛ إذْ لا يَتَبادَرُ هُنا غَيْرُ هَذا المَعْنى؛ إذْ لا مَعْنى لِلْوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى سِوى أنَّهُ تَفَضُّلٌ وتَعَهُّدٌ بِهِ، ولا يَخْتَلِفُ في هَذا أهْلُ المِلَّةِ وإنَّما اخْتَلَفُوا في جَوازِ إخْلافِ الوَعْدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences