Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الفرقان
Al-Furqan
The Criterion · Meccan · 77 ayahs
25:1Page 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .
افْتِتاحٌ بَدِيعٌ لِنُدْرَةِ أمْثالِهِ في كَلامِ بُلَغاءِ العَرَبِ؛ لِأنَّ غالِبَ فَواتِحِهِمْ أنْ تَكُونَ بِالأسْماءِ مُجَرَّدَةً أوْ مُقْتَرِنَةً بِحَرْفٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ، مِثْلَ قَوْلِ طَرَفَةَ:
لِخَوْلَةَ أطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
أوْ بِأفْعالِ المُضارَعَةِ ونَحْوِها كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: (قِفا نَبْكِ) البَيْتَ، أوْ بِحُرُوفِ التَّأْكِيدِ أوْ الِاسْتِفْهامِ أوِ التَّنْبِيهِ مِثْلَ (إنَّ) و(قَدْ) والهَمْزَةُ و(هَلْ) . ومِن قَبِيلِ هَذا الِافْتِتاحِ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ.
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ
وقَوْلُ النّابِغَةِ:
كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومَيْنِ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
.
وبِهَذِهِ النُّدْرَةِ يَكُونُ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ بَراعَةُ المَطْلَعِ؛ لِأنَّ النُّدْرَةَ مِنَ
صفحة ٣١٦
العِزَّةِ، والعِزَّةُ مِن مَحاسِنِ الألْفاظِ وضِدُّها الِابْتِذالُ.
وتَبارَكَ: تَعاظَمَ خَيْرُهُ وتَوَفَّرَ، والمُرادُ بِخَيْرِهِ كَمالاتُهُ وتَنَزُّهاتُهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والبَرَكَةُ: الخَيْرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] في سُورَةِ النُّورِ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وتَوَفُّرِ كَمالاتِهِ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بِهِ التَّعْلِيمُ والإيقاظُ، ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ إنْشاءِ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْشَأ اللَّهُ بِهِ ثَناءً عَلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ العَرَبِيِّ في إنْشاءِ التَّعَجُّبِ مِن صِفاتِ المُتَكَلِّمِ في مَقامِ الفَخْرِ والعَظَمَةِ، أوْ إظْهارِ غَرائِبَ صَدَرَتْ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي ∗∗∗ فِيا عَجَبًا مِن كَوْرِها المُتَحَمِّلِ
وإنَّما يَتَعَجَّبُ مِن إقْدامِهِ عَلى أنْ جَعَلَ كَوْرَ المَطِيَّةِ يَحْمِلُهُ هو بَعْدَ عَقْرِها. ومِنهُ قَوْلُ الفِنْدِ الزِّمّانِيِّ:
أيا طَعْنَةَ ما شَيْخٍ ∗∗∗ كَبِيرٍ يَفَنٍ بالِي
يُرِيدُ طَعْنَةً طَعَنَها قِرْنَهُ.
والَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ هو اللَّهُ تَعالى. وإذْ قَدْ كانَتِ الصِّلَةُ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى كانَ الفِعْلُ كالمُسْنَدِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَبارَكَتْ.
والمَوْصُولُ يُومِئُ إلى عِلَّةِ ما قَبْلَهُ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ الفُرْقانِ وبَرَكَتِهِ عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . فَتِلْكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِ هُنا لِكَوْنِ الصِّلَةِ مِن صِفاتِ اللَّهِ في نَفْسِ الأمْرِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ الكُفّارُ يُنْكِرُونَها لَكِنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الرَّسُولَ أعْلَنَها فاللَّهُ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ عِنْدَهم مَعْرِفَةً بِالوَجْهِ لا بِالكُنْهِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ.
صفحة ٣١٧
والفُرْقانُ: القُرْآنُ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ فَرَّقَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . وجُعِلَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ لِما بَيَّنَ مَن دَلائِلِ الحَقِّ ودَحْضِ الباطِلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (وأنْزَلَنا الفُرْقانَ) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وإيثارُ اسْمِ الفُرْقانِ بِالذِّكْرِ هُنا لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وإنْزالِ القُرْآنِ دَلائِلُ قَيِّمَةٌ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
ووَصْفُ النَّبِيءِ بِـ (عَبْدِهِ) تَقْرِيبٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِإبْطالِ طَلَبِهِمْ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] الآيَةَ.
والمُرادُ بِـ (العالَمِينَ) جَمِيعُ الأُمَمِ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّ العالَمَ يُطْلَقُ عَلى الجِنْسِ وعَلى النَّوْعِ وعَلى الصِّنْفِ بِحَسَبِ ما يَسْمَحُ بِهِ المَقامُ، والنِّذارَةُ لا تَكُونُ إلّا لِلْعُقَلاءِ مِمَّنْ قُصِدُوا بِالتَّكْلِيفِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى لَفْظِ (العالَمِينَ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
والنَّذِيرُ: المُخْبِرُ بِسُوءٍ يَقَعُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِثْلَ الحَكِيمِ. والِاقْتِصارُ في وصْفِ الرَّسُولِ هُنا عَلى النَّذِيرِ دُونَ البَشِيرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبإ: ٢٨]؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَكانَ مُقْتَضِيًا لِذِكْرِ النِّذارَةِ دُونَ البِشارَةِ، وفي ذَلِكَ اكْتِفاءٌ؛ لِأنَّ البِشارَةَ تَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ عِنْدَ ذِكْرِ النِّذارَةِ. وسَيَجِيءُ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ جَمَعَ بَيْنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورِفْعَةِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُمُومِ رِسالَتِهِ.
25:2Page 359
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
صفحة ٣١٨
أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعُ بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الصِّلاتِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ اتِّصافُ اللَّهِ بِهِ وهُما الصِّفَتانِ الأُولى والرّابِعَةُ؛ وإذْ قَدْ كانَتا مَعْلُومَتَيْنِ كانَتِ الصِّلَتانِ الأُخْرَيانِ المَذْكُورَتانِ مَعَهُما في حُكْمِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّهُما أُجْرِيَتا عَلى مَن عُرِفَ بِالصِّلَتَيْنِ الأُولى والرّابِعَةِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ ما كانُوا يَمْتَرُونَ في أنَّ اللَّهَ هو مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولا في أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] الآياتُ مِن سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهم يُثْبِتُونَ لِلَّهِ ولَدًا وشَرِيكًا في المُلْكِ.
ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ أنْ جَعَلَ الوَصْفانِ المُخْتَلَفِ فِيهِما مَعَهم مُتَوَسِّطَيْنِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ لا مِرْيَةَ فِيهِما حَتّى يَكُونَ الوَصْفانِ المُسَلَّمَيْنِ كالدَّلِيلِ أوَّلًا والنَّتِيجَةِ آخِرًا، فَإنَّ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ولا أنْ يَتَّخِذَ شَرِيكًا؛ لِأنَّ مُلْكَهُ العَظِيمَ يَقْتَضِي غِناهُ المُطْلَقَ فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اتِّخاذُهُ ولَدًا وشَرِيكًا عَبَثًا؛ إذْ لا غايَةَ لَهُ، وإذا كانَتْ أفْعالُ العُقَلاءِ تُصانُ عَنِ العَبَثِ فَكَيْفَ بِأفْعالِ أحْكَمِ الحُكَماءِ تَعالى وتَقَدَّسَ.
فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ [الفرقان: ١] .
وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ لِاخْتِلافِ الغَرَضِ مِنَ الصِّلَتَيْنِ؛ لِأنَّ الصِّلَةَ الأُولى في غَرَضِ الِامْتِنانِ بِتَنْزِيلِ القُرْآنِ لِلْهُدى، والصِّلَةَ الثّانِيَةَ في غَرَضِ اتِّصافِ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ.
وفِي المُلْكِ إيماءٌ إلى أنَّ الِاشْتِراكَ في المُلْكِ يُنافِي حَقِيقَةَ المُلْكِ التّامَّةِ الَّتِي لا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُها.
والخَلْقُ: الإيجادُ، أيْ أوْجَدَ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن عَظِيمِ الأشْياءِ وحَقِيرِها. وفُرِعَ عَلى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا؛ لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى إتْقانِ الخَلْقِ إتْقانًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ.
صفحة ٣١٩
ومَعْنى (قَدَّرَهُ) جَعَلَهُ عَلى مِقْدارٍ وحَدٍّ مُعَيَّنٍ لا مُجَرَّدَ مُصادَفَةٍ، أيْ خَلَقَهُ مُقَدَّرًا، أيْ مُحْكَمًا مَضْبُوطًا صالِحًا لِما خُلِقَ لِأجْلِهِ لا تَفاوُتَ فِيهِ ولا خَلَلَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ خَلَقَهُ بِإرادَةٍ وعِلْمٍ عَلى كَيْفِيَّةٍ أرادَها وعَيَّنَها كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] في سُورَةِ الرَّعْدِ. وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ بِقَوْلِهِ: (تَقْدِيرًا) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَقْدِيرٌ كامِلٌ في نَوْعِ التَّقادِيرِ.
وما جاءَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ بِأغْراضِها وهو يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ خُطْبَةِ الكِتابِ أوِ الرِّسالَةِ.
25:3Page 360
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ .
اسْتِطْرادٌ لِانْتِهازِ الفُرْصَةِ لِوَصْفِ ضَلالِ أهْلِ الشِّرْكِ وسَفالَةِ تَفْكِيرِهِمْ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٢] وما تَلاها مِمّا هو اسْتِدْلالٌ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وأُرْدِفَتْ بِقَوْلِهِ: (﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان: ٢]) الشّامِلِ لِكَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ الآلِهَةِ مَخْلُوقاتٍ فَكانَ ما تَقَدَّمَ مُهَيِّئًا لِلتَّعْجِيبِ مِنَ اتِّخاذِ المُشْرِكِينَ آلِهَةً دُونَ ذَلِكَ الإلَهِ المَنعُوتِ بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ.
فالخَبَرُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الإفادَةُ بَلْ هو لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ قابَلُوا نِعْمَةَ إنْزالِ الفُرْقانِ بِالجَحْدِ والطُّغْيانِ، وكَيْفَ أشْرَكُوا بِالَّذِي تِلْكَ صِفاتُهُ آلِهَةً أُخْرى صِفاتُهم عَلى الضِّدِّ مِن صِفاتِ مَن أشْرَكُوهم بِهِ، وإلّا فَإنَّ اتِّخاذَ المُشْرِكِينَ آلِهَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ فَلا يُقْصَدُ إفادَتُهم لِحُكْمِ الخَبَرِ.
وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الفرقان: ٢] وقَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
وضَمِيرُ (اتَّخَذُوا) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ ولَمْ يَسْبِقْ لَهم ذِكْرٌ في الكَلامِ وإنَّما
صفحة ٣٢٠
هم مَعْرُوفُونَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ وخاصَّةً مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] .
وجُمْلَةُ (﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾) مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ (﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٢]) . وجُمْلَةُ (﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾) مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ (﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الفرقان: ٢])؛ لِأنَّ ولَدَ الخالِقِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنهُ فَلا يَكُونُ مَخْلُوقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢]؛ لِأنَّ الشَّرِكَةَ في المُلْكِ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ في التَّصَرُّفِ.
وضَمِيرُ (لِأنْفُسِهِمْ) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى (آلِهَةً) أيْ لا تَقْدِرُ الأصْنامُ ونَحْوُها عَلى ضُرِّ أنْفُسِهِمْ ولا عَلى نَفْعِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (واتَّخَذُوا) أيْ لا تَقْدِرُ الأصْنامُ عَلى نَفْعِ الَّذِينَ عَبَدُوهم ولا عَلى ضُرِّهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ (ضُرًّا ولا نَفْعًا) هُنا جَرى مَجْرى المَثَلِ لِقَصْدِ الإحاطَةِ بِالأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وهَذا نَظِيرُ أنْ يُقالَ: شَرْقًا وغَرْبًا، ولَيْلًا ونَهارًا. وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما يُشْكَلُ في بادِئِ الرَّأْيِ مِن وجْهِ نَفْيِ قُدْرَتِهِمْ عَلى إضْرارِ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ لا تَتَعَلَّقُ إرادَةُ أحَدٍ بِضُرِّ نَفْسِهِ، وبِذَلِكَ أيْضًا لا يُتَطَلَّبُ وجْهٌ لِتَقْدِيمِ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ في تَقْدِيمِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فالمُتَكَلِّمُ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ، والمُخالِفَةُ بَيْنَ الآياتِ في تَقْدِيمِ أحَدِ الأمْرَيْنِ مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ.
والمَجْرُورُ في (لِأنْفُسِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمْلِكُونَ) .
والضُّرُّ - بِفَتْحِ الضّادِ - مَصْدَرُ ضَرَّهُ، إذا أصابَهُ بِمَكْرُوهٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩] في سُورَةِ يُونُسَ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]؛ لِأنَّ أعْظَمَ مَظاهِرِ تَقْدِيرِ الخَلْقِ هو مَظْهَرُ الحَياةِ والمَوْتِ، وذَلِكَ مِنَ المُشاهَداتِ. وأمّا قَوْلُهُ: (﴿ولا نُشُورًا﴾) فَهو تَكْمِيلٌ لِقَرْعِ المُشْرِكِينَ نُفاةِ البَعْثِ؛ لِأنَّ نَفْيَ أنْ يَكُونَ الآلِهَةُ يَمْلِكُونَ نُشُورًا يَقْتَضِي إثْباتَ حَقِيقَةِ النُّشُورِ في نَفْسِ الأمْرِ؛ إذِ الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ
صفحة ٣٢١
يَقْتَضِي تَحْقِيقَ ماهِيَّتِهِ. وأمّا نَحْوُ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
يُرِيدُ لا مَنارَ فِيهِ. وقَوْلِ ابْنِ أحْمَرَ:
لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُـهَـا ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
أرادَ: إنَّها لا أرْنَبَ فِيها ولا ضَبَّ. فَهو مِن قَبِيلِ التَّمْلِيحِ.
ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أقْوالِهِمُ المُقابَلَةُ لِلْجُمَلِ المَوْصُوفِ بِها اللَّهُ تَعالى اهْتِمامًا بِإبْطالِ كُفْرِهِمُ المُتَعَلِّقِ بِصِفاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أصْلُ الكُفْرِ ومادَّتُهُ.
واعْلَمْ أنَّ مَعْنى (﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾) وهم يُصْنَعُونَ، أيْ يَصْنَعُهُمُ الصّانِعُونَ؛ لِأنَّ أصْنامَهم كُلَّها حِجارَةٌ مَنحُوتَةٌ فَقَدْ قَوَّمَتْها الصَّنْعَةُ، فَأطْلَقَ الخَلْقَ عَلى التَّشْكِيلِ والنَّحْتِ مِن فِعْلِ النّاسِ، وإنْ كانَ الخَلْقُ شاعَ في الإيجادِ بَعْدَ العَدَمِ؛ إمّا اعْتِبارًا بِأصْلِ مادَّةِ الخَلْقِ وهو تَقْدِيرُ مِقْدارِ الجِلْدِ قَبْل فَرْيِهِ كَما قالَ زُهَيْرٌ:
ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ضُ النّاسِ يَخْلُـقُ ثُـمَّ لا يَفْـرِي
فَأطْلَقَ الخَلْقَ عَلى النَّحْتِ؛ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ، وإمّا مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ: (﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾) .
والمِلْكُ في قَوْلِهِ (لا يَمْلِكُونَ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القُدْرَةِ والِاسْتِطاعَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]) في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ فِيها: (﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦])، أيْ: مَن لا يَقْدِرُ عَلى ضَرِّكم ولا نَفْعِكم. فَقَوْلُهُ هُنا (لِأنْفُسِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمْلِكُونَ)، واللّامُ فِيهِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ لا يَمْلِكُونَ لِأجْلِ أنْفُسِهِمْ، أيْ: لِفائِدَتِها.
ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِـ (أنْفُسِهِمْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ فِيهِ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ عَلى الآحادِ المُفادَةِ بِضَمِيرِ (يَمْلِكُونَ) أيْ لا يَمْلِكُ كُلُّ واحِدٍ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا، ويَكُونُ المُرادُ بِالضُّرِّ دَفْعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ؛ لِأنَّ
صفحة ٣٢٢
الشَّخْصَ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضُهُ بِضُرِّ نَفْسِهِ حَتّى يُقَرَّعَ بِأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ ضُرِّ نَفْسِهِ.
وتَنْكِيرُ (مَوْتًا - وحَياةً) في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ، أيْ مَوْتُ أحَدٍ مِنَ النّاسِ ولا حَياتُهُ.
والنُّشُورُ: الإحْياءُ بَعْدَ المَوْتِ. وأصْلُهُ نَشْرُ الشَّيْءِ المَطْوِيِّ.
25:4Page 360
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾
انْتِقالٌ مَن ذِكْرِ كُفْرِهِمْ في أفْعالِهِمْ إلى ذِكْرِ كُفْرِهِمْ بِأقْوالِهِمُ الباطِلَةِ.
والإظْهارُ هُنا لِإفادَةِ أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو عِلَّةُ قَوْلِهِمْ هَذا، أيْ ما جَرَّأهم عَلى هَذا البُهْتانِ إلّا إشْراكُهم وتَصَلُّبُهم فِيهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ تَبْعَثُهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِانْتِفاءِ شُبْهَةِ ذَلِكَ، بِخِلافِ ما حُكِيَ آنِفًا مِن كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ فَإنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن آبائِهِمْ، فالوَصْفُ الَّذِي أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ هُنا مُناسِبٌ لِمَقالَتِهِمْ؛ لِأنَّها أصْلُ كُفْرِهِمْ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ (﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]) فَهي المَقْصُودُ مِنِ افْتِتاحِ الكَلامِ كَما آذَنَتْ بِذَلِكَ فاتِحَةُ السُّورَةِ. وإنَّما أُخِّرَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي تُقابِلُ الجُمْلَةَ الأُولى مَعَ أنَّ مُقْتَضى ظاهِرِ المُقابَلَةِ أنْ تُذْكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَبْلَ جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفرقان: ٣]) اهْتِمامًا بِإبْطالِ الكُفْرِ المُتَعَلِّقِ بِصِفاتِ اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
والقَصْرُ المُشْتَمِلُ عَلَيْهِ كَلامُهُمُ المُسْتَفادُ مِن (إنِ) النّافِيَةِ و(إلّا) قَصْرُ قَلْبٍ؛ زَعَمُوا بِهِ رَدَّ دَعْوى أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
ومِمَّنْ قالَ هَذِهِ المُقابَلَةَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ،، ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ. فَإسْنادُ هَذا القَوْلِ إلى جَمِيعِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وكُلُّهم يَتَناقَلُونَهُ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَأْلُوفَةٌ في نِسْبَةِ أمْرٍ إلى القَبِيلَةِ كَما يُقالُ: بَنُو أسَدٍ قَتَلُوا حُجْرًا.
صفحة ٣٢٣
واسْمُ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ آياتِ القُرْآنِ.
والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في (افْتَراهُ) عائِدٌ إلى الرَّسُولِ ﷺ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ (عَلى عَبْدِهِ) .
والإفْكُ: الكَذِبُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١]) في سُورَةِ النُّورِ. والِافْتِراءُ: اخْتِلاقُ الأخْبارِ، أيْ: ابْتِكارُها وهو الكَذِبُ عَنْ عَمْدٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]) في سُورَةِ العُقُودِ.
(وأعانَهُ عَلَيْهِ) أيْ عَلى ما يَقُولُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْمٌ آخَرُونَ لَقَّنُوهُ بَعْضَ ما يَقُولُهُ. وأرادُوا بِالقَوْمِ الآخَرِينَ اليَهُودَ. رُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى عَبِيدٍ أرْبَعَةٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ وهم: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ أبُو فَكِيهَةَ الرُّومِيُّ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وفي سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ مَوْلى صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ،، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ. وكانَ هَؤُلاءِ مِن مَوالِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ مِمَّنْ دانُوا بِالنَّصْرانِيَّةِ، وكانُوا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ثُمَّ أسْلَمُوا، وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَزَعَمَ المُشْرِكُونَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَتَرَدَّدُ إلى هَؤُلاءِ سِرًّا ويَسْتَمِدُّ مِنهم أخْبارَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: (﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾) مُتَسَلِّطٌ عَلى كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، أيْ لا يَخْلُو هَذا القُرْآنُ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، هُما: أنْ يَكُونَ افْتَرى بَعْضَهُ مِن نَفْسِهِ، وأعانَهُ قَوْمٌ عَلى بَعْضِهِ.
وفَرَّعَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِمْ هَذا ظُهُورَ أنَّهُمُ ارْتَكَبُوا بِقَوْلِهِمْ ظُلْمًا وزُورًا؛ لِأنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهم زُورٌ وظُلْمٌ؛ لِأنَّهُ اخْتِلاقٌ واعْتِداءٌ.
و (جاءُوا) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (عَمِلُوا) وهو مَجازٌ في العِنايَةِ بِالعَمَلِ والقَصْدِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِتَحْصِيلِ شَيْءٍ مَشى إلَيْهِ، وبِهَذا الِاسْتِعْمالِ صَحَّ تَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِقَوْلٍ أوْ فَعَلٍ، قالَ تَعالى: (﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ [ص: ٢٤])
صفحة ٣٢٤
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والظُّلْمُ الَّذِي أتَوْهُ هو نِسْبَتُهُمُ الرَّسُولَ إلى الِاخْتِلاقِ، فَإنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّهِ الَّذِي هو الصِّدْقُ.
والزُّورُ: الكَذِبُ، وأحْسَنُ ما قِيلَ في الزُّورِ: إنَّهُ الكَذِبُ المُحَسَّنُ المُمَوَّهُ بِحَيْثُ يَشْتَبِهُ بِالصِّدْقِ.
وكَوْنُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَذِبًا ظاهِرٌ لِمُخالَفَتِهِ الواقِعَ فالقُرْآنُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الإفْكِ، والَّذِينَ زَعَمُوهم مُعِينِينَ عَلَيْهِ لا يَسْتَطِيعُ واحِدٌ مِنهم أنْ يَأْتِيَ بِكَلامٍ عَرَبِيٍّ بالِغٍ غايَةَ البَلاغَةِ ومُرْتَقٍ إلى حَدِّ الإعْجازِ، وإذا كانَ لِبَعْضِهِمْ مَعْرِفَةٌ بِبَعْضِ أخْبارِ الرُّسُلِ فَما هي إلّا مَعْرِفَةٌ ضَئِيلَةٌ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ كَشَأْنِ مَعْرِفَةِ العامَّةِ والدَّهْماءِ.
25:5Page 360
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهْيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾
الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَمَدْلُولُ الصِّلَةِ مُراعًى في هَذا الضَّمِيرِ إيماءً إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِن آثارِ كُفْرِهِمْ.
والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ كالأُحْدُوثَةِ والأحادِيثِ، والأُغْلُوطَةِ والأغالِيطِ، وهي القِصَّةُ المَسْطُورَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ العَبْدَرِيُّ قالَ: إنَّ القُرْآنَ قِصَصٌ مِن قِصَصِ الماضِينَ. وكانَ النَّضْرُ هَذا قَدْ تَعَلَّمَ بِالحِيرَةِ قِصَصَ مُلُوكِ الفُرْسِ وأحادِيثَ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ فَكانَ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: أنا واللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ فَهَلُمَّ أُحَدِّثْكم؛ وكانَ يَقُولُ في القُرْآنِ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ذُكِرَ فِيهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ في القُرْآنِ فالمَقْصُودُ مِنهُ قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وفي أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ.
صفحة ٣٢٥
وجُمْلَةُ (اكْتَتَبَها) نَعْتٌ أوْ حالٌ لِـ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) .
والِاكْتِتابُ: افْتِعالٌ مِنَ الكِتابَةِ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّفِ لِحُصُولِ الفِعْلِ، أيْ: حُصُولُهُ مِن فاعِلِ الفِعْلِ، فَيُفِيدُ قَوْلُهُ: (اكْتَتَبَها) أنَّهُ تَكَلَّفَ أنْ يَكْتُبَها. ومَعْنى هَذا التَّكَلُّفِ أنَّ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ أُمِّيًّا كانَ إسْنادُ الكِتابَةِ إلَيْهِ إسْنادًا مَجازِيًّا فَيَئُولُ المَعْنى: أنَّهُ سَألَ مَن يَكْتُبُها لَهُ، أيْ: يَنْقُلُها، فَكانَ إسْنادُ الِاكْتِتابِ إلَيْهِ إسْنادًا مَجازِيًّا؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، والقَرِينَةُ ما هو مُقَرَّرٌ لَدى الجَمِيعِ مِن أنَّهُ أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ، ومِن قَوْلِهِ: فَهي تُمْلى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كَتَبَها لِنَفْسِهِ لَكانَ يَقْرَؤُها بِنَفْسِهِ. فالمَعْنى: اسْتَنْسَخَها. وهَذا كُلُّهُ حِكايَةٌ لِكَلامِ النَّضْرِ بِلَفْظِهِ أوْ بِمَعْناهُ. ومُرادُ النَّضْرِ بِهَذا الوَصْفِ تَرْوِيجُ بُهْتانِهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الزُّورَ مَكْشُوفٌ قَدْ لا يُقْبَلُ عِنْدَ النّاسِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ النَّبِيءَ أُمِّيٌّ فَكَيْفَ يَسْتَمِدُّ قُرْآنَهُ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ فَهَيَّأ لِقَبُولِ ذَلِكَ أنَّهُ كُتِبَتْ لَهُ، فاتَّخَذَها عِنْدَهُ فَهو يُناوِلُها لِمَن يُحْسِنُ القِراءَةَ فَيُمْلِي عَلَيْهِ ما يَقُصُّهُ القُرْآنُ.
والإمْلاءُ: هو الإمْلالُ وهو إلْقاءُ الكَلامِ لِمَن يَكْتُبُ ألْفاظَهُ أوْ يَرْوِيها أوْ يَحْفَظُها. وتَفْرِيعُ الإمْلاءِ عَلى الِاكْتِتابِ كانَ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ إمْلاءَها عَلَيْهِ لِيَقْرَأها أوْ لِيَحْفَظَها.
والبُكْرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ. والأصِيلُ: آخِرُ المَساءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: تُمْلى عَلَيْهِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وهَذا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَثْرَةِ المُمارَسَةِ لِتَلَقِّي الأساطِيرِ.
25:6Page 360
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ الجَوابَ لِرَدِّ بُهْتانِ القائِلِينَ: إنْ هَذا القُرْآنَ إلّا إفْكٌ، وإنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بِأنَّهُ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ.
صفحة ٣٢٦
وعَبَّرَ عَنْ مُنْزِلِ القُرْآنِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ لِما تَقْتَضِيهِ الصِّلَةُ مِنِ اسْتِشْهادِ الرَّسُولِ اللَّهَ عَلى ما في سِرِّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ في كُلِّ مَكانٍ.
فَجُمْلَةُ الصِّلَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ وهو كَوْنُ المُتَكَلِّمِ، أيِ الرَّسُولِ، عالِمًا بِذَلِكَ. وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُراقَبَتِهِ اللَّهَ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنْهُ. وفي ذَلِكَ إيقاظٌ لَهم بِأنْ يَتَدَبَّرُوا في هَذا الَّذِي زَعَمُوهُ إفْكًا أوْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ لِيَظْهَرَ لَهُمُ اشْتِمالُهُ عَلى الحَقائِقِ النّاصِعَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ، فَيُوقِنُوا أنَّ القُرْآنَ لا يَكُونُ إلّا مِن إنْزالِهِ، ولِيَعْلَمُوا بَراءَةَ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الِاسْتِعانَةِ بِمَن زَعَمُوهم يُعِينُونَهُ.
والتَّعْرِيفُ في (السِّرَّ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ سِرٍّ، ومِنهُ إسْرارُ الطّاعِنِينَ في القُرْآنِ عَنْ مُكابَرَةٍ وبُهْتانٍ، أيْ يَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ في القُرْآنِ ما لا يَعْتَقِدُونَهُ ظُلْمًا وزُورًا مِنهم، وبِهَذا يُعْلَمُ مُوقِعُ جُمْلَةِ (﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾) تَرْغِيبًا لَهم في الإقْلاعِ عَنْ هَذِهِ المُكابَرَةِ وفي اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ؛ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ويَرْحَمَهم، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا ويَتُوبُوا حَقَّ عَلَيْهِمُ الغَضَبُ والنِّقْمَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences