Ibn 'AshurAl‑Furqan · 25:48–54

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:48–54

25:48–50Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water

لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩

That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠

And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.

﴿وهْوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾

اسْتِدْلالٌ عَلى الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ وامْتِنانٌ بِتَكْوِينِ الرِّياحِ والأسْحِبَةِ والمَطَرِ. ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِن حَيْثُ ما في الِاسْتِدْلالِ الَّذِي قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حالِ النُّشُورِ والِامْتِنانِ بِهِ، فانْتَقَلَ إلى ما في الرِّياحِ مِنَ النُّشُورِ بِذِكْرِ وصْفِها بِأنَّها نُشُرٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ لِكَوْنِها كَذَلِكَ في الواقِعِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ. ومَرْدُودُ الِاسْتِدْلالِ قَصْرُ إرْسالِ الرِّياحِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى اللَّهِ تَعالى إبْطالًا لِادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ بِنَفْيِ الشَّرِكَةِ في التَّصَرُّفِ في هَذِهِ الكائِناتِ، وذَلِكَ ما لا يُنْكِرُهُ المُشْرِكُونَ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) إلَخْ. . .

وأُطْلِقَ عَلى تَكْوِينِ الرِّياحِ فِعْلُ (أرْسَلَ) الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في بَعْثِ شَيْءٍ وتَوْجِيهِهِ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الرِّياحِ تُشْبِهُ السَّيْرَ. وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ الإرْسالِ في إطْلاقِ العَنانِ لِخَيْلِ السِّباقِ.

وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَقِيقِ خَلْقِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الرِّياحِ، فالعامَّةُ يَعْتَبِرُونَ بِما هو داخِلٌ تَحْتَ مُشاهَدَتِهِمْ مِن ذَلِكَ، والخاصَّةُ يُدْرِكُونَ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ الرِّياحِ وهُبُوبِها واخْتِلافِها، وذَلِكَ ناشِئٌ عَنِ التِقاءِ حَرارَةِ جانِبٍ مِنَ الجَوِّ بِبُرُودَةِ جانِبٍ آخَرَ. ثُمَّ إنَّ الرِّياحَ بِهُبُوبِها حارَّةً مَرَّةً وبارِدَةً أُخْرى تُكَوِّنُ الأسْحِبَةَ وتُؤْذِنُ بِالمَطَرِ فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها: نُشُرٌ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ (أرْسَلَ الرِّياحَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (الرِّيحَ)

صفحة ٤٧

بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى مَعْنى الجِنْسِ. والقِراءَتانِ مُتَّحِدَتانِ في المَعْنى، ولَكِنْ غَلَبَ جَمْعُ الرِّيحِ في رِيحِ الخَيْرِ، وإفْرادُ الرِّيحِ في رِيحِ العَذابِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وتَصْرِيفِ الرِّياحِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُشُرًا) بِنُونٍ في أوَّلِهِ وبِضَمَّتَيْنِ جَمْعَ نَشُورٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلى تَخْفِيفِ الحَرَكَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، وكُلُّها مِنَ النَّشْرِ وهو البَسْطُ كَما يُنْشَرُ الثَّوْبُ المَطْوِيُّ؛ لِأنَّ الرِّياحَ تَنْشُرُ السَّحابَ. وقَرَأ عاصِمٌ بِباءٍ مُوَحَّدَةٍ وسُكُونِ الشِّينِ جَمْعَ بَشُورٍ مِنَ التَّبْشِيرِ؛ لِأنَّها تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ (﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]) ) في سُورَةِ الأعْرافِ.

والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (وأنْزَلْنا - لِنُحْيِيَ - ونَسْقِيَهُ - ولَقَدْ صَرَّفْناهُ) لِلدّاعِي الَّذِي قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ آنِفًا: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ [الفرقان: ٤٥]) .

والمُرادُ بِـ (رَحْمَتِهِ) المَطَرُ؛ لِأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلنّاسِ والحَيَوانِ بِما يُنْبِتُهُ مِنَ الشَّجَرِ والمَرْعى.

وجُمْلَةُ (﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ (أرْسَلَ الرِّياحَ) إلَخْ، فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَصْرِ، أيْ وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا. وضَمِيرُ (أنْزَلْنا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ ألْيَقُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والطَّهُورُ بِفَتْحِ الطّاءِ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ صَبُورٌ. وماءُ المَطَرِ بالِغٌ مُنْتَهى الطَّهارَةِ؛ إذْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ شَيْءٌ يُكَدِّرُهُ أوْ يُقَذِّرُهُ وهو في عِلْمِ الكِيمْياءِ أنْقى المِياهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ جَمِيعِ الجَراثِيمِ فَهو الصّافِي حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ هو بالِغُ نِهايَةِ الطَّهارَةِ في جِنْسِهِ مِنَ المِياهِ، ووَصْفُ الماءِ بِالطَّهُورِ يَقْتَضِي أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ؛ إذِ العُدُولُ عَنْ صِيغَةِ فاعِلٍ إلى صِيغَةِ فَعُولٍ لِزِيادَةِ مَعْنًى في الوَصْفِ، فاقْتِضاؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ اقْتِضاءٌ التِزامِيٌّ

صفحة ٤٨

لِيَكُونَ مُسْتَكْمِلًا وصْفَ الطَّهارَةِ القاصِرَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، فَيَكُونَ ذِكْرُ هَذا الوَصْفِ إدْماجًا لِمِنَّةٍ في أثْناءِ المِنَنِ المَقْصُودَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]) وصَفَ الطَّهارَةَ الذّاتِيَّةَ وتَطْهِيرَهُ، فَيَكُونُ هَذا الوَصْفُ إدْماجًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ الأحَقُّ بِمَقامِ الِامْتِنانِ وصْفُ الماءِ بِالصَّفاءِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

والبَلْدَةُ: الأرْضُ. ووَصْفُها بِالحَياةِ والمَوْتِ مَجازانِ لِلرَّيِّ والجَفافِ؛ لِأنَّ رَيَّ الأرْضِ يَنْشَأُ عَنْهُ النَّباتُ وهو يُشْبِهُ الحَيَّ وجَفافُ الأرْضِ يَجِفُّ بِهِ النَّباتُ فَيُشْبِهُ المَيِّتَ.

ولِماءِ المَطَرِ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ لِكُلِّ أرْضٍ؛ لِأنَّهُ لِخُلُوِّهِ مِنَ الجَراثِيمِ ومِن بَعْضِ الأجْزاءِ المَعْدِنِيَّةِ والتُّرابِيَّةِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِياهُ العُيُونِ ومِياهُ الأنْهارِ والأوْدِيَةِ كانَ صالِحًا بِكُلِّ أرْضٍ وبِكُلِّ نَباتٍ عَلى اخْتِلافِ طِباعِ الأرَضِينَ والمَنابِتِ.

والبَلْدَةُ: البَلَدُ. والبَلَدُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ مِثْلَ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ أجْناسِ البِقاعِ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ. ووُصِفَتِ البَلْدَةُ بِمَيِّتٍ، وهو وصْفٌ مُذَكِّرٌ لِتَأْوِيلِ (بَلْدَةٍ) بِمَعْنى مَكانٍ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ. وقالَ في الكَشّافِ ما مَعْناهُ: إنَّهُ لَمّا دَلَّ عَلى المُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ بِالمَوْتِ ولَمْ يَكُنْ جارِيًا عَلى أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الِاسْمِ الجامِدِ (أيْ فَلَمْ يُغَيَّرْ) . وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَيِّتِ، ووَصْفُ البَلْدَةِ بِهِ وصْفٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

وفِي قَوْلِهِ: (﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾) إيماءٌ إلى تَقْرِيبِ إمْكانِ البَعْثِ.

(ونُسْقِيَهُ) بِضَمِّ النُّونِ مُضارِعُ أسْقى مِثْلَ الَّذِي بِفَتْحِ النُّونِ فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. يُقالُ: أسْقى وسَقى. قالَ تَعالى: (﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ [القصص: ٢٣]) بِفَتْحِ النُّونِ. وقِيلَ: سَقى: أعْطى الشَّرابَ، وأسْقى: هَيَّأ الماءَ لِلشُّرْبِ. وهَذا القَوْلُ أسَدُّ؛ لِأنَّ الفُرُوقَ بَيْنَ مَعانِي الألْفاظِ مِن مَحاسِنِ اللُّغَةِ فَيَكُونُ المَعْنى هَيَّأْناهُ لِشُرْبِ الأنْعامِ والأناسِيِّ، فَكُلُّ مَنِ احْتاجَ لِلشُّرْبِ شَرِبَ مِنهُ سَواءٌ مَن شَرِبَ ومَن لَمْ يَشْرَبْ.

و(أنْعامًا) مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (نُسْقِيَهُ) . وقَوْلُهُ: (مِمّا خَلَقْنا) حالٌ مِن (﴿أنْعامًا وأناسِيَّ﴾) . و (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: بَعْضَ ما خَلَقْناهُ، والمَوْصُولُ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ: نُسْقِيهِمْ لِأنَّهم مَخْلُوقاتٌ. فَفائِدَةُ هَذا الحالِ الإشارَةُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّها خَلْقُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أنْواعًا أُخْرى مِنَ

صفحة ٤٩

الخَلائِقِ تُسْقى بِماءِ السَّماءِ، ولَكِنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأنْعامِ والأناسِيِّ؛ لِأنَّهُما مَوْقِعُ المِنَّةِ؛ فالأنْعامُ بِها صَلاحُ حالِ البادِينَ بِألْبانِها وأصْوافِها وأشْعارِها ولُحُومِها، وهي تَشْرَبُ مِن مِياهِ المَطَرِ مِنَ الأحْواضِ والغُدْرانِ.

والأناسِيُّ: جَمْعُ إنْسِيٍّ، وهو مُرادِفُ إنْسانٍ. فالياءُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ. وجُمِعَ عَلى فَعالِيَّ مِثْلِ كُرْسِيِّ وكَراسِيَّ. ولَوْ كانَتْ ياؤُهُ نَسَبٌ لَجُمِعَ عَلى أناسِيَةٍ كَما قالُوا: صَيْرَفِيٌّ وصَيارِفَةٌ. ووُصِفَ الأناسِيُّ بِـ (كَثِيرًا)؛ لِأنَّ بَعْضَ الأناسِيِّ لا يَشْرَبُونَ مِن ماءِ السَّماءِ وهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ مِن مِياهِ الأنْهارِ كالنِّيلِ والفُراتِ، والآبارِ والصَّهارِيجِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ. فالمِنَّةُ أخَصُّ بِهِمْ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ:

ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرًا

وفِي أحادِيثِ ذِكْرِ هاجَرَ زَوْجِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (فَتِلْكَ أُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ) يَعْنِي العَرَبَ. وماءُ المَطَرِ لِنَقاوَتِهِ الَّتِي ذَكَرْناها صالِحٌ بِأمْعاءِ كُلِّ النّاسِ وكُلِّ الأنْعامِ دُونَ بَعْضِ مِياهِ العُيُونِ والأنْهارِ.

ووَصَفَ أناسِيَّ، وهو جَمْعٌ بِكَثِيرٍ وهو مُفْرَدٌ؛ لِأنَّ فَعِيلًا قَدْ يُرادُ بِهِ المُتَعَدِّدُ مِثْلَ رَفِيقٍ وكَذَلِكَ قَلِيلٌ قالَ تَعالى: (( ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦]) ) .

وتَقْدِيمُ ذِكْرُ الأنْعامِ عَلى الأناسِيِّ اقْتَضاهُ نَسْجُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةِ الأحْكامِ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: (( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾) )، ولَوْ قُدِّمَ ذِكْرُ (أناسِيَّ) لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ. ولَمْ يُقَدَّمْ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: (( ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]) ) في سُورَةِ النّازِعاتِ لِانْتِفاءِ الدّاعِي لِلتَّقْدِيمِ فَجاءَ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ.

وضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدٌ إلى (ماءً طَهُورًا) . والتَّصْرِيفُ: التَّغْيِيرُ. والمُرادُ هُنا تَغْيِيرُ أحْوالِ الماءِ، أيْ: مَقادِيرِهِ ومَواقِعِهِ.

وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَ المَطَرِ مُحَقَّقٌ لا

صفحة ٥٠

يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وإنَّما الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بِهِ هو أنَّ مِن حِكْمَةِ تَصْرِيفِهِ بَيْنَ النّاسِ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مَعَ نُزُولِهِ عَلَيْهِمْ وفي حالَةِ إمْساكِهِ عَنْهم؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَقْدُرُ قَدْرَ النِّعْمَةِ إلّا عِنْدَ فَقْدِها فَيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو الرَّبُّ الواحِدُ المُخْتارُ في خَلْقِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وقَدْ كانُوا لا يَتَدَبَّرُونَ حِكْمَةَ الخالِقِ ويُسْنِدُونَ الآثارَ إلى مُؤَثِّراتٍ وهْمِيَّةٍ أوْ صُورِيَّةٍ.

ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ شامِلًا لِشُكْرِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِإصابَةِ المَطَرِ، ولِتَفَطُّنِ المَحْرُومِينَ إلى سَبَبِ حِرْمانِهِمْ إيّاهُ لَعَلَّهم يَسْتَغْفِرُونَ، جِيءَ في التَّعْلِيلِ بِفِعْلِ (لِيَذَّكَّرُوا) لِيَكُونَ عِلَّةً لِحالَتَيِ التَّصْرِيفِ بَيْنَهم.

وقَوْلُهُ: (( ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾) ) تَرْكِيبٌ جَرى بِمادَّتِهِ وهَيْئَتِهِ مَجْرى المَثَلِ في الإخْبارِ عَنْ تَصْمِيمِ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الصّارِفِ عَنِ المُسْتَثْنى، أيْ فَصَمَّمُوا عَلى الكُفُورِ لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن عُمُومِ أشْياءٍ مُبْهَمَةٍ جُعِلَتْ كُلُّها مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الإباءُ كَأنَّ الآبِينَ قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ _ مِنَ النّاسِ أوْ مِن خَواطِرِهِمْ _ أُمُورٌ وراجَعُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنها إلّا الكُفُورَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُنالِكَ عَرْضٌ ولا إباءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ: (( ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]) )؛ ألا تَرى أنَّ ذَلِكَ اسْتُعْمِلَ هُنا في مَقامِ مُعارَضَةِ المُشْرِكِينَ لِلتَّوْحِيدِ وفي سُورَةِ بَراءَةَ في مَقامِ مُعارَضَةِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإسْلامِ. وشِدَّةُ الفَرِيقَيْنِ في كُفْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ مَكْشُوفَةٌ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ (﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]) .

والكُفُورُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكُفْرِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ: أبَوْا إلّا الإشْراكَ بِاللَّهِ وعَدَمَ التَّذَكُّرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَذَّكَّرُوا) بِتَشْدِيدِ الذّالِ وتَشْدِيدِ الكافِ مُدْغَمَةً فِيها التّاءُ وأصْلُهُ لِيَتَذَكَّرُوا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِسُكُونِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الكافِ مَضْمُومَةً، أيْ: لِيَذْكُرُوا ما هم عَنْهُ غافِلُونَ.

ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ لا يَخْتَلِفُ مِقْدارُهُ وإنَّما تَخْتَلِفُ مَقادِيرُ تَوْزِيعِهِ عَلى مَواقِعِ القَطْرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عامٌ أقَلُّ مَطَرًا مِن عامٍ ولَكِنَّ

صفحة ٥١

اللَّهَ قَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى ما شاءَ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: («ما مِن سَنَةٍ بِأمْطَرَ مِن أُخْرى، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ المَعاصِيَ صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِيِ والبِحارِ» ) اهـ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ المِقْدارَ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَطَرِ عَلى هَذِهِ الأرْضِ لا تَخْتَلِفُ كِمِّيَّتُهُ وإنَّما يَخْتَلِفُ تَوْزِيعُهُ. وهَذِهِ حَقِيقَةٌ قَرَّرَها عُلَماءُ حَوادِثِ الجَوِّ في القَرْنِ الحاضِرِ، فَهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى الجِهَةِ الثّالِثَةِ مِنَ المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ لِهَذا التَّفْسِيرِ.

وجَوَّزَ فَرِيقٌ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ مَعْلُومٍ في المَقامِ مُرادٍ بِهِ القُرْآنُ؛ قالُوا: لِأنَّهُ المَقْصُودُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِهِ، وتَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]) . وأصْلُ هَذا التَّأْوِيلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ. ولِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]) .

وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكَلامِ المَذْكُورِ، أيْ: ولَقَدْ صَرَّفْنا هَذا الكَلامَ وكَرَّرْناهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ لِيَذَّكَرُوا.

25:51–52Page 364

وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١

And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1

فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢

So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.

﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ .

جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ ذِكْرِ دَلائِلِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ وذِكْرِ مِنَّتِهِ عَلى الخَلْقِ. ومُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ وتَفْرِيعِها بِمَوْقِعِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها خَفِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾): اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ. تَقْدِيرُهُ: ولَكِنّا أفْرَدْناكَ بِالنِّذارَةِ وحَمَّلْناكَ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ اهـ.

فَإنْ كانَ عَنى بِقَوْلِهِ: اقْتِضابٌ، مَعْنى الِاقْتِضابِ الِاصْطِلاحِيِّ بَيْنَ عُلَماءِ الأدَبِ والبَيانِ، وهو عَدَمُ مُراعاةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الكَلامِ المُنْتَقَلِ مِنهُ والكَلامِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، كانَ عُدُولًا عَنِ التِزامِ تَطَلُّبِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ الخُلُوُّ عَنِ المُناسَبَةِ بِبِدَعٍ فَقَدْ قالَ صاحِبُ تَلْخِيصِ المِفْتاحِ: وقَدْ يُنْقَلُ مِنهُ - أيْ: مِمّا شُبِّبَ بِهِ الكَلامُ - إلى ما لا يُلائِمُهُ - أيْ لا يُناسِبُ المُنْتَقَلَ مِنهُ - ويُسَمّى الِاقْتِضابَ وهو مَذْهَبُ العَرَبِ ومَن يَلِيهِمْ مِنَ المُخَضْرَمِينَ ) إلَخْ. وإذا كانَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنى

صفحة ٥٢

بِالِاقْتِضابِ مَعْنى القَطْعِ (أيِ الحَذْفِ مِنَ الكَلامِ) أيْ: إيجازِ الحَذْفِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: (يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ تَقْدِيرُهُ إلَخْ)، كانَ لَمْ يُعَرِّجْ عَلى اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها.

وفِي الكَشّافِ: (ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ نِذارَةِ جَمْعِ القُرى ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَبِيئًا يُنْذِرُها، وإنَّما قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وعَظَّمْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ - أيْ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ - فَقابَلَ ذَلِكَ بِالتَّصَبُّرِ) اهـ. وقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ: (ومَدارُ السُّورَةِ عَلى كَوْنِهِ ﷺ مَبْعُوثًا إلى النّاسِ كافَّةً، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِما يُثْبِتُ عُمُومَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ _ ﷺ _ إلى جَمِيعِ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]) .

ولَيْسَ في كَلامِ الكَشّافِ والطِّيبِيِّ إلّا بَيانُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِمُهِمِّ أغْراضِ السُّورَةِ دُونَ بَيانِ مُناسَبَتِها لِلَّتِي قَبْلَها.

والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) الآيَةَ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ إبْطالَ طَعْنِهِمْ، فَقالَ (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) انْتَقَلَ إلى تَنْظِيرِ القُرْآنِ بِالكِتابِ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَيْفَ اسْتَأْصَلَ اللَّهُ مَن كَذَّبُوهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ أُمَمٍ كَذَّبُوا رُسُلَهم، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ وأشارَ إلى تَحَرُّجِ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]) .

وتَسَلْسُلِ الكَلامِ بِضَرْبِ المَثَلِ بِمَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ، وبِحالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وبِإرْسالِ الرِّياحِ. أمارَةٌ عَلى رَحْمَةِ غَيْثِهِ الَّذِي تَحْيا بِهِ المَواتُ حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا اشْتِمالُ التَّفْرِيعِ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: (﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾) .

ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الآيَةَ اتِّصالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) أنَّ في بَعْثِ نَذِيرٍ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ ما هو أشَدُّ مِن تَنْزِيلِ القُرْآنِ مُجَزَّأً؛ فَلَوْ بَعَثَ اللَّهُ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَوْ لا أُرْسِلَ رَسُولٌ واحِدٌ إلى النّاسِ جَمِيعًا فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ كَما قالَ تَعالى: (﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ آعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]) في سُورَةِ حَم السَّجْدَةِ.

صفحة ٥٣

وتَفْرِيعُ (﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وهم يَطْلُبُونَ مِنهُ الكَفَّ عَنْ دَعْوَتِهِمْ وعَنْ تَنَقُّصِ أصْنامِهِمْ.

والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْذِيرِ والتَّذْكِيرِ، وفِعْلُ (تُطِعْ) في سِياقِ النَّهْيِ يُفِيدُ عُمُومَ التَّحْذِيرِ مِن أدْنى طاعَةٍ.

والطّاعَةُ: عَمَلُ المَرْءِ بِما يُطْلَبُ مِنهُ، أيْ فَلا تَهِنْ في الدَّعْوَةِ رَعْيًا لِرَغْبَتِهِمْ أنْ تَلِينَ لَهم.

وبَعْدَ أنْ حَذَّرَهُ مِنَ الوَهَنِ في الدَّعْوَةِ أمَرَهُ بِالحِرْصِ والمُبالَغَةِ فِيها. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجِهادِ وهو الِاسْمُ الجامِعُ لِمُنْتَهى الطّاقَةِ. وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ لِيُفِيدَ مُقابَلَةَ مَجْهُودِهِمْ بِمَجْهُودِهِ فَلا يَهِنُ ولا يَضْعُفُ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجِهادِ الكَبِيرِ، أيِ: الجامِعِ لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ.

وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: فَإمّا أنْ يَعُودَ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِن مَقامِ النِّذارَةِ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى المَفْهُومِ مِن (لا تُطِعْ) وهو الثَّباتُ عَلى دَعْوَتِهِ بِأنْ يَعْصِيَهم، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ كَما دَلَّ قَوْلُأبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:

فَقُلْنَ لَها سِرًّا فَدِيناكِ لا يَرُحْ صَحِيحًا وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ

فَقابَلَ قَوْلَهُ (لا يَرُحْ صَحِيحًا) بِقَوْلِهِ (وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ) كَأنَّهُ قالَ: فَدَيْناكِ فاقْتُلِيهِ.

والمَعْنى: قاوِمْهم بِصَبْرِكَ. وكِبَرُ الجِهادِ تَكْرِيرُهُ والعَزْمُ فِيهِ وشِدَّةُ ما يَلْقاهُ في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - لِأصْحابِهِ عِنْدَ قُفُولِهِ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ: («رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ. قالُوا: وما الجِهادُ الأكْبَرُ ؟ قالَ: مُجاهَدَةُ العَبْدِ هَواهُ» ) . رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.

25:53Page 364

۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣

And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.

﴿وهْوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ .

عَوْدٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالخَلْقِ. جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِدْلالًا وتَمْثِيلًا

صفحة ٥٤

وتَثْبِيتًا ووَعْدًا، فَصَرِيحُها اسْتِدْلالٌ عَلى شَيْءٍ عَظِيمٍ مِن آثارِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ وهو التِقاءُ الأنْهارِ والأبْحُرِ كَما سَيَأْتِي، وفي ضِمْنِها تَمْثِيلٌ لِحالِ دَعْوَةِ الإسْلامِ في مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ واخْتِلاطُ المُؤْمِنِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِحالِ تَجاوُزِ البَحْرَيْنِ: أحَدُهُما عَذْبٌ فُراتٌ، والآخَرُ مِلْحٌ أُجاجٌ. وتَمْثِيلُ الإيمانِ بِالعَذْبِ الفُراتِ والشِّرْكِ بِالمِلْحِ الأُجاجِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى كَما جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ بَرْزَخًا يَحْفَظُ العَذْبَ مِن أنْ يُكَدِّرَهُ الأُجاجُ، كَذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ فَلا يَسْتَطِيعُ المُشْرِكُونَ أنْ يَدُسُّوا كُفْرَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وفي هَذا تَثْبِيتٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَحْجِزُ عَنْهم ضُرَّ المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ: (﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١]) . وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ كِنائِيٌّ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرٌ لِهَذا الدِّينِ مِن أنْ يُكَدِّرَهُ الشِّرْكُ.

ولِأجْلِ ما فِيها مِنَ التَّمْثِيلِ والتَّثْبِيتِ والوَعْدِ كانَ لِمَوْقِعِها عَقِبَ جُمْلَةِ (﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]) أكْمَلُ حُسْنٍ. وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]) ) . ومُناسَبَةُ وُقُوعِها عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ كِلْتَيْهِما اسْتِدْلالٌ بِآثارِ القُدْرَةِ في تَكْوِينِ المِياهِ المُخْتَلِفَةِ. ومُفادُ القَصْرِ هَنا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في الآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ.

والمَزْجُ: الخَلْطُ. واسْتُعِيرَ هُنا لِشِدَّةِ المُجاوَرَةِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: (﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾) . والبَحْرُ: الماءُ المُسْتَبْحِرُ، أيْ: الكَثِيرُ العَظِيمُ. والعَذْبُ: الحُلْوُ. والفُراتُ: شَدِيدُ الحَلاوَةِ. والمِلْحُ بِكَسْرِ المِيمِ وُصِفَ بِهِ بِمَعْنى المالِحِ، ولا يُقالُ في الفَصِيحِ إلّا مِلْحٌ وأما مالِحٌ فَقَلِيلٌ. وأُرِيدَ هُنا مُلْتَقى ماءِ نَهْرَيِ الفُراتِ والدَّجْلَةِ مَعَ ماءِ بَحْرِ خَلِيجِ العَجَمِ.

والبَرْزَخُ: الحائِلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. والمُرادُ بِالبَرْزَخِ تَشْبِيهُ ما في تَرْكِيبِ الماءِ المِلْحِ مِمّا يَدْفَعُ تَخَلُّلَ الماءِ العَذْبِ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ ويَبْقى كِلاهُما حافِظًا لِطَعْمِهِ عِنْدَ المَصَبِّ.

(وحِجْرًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ (جَعَلْنا) . ولَيْسَ هُنا مُسْتَعْمَلًا في التَّعَوُّذِ كالَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]) . و(مَحْجُورًا) وصْفٌ لِـ (حِجْرًا) مُشْتَقٌّ مِن مادَّتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَعْنى المُشْتَقِّ مِنهُ كَما قالُوا: لَيْلٌ ألْيَلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. ووَقَعَ في الكَشّافِ تُكَلُّفٌ بِجَعْلِ (حِجْرًا مَحْجُورًا) هُنا بِمَعْنى التَّعَوُّذِ

صفحة ٥٥

كالَّذِي في قَوْلِهِ: (﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]) ولا داعِيَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنِ اسْتِعْمالِ (﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]) في التَّعَوُّذِ لا يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا كَذَلِكَ.

25:54Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤

And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].

﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ .

مُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذا الِاسْتِدْلالِ بَعْدَ ما قَبْلَهُ أنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِدَقِيقِ آثارِ القُدْرَةِ في تَكْوِينِ المِياهِ وجَعْلِها سَبَبَ حَياةٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والأوْضاعِ. ومِن أعْظَمِها دَقائِقُ الماءِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ أشْرَفُ الأنْواعِ الَّتِي عَلى الأرْضِ وهو نُطْفَةُ الإنْسانِ بِأنَّها سَبَبُ تَكْوِينِ النَّسْلِ لِلْبَشَرِ، فَإنَّهُ يَكُونُ أوَّلَ أمْرِهِ ماءً، ثُمَّ يَتَخَلَّقُ مِنهُ البَشَرُ العَظِيمُ، فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ (بَشَرًا) لِلتَّعْظِيمِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ قَصْرُ إفْرادٍ لِإبْطالِ دَعْوى شَرِكَةِ الأصْنامِ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ.

والبَشَرُ: الإنْسانُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فَجَعَلَهُ) عائِدٌ إلى البَشَرِ، أيْ: فَجَعَلَ البَشَرَ الَّذِي خَلَقَهُ مِنَ الماءِ نَسَبًا وصِهْرًا، أيْ: قَسَّمَ اللَّهُ البَشَرَ قِسْمَيْنِ نَسَبٍ، وصِهْرٍ. فالواوُ لِلتَّقْسِيمِ بِمَعْنى (أوْ) والواوُ أجْوَدُ مِن (أوْ) في التَّقْسِيمِ.

و(نَسَبًا وصِهْرًا) مَصْدَرانِ سُمِّيَ بِهِما صِنْفانِ مِنَ القَرابَةِ عَلى تَقْدِيرِ: ذا نَسَبٍ وصِهْرٍ وشاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ.

والنَّسَبُ لا يَخْلُو مِن أُبُوَّةٍ وبُنُوَّةٍ وأُخُوَّةٍ لِأُولَئِكَ وبُنُوَّةٍ لِتِلْكَ الأُخُوَّةِ.

وأمّا الصِّهْرُ فَهو: اسْمٌ لِما بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ قَرابَةِ زَوْجِهِ وأقارِبِهِ مِنَ العَلاقَةِ، ويُسَمّى أيْضًا مُصاهَرَةً؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِن جِهَتَيْنِ، وهو آصِرَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ تَتَقَوَّمُ بِالإضافَةِ إلى ما تُضافُ إلَيْهِ، فَصِهْرُ الرَّجُلِ قَرابَةُ امْرَأتِهِ، وصِهْرُ المَرْأةِ قَرابَةُ زَوْجِها، ولِذَلِكَ يُقالُ: صاهَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا تَزَوَّجَ مِن قَرابَتِهِ ولَوْ قَرابَةً بَعِيدَةً كَقَرابَةِ القَبِيلَةِ. وهَذا لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ المُتَزَوِّجُ وغَيْرُ المُتَزَوِّجِ.

ويُطْلَقُ الصِّهْرُ عَلى مَن لَهُ مَعَ الآخَرِ عَلاقَةُ المُصاهَرَةِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ في

صفحة ٥٦

مَوْضِعِ الوَصْفِ، فالأكْثَرُ حِينَئِذٍ أنْ يُخَصَّ بِقَرِيبِ زَوْجِ الرَّجُلِ، وأما قَرِيبُ زَوْجِ المَرْأةِ فَهو خَتَنٌ لَها أوْ حَمٌ. ولا يَخْلُو أحَدٌ عَنْ آصِرَةِ صِهْرٍ ولَوْ بَعِيدًا. وقَدْ أشارَ إلى ما في هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ مِن دَقائِقِ نِظامِ إيجادٍ طَبِيعِيٍّ واجْتِماعِيٍّ بِقَوْلِهِ: (﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾)، أيْ: عَظِيمَ القُدْرَةِ إذْ أوْجَدَ مِن هَذا الماءِ خَلْقًا عَظِيمًا صاحِبَ عَقْلٍ وتَفْكِيرٍ فاخْتُصَّ بِاتِّصالِ أواصِرِ النَّسَبِ وأواصِرِ الصِّهْرِ، وكانَ ذَلِكَ أصْلَ نِظامِ الِاجْتِماعِ البَشَرِيِّ لِتَكْوِينِ القَبائِلِ والشُّعُوبِ وتَعاوُنِهِمْ مِمّا جاءَ بِهَذِهِ الحَضارَةِ المُرْتَقِيَةِ مَعَ العُصُورِ والأقْطارِ قالَ تَعالى: (﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]) .

وفِي تَرْكِيبِ (﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾) مِن دَقِيقِ الإيذانِ بِأنَّ قُدْرَتَهُ راسِخَةٌ واجِبَةٌ لَهُ مُتَّصِفٌ بِها في الأزَلِ بِما اقْتَضاهُ فِعْلُ (كانَ)، وما في صِيغَةِ (قَدِيرٍ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ القُدْرَةِ المُقْتَضِيَةِ تَمامَ الإرادَةِ والعِلْمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском