Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:55–62
25:55Page 364
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥
But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ .
الواوُ لِلْحالِ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ في الشِّرْكِ، أعْقَبَ ذِكْرَ ما نَفَعَ اللَّهُ بِهِ النّاسَ مِن إلْطافِهِ بِهِمْ في تَصارِيفِ الكائِناتِ إذْ جَعَلَ لَهُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وخَلَقَ لَهُمُ الماءَ فَأنْبَتَ بِهِ الزَّرْعَ وسَقى بِهِ النّاسَ والأنْعامَ، مَعَ ما قارَنَهُ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ بِذِكْرِ عِبادَتِهِمْ ما لا يَنْفَعُ النّاسَ عَوْدًا إلى حِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِ مُشْرِكِي مَكَّةَ.
ونَفْيُ الضُّرِّ بَعْدَ نَفْيِ النَّفْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى انْتِفاءِ شُبْهَةِ عَبَدَةِ الأصْنامِ في شِرْكِهِمْ؛ لِأنَّ مُوجِبَ العِبادَةِ إمّا رَجاءُ النَّفْعِ وإمّا اتِّقاءُ ضُرِّ المَعْبُودِ، وكِلاهُما مُنْتَفٍ عَنِ الأصْنامِ بِالمُشاهَدَةِ.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ وعَدَمِ إجْداءِ الدَّلائِلِ المُقْلَعَةِ عَنْها في جانِبِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾) تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، فاللّامُ في تَعْرِيفِ (الكافِرِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: كُلُّ كافِرٍ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرٌ.
صفحة ٥٧
وجَعَلَ الخَبَرَ عَنِ الكافِرِ خَبَرًا لِـ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِالخَبَرِ أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ مُعْتادٌ مِن كُلِّ كافِرٍ.
والظَّهِيرُ: المُظاهِرُ، أيِ: المُعِينُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]) في سُورَةِ الإسْراءِ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، أيْ: مَظاهِرٍ مِثْلَ حَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، وعَوِينٍ بِمَعْنى مُعاوِنٍ. وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
أيِ: المُسْمِعِ. قالَ في الكَشّافِ: (ومَجِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ غَيْرُ عَزِيزٍ) . وهو مُشْتَقٌّ مِن: ظاهَرَ عَلَيْهِ، إذا أعانَ مَن يُغالِبُهُ عَلى غَلَبِهِ، وأصْلُهُ الأصِيلُ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ، وهو اسْمُ الظَّهْرِ مِنَ الإنْسانِ أوِ الدّابَّةِ؛ لِأنَّ المُعاوِنَ أحَدًا عَلى غَلَبِ غَيْرِهِ كَأنَّهُ يَحْمِلُ الغالِبَ عَلى المَغْلُوبِ كَما يُحْمَلُ عَلى ظَهْرِ الحامِلِ، جَعَلَ المُشْرِكَ في إشْراكِهِ مَعَ وُضُوحِ دَلالَةِ عَدَمِ اسْتِئْهالِ الأصْنامِ لِلْإلَهِيَّةِ كَأنَّهُ يَنْصُرُ الأصْنامَ عَلى رَبِّهِ الحَقِّ. وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الكافِرَ عاقٌّ لِمَوْلاهُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: ظَهِيرٌ بِمَعْنى مَظْهُورٍ، أيْ: كُفْرُ الكافِرِ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، يَعْنِي أيْ: فَعِيلًا فِيهِ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَظْهُورٌ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ (عَلى) مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (كانَ) أيْ: كانَ عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
25:56–57Page 365
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦
And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧
Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."
﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ .
لَمّا أفْضى الكَلامُ بِأفانِينِ انْتِقالاتِهِ إلى التَّعْجِيبِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى أنْ يَعْبُدُوا ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم أُعْقِبَ بِما يُومِئُ إلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِنِسْبَةِ ما بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ إلى الإفْكِ، وأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ سِحْرٌ، فَأُبْطِلَتْ دَعاوِيهِمْ كُلُّها بِوَصْفِ النَّبِيءِ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ، وقَصْرُهُ عَلى صِفَتَيِ التَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ. وهَذا الكَلامُ الوارِدُ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ جامِعٌ بَيْنَ إبْطالِ إنْكارِهِمْ لِرِسالَتِهِ وبَيْنَ تَأْنِيسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُضِلٍّ ولَكِنَّهُ مُبَشِّرٌ ونَذِيرٌ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنْ لا يَحْزَنَ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُخاطِبَهم بِأنَّهُ غَيْرُ طامِعٍ مِن دَعْوَتِهِمْ في أنْ يَعْتَزَّ بِاتِّباعِهِمْ إيّاهُ
صفحة ٥٨
حَتّى يَحْسَبُوا أنَّهم إنْ أعْرَضُوا عَنْهُ فَقَدْ بَلَغُوا مِنَ النِّكايَةِ بِهِ أمَلَهم، بَلْ ما عَلَيْهِ إلّا التَّبْلِيغُ بِالتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ لِفائِدَتِهِمْ لا يُرِيدُ مِنهُمُ الجَزاءَ عَلى عَمَلِهِ ذَلِكَ.
والأجْرُ: العِوَضُ عَلى العَمَلِ ولَوْ بِعَمَلٍ آخَرَ يُقْصَدُ بِهِ الجَزاءُ.
والِاسْتِثْناءُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ يَسْألُهم أجْرًا؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ مَحْذُوفٍ ما يَدُلُّ عَلَيْها لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والِاسْتِثْناءُ مِعْيارُ العُمُومِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُجْعَلَ تَأْكِيدُ الفِعْلِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ، ويُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وبِعِبارَةٍ أتْقَنَ تَأْكِيدَ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ وهو مَرْتَبَتانِ: مِنهُ ما هو تَأْكِيدٌ مَحْضٌ، وهو ما كانَ المُسْتَثْنى فِيهِ مُنْقَطِعًا عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ أصْلًا كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فَإنَّ فُلُولَ سُيُوفِهِمْ لَيْسَ مِن جِنْسِ العَيْبِ فِيهِمْ بِحالٍ؛ ومِنهُ مَرْتَبَةُ ما هو تَأْكِيدٌ في الجُمْلَةِ وهو ما المُسْتَثْنى فِيهِ لَيْسَ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ بِالمُشابَهَةِ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ بِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ كَما في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣])؛ ألا تَرى أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ يَسْألُهم أجْرًا عَلى الإطْلاقِ في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) . فَقَوْلُهُ تَعالى: (﴿إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾) مِن قَبِيلِ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يُناسِبُ أجْرًا؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إلّا عَمَلَ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا، وذَلِكَ هو اتِّباعُ دِينِ الإسْلامِ. ولَمّا كانَ هَذا إجابَةً لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ أشْبَهَ الأجْرَ عَلى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فَكانَ نَظِيرَ قَوْلِهِ (﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]) . وقَدْ يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ ويُقَدِّرُونَهُ كالِاسْتِدْراكِ.
والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ. واتِّخاذُ السَّبِيلِ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]) . وجُعِلَ السَّبِيلُ هُنا إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ فِيما دَعاهم إلَيْهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبإ: ٣٩]) .
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ السَّيْرَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ مَحْقُوقٌ بِأنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ وإلّا كانَ آبِقًا.
25:58Page 365
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨
And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -
صفحة ٥٩
﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ) أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ في دَعْوَتِكَ إلى الدِّينِ فَهو الَّذِي يُجازِيكَ عَلى ذَلِكَ ويُجازِيهِمْ.
والتَّوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ وإسْلامُ الأُمُورِ إلى المُتَوَكَّلِ عَلَيْهِ وهو الوَكِيلُ، أيْ: المُتَوَلِّي مُهِمّاتِ غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) في آلِ عِمْرانَ.
و(الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) هو اللَّهُ تَعالى. وعَدَلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ الدّائِمُ فَيُفِيدُ ذَلِكَ مَعْنى حَصْرِ التَّوَكُّلِ في الكَوْنِ عَلَيْهِ، فالتَّعْرِيفُ في (الحَيِّ) لِلْكامِلِ، أيْ: الكامِلِ حَياتُهُ؛ لِأنَّها واجِبَةٌ باقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحَياةُ غَيْرِهِ مُعَرِّضَةٌ لِلزَّوالِ بِالمَوْتِ ومُعَرَّضَةٌ لِاخْتِلالِ أثَرِها بِالذُّهُولِ كالنَّوْمِ ونَحْوِهُ، فَإنَّهُ مِن جِنْسِ المَوْتِ، فالتَّوَكُّلُ عَلى غَيْرِهِ مُعَرَّضٌ لِلِاخْتِلالِ ولِلِانْخِرامِ. وفي ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ؛ إذْ ناطُوا آمالَهم بِالأصْنامِ وهي أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَرْءَ الكامِلَ لا يَثِقُ إلّا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ عَلى الأحْياءِ المُعَرَّضِينَ لِلْمَوْتِ، وإنْ كانَ قَدْ يُفِيدُ أحْيانًا لَكِنَّهُ لا يَدُومُ.
وأمّا أمْرُهُ بِالتَّسْبِيحِ فَهو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وأوَّلُ ذَلِكَ الشَّرِكَةُ في الإلَهِيَّةِ؛ أيْ: إذا أهَمَّكَ أمْرُ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ فَنَزَّهَ اللَّهَ.
والباءُ في (بِحَمْدِهِ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: سَبَّحَهُ تَسْبِيحًا مُصاحِبًا لِلثَّناءِ عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ. فَقَدْ جُمِعَ لَهُ في هَذا الأمْرِ التَّخْلِيَةُ والتَّحْلِيَةُ مُقَدَّمًا التَّخْلِيَةَ؛ لِأنَّ شَأْنَ الإصْلاحِ أنْ يَبْدَأ بِإزالَةِ النَّقْصِ.
وأمْرُ النَّبِيءِ ﷺ يَشْمَلُ الأُمَّةَ ما لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِيَّةِ.
وجُمْلَةُ (﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾) اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، فَيُفِيدُ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ عِلْمِهِ تَعالى بِذُنُوبِ الخَلْقِ، ومِن ذَلِكَ أحْوالُ
صفحة ٦٠
المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم غَرَضُ الكَلامِ. فَفي (ذُنُوب عِبادِهِ) عُمُومانِ عُمُومُ ذُنُوبِهِمْ كُلِّها لِإفادَةِ الجَمْعِ المُضافِ عُمُومَ إفْرادِ المُضافِ، وعُمُومُ النّاسِ لِإضافَةِ (عِبادٍ) إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، أيْ: جَمِيعُ عِبادِهِ، مَعَ ما في صِيغَةِ (خَبِيرٍ) مِن شِدَّةِ العِلْمِ وهو يَسْتَلْزِمُ العُمُومَ فَكانَ كَعُمُومٍ ثالِثٍ. والكِفايَةُ: الإجْزاءُ، وفي فِعْلِ (كَفى) إفادَةُ أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ بِالِاكْتِفاءِ بِتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ.
والباءُ لِتَأْكِيدِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ. وقَدْ كَثُرَ دُخُولُ باءِ التَّأْكِيدِ بَعْدَ فِعْلِ الكِفايَةِ عَلى فاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]) في سُورَةِ الإسْراءِ. و(خَبِيرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) أيْ: كَفى بِهِ مِن حَيْثُ الخِبْرَةِ.
والعِلْمُ بِالذُّنُوبِ كِنايَةٌ عَنْ لازَمِهِ وهو أنْ يُجازِيَهم عَنْ ذُنُوبِهِمْ، والشِّرْكُ جامِعُ الذُّنُوبِ. وفي الكَلامِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن أذاهم.
25:59Page 365
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩
He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .
أُجْرِيَتْ هَذِهِ الصِّلَةُ وصْفًا ثانِيًا لِـ (الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) لِاقْتِضائِها سِعَةَ العِلْمِ وسِعَةَ القُدْرَةِ وعَظِيمَ المَجْدِ، فَصاحِبُها حَقِيقٌ بِأنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ ويُفَوَّضَ أمْرُ الجَزاءِ إلَيْهِ. وهَذا تَخَلُّصٌ إلى العَوْدِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في سِتَّةِ أيّامٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعَلى الِاسْتِواءِ في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(الرَّحْمَنُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الغالِبِ في الِاسْتِعْمالِ عِنْدَما تَتَقَدَّمُ أخْبارٌ أوْ أوْصافٌ لِصاحِبِها، ثُمَّ يُرادُ الإخْبارُ عَنْهُ بِما هو إفْصاحٌ عَنْ وصْفٍ جامِعٍ لِما مَضى أوْ أهَمَّ في الغَرَضِ مِمّا تَقَدَّمَهُ، فَإنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ أهَمُّ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ وصْفٌ يَقْتَضِي أنَّهُ يُدَبِّرُ أُمُورَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِقَوِيِّ الإسْعافِ.
صفحة ٦١
وفُرِّعَ عَلى وصْفِهِ بِـ (الرَّحْمَنُ) قَوْلُهُ: (﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ في رَحْمَتِهِ مِنَ العَظَمَةِ والشُّمُولِ ما لا تَفِي فِيهِ العِبارَةُ فَيَعْدِلُ عَنْ زِيادَةِ التَّوْصِيفِ إلى الحِوالَةِ عَلى العَلِيمِ بِتَصارِيفِ رَحْمَتِهِ مُجَرِّبٌ لَها مُتَلَقٍّ أحادِيثَها مِمَّنْ عَلِمَها وجَرَّبَها.
وتَنْكِيرُ (خَبِيرًا) لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ، فَلا يُظَنُّ خَبِيرًا مُعَيَّنًا؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا تَعَلَّقَ بِها فِعْلٌ اقْتَضَتْ عُمُومًا بِدَلِيلِ أيِّ خَبِيرٍ سَألْتَهُ أعْلَمَكَ.
وهَذا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ، ولَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ نَظِيرَ قَوْلِ العَرَبِ: (عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ) يَقُولُها العارِفُ بِالشَّيْءِ إذا سُئِلَ عَنْهُ. والمَثَلانِ وإنْ تَساوَيا في عَدَدِ الحُرُوفِ المَنطُوقِ بِها فالمَثَلُ القُرْآنِيُّ أفْصَحُ لِسَلامَتِهِ مِن ثِقَلِ تَلاقِي القافِ والطّاءِ والتّاءِ في (سَقَطْتَ) . وهو أيْضًا أشْرَفُ لِسَلامَتِهِ مِن مَعْنى السُّقُوطِ، وهو أبْلَغُ مَعْنًى لِما فِيهِ مِن عُمُومِ كُلِّ خَبِيرٍ، بِخِلافِ قَوْلِهِمْ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، لِأنَّها إنَّما يَقُولُها الواحِدُ المُعَيَّنُ. وقَرِيبٌ مِن مَعْنى (﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾) قَوْلُ النّابِغَةِ:
هَلّا سَألْتَ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسَبِـي إذا الدُّخانُ تَغَشّى الأشْمَطَ البَرِما
إلى قَوْلِهِ:
يُخْبِرُكُ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وعالِمُهم ∗∗∗ ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما
والباءُ في (بِهِ) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ فاسْألْ عَنْهُ كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ مُتَعَلِّقَةً بِـ (خَبِيرًا) وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ، فَلَهُ سَبَبانِ.
25:60Page 365
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠
And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ .
لِما جَرى وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِالرَّحْمَنِ مَعَ صِفاتٍ أُخُرَ اسْتَطْرَدَ ذِكْرُ كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِهَذا الوَصْفِ. وقَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ في أوَّلِ هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) هو مِن وضْعِ القُرْآنِ ولَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا لِلْعَرَبِ، وأمّا قَوْلُ شاعِرِ اليَمامَةِ في مَدْحِ مُسَيْلِمَةَ:
صفحة ٦٢
سَمَوْتَ بِالمَجْدِ يا ابْنَ الأكْرَمِينَ أبًـا وأنْتَ غَيْثُ الوَرى لا زِلْتَ رَحْمانا
فَذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ في مُدَّةِ الرِّدَّةِ، ولِذَلِكَ لَمّا سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ أنْكَرُوهُ قَصْدًا بِالتَّوَرُّكِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولَيْسَ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ بِمَدْلُولِ هَذا الوَصْفِ ولا بِكَوْنِهِ جارِيًا عَلى مَقايِيسِ لُغَتِهِمْ ولا أنَّهُ إذا وُصِفُ اللَّهُ بِهِ فَهو رَبٌّ واحِدٌ وأنَّ التَّعَدُّدَ في الأسْماءِ؛ فَكانُوا يَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا الصّابِئِ يَنْهانا أنْ نَدْعُوَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو اللَّهَ ويَدْعُو الرَّحْمَنَ. وفي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠]) . وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الإسْراءِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ.
والخَبَرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً في التَّعْجِيبِ مِن عِنادِهِمْ وبُهْتانِهِمْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ الإخْبارِ عَنْهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ مِن شَأْنِهِمْ.
والسُّجُودُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ سُجُودُ الِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وهو شِعارُ الإسْلامِ، ولَمْ يَكُنِ السُّجُودُ مِن عِبادَتِهِمْ وإنَّما كانُوا يَطُوفُونَ بِالأصْنامِ، وأمّا سُجُودُ الصَّلاةِ الَّتِي هي مِن قَواعِدِ الإسْلامِ فَلَيْسَ مُرادًا هُنا إذْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلاةِ، ولا فائِدَةَ في تَكْلِيفِهِمْ بِها قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ أرْسَلَهُ النَّبِيءُ ﷺ إلى اليَمَنِ فَأمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى شَهادَةِ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: «فَإنْ هم أطاعُوا لِذَلِكَ فَأعْلِمْهم أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ» إلَخْ. ومَسْألَةُ تَكْلِيفِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ لا طائِلَ تَحْتَها.
وواوُ العَطْفِ في قَوْلِهِمْ (﴿وما الرَّحْمَنُ﴾) لِعَطْفِهِمُ الكَلامَ الَّذِي صَدَرَ مِنهم عَلى الكَلامِ الَّذِي وُجِّهَ إلَيْهِمْ في أمْرِهِمْ بِالسُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ، عَلى طَرِيقَةِ دُخُولِ العَطْفِ بَيْنَ كَلامَيْ مُتَكَلِّمَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]) . و(ما) مِن قَوْلِهِ (﴿وما الرَّحْمَنُ﴾) اسْتِفْهامِيَّةٌ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِغْرابِ، يَعْنُونَ تَجاهُلَ هَذا الِاسْمِ، ولِذَلِكَ اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ بِما دُونَ (مَن) بِاعْتِبارِ السُّؤالِ عَنْ مَعْنى هَذا الِاسْمِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾) إنْكارٌ وامْتِناعٌ، أيْ: لا نَسْجُدُ لِشَيْءٍ
صفحة ٦٣
تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ عَلى أنَّ (ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أوْ لا نَسْجُدُ لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ إنْ كانَتْ (ما) مَوْصُولَةً. وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّفَةِ أوِ الصِّلَةِ مَعَ ما اتَّصَلَ هو بِهِ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، ومَقْصِدُهم مِن ذَلِكَ إباءُ السُّجُودِ لِلَّهِ؛ لِأنَّ السُّجُودَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ سُجُودٌ لِلَّهِ بِنِيَّةِ انْفِرادِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وهم لا يُجِيبُونَ إلى ذَلِكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]) أيْ: فَيَأْبَوْنَ، وقالَ: (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]) . ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وزادَهم نُفُورًا﴾) فالنُّفُورُ مِنَ السُّجُودِ سابِقٌ قَبْلَ سَماعِ اسْمِ الرَّحْمَنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُنا) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يَقُولُونَهُ بَيْنَهم ولا يُشافِهُونَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ .
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (زادَهم) عائِدٌ إلى القَوْلِ المَأْخُوذِ مِن (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾) . والنُّفُورُ: الفِرارُ مِنَ الشَّيْءِ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى لازِمِهِ وهو البُعْدُ. وإسْنادُ زِيادَةِ النُّفُورِ إلى القَوْلِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ تِلْكَ الزِّيادَةِ فَهم كانُوا أصْحابَ نُفُورٍ مِن سُجُودٍ لِلَّهِ فَلَمّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ زادُوا بُعْدًا مِنَ الإيمانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ نُوحٍ: (﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦]) .
وهَذا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ بِالِاتِّفاقِ. ووَجْهُ السُّجُودِ هُنا إظْهارُ مُخالَفَةِ المُشْرِكِينَ إذْ أبَوُا السُّجُودَ لِلرَّحْمَنِ، فَلَمّا حُكِيَ إباؤُهم مِنَ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ في مَعْرِضِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ عُزِّزَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ بِخِلافِهِمْ فَسَجَدَ النَّبِيءُ ﷺ هُنا مُخالِفًا لَهم مُخالَفَةً بِالفِعْلِ مُبالَغَةً في مُخالَفَتِهِ لَهم بَعْدَ أنْ أبْطَلَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]) الآياتِ الثَّلاثَ. وسَنَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - السُّجُودَ في هَذا المَوْضِعِ.
25:61Page 365
تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١
Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.
﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جُعِلَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: (﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]) الآياتِ الَّتِي هي مَحْصُولُ الدِّعامَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الدَّعائِمِ الثَّلاثِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها بِناءُ هَذِهِ السُّورَةِ، وافْتُتِحَتْ كُلُّ دِعامَةٍ مِنها بِـ (تَبارَكَ الَّذِي. . .) إلَخْ كَما تَقَدَّمَ في
صفحة ٦٤
صَدْرِ السُّورَةِ. وافْتُتِحَ ذَلِكَ بِإنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِالبِرْكَةِ والخَيْرِ لِما جَعَلَهُ لِلْخَلْقِ مِنَ المَنافِعِ. وتَقَدَّمَ (تَبارَكَ) أوَّلَ السُّورَةِ وفي قَوْلِهِ: (﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في الأعْرافِ.
والبُرُوجُ: مَنازِلُ مُرُورِ الشَّمْسِ فِيما يَرى الرّاصِدُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]) في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ.
والِامْتِنانُ بِها؛ لِأنَّ النّاسَ يُوَقِّتُونَ بِها أزْمانَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (سِراجًا) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ. والسِّراجُ: الشَّمْسُ كَقَوْلِهِ: (﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦]) في سُورَةِ نُوحٍ. ومُناسَبَةُ ذَلِكَ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]) .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (سُرُجًا) بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ جَمْعُ سِراجٍ فَيَشْمَلُ مَعَ الشَّمْسِ النُّجُومَ، فَيَكُونُ امْتِنانًا بِحُسْنِ مَنظَرِها لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥]) . والِامْتِنانُ بِمَحاسِنِ المَخْلُوقاتِ وارِدٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى: (﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]) . (
والكَلامُ جارٍ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ السِّراجِ: المِصْباحُ الزّاهِرُ الضِّياءَ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ جَعَلَ الشَّمْسَ مُزِيلَةً لِلظُّلْمَةِ كالسِّراجِ، أوْ خَلَقَ النُّجُومَ كالسِّراجِ في التَّلَأْلُؤِ وحُسْنِ المَنظَرِ.
ودَلالَةُ خَلْقِ البُرُوجِ والشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَة دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْعاقِلِ، وكَذَلِكَ دَلالَتُهُ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ ونِظامِهِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلُّ ولا يَخْتَلِفُ حَتّى تَسَنّى لِلنّاسِ رَصْدُ أحْوالِها وإناطَةُ حِسابِهِمْ بِها.
25:62Page 365
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢
And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.
﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ .
الِاسْتِدْلالُ هَذا بِما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنِ اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَ ظُلْمَةٍ ونُورٍ، وبَرْدٍ
صفحة ٦٥
وحَرٍّ، مِمّا يَكُونُ بَعْضُهُ ألْيَقَ بِبَعْضِ النّاسِ مِن بَعْضٍ بِبَعْضٍ آخَرَ، وهَذا مُخالِفٌ لِلِاسْتِدْلالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧])، فَهَذِهِ دَلالَةٌ أُخْرى والحِكَمُ في المَخْلُوقاتِ كَثِيرَةٌ.
والقَصْرُ هُنا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ولَيْسَ إضافِيًّا فَلِذَلِكَ لا يُرادُ بِهِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ بِخِلافِ صِيَغِ القَصْرِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]) .
والخِلْفَةُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ: اسْمٌ لِما يَخْلُفُ غَيْرَهُ في بَعْضِ ما يَصْلُحُ لَهُ. صِيغَ هَذا الِاسْمُ عَلى زِنَةِ فِعْلَةٍ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ ذُو خِلْفَةٍ، أيْ: صاحِبُ حالَةٍ خَلَفَ فِيها غَيْرَهُ ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ فَصارَ اسْمًا، قالَ زُهَيْرٌ:
بِها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْـفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ
أيْ: يَمْشِي سِرْبٌ ويَخْلُفُهُ سِرْبٌ آخَرُ ثُمَّ يَتَعاقَبُ هَكَذا. فالمَعْنى: جَعَلَ اللَّيْلَ خِلْفَةً والنَّهارَ خِلْفَةً: أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما خِلْفَةً عَنِ الآخَرِ، أيْ: فِيما يَعْمَلُ فِيها مِنَ التَّدَبُّرِ في أدِلَّةِ العَقِيدَةِ والتَّعَبُّدِ والتَّذَكُّرِ.
واللّامُ في (﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾) لامُ التَّعْلِيلِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (جَعَلَ)، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ هَذا الجَعْلَ نافِعٌ مَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شَكُورًا.
والتَّذَكُّرُ: تَفَعُّلٌ مِنَ الذِّكْرِ، أيْ: تَكَلِّفُ الذِّكْرِ. والذِّكْرُ جاءَ في القُرْآنِ بِمَعْنى التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ الدِّينِ، وجاءَ بِمَعْنى تَذَكُّرِ فائِتٍ أوْ مَنسِيٍّ، ويَجْمَعُ المَعْنَيَيْنِ اسْتِظْهارُ ما احْتُجِبَ عَنِ الفِكْرِ.
والشُّكُورُ: بِضَمِّ الشِّينِ مَصْدَرٌ مُرادِفُ الشُّكْرِ، والشُّكْرُ: عِرْفانُ إحْسانِ المُحْسِنِ. والمُرادُ بِهِ هُنا العِبادَةُ؛ لِأنَّها شُكْرٌ لِلَّهِ تَعالى.
فَتُفِيدُ الآيَةُ مَعْنى: لِيَنْظُرَ في اخْتِلافِهِما المُتَفَكِّرُ فَيَعْلَمَ أنْ لا بُدَّ لِانْتِقالِهِما مَن حالٍ إلى حالٍ مُؤْثَرٍ حَكِيمٍ فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ الخالِقِ ويَعْلَمُ أنَّهُ عَظِيمُ القُدْرَةِ فَيُوقِنُ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ الإلَهِيَّةَ، ولِيَشْكُرَ الشّاكِرَ عَلى ما في اخْتِلافِ
صفحة ٦٦
اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنها ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) فَيَكْثُرُ الشّاكِرُونَ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ ومُناسَباتِهِمْ، وتُفِيدُ مَعْنى: لِيَتَدارَكَ النّاسِي ما فاتَهُ في اللَّيْلِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ النَّوْمِ أوِ التَّعَبِ فَيَقْضِيَهُ في النَّهارِ أوْ ما شَغَلَهُ عَنْهُ شَواغِلُ العَمَلِ في النَّهارِ فَيَقْضِيَهُ بِاللَّيْلِ عِنْدَ التَّفَرُّغِ فَلا يَرْزَؤُهُ ذَلِكَ ثَوابَ أعْمالِهِ. رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أطالَ صَلاةَ الضُّحى يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ ؟ فَقالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أقْضِيَهُ وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾) الآيَةَ. ولِمَن أرادَ أنْ يَتَقَرَّبَ إلى اللَّهِ شُكْرًا لَهُ بِصَلاةٍ أوْ صِيامٍ، فَيَكُونَ اللَّيْلُ أسْعَدَ بِبَعْضِ ذَلِكَ والنَّهارُ أسْعَدَ بِبَعْضٍ، فَهَذا مُفادٌ عَظِيمٌ في إيجازٍ بَدِيعٍ.
وجِيءَ في جانِبِ المُتَذَكِّرِينَ بِقَوْلِهِ (أنْ يَذَّكَّرَ) لِدَلالَةِ المُضارِعِ عَلى التَّجَدُّدِ. واقْتَصَرَ في جانِبِ الشّاكِرِينَ عَلى المَصْدَرِ بِقَوْلِهِ (﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾)؛ لِأنَّ الشُّكْرَ يَحْصُلُ دُفْعَةً. ولِأجْلِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ النَّظْمَيْنِ أُعِيدَ فِعْلُ (أرادَ) إذْ لا يَلْتَئِمُ عَطْفُ (شُكُورًا) عَلى (أنْ يَذَّكَّرَ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنْ يَذَّكَّرَ) بِتَشْدِيدِ الذّالِ مَفْتُوحَةً، وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الذّالِ لِتَقارُبِهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ (أنْ يَذْكُرَ) بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ وهو بِمَعْنى المُشَدَّدِ إلّا أنَّ المُشَدَّدَ أشَدُّ عَمَلًا، وكِلا العَمَلَيْنِ يُسْتَدْرَكانِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences