Ibn 'AshurAl‑Furqan · 25:71–76

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:71–76

25:71Page 366

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١

And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.

﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾

إذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْ شَيْءٍ أوْ تَوْصِيفٌ لَهُ أوْ حالَةٌ مِنهُ بِمُرادِفٍ لِما سَبَقَ مِثْلُهُ في المَعْنى دُونَ زِيادَةٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ الثّانِي مُسْتَعْمَلًا في شَيْءٍ مِن لَوازِمِ مَعْنى الإخْبارِ يُبَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:

وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُ هُمُ

وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: («مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي» ) . فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: (( ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾) وقَعَ الإخْبارُ عَنِ التّائِبِ بِأنَّهُ تائِبٌ؛ إذِ المَتابُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى التَّوْبَةِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يُصْرَفَ إلى مَعْنًى مُفِيدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ هو قَوْلَهُ: (إلى اللَّهِ) فَيَكُونَ كِنايَةً عَنْ عَظِيمِ ثَوابِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ ما في المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ: فَإنَّهُ

صفحة ٧٨

يَسْتَمِرُّ عَلى تَوْبَتِهِ ولا يَرْتَدُّ عَلى عَقِبَيْهِ فَيَكُونُ وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى القَوْلِ الثّابِتِ إذا كانَ قَدْ تابَ وأيَّدَ تَوْبَتَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ ما لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ مِن مَعْنى التَّأْكِيدِ، أيْ: مَن تابَ وعَمِلَ صالَحا فَإنَّ تَوْبَتَهُ هي التَّوْبَةُ الكامِلَةُ الخالِصَةُ لِلَّهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: («إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى، فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» ) فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]) . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ احْتِمالاتٍ أُخْرى بَعِيدَةً.

والتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) عَلى التَّقادِيرِ كُلِّها لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ.

25:72Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢

And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.

﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾

أتْبَعَ خِصالَ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثَ الَّتِي هي قِوامُ الإيمانِ بِخِصالٍ أُخْرى مِن خِصالِهِمْ هي مِن كَمالِ الإيمانِ، والتَّخَلُّقِ بِفَضائِلِهِ، ومُجانَبَةِ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ. وتِلْكَ ثَلاثُ خِصالٍ أوْلاها أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ هُنا: (﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾) الآيَةَ.

وفِعْلُ شَهِدَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى حَضَرَ وهو أصْلُ إطْلاقِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥])، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ شَهِدَهُ وعَلِمَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ [يوسف: ٢٦]) .

والزُّورُ: الباطِلُ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ وقَدْ غَلَبَ عَلى الكَذِبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يَحْضُرُونَ مَحاضِرَ الباطِلِ الَّتِي كانَ يَحْضُرُها المُشْرِكُونَ، وهي مَجالِسُ اللَّهْوِ والغِناءِ والغَيْبَةِ ونَحْوِها، وكَذَلِكَ أعْيادُ المُشْرِكِينَ وألْعابُهم، فَيَكُونُ الزُّورُ مَفْعُولًا بِهِ لِـ (يَشْهَدُونَ) . وهَذا ثَناءٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِمُقاطَعَةِ المُشْرِكِينَ وتَجَنُّبِهِمْ. فَأمّا شُهُودُ مَواطِنِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَذَلِكَ قَدْ دَخَلَ في قَوْلِهِ: (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) . وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ: (﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]) ويَجُوزُ أنْ

صفحة ٧٩

يَكُونَ فِعْلُ (يَشْهَدُونَ) بِمَعْنى الإخْبارِ عَمّا عَلِمُوهُ ويَكُونَ الزُّورُ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ لا يَشْهَدُونَ بِالزُّورِ؛ أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِبَيانِ نَوْعِ الشَّهادَةِ، أيْ لا يَشْهَدُونَ شَهادَةً هي زُورٌ لا حَقٌّ.

وقَوْلُهُ (﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾) مُناسِبٌ لِكِلا الجُمْلَتَيْنِ.

واللَّغْوُ: الكَلامُ العَبَثُ والسَّفَهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [مريم: ٦٢]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. ومَعْنى المُرُورِ بِهِ المُرُورُ بِأصْحابِهِ اللّاغِينَ في حالِ لَغْوِهِمْ، فَجَعَلَ المُرُورَ بِنَفْسِ اللَّغْوِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أصْحابَ اللَّغْوِ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ وقْتَ المُرُورِ.

ومَعْنى (﴿مَرُّوا كِرامًا﴾) أنَّهم يَمُرُّونَ وهم في حالِ كَرامَةٍ، أيْ: غَيْرَ مُتَلَبِّسِينَ بِالمُشارَكَةِ في اللَّغْوِ فِيهِ، فَإنَّ السُّفَهاءَ إذا مَرُّوا بِأصْحابِ اللَّغْوِ أنِسُوا بِهِمْ ووَقَفُوا عَلَيْهِمْ وشارَكُوهم في لَغْوِهِمْ فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ كانُوا في غَيْرِ حالِ كَرامَةٍ.

والكَرامَةُ: النَّزاهَةُ ومَحاسِنُ الخِلالِ، وضِدُّها اللُّؤْمُ والسَّفالَةُ. وأصْلُ الكَرامَةِ أنَّها نَفاسَةُ الشَّيْءِ في نَوْعِهِ قالَ تَعالى: (﴿أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]) . وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ حِمْيَرَ في الحَماسَةِ:

ولا يَخِيمُ اللِّقَـاءَ فَـارِسُـهُـمْ حَتّى يَشُقَّ الصُّفُوفَ مِن كَرَمِهِ

أيْ: شَجاعَتُهُ، وقالَ تَعالى: (﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]) .

وإذا مَرَّ أهْلُ المُرُوءَةِ عَلى أصْحابِ اللَّغْوِ تَنَزَّهُوا عَنْ مُشارَكَتِهِمْ وتَجاوَزُوا نادِيَهم فَكانُوا في حالِ كَرامَةٍ، وهَذا ثَناءٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِتَرَفُّعِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠])، وقَوْلِهِ: (﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]) .

وإعادَةُ فِعْلِ (مَرُّوا) لِبِناءِ الحالِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ الِاسْتِعْمالِ، كَقَوْلِ الأحْوَصِ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ

صفحة ٨٠

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣]) كَما ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ مُشْكِلِ أبْياتِ الحَماسَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]) .

25:73Page 366

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣

And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.

﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ .

أُرِيدَ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ بِمُخالَفَةِ حالَةٍ هي مِن حالاتِ المُشْرِكِينَ، وتِلْكَ هي حالَةُ سَماعِهِمْ دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن آياتِ القُرْآنِ وطَلَبِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالصِّلَةِ لِتَحْصِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ مَعَ التَّعْرِيضِ بِتَفْظِيعِ حالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ خَرُّوا صُمًّا وعُمْيانًا كَحالِ مَن لا يُحِبُّ أنْ يَرى شَيْئًا فَيَجْعَلُ وجْهَهُ عَلى الأرْضِ، فاسْتُعِيرَ الخُرُورُ لِشِدَّةِ الكَراهِيَةِ والتَّباعُدِ بِحَيْثُ إنَّ حالَهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ كَحالِ الَّذِي يَخِرُّ إلى الأرْضِ؛ لِئَلّا يَرى ما يَكْرَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّقَوُّمِ والنُّهُوضِ، فَتِلْكَ حالَةٌ هي غايَةٌ في نَفْيِ إمْكانِ القَبُولِ.

ومِنهُ اسْتِعارَةُ القُعُودِ لِلتَّخَلُّفِ عَنِ القِتالِ، وفي عَكْسِ ذَلِكَ يُسْتَعارُ الإقْبالُ والتَّلَقِّي والقِيامُ لِلِاهْتِمامِ بِالأمْرِ والعِنايَةِ بِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخُرُورُ واقِعًا مِنهم أوْ مِن بَعْضِهِمْ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ جُلُوسًا في مُجْتَمَعاتِهِمْ ونَوادِيهِمْ فَإذا دَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلى الإسْلامِ طَأْطَئُوا رُءُوسَهم وقَرَّبُوها مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِلْقاعِدِ يَقُومُ مَقامَ الفِرارِ، أوْ سَتْرِ الوَجْهِ كَقَوْلِ أعْرابِيٍّ يَهْجُو قَوْمًا مِن طَيْئٍ، أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ:

إذا مَـا قِـيلَ أيُّهُــمْ لِأيٍّ تَشابَهَتِ المَناكِبُ والرُّءُوسُ

وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ: (﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧]) . وتَقَدَّمَ الخُرُورُ الحَقِيقِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ، وقَوْلِهِ: (﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦])، وقَوْلِهِ: (﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]) في سُورَةِ الأعْرافِ.

صفحة ٨١

و(﴿صُمًّا وعُمْيانًا﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ (يَخِرُّوا)، مُرادٌ بِهِما التَّشْبِيهُ بِحَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، أيْ: يَخِرُّونَ كالصُّمِّ والعُمْيانِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالمَسْمُوعِ مِنَ الآياتِ والمُبْصَرِ مِنها مِمّا يُذَكَّرُونَ بِهِ. فالنَّفْيُ عَلى هَذا مُنْصَبٌّ إلى الفِعْلِ وإلى قَيْدِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في الكَلامِ. وهَذا الوَجْهُ أوْجَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى القَيْدِ كَما هو اسْتِعْمالٌ غالِبٌ وهو مُخْتارُ صاحِبِ الكَشّافِ، فالمَعْنى: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها في حالَةٍ كالصَّمَمِ والعَمى، ولَكِنَّهم يَخِرُّونَ عَلَيْها سامِعِينَ مُبْصِرِينَ فَيَكُونُ الخُرُورُ مُسْتَعارًا لِلْحِرْصِ عَلى العَمَلِ بِشَراشِرِ القَلْبِ، كَما يُقالُ: أكَبَّ عَلى كَذا، أيْ: صَرَفَ جُهْدَهُ فِيهِ، فَيَكُونُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في أنَّهم يُصَمُّونَ ويُعْمَوْنَ عَنِ الآياتِ، ومَعَ ذَلِكَ يَخِرُّونَ عَلى تَلَقِّيها تَظاهُرًا مِنهم بِالحِرْصِ عَلى ذَلِكَ. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَلِيقُ لَوْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِمْ مُنافِقِينَ، وكَيْفَ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَأمّا المُشْرِكُونَ فَكانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ عَلَنًا، قالَ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]) وقالَ: (﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥])

25:74Page 366

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ .

هَذِهِ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يُعْنَوْنَ بِانْتِشارِ الإسْلامِ وتَكْثِيرِ أتْباعِهِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهم أزْواجًا وذُرِّيّاتِ تَقَرُّ بِهِمْ أعْيُنُهم، فالأزْواجُ يُطِعْنَهم بِاتِّباعِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ؛ فَقَدْ كانَ بَعْضُ أزْواجِ المُسْلِمِينَ مُخالِفاتٍ أزْواجَهم في الدِّينِ، والذُّرِّيّاتُ إذا نَشَئُوا نَشَئُوا مُؤْمِنِينَ، وقَدْ جُمِعَ ذَلِكَ لَهم في صِفَةِ (قُرَّةَ أعْيُنٍ) . فَإنَّها جامِعَةٌ لِلْكَمالِ في الدِّينِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ في الحَياةِ؛ إذْ لا تَقَرُّ عُيُونُ المُؤْمِنِينَ إلّا بِأزْواجٍ وأبْناءٍ مُؤْمِنِينَ، وقَدْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ إبْقاءِ النِّساءِ الكَوافِرِ في العِصْمَةِ بِقَوْلِهِ: (﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠])، وقالَ: (﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧]) الآيَةَ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ دُعاؤُهم هَذا مِن أسْبابِ جَزائِهِمْ بِالجَنَّةِ وإنْ كانَ فِيها حَظٌّ لِنُفُوسِهِمْ بِقُرَّةِ أعْيُنِهِمْ؛ إذْ لا يُناكِدُ حَظُّ النَّفْسِ حَظَّ الدِّينِ في أعْمالِهِمْ، كَما في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وهو خارِجٌ إلى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ فَدَعا لَهُ المُسْلِمُونَ ولِمَن مَعَهُ أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ سالِمِينَ فَقالَ:

صفحة ٨٢

لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْـفِـرَةً وضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا

أوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِـزَةً ∗∗∗ بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأحْشاءَ والكَـبِـدا

حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا

فَإنَّ في قَوْلِهِ: حَتّى يَقُولُوا، حَظًّا لِنَفْسِهِ مِن حُسْنِ الذِّكْرِ وإنْ كانَ فِيهِ دُعاءٌ لَهُ بِالرَّشَدِ وهو حَظٌّ دِينِيٌّ أيْضًا، وقَوْلُهُ: وقَدْ رَشَدَ، حُسْنُ ذِكْرٍ مَحْضٌ. في كِتابِ الجامِعِ مِن جامِعِ العُتْبِيَّةِ مِن أحادِيثِ ابْنِ وهْبٍ قالَ مالِكٌ: رَأيْتُ رَجُلًا يَسْألُ رَبِيعَةَ يَقُولُ: إنِّي لَأُحِبُّ أنْ أُرى رائِحًا إلى المَسْجِدِ. فَكَأنَّهُ كَرِهَ مِن قَوْلِهِ، ولَمْ يُعْجِبْهُ أنْ يُحِبَّ أحَدٌ أنْ يُرى في شَيْءٍ مِن أعْمالِ الخَيْرِ. وقالَ ابْنُ رُشْدٍ في شَرْحِهِ: وهَذا خِلافُ قَوْلِ مالِكٍ في رَسْمِ العُقُولِ مِن سَماعِ أشْهَبَ مِن كِتابِ الصَّلاةِ: إنَّهُ لا بَأْسَ بِذَلِكَ إذا كانَ أوَّلُهُ لِلَّهِ أيِ: القَصْدُ الأوَّلُ مِنَ العَمَلِ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ رُشْدٍ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن شَرْحِهِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩])، وقالَ: (﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]) . وقالَ الشّاطِبِيُّ في المُوافَقاتِ: عَدَّ مالِكٌ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الوَسْوَسَةِ، أيْ: أنَّ الشَّيْطانَ باقٍ لِلْإنْسانِ إذا سَرَّهُ مَرْأى النّاسِ لَهُ عَلى الخَيْرِ فَيَقُولُ لَكَ: إنَّكَ لَمُراءٍ. ولَيْسَ كَذَلِكَ إنَّما هو أمْرٌ يَقَعُ في قَلْبِهِ لا يُمْلَكُ اهـ.

وفِي المِعْيارِ عَنْ كِتابِ سِراجِ المُرِيدِينَ لِأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ قالَ: سَألْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ الشِّيرازِيَّ الصُّوفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]) ما بَيَّنُوا ؟ قالَ: أظْهَرُوا أفْعالَهم لِلنّاسِ بِالصَّلاحِ والطّاعاتِ.

قالَ الشّاطِبِيُّ: وهَذا المَوْضِعُ مَحَلُّ اخْتِلافٍ إذا كانَ القَصْدُ المَذْكُورُ تابِعًا لِقَصْدِ العِبادَةِ. وقَدِ التَزَمَ الغَزالِيُّ فِيها وفي أشْباهِها أنَّها خارِجَةٌ عَنِ الإخْلاصِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَصِيرَ العَمَلُ أخَفَّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأغْراضِ. وأمّا ابْنُ العَرَبِيِّ فَذَهَبَ إلى خِلافِ ذَلِكَ، وكَأنَّ مَجالَ النَّظَرِ يَلْتَفِتُ إلى انْفِكاكِ القَصْدِينَ، عَلى أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ الِانْفِكاكِ فِيما يَصِحُّ فِيهِ الِانْفِكاكُ أوْجَهُ لِما جاءَ في الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ، إلى آخِرِهِ.

صفحة ٨٣

و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن أزْواجِنا﴾) لِلِابْتِداءِ، أيِ اجْعَلْ لَنا قُرَّةَ أعْيُنٍ تَنْشَأُ مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (وذُرِّيّاتِنا) جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، والجَمْعُ عَلى الطَّوائِفِ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِذَلِكَ، وإلّا فَقَدَ يَكُونُ لِأحَدِ الدّاعِينَ ولَدٌ واحِدٌ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ و(ذُرِّيَّتِنا) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ، ويُسْتَفادُ مَعْنى الجَمْعِ مِنَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ (الَّذِينَ يَقُولُونَ)، أيْ: ذُرِّيَّةُ كُلِّ واحِدٍ.

والأعْيُنُ: هي أعْيُنُ الدّاعِينَ، أيْ قُرَّةُ أعْيُنٍ لَنا. وإذْ قَدْ كانَ الدُّعاءُ صادِرًا مِنهم جَمِيعًا اقْتَضى ذَلِكَ أنَّهم يُرِيدُونَ قُرَّةَ أعْيُنِ جَمِيعِهِمْ.

وكَما سَألُوا التَّوْفِيقَ والخَيْرَ لِأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ سَألُوا لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ أنْ وفَّقَهُمُ اللَّهُ إلى الإيمانِ أنْ يَجْعَلَهم قُدْوَةً يَقْتَدِي بِها المُتَّقُونَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم يَسْألُونَ لِأنْفُسِهِمْ بُلُوغَ الدَّرَجاتِ العَظِيمَةِ مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ القُدْوَةَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بالِغًا أقْصى غايَةِ العَمَلِ الَّذِي يَرْغَبُ المُهْتَمُّونَ بِهِ الكَمالَ فِيهِ. وهَذا يَقْتَضِي أيْضًا أنَّهم يَسْألُونَ أنْ يَكُونُوا دُعاةً لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ وأنْ يَهْتَدِيَ النّاسُ إلَيْهِ بِواسِطَتِهِمْ.

والإمامُ أصْلُهُ: المِثالُ والقالَبُ الَّذِي يُصْنَعُ عَلى شَكْلِهِ مَصْنُوعٌ مِن مِثْلِهِ قالَ النّابِغَةُ:

أبُوهُ قَبْلَهُ وأبُـو أبِـيهِ ∗∗∗ بَنَوْا مَجْدَ الحَياةِ عَلى إمامِ

وأُطْلِقَ الإمامُ عَلى القُدْوَةِ تَشْبِيهًا بِالمِثالِ والقالَبِ، وغَلَبَ ذَلِكَ فَصارَ الإمامُ بِمَعْنى القُدْوَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. ووَقَعَ الإخْبارُ بِـ (إمامًا) وهو مُفْرَدٌ عَلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إمامًا يُقْتَدى بِهِ، فالكَلامُ عَلى التَّوْزِيعِ، أوْ أُرِيدَ مِن إمامٍ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وجَرى الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقِيلَ: إمامٌ جَمْعٌ، مِثْلُ هِجانٍ وصِيامٍ ومُفْرَدُهُ: إمٌّ.

25:75–76Page 366

أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥

Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,

خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦

Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.

صفحة ٨٤

﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقِرًّا ومُقامًا﴾ .

التَّصْدِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَرِدُ بَعْدَهُ كانُوا أحْرِياءَ بِهِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. وتِلْكَ مَجْمُوعُ إحْدى عَشْرَةَ خَصْلَةً وهي: التَّواضُعُ، والحِلْمُ، والتَّهَجُّدُ، والخَوْفُ، وتَرْكُ الإسْرافِ، وتَرْكُ الإقْتارِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ الشِّرْكِ، وتَرْكُ الزِّنا، وتَرْكُ قَتْلِ النَّفْسِ، والتَّوْبَةُ، وتَرْكُ الكَذِبِ، والعَفْوُ عَنِ المُسِيءِ، وقَبُولُ دَعْوَةِ الحَقِّ، وإظْهارُ الِاحْتِياجِ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ، . واسْمُ الإشارَةِ هو الخَبَرُ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]) كَما تَقَدَّمَ عَلى أرْجَحِ الوَجْهَيْنِ.

والغُرْفَةُ: البَيْتُ المُعْتَلِي يُصْعَدُ إلَيْهِ بِدَرَجٍ وهو أعَزُّ مَنزِلًا مِنَ البَيْتِ الأرْضِيِّ، والتَّعْرِيفُ في الغُرْفَةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ [الحديد: ٢٥]) فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الغُرَفَ، أيْ مِنَ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ (بِما صَبَرُوا)، أيْ: بِصَبْرِهِمْ وهو صَبْرُهم عَلى ما لَقُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى، وصَبْرُهم عَلى كَبْحِ شَهَواتِهِمْ لِأجْلِ إقامَةِ شَرائِعِ الإسْلامِ، وصَبْرُهم عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُلَقَّوْنَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ المَفْتُوحَةِ مُضارِعِ لَقّاهُ إذا جَعَلَهُ لاقَيًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ (ويَلْقَوْنَ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ المَفْتُوحَةِ مُضارِعِ لَقِيَ. واللُّقِيُّ واللِّقاءُ: اسْتِقْبالُ شَيْءٍ ومُصادَفَتُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥]) في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) .

وقَدِ اسْتُعِيرَ اللُّقِيُّ لِسَماعِ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ، أيْ أنَّهم يَسْمَعُونَ ذَلِكَ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلُوا عَلى بَأْسٍ أوْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ بِأُسٌ، بَلْ هم مُصادِفُونَ تَحِيَّةَ إكْرامٍ وثَناءٍ مِثْلَ تَحِيّاتِ العُظَماءِ والمُلُوكِ الَّتِي يُرَتِّلُها الشُّعَراءُ والمُنْشِدُونَ.

صفحة ٨٥

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ اللُّقِيِّ لِسَماعِ ألْفاظِ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ لِأجْلِ الإيماءِ إلى أنَّهم يَسْمَعُونَ التَّحِيَّةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَلْقَوْنَهم بِها، فَهو مَجازٌ بِالحَذْفِ قالَ تَعالى: (﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]) في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

وقَوْلُهُ: (﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾) هو ضِدُّ ما قِيلَ في المُشْرِكِينَ (﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]) . والتَّحِيَّةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: (﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦]) في سُورَةِ النِّساءِ، وفي قَوْلِهِ: (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلِهِ (﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]) في آخِرِ النُّورِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском