Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:192–209
26:192–195Page 375
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣
The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥
In a clear Arabic language.
﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ .
عَوْدٌ إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وكَوْنِهِ الآيَةَ العُظْمى بِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢] كَما تَقَدَّمَ لِتُخْتَتَمَ السُّورَةُ بِإطْنابِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ كَما ابْتُدِئَتْ بِإجْمالِ التَّنْوِيهِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ آيَةٍ اخْتارَها اللَّهُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةَ أفْضَلِ المُرْسَلِينَ. فَضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ بَعْدَ ذِكْرِ آياتِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ. فَبِواوِ العَطْفِ اتَّصَلَتِ الجُمْلَةُ بِالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وبِضَمِيرِ القُرْآنِ اتَّصَلَ غَرَضُها بِغَرَضِ صَدْرِ السُّورَةِ.
فَجُمْلَةُ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المَحْكِيَّةِ فِيها أخْبارُ الرُّسُلِ المُماثِلَةِ أحْوالُ أقْوامِهِمْ لِحالِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ لِيُعْلَمَ أنَّ القُرْآنَ هو آيَةُ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَطْفُها عَلى الجُمَلِ الَّتِي مَثْلُها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ. ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) بِحَيْثُ لَوْلا ما فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى مِن طُولِ الكَلامِ لَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها. ووَجْهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن إعْراضِ الكافِرِينَ عَنْ قَبُولِهِ وطاعَتِهِمْ فِيهِ.
والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِرَدِّ إنْكارِ المُنْكِرِينَ.
والتَّنْزِيلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ حَتّى كَأنَّ المُنَزَّلَ نَفْسُ التَّنْزِيلِ. وجُمْلَةُ (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) بَيانٌ لِ (﴿تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾)، أيْ: كانَ تَنْزِيلُهُ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ زايِ (نَزَلَ) ورَفْعِ (الرُّوحُ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ (نَزَّلَ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ (الرُّوحَ الأمِينَ)، أيْ: نَزَّلَهُ اللَّهُ بِهِ.
صفحة ١٨٩
و(﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾): جِبْرِيلُ وهو لَقَبُهُ في القُرْآنِ، سُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ وهي المُجَرَّداتُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرُّوحِ في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ (رُوحُ القُدُسِ) في البَقَرَةِ. ونُزُولُ جِبْرِيلَ إذْنُ اللَّهِ تَعالى، فَنُزُولُهُ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
و(الأمِينُ) صِفَةُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمِنَهُ عَلى وحْيِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ (نَزَلَ بِهِ) لِلْمُصاحَبَةِ.
والقَلْبُ: يُطْلَقُ عَلى ما بِهِ قَبُولُ المَعْلُوماتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ: إدْراكٌ وعَقْلٌ.
وقَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (نَزَلَ)، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ النُّزُولَ وُصُولٌ مِن مَكانٍ عالٍ فَهو مُقْتَضٍ اسْتِقْرارَ النّازِلِ عَلى مَكانٍ.
ومَعْنى نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلى قَلْبِ النَّبِيءِ عَلَيْهِما السَّلامُ: اتِّصالُهُ بِقُوَّةِ إدْراكِ النَّبِيءِ لِإلْقاءِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ في قُوَّتِهِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْكَلامِ المُوحى بِألِفاظِهِ؛ فَفِعْلُ (نَزَلَ) حَقِيقَةٌ.
وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعارٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ مِمّا سُمِّيَ بِقَلْبِ النَّبِيءِ مِثْلُ اسْتِعارَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
وقَدْ وصَفَ النَّبِيءُ ﷺ ذَلِكَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ عَنْهُ ما قالَ، وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأعِيَ ما يَقُولُ» .
وهَذانَ الوَصْفانِ خاصّانِ بِوَحْيِ نُزُولِ القُرْآنِ. وثَمَّةَ وحْيٌ مِن قَبِيلِ إبْلاغِ المَعْنى وسَمّاهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثٍ آخَرَ نَفْثًا. فَقالَ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَوْفِيَ أجَلَها» . فَهَذا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَهو وحْيٌ بِالمَعْنى (والرُّوعُ: العَقْلُ) . وقَدْ يَكُونُ الوَحْيُ في رُؤْيا النَّوْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ لا يَنامُ
صفحة ١٩٠
قَلْبُهُ، ويَكُونُ أيْضًا بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ بَيَّنّا في شَرْحِ الحَدِيثِ النُّكْتَةَ في اخْتِصاصِ إحْدى الحالَتَيْنِ بِبَعْضِ الأوْقاتِ.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) أنَّ القُرْآنَ أُلْقِيَ في قَلْبِهِ بِألِفاظِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
ومَعْنى (﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾) لِتَكُونَ مِنَ الرُّسُلِ. واخْتِيرَ مِن أفْعالِهِ النِّذارَةَ؛ لِأنَّها أخَصُّ بِغَرَضِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ وبِإنْذارِهِمْ.
وفِي (مِنَ المُنْذِرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ في تَمَكُّنِ وصْفِ الرِّسالَةِ مِنهُ ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ في هَذِهِ القِصَصِ وغَيْرِها. و(بِلِسانٍ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) .
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. واللِّسانُ: اللُّغَةُ، أيْ: نَزَلَ بِالقُرْآنِ مُلابِسًا لِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُبَيِّنَةٍ أيْ: كائِنًا القُرْآنَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ الدَّلالَةَ عَلى المَعانِي الَّتِي يَعْنِيها المُتَكَلِّمُ فَإنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْصَحُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها لِاحْتِمالِ المَعانِي الدَّقِيقَةِ الشَّرِيفَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ، فَإنَّ ما في أسالِيبِ نَظْمِ كَلامِ العَرَبِ مِن عَلاماتِ الإعْرابِ، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والحَقِيقَةِ والمَجازِ والكِنايَةِ، وما في سِعَةِ اللُّغَةِ مِنَ التَّرادُفِ، وأسْماءِ المَعانِي المُقَيَّدَةِ، وما فِيها مِنَ المُحَسِّناتِ، ما يَلِجُ بِالمَعانِي إلى العُقُولِ سَهْلَةً مُتَمَكِّنَةً، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ اللُّغَةَ أنْ تَكُونَ هي لُغَةُ كِتابِهِ الَّذِي خاطَبَ بِهِ كافَّةَ النّاسِ فَأُنْزِلَ بادِئَ ذِي بَدْءٍ بَيْنَ العَرَبِ أهْلِ ذَلِكَ اللِّسانِ ومَقاوِيلِ البَيانِ ثُمَّ جَعَلَ مِنهم حَمَلَتَهُ إلى الأُمَمِ تُتَرْجِمُ مَعانِيهِ فَصاحَتَهم وبَيانَهم، ويَتَلَقّى أسالِيبَهُ الشّادُونَ مِنهم ووِلْدانُهم، حِينَ أصْبَحُوا أُمَّةً واحِدَةً يَقُومُ بِاتِّحادِ الدِّينِ واللُّغَةِ كَيانُهم.
26:196–197Page 375
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) . والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ كَضَمِيرِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) . وهَذا تَنْوِيهٌ آخَرُ بِالقُرْآنِ بِأنَّهُ تُصَدِّقُهُ كُتُبُ الأنْبِياءِ الأوَّلِينَ
صفحة ١٩١
بِمُوافَقَتِها لِما فِيهِ وخاصَّةً في أخْبارِهِ عَنِ الأُمَمِ وأنْبِيائِها.
وقَوْلُهُ: ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كُتُبِ الرُّسُلِ السّالِفِينِ، أيْ: أنَّ القُرْآنَ كائِنٌ في كُتُبِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ مِثْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، وكُتُبِ الأنْبِياءِ الَّتِي نَعْلَمُها إجْمالًا. ومَعْلُومٌ أنَّ ضَمِيرَ القُرْآنِ لا يُرادُ بِهِ ذاتُ القُرْآنِ، أيْ: ألِفاظُهُ المُنَزَّلَةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ إذْ لَيْسَتْ سُوَرُ القُرْآنِ وآياتُهُ مَسْطُورَةً في زُبُرِ الأوَّلِينَ بِلَفْظِها كُلِّهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ اسْمِهِ ووَصْفِهِ الخاصِّ أوْ بِاعْتِبارِ مَعانِيهِ.
فَأمّا الِاعْتِبارُ الأوَّلُ فالضَّمِيرُ مُئَوَّلٌ بِالعَوْدِ إلى اسْمِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، أيْ: يَجِدُونَ اسْمَهُ ووَصْفَهُ الَّذِي يُعَيِّنُهُ. فالمَعْنى أنَّ ذِكْرَ القُرْآنِ وارِدٌ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، أيْ: جاءَتْ بِشاراتٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّهُ رَسُولٌ يَجِيءُ بِكِتابٍ. فَفي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِن كُتُبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ قَوْلُ مُوسى: (قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ) إذْ لا شَكَّ أنَّ إخْوَةَ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ العَرَبُ كَما ورَدَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ في الإصْحاحِ السّادِسِ عَشَرَ عِنْدَ ذِكْرِ الحَمْلِ بِإسْماعِيلَ وأمامَ جَمِيعِ إخْوَتِهِ يَسْكُنُ أيْ: لا يَسْكُنُ مَعَهم ولَكِنْ قُبالَتُهم. ولَمْ يَأْتِ نَبِيءٌ بِوَحْيٍ مِثْلِ مُوسى، بِشَرْعٍ كَشَرْعِ مُوسى غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَلامُ اللَّهِ المَجْعُولُ في فَمِهِ هو القُرْآنُ المُوحى بِهِ إلَيْهِ وهو يَتْلُوهُ.
وفِي إنْجِيلِ مَتّى الإصْحاحِ الرّابِعِ عَشَرَ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرًا. . . ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى (أيْ: يَدُومُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ أيْ: دِينُهُ إذْ لا خُلُودَ لِلْأشْخاصِ) فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرَزُ (أيْ: يَدْعُو) بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ (أيِ: الأرْضِ المَأْهُولَةِ) شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ رِسالَةً عامَّةً ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى (أيْ: نِهايَةُ العالَمِ)“ .
فالبِشارَةُ هي الوَحْيُ وهو القُرْآنُ وهو الكِتابُ الَّذِي دَعا جَمِيعَ الأُمَمِ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] وقالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩] .
وفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ الإصْحاحِ الرّابِعِ عَشَرَ: ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ
صفحة ١٩٢
فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا (أيْ: رَسُولًا) آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ (هَذا هو دَوامُ الشَّرِيعَةِ) رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ العالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ (إشارَةً إلى تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ) لِأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعْرِفُهُ. ثُمَّ قالَ: وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي أيْ: وصْفُ الرِّسالَةِ فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قَلْتُهُ لَكم (وهَذا التَّعْلِيمُ لِكُلِّ شَيْءٍ هو القُرْآنُ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ)“ .
وأمّا الِاعْتِبارُ الثّانِي فالضَّمِيرُ مُئَوَّلٌ بِمَعْنى مُسَمّاهُ كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ مُسَمّى دِرْهَمٍ فَكَما يُطْلَقُ اسْمُ الشَّيْءِ عَلى مَعْناهُ نَحْوَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] أيْ: أحْوالُهُ، كَذَلِكَ يُطْلَقُ ضَمِيرُ الِاسْمِ عَلى مَعْناهُ، فالمَعْنى: أنَّ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مَوْجُودٌ في كُتُبِ الأوَّلِينَ. وهَذا كَقَوْلِ الإنْجِيلِ آنِفًا (ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قَلْتُهُ لَكم)، ولا تَجِدُ شَيْئًا مِن كَلامِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَسْطُورِ في الأناجِيلِ غَيْرِ المُحَرَّفِ عَنْهُ إلّا وهو مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ.
والمَقْصُودُ: أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ عَلى صِدْقِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ تَنْوِيهٌ ثالِثٌ بِالقُرْآنِ وحَجَّةٌ عَلى التَّنْوِيهِ الثّانِي بِهِ الَّذِي هو شَهادَةُ كُتُبِ الأنْبِياءِ لَهُ بِالصِّدْقِ، بِأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ما في القُرْآنِ مِمّا يَخْتَصُّ بِعِلْمِهِمْ فَبِاعْتِبارِ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَنْوِيهًا آخَرَ بِالقُرْآنِ عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى كَوْنِها حُجَّةً عَلى صِدْقِ القُرْآنِ أنْ لا تُعْطَفَ.
وفِعْلُ (يَعْلَمُهُ) شامِلٌ لِلْعِلْمِ بِصِفَةِ القُرْآنِ، أيْ: تَحَقُّقُ صِدْقِ الصِّفاتِ المَوْصُوفِ بِها مَن جاءَ بَعْدَهُ، وشامِلٌ لِلْعِلْمِ بِما يَتَضَمَّنُهُ ما في كُتُبِهِمْ.
وضَمِيرُ (أنْ يَعْلَمَهُ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَعْلَمَ ذِكْرَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الحُكْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ .
26:198–199Page 375
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
صفحة ١٩٣
﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . كانَ مِن جُمْلَةِ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: تَقَوَّلَهُ مُحَمَّدٌ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ وقالُوا: (﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]) فَدَمَغَهُمُ اللَّهُ بِأنْ تَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا.
وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ بُهْتانَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ حَيْثُ جاءَهم بِالقُرْآنِ رَسُولٌ عَرَبِيٌّ وأنَّهُ لَوْ جاءَهم بِهَذا القُرْآنِ رَسُولٌ أعْجَمِيٌّ لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ بِأنْ أوْحى اللَّهُ بِهَذِهِ الألْفاظِ إلى رَسُولٍ لا يَفْهَمُها ولا يُحْسِنُ تَأْلِيفَها فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، وفي قِراءَتِهِ وهو لا يُحْسِنُ اللُّغَةَ أيْضًا خارِقُ عادَةٍ؛ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَما آمَنُوا بِأنَّهُ رَسُولٌ مَعَ أنَّ ذَلِكَ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَزِيادَةُ قَوْلِهِ (عَلَيْهِمْ) زِيادَةُ بَيانٍ في خَرْقِ العادَةِ. يَعْنِي أنَّ المُشْرِكِينَ لا يُرِيدُونَ مِمّا يُلْقُونَهُ مِنَ المَطاعِنِ البَحْثَ عَنِ الحَقِّ ولَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ وطَفِقُوا يَتَحَمَّلُونَ أعْذارًا لِتَكْذِيبِهِمْ جُحُودًا لِلْحَقِّ وتَسَتُّرًا مِنَ اللّائِمِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (عَلى قَلْبِكَ) أفادَ أنَّهُ أُوتِيَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ لَيْسَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ لا كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ: تَقَوَّلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.
فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِتَعْجِيزِهِمْ فَضَحَ نِيّاتَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ في كُلِّ حالٍ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] .
و(الأعْجَمِينَ) جَمْعُ أعْجَمٍ. والأعْجَمُ: الشَّدِيدُ العُجْمَةِ، أيْ: لا يُحْسِنُ كَلِمَةً بِالعَرَبِيَّةِ، وهو هُنا مُرادِفُ أعْجَمِيٍّ بِياءِ النَّسَبِ فَيَصِحُّ في جَمْعِهِ عَلى أعْجَمِينَ اعْتِبارُ أنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ بِاعْتِبارِ جَمْعِ أعْجَمٍ كَما قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ حَمامَةً:
ولَمْ أرَ مِثْلِي شاقَهُ لَفْظُ مِثْلِـها ولا عَرَبِيًّا شاقَهُ لَفْظُ أعْجَما
صفحة ١٩٤
ويَصِحُّ اعْتِبارُ حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ لِلتَّخْفِيفِ. وأصْلُهُ: الأعْجَمِيِّينَ كَما في الشِّعْرِ المَنسُوبِ إلى أبِي طالِبٍ:
وحَيْثُ يُنِيخُ الأشْعَرُونَ رِحالَهم ∗∗∗ بِمَلْقى السُّيُولِ بَيْنَ سافٍ ونائِلِ
أيِ الأشْعَرِيُّونَ، وعَلى هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ يُحْمَلُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
قُعُودًا لَهُ غَسّانُ يَرْجُونَ أوْبَـهُ ∗∗∗ وتُرْكٌ ورَهْطُ الأعْجَمِينَ وكابُلُ
26:200–203Page 375
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣
And they will say, "May we be reprieved?"
﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ نَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ، إلّا أنَّ آيَةَ الحِجْرِ قِيلَ فِيها: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ [الحجر: ١٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: (سَلَكْناهُ)، والمَعْنى في الآيَتَيْنِ واحِدٌ والمَقْصُودُ مِنهُما واحِدٌ، فَوَجْهُ اخْتِيارِ المُضارِعِ في آيَةِ الحِجْرِ أنَّهُ دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَقْصُودَ إبْلاغٌ مَضى وهو الَّذِي أُبْلِغَ لِشِيَعِ الأوَّلِينَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ فَيُتَوَهَّمُ أنَّهُمُ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ مَعَ أنَّ المُرادَ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيها ذِكْرٌ لِغَيْرِ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَناسَبَها حِكايَةُ وُقُوعِ هَذا الإبْلاغِ مُنْذُ زَمَنٍ مَضى. وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ.
وجُمْلَةُ (كَذَلِكَ سَلَكْناهُ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيْ: إنْ سَألْتَ عَنِ اسْتِمْرارِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ في حِينِ أنَّهُ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَلا تَعْجَبْ فَكَذَلِكَ السُّلُوكُ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ فَهو تَشْبِيهٌ لِلسُّلُوكِ المَأْخُوذِ (مِن سَلَكْناهُ) بِنَفْسِهِ لِغَرابَتِهِ. وهَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: هو سُلُوكٌ لا يُشْبِهُهُ سُلُوكٌ وهو أنَّهُ دَخَلَ قُلُوبَهم بِإبانَتِهِ وعَرَفُوا دَلائِلَ صِدْقِهِ مِن أخْبارِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
ومَعْنى (سَلَكْناهُ) أدْخَلْناهُ، قالَ الأعْشى:
كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ
صفحة ١٩٥
وعَبَّرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِ (المُجْرِمِينَ)؛ لِأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْرامٌ. وجُمْلَةُ (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (المُجْرِمِينَ) .
والغايَةُ في (حَتّى يَرَوُا العَذابَ) تَهْدِيدٌ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ، وحَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ. والعَذابُ صادِقٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ لِمَن هَلَكُوا قَبْلَ حُلُولِ عَذابِ الدُّنْيا، وصادِقٌ بِعَذابِ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ (﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]) .
وقَوْلُهُ: (﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾) صالِحٌ لِلْعَذابَيْنِ: عَذابُ الآخِرَةِ يَأْتِي عَقِبَ المَوْتِ والمَوْتُ يَحْصُلُ بَغْتَةً، وعَذابُ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ يَحْصُلُ بَغْتَةً حِينَ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَأْتِيَهم) عاطِفَةٌ لِفِعْلِ (يَأْتِيَهم) عَلى فِعْلِ (يَرَوْا) كَما دَلَّ عَلَيْهِ نَصْبُ (يَأْتِيَهم) وذَلِكَ ما يَسْتَلْزِمُهُ مَعْنى العَطْفِ مِن إفادَةِ التَّعْقِيبِ فَيُثِيرُ إشْكالًا بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا يَكُونُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ بَلْ هُما حاصِلانِ مُقْتَرِنَيْنِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَعْنى الآيَةِ. وقَدْ حاوَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والكاتِبُونَ عَلَيْهِ تَأْوِيلَها بِما لا تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ.
ولا وجْهَ عِنْدِي في تَأْوِيلِها أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ) وأُدْخِلَتِ الفاءُ فِيها لِبَيانِ صُورَةِ الِاشْتِمالِ، أيْ: إنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُصُولِهِ بَغْتَةً، أيْ: يَرَوْنَهُ دَفْعَةً دُونَ سَبْقِ أشْراطٍ لَهُ.
أمّا الفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَقُولُوا) فَهي لِإفادَةِ التَّعْقِيبِ في الوُجُودِ وهو صادِقٌ بِأسْرَعِ تَعْذِيبٍ فَتَكُونُ خَطِرَةً في نُفُوسِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلَكُوا في الدُّنْيا، أوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ ويُرَدِّدُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ وحِينَ يُلْقَوْنَ فِيهِ.
و(هَلْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في اسْتِفْهامٍ مُرادٍ بِهِ التَّمَنِّي مَجازًا، وجِيءَ بَعْدَها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ: تَمَنَّوْا إنْظارًا طَوِيلًا يَتَمَكَّنُونَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
26:204–207Page 375
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤
So for Our punishment are they impatient?
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
صفحة ١٩٦
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَراْيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ .
نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] تَقْدِيرُ جَوابٍ عَنْ تَكَرُّرِ سُؤالِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، حَيْثُ جَعَلُوا تَأخُّرَ حُصُولِ العَذابِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تُفِيدُ تَعْقِيبَ الِاسْتِفْهامِ عَقِبَ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ: (﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]) ونَحْوِهِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن غُرُورِهِمْ. والمَعْنى: أيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا فَما تَأْخِيرُهُ إلّا تَمْتِيعٌ لَهم. وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، ويَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] . قالَ مُقاتِلٌ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إلى مَتى تَعِدُنا بِالعَذابِ ولا تَأْتِي بِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ .
وتَقْدِيمُ (بِعَذابِنا) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِهِ في مَقامِ الإنْذارِ، أيْ: لَيْسَ شَأْنُ مِثْلِهِ أنْ يُسْتَعْجَلَ لِفَظاعَتِهِ.
ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مُقْتَضِيًا أنَّهم في مُهْلَةٍ مِنهُ ومُتْعَةٍ بِالسَّلامَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَغُرُّهم بِأنَّهم في مَنجاةٍ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي جاءَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ جابَهَهم بِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهُمْ﴾) لِلتَّقْرِيرِ. و(ما) في قَوْلِهِ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) اسْتِفْهامِيَّةٌ وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا. والرُّؤْيَةُ في (أفَرَأيْتَ) قَلْبِيَّةٌ، أيْ: أفَعَلِمْتَ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَعُمُّ كُلَّ مُخاطَبٍ حَتّى المُجْرِمِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) . و(ثُمَّ جاءَهم) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشُّرَطِ المُعْتَرِضَةِ، و(ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، أيْ: جاءَهم بَعْدَ سِنِينَ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ
صفحة ١٩٧
العَذابَ جائِيهِمْ وحالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ. و(﴿ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُوعَدُونَهُ.
وجُمْلَةُ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ. و(﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُمَتَّعُونَهُ.
والمَعْنى: أعَلِمْتَ أنَّ تَمْتِيعَهم بِالسَّلامَةِ وتَأْخِيرَ العَذابِ إنْ فُرِضَ امْتِدادُهُ سِنِينَ عَدِيدَةً غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهم شَيْئًا إنْ جاءَهُمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨]، وذَلِكَ أنَّ الأُمُورَ بِالخَواتِيمِ. في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: رَوى ابْنُ شِهابٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ إذا أصْبَحَ أمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثُمَّ يَبْكِي ويَقُولُ:
نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْـلَةٌ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والـرَّدى لَـكَ لازِمٌ
فَلا أنْتَ في الإيقاظِ يَقْظانُ حازِمٌ ∗∗∗ ولا أنْتَ في النُّوّامِ ناجٍ فَسالِـمُ
تُسَرُّ بِما يَفْنى وتَفْرَحُ بِالمُـنَـى ∗∗∗ كَما سُرَّ بِاللَّذّاتِ في النَّوْمِ حالِمُ
وتَسْعى إلى ما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ∗∗∗ كَذَلِكَ في الدُّنْيا تَعِيشُ البَـهَـائِمُ
ولَمْ أقِفْ عَلى صاحِبِ هَذِهِ الأبْياتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رُوِيَ مَثِيلُهُ عَنِ المَنصُورِ.
26:208Page 376
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ .
تَذْكِيرٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّ القُرى الَّتِي أهْلَكَها اللَّهُ والَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في هَذِهِ السُّورَةِ قَدْ كانَ لَها رُسُلٌ يُنْذِرُونَها عَذابَ اللَّهِ لِيَقِيسُوا حالَتَهم عَلى أحْوالِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَهم.
والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٌ. والتَّقْدِيرُ: وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالٍ لَها مُنْذِرُونَ. وعُرِّيَتْ جُمْلَةُ الحالِ عَنِ الواوِ اسْتِغْناءً عَنِ الواوِ
صفحة ١٩٨
بِحَرْفِ الِاسْتِثْناءِ ولَوْ ذُكِرَتِ الواوُ لَجازَ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] . وعَبَّرَ عَنِ الرُّسُلِ بِصِفَةِ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلتَّهْدِيدِ بِالإهْلاكِ.
﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
أيْ هَذِهِ ذِكْرى، فَذِكْرى في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ السِّياقِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأحْقافِ (بَلاغٌ) أيْ: هَذا بَلاغٌ، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ (﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢])، وفي سُورَةِ ص (هَذا ذِكْرٌ) . والمَعْنى: هَذِهِ ذِكْرى لَكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. وهَذا المَعْنى هو أحْسَنُ الوُجُوهِ في مَوْقِعِ قَوْلِهِ (ذِكْرى) وهو قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ وإنِ اخْتَلَفا في تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَيْسَ في الشُّعَراءِ وقْفٌ تامٌّ إلّا قَوْلَهُ (﴿إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]) .
وقَدْ تَرَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْقِعِ قَوْلِهِ (ذِكْرى) بِوُجُوهٍ جَعَلَها جَمِيعًا عَلى اعْتِبارِ قَوْلِهِ: (ذِكْرى) تَكْمِلَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ وهي غَيْرُ خَلِيَّةٍ عَنْ تَكَلُّفٍ. والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ ذَكَّرَ.
وجُمْلَةُ (﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (ذِكْرى) لِأنَّهُ كالمَصْدَرِ يَقْتَضِي مُسْنَدًا إلَيْهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُفادُ (وما كُنّا ظالِمِينَ) الإعْذارُ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ والإنْذارُ بِأنَّهم سَيَحِلُّ بِهِمْ هَلاكٌ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ (ظالِمِينَ) لِقَصْدِ تَعْمِيمِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences