Ibn 'AshurAsh‑Shu'ara · 26:1–6

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الشعراء

Ash-Shu'ara

The Poets · Meccan · 227 ayahs

26:1Page 367

طسٓمٓ ١

Ṭā, Seen, Meem.1

﴿طسم﴾ .

يَأْتِي في تَفْسِيرِهِ مِنَ التَّأْوِيلاتِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ في جَمِيعِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّورِ في مَعانٍ مُتَماثِلَةٍ. وأظْهَرُ تِلْكَ المَعانِي أنَّ المَقْصُودَ التَّعْرِيضُ بِإلْهابِ نُفُوسِ المُنْكِرِينَ لِمُعارَضَةِ بَعْضِ سُوَرِ القُرْآنِ بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ في بَلاغَتِهِ وفَصاحَتِهِ وتَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ والتَّوَرُّكُ عَلَيْهِمْ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ﴿طسم﴾ قَسَمٌ، وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، والمُقْسَمَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ [الشعراء: ٤]) . فَقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطُولِهِ وسَنائِهِ ومُلْكِهِ. وقِيلَ: الحُرُوفُ مُقْتَضَبَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ذِي الطَّوْلِ، القُدُّوسِ، المَلِكِ. وقَدْ عَلِمْتَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّها حُرُوفٌ لِلتَّهَجِّي واسْتِقْصاءٌ في

صفحة ٩٢

التَّحَدِّي يُعْجِزُهم عَنْ مُعاَرَضَةِ القُرْآنِ، وعَلَيْهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِآيَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) .

والجُمْهُورُ قَرَءُوا (طسم) كَلِمَةً واحِدَةً، وأدْغَمُوا النُّونَ مِن سِينٍ في المِيمِ وقَرَأ حَمْزَةُ بِإظْهارِ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ حُرُوفًا مُفَكَّكَةً، وقالُوا: وكَذَلِكَ هي مَرْسُومَةٌ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ حُرُوفًا مُفَكَّكَةً (ط س م) .

والقَوْلُ في عَدَمِ مَدِّ اسْمِ (طا) مَعَ أنَّ أصْلَهُ مَهْمُوزُ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ عَرَضَ لَهُ سُكُونُ السَّكْتِ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ كَما تُحْذَفُ لِلْوُقُوفِ، كَما في عَدَمِ مَدِّ (را) في الر في سُورَةِ يُونُسَ.

26:2Page 367

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

These are the verses of the clear Book.

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ .

الإشارَةُ إلى الحاضِرِ في الأذْهانِ مِن آياتِ القُرْآنِ المُنَزَّلِ مِن قَبْلُ، وبَيَّنَهُ الإخْبارُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِأنَّها آياتُ الكِتابِ.

ومَعْنى الإشارَةِ إلى آياتِ القُرْآنِ قَصْدُ التَّحَدِّي بِأجْزائِهِ تَفْصِيلًا كَما قُصِدَ التَّحَدِّيَ بِجَمِيعِهِ إجْمالًا. والمَعْنى: هَذِهِ آياتُ القُرْآنِ تُقْرَأُ عَلَيْكم وهي بِلُغَتِكم وحُرُوفِ هِجائِها فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِها ودُونَكُمُوها. والكافُ المُتَّصِلَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْخِطابِ وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِن كُلِّ مُتَأهِّلٍ لِهَذا التَّحَدِّي مِن بُلَغائِهِمْ.

و(﴿المُبِينِ﴾) الظّاهِرُ، وهو مِن أبانَ مُرادِفِ بانَ، أيْ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الواضِحِ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِما فِيهِ مِنَ المَعانِي العَظِيمَةِ والنَّظْمِ المُعْجِزِ، وإذا كانَ الكِتابُ مُبَيِّنًا كانَتْ آياتُهُ المُشْتَمِلُ عَلَيْها آياتٍ مُبِينَةً عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ بِها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿المُبِينِ﴾) مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيِ الَّذِي يُبَيِّنُ ما فِيهِ مِن مَعانِي الهُدى والحَقِّ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ كالمُشْتَرَكِ.

والمَعْنى: أنَّ ما بَلَغَكم وتُلِيَ عَلَيْكم هو آياتُ القُرْآنِ المُبِينِ، أيِ البَيِّنِ صِدْقُهُ ودَلالَتُهُ عَلى صِدْقِ ما جاءَ بِهِ ما لا يَجْحَدُهُ إلّا مُكابِرٌ.

26:3Page 367

لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣

Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.

صفحة ٩٣

﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

حُوِّلَ الخِطابُ مِن تَوْجِيهِهِ إلى المُعانِدِينَ إلى تَوْجِيهِهِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يُثِيرُهُ مَضْمُونُ قَوْلِهِ: (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) مِن تَساؤُلِ النَّبِيءِ ﷺ في نَفْسِهِ عَنِ اسْتِمْرارِ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى: (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦])، وقَوْلُهُ: (﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]) .

و(لَعَلَّ) إذا جاءَتْ في تَرَجِّي الشَّيْءِ المَخُوفِ سُمِّيَتْ إشْفاقًا وتَوَقُّعًا. وأظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ التَّرَجِّيَ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِإنْشاءٍ مِثْلِ التَّمَنِّي.

والتَّرَجِّي مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ. والأظْهَرُ أنَّهُ حَثٌّ عَلى تَرْكِ الأسَفِ مِن ضَلالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ تَمْثِيلِ شَأْنِ المُتَكَلِّمِ الحاثِّ عَلى الإقْلاعِ بِحالِ مَن يَسْتَقْرِبُ حُصُولَ هَلاكِ المُخاطَبِ إذا اسْتَمَرَّ عَلى ما هو فِيهِ مِنَ الغَمِّ.

والباخِعُ: القاتِلُ. وحَقِيقَةُ البَخْعِ إعْماقُ الذَّبْحِ. يُقالُ: بَخَعَ الشّاةَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا بَلَغَ بِالسِّكِّينِ البِخاعَ بِالمُوَحَّدَةِ المَكْسُورَةِ وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ الفَقارَ، كَذا قالَ في الكَشّافِ هُنا وذَكَرَهُ أيْضًا في الفائِقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]) في سُورَةِ الكَهْفِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمَوْتِ السَّرِيعِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (﴿باخِعٌ﴾) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. وفي (﴿باخِعٌ﴾) ضَمِيرُ المُخاطَبِ هو الفاعِلُ.

و(﴿ألّا يَكُونُوا﴾) ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ بَعْدَ (أنْ) والخافِضُ لامُ التَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ: لِأنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، أيْ: لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ (أنْ) تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ. والمَعْنى: أنَّ غَمَّكَ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ فِيما مَضى يُوشِكُ أنْ يُوقِعَكَ في الهَلاكِ في المُسْتَقْبَلِ بِتَكَرُّرِ الغَمِّ والحُزْنِ، كَقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأبِيهِمْ لَمّا قالَ: (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]) فَقالُوا: (﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥])؛ فَوِزانُ هَذا المَعْنى وِزانُ مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ: (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦])، فَإنَّ (إنْ) الشَّرْطِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ (﴿ألا يَكُونُوا﴾) ) في مَوْضِعِ

صفحة ٩٤

الفاعِلِ لِـ (﴿باخِعٌ﴾) والجُمْلَةُ خَبَرُ (لَعَلَّ) . وإسْنادُ (﴿باخِعٌ﴾) إلى (﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾) ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ جُعِلَ سَبَبًا لِلْبَخْعِ.

وجِيءَ بِمُضارِعِ الكَوْنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَأْسَفُ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ ولَوِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ انْتِفاؤُهُ فِيما مَضى أوْلى بِأنْ لا يُؤْسَفَ لَهُ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُؤْمِنِينَ)، إمّا لِأنَّ المُرادَ (مُؤْمِنِينَ) بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِمُؤْمِنِينَ المَعْنى اللَّقَبِيُّ، أيْ أنْ لا يَكُونُوا في عِدادِ الفَرِيقِ المَعْرُوفِ بِالمُؤْمِنِينَ وهم أُمَّةُ الإسْلامِ. وضَمِيرُ (﴿ألا يَكُونُوا﴾) ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِي دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ .

وعُدِلَ عَنْ: أنْ لا يُؤْمِنُوا، إلى (﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾) )؛ لِأنَّ في فِعْلِ الكَوْنِ دَلالَةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ زِيادَةً عَلى ما أفادَتْهُ صِيغَةُ المُضارِعِ، فَتَأكَّدَ اسْتِمْرارُ عَدَمِ إيمانِهِمُ الَّذِي هو مَوْرِدُ الإقْلاعِ عَنِ الحُزْنِ لَهُ. وقَدْ جاءَ في سُورَةِ الكَهْفِ (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [الكهف: ٦]) بِحَرْفِ نَفْيِ الماضِي وهو (لَمْ)؛ لِأنَّ سُورَةَ الكَهْفِ مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الشُّعَراءِ فَعَدَمُ إيمانِهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ حِينَئِذٍ وبَلَغَ حَدَّ المَأْيُوسِ مِنهُ.

وضَمِيرُ (يَكُونُوا) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ التَّحَدِّي الحاصِلِ بِقَوْلِهِ: (﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُتَحَدَّيْنَ هُمُ الكافِرُونَ المُكَذِّبُونَ.

26:4Page 367

إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤

If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1

﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣])؛ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ تُثِيرُ في النَّفْسِ سُؤالًا عَنْ إمْهالِهِمْ دُونَ عُقُوبَةٍ لِيُؤْمِنُوا، كَما قالَ مُوسى: (﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨])، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ فَهَذا الِاسْتِئْنافُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَةِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى.

صفحة ٩٥

ومَفْعُولُ (﴿نَشَأْ﴾) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ عَلى الطَّرِيقَةِ الغالِبَةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ نَشَأْ تَنْزِيلَ آيَةٍ مُلْجِئَةٍ نُنْزِلْها.

وجِيءَ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي الغالِبُ فِيهِ أنْ يُشْعِرَ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَشاؤُهُ اللَّهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ أنْ لا يَشاءَهُ.

ومَعْنى انْتِفاءِ هَذِهِ المَشِيئَةِ أنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ أنْ يَحْصُلَ الإيمانُ عَنْ نَظَرٍ واخْتِيارٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أجْدى لِانْتِشارِ سُمْعَةِ الإسْلامِ في مَبْدَأِ ظُهُورِهِ، فالمُرادُ بِالآيَةِ العَلامَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَهْدِيدِهِمْ بِالإهْلاكِ تَهْدِيدًا مَحْسُوسًا بِأنْ تَظْهَرَ لَهم بِوارِقُ تُنْذِرُ بِاقْتِرابِ عَذابٍ. وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥])، ولَيْسَ المُرادُ آياتِ القُرْآنِ وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَقْتَنِعُوا بِآياتِ القُرْآنِ.

وجَعْلُ تَنْزِيلِ الآيَةِ مِنَ السَّماءِ حِينَئِذٍ أوْضَحُ وأشَدُّ تَخْوِيفًا لِقِلَّةِ العَهْدِ بِأمْثالِها ولِتَوَقُّعِ كُلِّ مَن تَحْتَ السَّماءِ أنْ تُصِيبَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِماذا لَمْ يُرِهِمْ آيَةً كَما أُرِيَ بَنُو إسْرائِيلَ نَتْقَ الجَبَلِ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ ؟ قُلْتُ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ مُؤْمِنِينَ بِمُوسى وما جاءَ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ إظْهارُ الآياتِ لَهم لِإلْجائِهِمْ عَلى الإيمانِ، ولَكِنَّهُ كانَ لِزِيادَةِ تَثْبِيتِهِمْ كَما قالَ إبْراهِيمُ: (﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]) .

وفُرِّعَ عَلى تَنْزِيلِ الآيَةِ ما هو في مَعْنى الصِّفَةِ لَها وهو جُمْلَةُ (﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾) بِفاءِ التَّعْقِيبِ.

وعُطِفَ (﴿فَظَلَّتْ﴾) وهو ماضٍ عَلى المُضارِعِ قَوْلُهُ: (﴿نُنَزِّلْ﴾)؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ جَوابُ شَرْطٍ، فَلِلْمَعْطُوفِ حُكْمُ جَوابِ الشَّرْطِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ المُضارِعِ وصِيغَةُ الماضِي؛ لِأنَّ أداةَ الشَّرْطِ تُخَلِّصُ الماضِيَ لِلِاسْتِقْبالِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنْ شِئْنا نَزَّلْنا أوْ إنْ نَشَأْ نَزَّلْنا لَكانَ سَواءً؛ إذِ التَّحْقِيقُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اخْتِلافِ فِعْلَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِالمُضارِعِيَّةِ والماضَوِيَّةِ، عَلى أنَّ المَعْطُوفاتِ يُتَّسَعُ فِيها ما لا يُتَّسَعُ في المَعْطُوفِ عَلَيْها لِقاعِدَةِ: أنْ يُغْتَفَرَ في الثَّوانِي ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ، كَما في القاعِدَةِ الثّامِنَةِ مِنَ البابِ الثّامِنِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ، غَيْرَ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ لا يَخْلُو مِن خُصُوصِيَّةٍ في كَلامِ البَلِيغِ وخاصَّةً في الكَلامِ المُعْجِزِ، وهي هُنا أمْرانِ:

صفحة ٩٦

التَّفَنُّنُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ، وتَقْرِيبُ زَمَنِ مُضِيِّ المُعَقَّبِ بِالفاءِ مِن زَمَنِ حُصُولِ الجَزاءِ بِحَيْثُ يَكُونُ حُصُولُ خُضُوعِهِمْ لِلْآيَةِ بِمَنزِلَةِ حُصُولِ تَنْزِيلِها فَيَتِمُّ ذَلِكَ سَرِيعًا حَتّى يُخَيَّلَ لَهم مِن سُرْعَةِ حُصُولِهِ أنَّهُ أمْرٌ مَضى؛ فَلِذَلِكَ قالَ: (﴿فَظَلَّتْ﴾) ولَمْ يَقِلْ: فَتَظَلُّ. وهَذا قَرِيبٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الماضِي في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]) . وكِلاهُما لِلتَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.

والخُضُوعُ: التَّطامُنُ والتَّواضُعُ. ويُسْتَعْمَلُ في الِانْقِيادِ مَجازًا؛ لِأنَّ الِانْقِيادَ مِن أسْبابِ الخُضُوعِ. وإسْنادُ الخُضُوعِ إلى الأعْناقِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وفِيهِ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنْقادِينَ الخائِفِينَ الأذِلَّةِ بِحالِ الخاضِعِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أنْ تُصِيبَهم قاصِمَةٌ عَلى رُءُوسِهِمْ فَهم يُطَأْطِئُونَ رُءُوسَهم ويَنْحَنُونَ اتِّقاءَ المُصِيبَةِ النّازِلَةِ بِهِمْ.

والأعْناقُ: جَمْعُ عُنُقٍ بِضَمَّتَيْنِ وقَدْ تُسَكَّنُ النُّونُ وهو الرَّقَبَةُ، وهو مُؤَنَّثٌ. وقِيلَ: المَضْمُومُ النُّونِ مُؤَنَّثٌ والسّاكِنُ النُّونِ مُذَكَّرٌ.

ولَمّا كانَتِ الأعْناقُ هي مَظْهَرُ الخُضُوعِ أُسْنِدَ الخُضُوعُ إلَيْها وهو في الحَقِيقَةِ مِمّا يُسْنَدُ إلى أصْحابِها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]) أيْ: أهِلُ الأصْواتِ بِأصْواتِهِمْ كَقَوْلِ الأعْشى:

كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتَوْا وأقْدِمْ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ

فَأُسْنِدَ الفَرَقُ إلى العُيُونِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّ الأعْيُنَ سَبَبُ الفَرَقِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الأشْياءِ المُخْفِيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦])، وإنَّما سَحَرُوا النّاسَ سِحْرًا ناشِئًا عَنْ رُؤْيَةِ شَعْوَذَةِ السِّحْرِ بِأعْيُنِهِمْ، مَعَ ما يَزِيدُ بِهِ قَوْلُهُ: (﴿ظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾) مِنَ الإشارَةِ إلى تَمْثِيلِ حالِهِمْ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ بِأعْناقِهِمْ.

وفِي إجْراءِ ضَمِيرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (﴿خاضِعِينَ﴾) عَلى الأعْناقِ تَجْرِيدٌ لِلْمَجازِ العَقْلِيِّ في إسْنادِ (﴿خاضِعِينَ﴾) إلى (﴿أعْناقُهُمْ﴾)؛ لِأنَّ مُقْتَضى الجَرْيِ عَلى وتِيرَةِ المَجازِ أنْ يُقالَ لَها: خاضِعَةً، وذَلِكَ خُضُوعٌ مِن تَوَقُّعِ لَحاقِ العَذابِ النّازِلِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ الأعْناقَ هُنا جَمْعُ عُنُقٍ بِضَمَّتَيْنِ يُطْلَقُ عَلى سَيِّدِ القَوْمِ ورَئِيسِهِمْ كَما يُطْلَقُ عَلَيْهِ رَأْسُ القَوْمِ وصَدْرُ القَوْمِ، أيْ فَظَلَّتْ سادَتُهم، يَعْنِي الَّذِينَ أغْرَوْهم

صفحة ٩٧

بِالكُفْرِ خاضِعِينَ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَهْدِيدًا لِزُعَمائِهِمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهُمُ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ، وهو تَفْسِيرٌ ضَعِيفٌ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والأخْفَشِ: الأعْناقُ الجَماعاتُ واحِدُها عُنُقٌ بِضَمَّتَيْنِ جَماعَةُ النّاسِ، أيْ: فَظَلُّوا خاضِعِينَ جَماعاتٍ جَماعاتٍ، وهَذا أضْعَفُ مِن سابِقِهِ.

ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ ورَكِيكِها ما نَسَبَهُ الثَّعْلَبِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا وفي بَنِي أُمَيَّةَ فَتَذِلُّ لَنا أعْناقُهم بَعْدَ صُعُوبَةٍ، ويَلْحَقُهم هَوانٌ بَعْدَ عِزَّةٍ، وهَذا مِن تَحْرِيفِ كَلِمِ القُرْآنِ عَنْ مَواضِعِهِ ونُحاشِي ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَقُولَهُ، وهو الَّذِي دَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ. وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ دُعاةِ المُسَوِّدَةِ مِثْلِ أبِي مُسْلِمٍ الخُراسانِيِّ، وكَمْ لَهم في المَوْضُوعاتِ مِنِ اخْتِلاقٍ، والقُرْآنُ أجَلُّ مِن أنْ يَتَعَرَّضَ لِهَذِهِ السَّفاسِفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَزِّلْ) بِالتَّشْدِيدِ في الزّايِ وفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وتَخْفِيفِ الزّايِ.

26:5Page 367

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥

And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.

﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) أيْ: هَذِهِ شِنْشَنَتُهم، فَلا تَأْسَفْ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِآياتِ الكِتابِ المُبِينِ، وما يَجِيئُهم مِنها مِن بَعْدُ فَسَيُعْرِضُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّهم عُرِفُوا بِالإعْراضِ.

والمُضارِعُ هُنا لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. فالذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ تَذْكِيرٌ لِلنّاسِ بِالأدِلَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَتِهِ ذِكْرًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) في سُورَةِ الحِجْرِ.

والمُحْدَثُ: الجَدِيدُ، أيْ: مَن ذِكْرٍ بَعْدَ ذِكْرٍ يُذَكِّرُهم بِما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِهِ، فالمَعْنى المُسْتَفادُ مِن وصْفِهِ بِالمُحَدَثِ غَيْرُ المَعْنى المُسْتَفادِ مِن إسْنادِ صِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: (﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الأنبياء: ٢]) . فَأفادَ الأمْرانِ أنَّهُ ذِكْرٌ مُتَجَدِّدٌ مُسْتَمِرٌّ، وأنْ بَعْضَهُ يُعْقِبُ بَعْضًا ويُؤَيِّدُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ قَوْلُهُ:

صفحة ٩٨

(﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]) .

وذُكِرَ اسْمُ الرَّحْمَنِ هُنا دُونَ وصْفِ الرَّبِّ كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ السِّياقَ هُنا لِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى إعْراضِ قَوْمِهِ فَكانَ في وصْفِ مُؤْتِي الذِّكْرِ بِالرَّحْمَنِ تَشْنِيعٌ لِحالِ المُعْرِضِينَ وتَعْرِيضٌ لِغَباوَتِهِمْ أنْ يُعْرِضُوا عَمّا هو رَحْمَةٌ لَهم، فَإذا كانُوا لا يُدْرِكُونَ صَلاحَهم، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ حَسَراتٍ عَلى قَوْمٍ أضاعُوا نَفْعَهم، وأنْتَ قَدْ أرْشَدْتَهم إلَيْهِ وذَكَّرْتَهم كَما قالَ المَثَلُ: (لا يَحْزُنْكَ دَمٌ هَراقَهُ أهْلُهُ) وقالَ النّابِغَةُ:

فَإنْ تَغْلِبْ شَقاوَتُكم عَلَيْكم فَإنِّي في صَلاحِكم سَعَيْتُ

وفِي الإتْيانِ بِفِعْلِ (كانُوا) وخَبَرِهِ دُونَ أنْ يُقالَ: إلّا أعْرَضُوا، إفادَةُ أنَّ إعْراضَهم راسِخٌ فِيهِمْ وأنَّهُ قَدِيمٌ مُسْتَمِرٌّ إذْ أخْبَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣])، فانْتِفاءُ كَوْنِ إيمانِهِمْ واقِعًا هو إعْراضٌ مِنهم عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ الَّتِي طَرِيقُها الذِّكْرُ بِالقُرْآنِ فَإذا أتاهم ذِكْرٌ بَعْدَ الذِّكْرِ الَّذِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِسَبَبِهِ وجَدَهم عَلى إعْراضِهِمُ القَدِيمِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن ذِكْرٍ) مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِ نَفْيِ الأحْوالِ.

و(مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ.

والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ فَجُمْلَةُ (﴿كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾) . وتَقَدَّمَ المَجْرُورُ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

26:6Page 367

فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦

For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

فاءُ (﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾) فَصِيحَةٌ، أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ إعْراضَهم إعْراضُ تَكْذِيبٍ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّ سَنَّتَهُمُ الإعْراضُ عَنِ الذِّكْرِ الآتِي بَعْضُهُ عَقِبَ بَعْضٍ، فَإنَّ الإعْراضَ كانَ لِأنَّهم قَدْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ. وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ (﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾) فَلِتَعْقِيبِ الإخْبارِ بِالوَعِيدِ بَعْدَ الإخْبارِ بِالتَّكْذِيبِ.

والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ عَنِ الحَدَثِ العَظِيمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]) في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٩٩

والأنْباءُ: ظُهُورُ صِدْقِها، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الإتْيانِ هُنا البُلُوغَ كالَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١])؛ لِأنَّ بُلُوغَ الأنْباءِ قَدْ وقَعَ فَلا يُحْكى بِعَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ: (﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾) .

و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقُها القُرْآنَ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٢٣١]) ) . وجِيءَ في صِلَتِهِ بِفِعْلِ (﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾) دُونَ (يُكَذِّبُونَ) لِتَحْصُلَ فائِدَةُ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم كَذَّبُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا بِهِ، وتَكُونُ الباءُ في (بِهِ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَسْتَهْزِئُونَ)، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدًا إلى (ما) المَوْصُولَةِ، وأنْباؤُهُ أخْبارُهُ بِالوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقَ (ما) جِنْسَ ما عُرِفُوا بِاسْتِهْزائِهِمْ بِهِ وهو التَّوَعُّدُ، كانُوا يَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ ؟ ونَحْوُ ذَلِكَ.

وإضافَةُ (﴿أنْباءُ﴾) إلى (﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾) عَلى هَذا إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ الَّذِي هو أنْباءُ ما سَيَحُلُّ بِهِمْ.

وجَمْعُ الأنْباءِ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ أنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِأشْياءَ كَثِيرَةٍ مِنها البَعْثُ، ومِنها العَذابُ في الدُّنْيا، ومِنها نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ (﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨])، ومِنها فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنها عَذابُ جَهَنَّمَ، وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ: زَقُّمُونا. اسْتِهْزاءٌ.

ويَجُوزُ كَوْنُ (ما) مَصْدَرِيَّةً، أيْ أنْباءُ كَوْنِ اسْتِهْزائِهِمْ، أيْ حُصُولِهِ، وضَمِيرِ (بِهِ) عائِدًا إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، وهو القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ ﷺ .

والمُرادُ بِأنْباءِ اسْتِهْزائِهِمْ أنْباءُ جَزائِهِ وعاقِبَتِهِ وهو ما تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ ما آيَةٍ.

والقَوْلُ في إقْحامِ فِعْلِ (كانُوا) هُنا كالقَوْلِ في إقْحامِهِ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥]) ولَكِنْ أُوثِرَ الإتْيانُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وهو (﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾) دُونَ اسْمِ الفاعِلِ كالَّذِي في قَوْلِهِ (﴿كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥])؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَتَجَدَّدُ عِنْدَ تَجَدُّدِ وعِيدِهِمْ بِالعَذابِ، وأمّا الإعْراضُ فَمُتَمَكِّنٌ مِنهم.

صفحة ١٠٠

ومَعْنى (﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ كَما في قَوْلِهِ (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]) أيْ تَحَقَّقَ، أيْ سَوْفَ تَتَحَقَّقُ أخْبارُ الوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي سَوْفَ تَبْلُغُهم أخْبارُ اسْتِهْزائِهِمْ بِالقُرْآنِ، أيْ: أخْبارُ العِقابِ عَلى ذَلِكَ، وأُوثِرَ إفْرادُ فِعْلِ (يَأْتِيهِمْ) مَعَ أنَّ فاعِلَهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِغَيْرِ مُذَكِّرٍ حَقِيقِيٍّ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ؛ لِأنَّ الإفْرادَ أخَفُّ في الكَلامِ لِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском