Ibn 'AshurAn‑Naml · 27:1–7

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

النمل

An-Naml

The Ant · Meccan · 93 ayahs

27:1Page 377

طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ١

Ṭā, Seen.1 These are the verses of the Qur’ān [i.e., recitation] and a clear Book

صفحة ٢١٧

﴿طس﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في أنَّ الرّاجِحَ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تَعْرِيضٌ بِالتَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ وأنَّهُ مُؤْتَلِفٌ مِن حُرُوفِ كَلامِهِمْ. وتَقَدَّمَ ما في أمْثالِها مِنَ المَحامِلِ الَّتِي حاوَلَها كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

ويَجِيءُ عَلى اعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ الحُرُوفَ مُقْتَضَبَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُقالَ في حُرُوفِ هَذِهِ السُّورَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ: طس مُقْتَضَبٌ مِن طاءِ اسْمِهِ تَعالى اللَّطِيفِ، ومِن سِينِ اسْمِهِ تَعالى السَّمِيعِ. وأنَّ المَقْصُودَ القَسَمُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، أيْ واللَّطِيفِ والسَّمِيعِ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ المُبِينِ.

* * *

﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ .

القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في صَدْرِ سُورَةِ الشُّعَراءِ وخالَفَتْ آيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ سابِقَتَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِذِكْرِ اسْمِ القُرْآنِ وبِعَطْفِ (وكِتابٍ) عَلى (القُرْآنِ) وبِتَنْكِيرِ (كِتابٍ) .

فَأمّا ذِكْرُ اسْمِ القُرْآنِ فَلِأنَّهُ عَلَمٌ لِلْكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإعْجازِ والهَدْيِ. وهَذا العَلَمُ يُرادِفُ الكِتابَ المُعَرَّفَ بِلامِ العَهْدِ المَجْعُولِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى القُرْآنِ، إلّا أنَّ اسْمَ القُرْآنِ أدْخَلُ في التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ عَلَمٌ مَنقُولٌ. وأمّا الكِتابُ فَعَلَمٌ بِالغَلَبَةِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ (﴿وكِتابٍ مُبِينٍ﴾) القُرْآنُ أيْضًا ولا وجْهَ لِتَفْسِيرِهِ بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِلتَّفَصِّي مِن إشْكالِ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ التَّفَصِّيَ مِن ذَلِكَ حاصِلٌ بِأنَّ عَطْفَ إحْدى صِفَتَيْنِ عَلى أُخْرى كَثِيرٌ في الكَلامِ. ولِما كانَ في كُلٍّ مِنَ (القُرْآنِ) (﴿وكِتابٍ مُبِينٍ﴾) شائِبَةُ الوَصْفِ فالأوَّلُ بِاشْتِقاقِهِ مِنَ القِراءَةِ، والثّانِي بِوَصْفِهِ بِ (مُبِينٍ)، كانَ عَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ راجِعًا إلى عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِالثّانِي بَدَلًا؛ لِأنَّ العَطْفَ أعْلَقُ بِاسْتِقْلالِ كِلا المُتَعاطِفَيْنِ بِأنَّهُ مَقْصُودٌ في الكَلامِ بِخِلافِ البَدَلِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ سُورَةِ الحِجْرِ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] فَإنَّ (قُرْآنٍ) في تِلْكَ الآيَةِ في مَعْنى عَطْفِ البَيانِ مِنَ (الكِتابِ) ولَكِنَّهُ عَطْفٌ لِقَصْدِ جَمْعِهِما بِإضافَةِ (آياتٍ) إلَيْهِما.

صفحة ٢١٨

وإنَّما قَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنَ وعَطَفَ عَلَيْهِ (كِتابٍ مُبِينٍ) عَلى عَكْسِ ما في طالِعَةِ سُورَةِ الحِجْرِ؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ومُتَّبِعِيهِ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ (﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢]) أيْ: بِأنَّهم عَلى هُدًى في الحالِ ومُبَشَّرُونَ بِحُسْنِ الِاسْتِقْبالِ فَكانَ الأهَمُّ هُنا لِلَوْحِي المُشْتَمِلِ عَلى الآياتِ هو اسْتِحْضارُهُ بِاسْمِهِ العَلَمِ المَنقُولِ مِن مَصْدَرِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ القِراءَةَ تُناسِبُ حالَ المُؤْمِنِينَ بِهِ والمُتَقَبِّلِينَ لِآياتِهِ فَهم يَدْرُسُونَها ولِأجْلِ ذَلِكَ أُدْخِلَتِ اللّامُ لِلَمْحِ الأصْلِ، تَذْكِيرًا بِأنَّهُ مَقْرُوءٌ مَدْرُوسٌ. ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ (كِتابٍ مُبِينٍ) لِيَكُونَ التَّنْوِيهُ بِهِ جامِعًا لِعُنْوانَيْهِ ومُسْتَكْمِلًا لِلدَّلالَةِ بِالتَّعْرِيفِ عَلى مَعْنى الكَمالِ في نَوْعِهِ مِنَ المَقْرُوءاتِ، والدَّلالَةِ بِالتَّنْكِيرِ عَلى مَعْنى تَفْخِيمِهِ بَيْنَ الكُتُبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] .

وأمّا ما في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ فَهو مَقامُ التَّحْسِيرِ لِلْكافِرِينَ مِن جَرّاءَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ فَناسَبَ أنْ يَبْتَدِئُوا بِاسْمِ الكِتابِ المُشْتَقِّ مِنَ الكِتابَةِ دُونَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ قِراءَتِهِ ولَكِنَّهُ مَكْتُوبٌ، وحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ باقِيَةٌ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِهَذا عَقَّبَ هُنا ذِكْرَ (كِتابٍ مُبِينٍ) بِالحالِ (﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢]) .

و(مُبِينٍ) اسْمُ فاعِلٍ إمّا مِن (أبانَ) القاصِرِ بِمَعْنى (بانَ)؛ لِأنَّ وصْفَهُ بِأنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ التَّنْوِيهِ بِهِ ما لَيْسَ مِنَ الوَصْفِ بِأنَّهُ مُوَضِّحٌ مُبَيِّنٌ. فالمُبِينُ أفادَ مَعْنَيَيْنِ أحَدَهُما: أنَّ شَواهِدَ صِدْقِهِ وإعْجازِهِ وهَدْيِهِ لِكُلِّ مُتَأمِّلٍ، وثانِيهِما أنَّهُ مُرْشِدٌ ومُفَصِّلٌ.

27:2–3Page 377

هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

As guidance and good tidings for the believers

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٣

Who establish prayer and give zakāh, and of the Hereafter they are certain [in faith].

﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .

(﴿هُدًى وبُشْرى﴾) حالانِ مِن (كِتابٍ) بَعْدَ وصْفِهِ بِ (مُبِينٍ) .

وجُعِلَ الحالُ مَصْدَرًا لِلْمُبالَغَةِ بِقُوَّةِ تَسَبُّبِهِ في الهُدى وتَبْلِيغِهِ البُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. فالمَعْنى: أنَّ الهُدى لِلْمُؤْمِنِينَ والبُشْرى حاصِلانِ مِنهُ ومُسْتَمِرّانِ مِن آياتِهِ.

صفحة ٢١٩

والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِالهُدى والبُشْرى جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ وإنَّما الهادِي والمُبَشِّرُ اللَّهُ أوِ الرَّسُولُ بِسَبَبِ الكِتابِ. والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى: أُشِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ.

و(﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾) يَتَنازَعُهُ (﴿هُدًى وبُشْرى﴾)؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهَدْيِهِ كَقَوْلِهِ: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) .

ووَصْفُ المُؤْمِنِينَ بِالمَوْصُولِ لِتَمْيِيزِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم عُرِفُوا يَوْمَئِذٍ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإعْطاءِ الصَّدَقاتِ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ عَرَّفَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧]، ولِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ومُفْلِحُونَ.

والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ؛ لِأنَّها تُزَكِّي النَّفْسَ أوْ تُزَكِّي المالَ، أيْ: تَزِيدُهُ بَرَكَةً. والمُرادُ بِالزَّكاةِ هُنا الصَّدَقَةُ مُطْلَقًا أوْ صَدَقَةٌ واجِبَةٌ كانَتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وهي مُواساةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في صِفَةِ المُشْرِكِينَ: (﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) . وأمّا الزَّكاةُ المُقَدَّرَةُ بِالنُّصُبِ والمَقادِيرِ الواجِبَةِ عَلى أمْوالِ الأغْنِياءِ، فَإنَّها فُرِضَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَيْسَتْ مُرادَةً هُنا؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ.

وجُمْلَةُ (﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الصِّلَةِ ولِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَ أُسْلُوبِها وأُسْلُوبِ الصِّلَةِ فَأُتِيَ لَهُ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها؛ لِأنَّهُ باعِثٌ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ، وعَلى أنَّ ضَمِيرَ (هم) الثّانِي يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ ضَمِيرَ فَصْلٍ دالًّا عَلى القَصْرِ، أيْ: ما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ إلّا هَؤُلاءِ.

والقَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى مُجاوَرِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وإلّا فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ إلّا أنَّهم غَيْرُ مَقْصُودٍ حالُهم لِلْمُخاطِبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وتَقْدِيمُ (بِالآخِرَةِ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِها.

27:4Page 377

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ ٤

Indeed, for those who do not believe in the Hereafter, We have made pleasing to them their deeds, so they wander blindly.

صفحة ٢٢٠

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ .

لا مَحالَةَ يُثِيرُ كَوْنُ الكِتابِ المُبِينِ هُدًى وبُشْرى لِلَّذِينِ يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ عَنْ حالِ أضْدادِهِمُ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ لِماذا لا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِ هَذا الكِتابِ البالِغِ حَدًّا عَظِيمًا في التَّبَيُّنِ والوُضُوحِ. فَلا جَرَمَ أنْ يَصْلُحَ المَقامُ لِلْإخْبارِ عَمّا صَرَفَ هَؤُلاءِ الأضْدادَ عَنِ الإيمانِ بِالحَياةِ الآخِرَةِ فَوَقَعَ هَذا الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِبَيانِ سَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ. ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خُبْثَ نَواياهم فَحَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ ولَمْ يَصْرِفْ إلَيْهِمْ عِنايَةً تَنْشُلُهم مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّهُ مَن حالِ ما جُلِبَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم، فَوَقَعَ هَذا الِاسْتِئْنافُ بِتَوابِعِهِ مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ بَيْنَ أخْبارِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ بِما سَبَقَ والتَّنْوِيهِ بِهِ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] .

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَلْتَبِسُ عَلى النّاسِ سَبَبُ افْتِراقِ النّاسِ في تَلَقِّي الهُدى بَيْنَ مُبادِرٍ ومُتَقاعِسٍ ومُصِرٍّ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الضَّلالِ. ومَجِيءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَوْصُولًا يُومِئُ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في المُسْنَدِ.

وتَزْيِينُ تِلْكَ الأعْمالِ لَهم: تَصَوُّرُهم إيّاها في نُفُوسِهِمْ زَيْنًا، وإسْنادُ التَّزْيِينِ إلى اللَّهِ تَعالى يَرْجِعُ إلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: خُلِقَتْ نُفُوسُهم وعُقُولُهم قابِلَةً لِلِانْفِعالِ وقَبُولِ ما تَراهُ مِن مَساوِي الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ الَّتِي اعْتادُوها، فَإضافَةُ أعْمالٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ هي أعْمالُ الإشْراكِ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ فَهم لِإلْفِهِمْ إيّاها وتَصَلُّبِهِمْ فِيها صارُوا غَيْرَ قابِلِينَ لِهَدْيِ هَذا الكِتابِ الَّذِي جاءَتْهم آياتُهُ.

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى مَعْنًى دَقِيقٍ جِدًّا وهو أنَّ تَفاوُتَ النّاسِ في قَبُولِ الخَيْرِ كائِنٌ بِمِقْدارِ رُسُوخِ ضِدِّ الخَيْرِ في نُفُوسِهِمْ وتَعَلُّقِ فِطْرَتِهِمْ بِهِ. وذَلِكَ مِن جَرّاءِ ما طَرَأ عَلى سَلامَةِ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها مِنَ التَّطَوُّرِ إلى الفَسادِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦]) الآيَةَ. فَمُبادَرَةُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ أمارَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ فَطَرَهُ بِنَفْسٍ وعَقْلٍ بَرِيئَيْنِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالشَّرِّ مُشْتاقَيْنِ

صفحة ٢٢١

إلى الخَيْرِ حَتّى إذا لاحَ لَهُما تَقَبَّلاهُ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ: ما زالَ أبُو بَكْرٍ بِعَيْنِ الرِّضى مِنَ الرَّحْمَنِ.

وقَدْ أوْمَأ جَعْلُ صِلَةِ المَوْصُولِ مُضارِعًا إلى أنَّ الحُكْمَ مَنُوطٌ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى عَدَمِ الإيمانِ، وأوْمَأ جَعْلُ الخَبَرِ ماضِيًا في قَوْلِهِ (﴿زَيَّنّا﴾) إلى أنَّ هَذا التَّزْيِينَ حُكْمٌ سَبَقَ وتَقَرَّرَ مِن قَبْلُ، وحَسْبُكَ أنَّهُ مِن آثارِ التَّكْوِينِ بِحَسَبِ ما طَرَأ عَلى النُّفُوسِ مِنَ الأطْوارِ.

فَإسْنادُ تَزْيِينِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ إلى اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ لا يُنافِي إسْنادَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]؛ فَإنَّ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ تَجِدُ في نُفُوسِ أُولَئِكَ مَرْتَعًا خِصْبًا ومَنبَتًا لا يَقْحَلُ؛ فاللَّهُ تَعالى مُزَيِّنٌ لَهم بِسَبَبِ تَطَوُّرِ جِبِلَّةِ نُفُوسِهِمْ مِن أثَرِ ضَعْفِ سَلامَةِ الفِطَرِ عِنْدَهم، والشَّيْطانُ مُزَيِّنٌ لَهم بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي تَجِدُ قُبُولًا في نُفُوسِهِمْ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمُ﴾ [البقرة: ٧] الآيَةَ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفُرِّعَ عَلى تَزْيِينِ أعْمالِهِمْ لَهم أنَّهم في عَمَهٍ مُتَمَكِّنٍ مِنهم بِصَوْغِ الإخْبارِ عَنْهم بِذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. وأفادَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ أنَّ العَمَهَ مُتَجَدِّدٌ مُسْتَمِرٌّ فِيهِ، أيْ: فَهم لا يَرْجِعُونَ إلى اهْتِداءٍ؛ لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى صَوابٍ.

والعَمَهُ: الضَّلالُ عَنِ الطَّرِيقِ بِدُونِ اهْتِداءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِعْلُهُ كَمَنَعَ وفَرِحَ.

فَضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾) بِمُراعاةِ هَذا العُنْوانِ لا بِذَواتِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِمْرارَ مُتَفاوِتُ الِامْتِدادِ فَمِنهُ أشَدُّهُ وهو الَّذِي يَمْتَدُّ بِصاحِبِهِ إلى المَوْتِ، ومِنهُ دُونُ ذَلِكَ. وكُلُّ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ تَزْيِينِ الكُفْرِ في نُفُوسِهِمْ تَزْيِينًا

صفحة ٢٢٢

خالِصًا أوْ مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ التَّأمُّلِ في مَفاسِدِهِ، وتِلْكَ مَراتِبُ لا يُحِيطُ بِها إلّا الَّذِي يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ.

27:5Page 377

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٥

Those are the ones for whom there will be the worst of punishment, and in the Hereafter they are the greatest losers.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ .

قَصَدَ بِاسْمِ الإشارَةِ زِيادَةَ تَمْيِيزِهِمْ فَضْحًا لِسُوءِ حالِهِمْ مَعَ ما يُنَبِّهُ إلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ مِن أنَّ اسْتِحْقاقَهم ما يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم ناشِئٌ عَمّا تَقَدَّمَ اسْمَ الإشارَةِ كَما في (﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَزَّزَ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ فَأعْقَبَ بِاسْمِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ.

وجِيءَ بِلامِ الِاخْتِصاصِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في حالَتِهِمْ هَذِهِ قَدْ هُيِّئَ لَهم سُوءُ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا وهو عَذابُ السَّيْفِ وخِزْيُ الغَلَبِ يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ بِقَرِينَةِ عَطْفِ ﴿وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ .

فَفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى جَزاءَيْنِ: جَزاءٌ في الدُّنْيا مَعْدُودٌ لَهم يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ فَهم ما دامُوا كافِرِينَ مُتَهَيِّئُونَ لِلْوُقُوعِ في ذَلِكَ العَذابِ إنْ جاءَ إبّانَهُ وهم عَلى الكُفْرِ.

وجَزاءٌ في الآخِرَةِ يَنالُ مَن صارَ إلى الآخِرَةِ وهو كافِرٌ وهَذا المَصِيرُ يُسَمّى بِالمُوافاةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ.

ولِكَوْنِ نَوالِ العَذابِ الأوَّلِ إيّاهم قابِلًا لِلتَّقَصِّي مِنهُ بِالإيمانِ قُبَيْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ جِيءَ في جانِبِهِ بِلامِ الِاخْتِصاصِ المُفِيدَةِ كَوْنَهُ مُهَيَّأً تَهْيِئَةً، أمّا أصالَةُ جَزاءِ الآخِرَةِ إيّاهم فَلا مَندُوحَةَ لَهم عَنْهُ إنْ جاءُوا يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِهِمْ.

فالضَّمائِرُ في قَوْلِهِ (لَهم) وقَوْلِهِ: (﴿وهم في الآخِرَةِ هُمْ﴾) عائِدَةٌ إلى (﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النمل: ٤]) بِمُراعاةِ ذَلِكَ العُنْوانِ الَّذِي أفادَتْهُ الصِّلَةُ فَلا دَلالَةَ في الضَّمِيرِ عَلى أشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ ولَكِنْ عَلى مَوْصُوفِينَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ فَمَن تَنْقَشِعُ عَنْهُ

صفحة ٢٢٣

الضَّلالَةُ ويَثُوبُ إلى الإيمانِ يَبْرَأُ مِن هَذا الحُكْمِ. وصِيغَ الخَبَرُ عَنْهم بِالخُسْرانِ في صِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وقُرِنَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وعَلى انْحِصارِ مَضْمُونِها فِيهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] .

وجاءَ المُسْنَدُ اسْمَ تَفْضِيلٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أوْحَدُونَ في الخُسْرانِ لا يُشْبِهُهُ خُسْرانُ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الخُسْرانَ في الآخِرَةِ مُتَفاوِتُ المِقْدارِ والمُدَّةِ وأعْظَمُهُ فِيهِما خُسْرانُ المُشْرِكِينَ.

27:6Page 377

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦

And indeed, [O Muḥammad], you receive the Qur’ān from one Wise and Knowing.

﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ﴾ [النمل: ١]) انْتِقالٌ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ إلى التَّنْوِيهِ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِأنَّ القُرْآنَ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ كِتابٌ مُبِينٌ. وذَلِكَ آيَةُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأنَّهُ آيَةٌ عَلى صِدْقِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ إذْ أنْبَأهُ بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ الماضِينَ الَّتِي ما كانَ يَعْلَمُها هو ولا قَوْمُهُ قَبْلَ القُرْآنِ. وما كانَ يَعْلَمُ خاصَّةُ أهْلِ الكِتابِ إلّا قَلِيلًا مِنها وأكْثَرُهُ مُحَرَّفٌ. وأيْضًا فَهَذا تَمْهِيدٌ لِما يَذْكُرُ بَعْدَهُ مِنَ القِصَصِ.

و(تُلَقّى) مُضارِعُ لَقّاهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: جَعَلَهُ لاقَيًا. واللُّقِيُّ واللِّقاءُ: وُصُولُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ إلى شَيْءٍ آخَرَ قَصْدًا أوْ مُصادَفَةً. والتَّلْقِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ لاقِيًا غَيْرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ إنْزالِ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِحالِ التَّلْقِيَةِ كَأنَّ جِبْرِيلَ سَعى لِلْجَمْعِ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ والقُرْآنِ.

وإنَّما بُنِيَ الفِعْلُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لِلَّهِ أوْ جِبْرِيلَ، والمَعْنى واحِدٌ: وهو يَكُونُ التَّأْكِيدُ مُوَجَّهًا إلى السّامِعِينَ مِنَ الكُفّارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ.

وفِي إقْحامِ اسْمِ (لَدُنْ) بَيْنَ (مِن) و(حَكِيمٍ) تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ انْتِسابِ القُرْآنِ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ أصْلَ (لَدُنْ) الدَّلالَةُ عَلى المَكانِ مِثْلُ (عِنْدَ) ثُمَّ شاعَ

صفحة ٢٢٤

إطْلاقُها عَلى ما هو مِن خَصائِصِ ما تُضافُ هي إلَيْهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] .

والحَكِيمُ: القَوِيُّ الحِكْمَةِ، والعَلِيمُ: الواسِعُ العِلْمِ. وفي التَّنْكِيرِ إيذانٌ بِتَعْظِيمِ هَذا الحَكِيمِ العَلِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: مِن حَكِيمٍ: أيُّ حَكِيمٍ، وعَلِيمٍ: أيُّ عَلِيمٍ.

وفِي الوَصْفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مُناسَبَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ولِلْمُمَهَّدِ إلَيْهِ، فَإنَّ ما في القُرْآنِ دَلِيلٌ عَلى حِكْمَةِ وعِلْمِ مَن أوْحى بِهِ، وأنَّ ما يُذْكَرُ هُنا مِنَ القَصَصِ وما يُسْتَخْلَصُ مِنها مِنَ المَغازِي والأمْثالِ والمَوْعِظَةِ، مِن آثارِ حِكْمَةِ وعَلْمِ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وكَذَلِكَ ما في ذَلِكَ مِن تَثْبِيتِ فُؤادِ الرَّسُولِ ﷺ .

27:7Page 377

إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٧

[Mention] when Moses said to his family, "Indeed, I have perceived a fire. I will bring you from there information or will bring you a burning torch that you may warm yourselves."

﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّيَ آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابِ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما: انْتَصَبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أيْ: أنَّ (إذْ) مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى مُطْلَقِ الوَقْتِ، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيِ: اذْكُرْ قِصَّةَ زَمَنِ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ، يَعْنِي أنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها إفادَةُ تَنْظِيرِ تَلَقِّي النَّبِيءَ ﷺ القُرْآنَ بِتَلَقِّي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامَ اللَّهِ إذْ نُودِيَ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩] .

وذَلِكَ مِن بَدِيعِ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ قِصَصِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَقِبَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ، وأنَّهُ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما فِيهِ مَثَلٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وما يُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ.

وفِي ذَلِكَ انْتِقالٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الإعْجازِ وهو الإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ وهو ما عَدَدْناهُ في الجِهَةِ الرّابِعَةِ مِن جِهاتِ إعْجازِ القُرْآنِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِنَ المُقَدِّماتِ.

صفحة ٢٢٥

وجُمْلَةُ (﴿قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾) إلى آخِرِها تَمْهِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] إلَخْ. وزَمانُ قَوْلِ مُوسى لِأهْلِهِ هَذِهِ المَقالَةَ وهو وقْتُ اجْتِلابِهِ لِلْمُبادَرَةِ بِالوَحْيِ إلَيْهِ. فَهَذِهِ القِصَّةُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِحالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، ابْتُدِئَتْ بِما تَقَدَّمَ رِسالَةَ مُوسى مِنَ الأحْوالِ إدْماجًا لِلْقِصَّةِ في المَوْعِظَةِ.

والأهْلُ: مُرادٌ بِهِ زَوْجُهُ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا زَوْجُهُ وابْنانِ صَغِيرانِ. والمُخاطَبُ بِالقَوْلِ زَوْجُهُ، ويُكَنّى عَنِ الزَّوْجَةِ بِالأهْلِ. وفي الحَدِيثِ «واللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا» .

ولَمْ تَظْهَرِ النّارُ إلّا لِمُوسى دُونَ غَيْرِهِ مَن أهْلِهِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ نارًا مُعْتادَةً لَكِنَّها مِن أنْوارِ عالَمِ المَلَكُوتِ جَلّاهُ اللَّهُ لِمُوسى فَلا يَراهُ غَيْرُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا تَأْكِيدُهُ الخَبَرَ بِ (إنَّ) المُشِيرِ إلى أنَّ زَوْجَهُ تَرَدَّدَتْ في ظُهُورِ نارٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَرَها.

والإيناسُ: الإحْساسُ والشُّعُورُ بِأمْرٍ خَفِيٍّ، فَيَكُونُ في المَرْئِيّاتِ وفي الأصْواتِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها الـقَـنَّـ اصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ

والمُرادُ بِالخَبَرِ خَبَرُ المَكانِ الَّذِي تَلُوحُ مِنهُ النّارُ. ولَعَلَّهُ ظَنَّ أنَّ هُنالِكَ بَيْتًا يَرْجُو اسْتِضافَتَهم إيّاهُ وأهْلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُ النّارِ أهْلَ بَيْتٍ يَسْتَضِيفُونَ بِأنْ كانُوا رِجالًا مُقْوِينَ يَأْتِ مِنهم بِجَمْرَةِ نارٍ لِيُوقِدَ أهْلَهُ نارًا مِن حَطَبِ الطَّرِيقِ لِلتَّدَفُّؤِ بِها.

والشِّهابُ: الجَمْرُ المُشْتَعِلُ. والقَبَسُ: جَمْرَةٌ أوْ شُعْلَةُ نارٍ تُقْبَسُ، أيْ: يُؤْخَذُ اشْتِعالُها مِن نارٍ أُخْرى لِيُشْعَلَ بِها حَطَبٌ أوْ ذُبالَةُ نارٍ أوْ غَيْرُهُما.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ (شِهابٍ) إلى (قَبَسٍ) إضافَةَ العامِّ إلى الخاصِّ مِثْلُ: خاتَمُ حَدِيدٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِتَنْوِينِ (شِهابٍ)، فَيَكُونُ (قَبَسٍ) بَدَلًا مِن (شِهابٍ) أوْ نَعْتًا لَهُ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ طَهَ.

والِاصْطِلاءُ: افْتِعالٌ مِنَ الصَّلْيِ وهو الشَّيُّ بِالنّارِ. ودَلَّتْ صِيغَةُ الِافْتِعالِ أنَّهُ مُحاوَلَةُ الصَّلْيِ فَصارَ بِمَعْنى التَّدَفُّؤِ بِوَهَجِ النّارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском