Ibn 'AshurAl‑Qasas · 28:34–41

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:34–41

28:34Page 389

وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤

And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."

صفحة ١١٦

﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِي رِدًا يُصَدِّقْنِي إنِّيَ أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ هَذا سُؤالٌ صَرِيحٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى لا يُرِيدُ بِالأوَّلِ التَّنَصُّلَ مِنَ التَّبْلِيغِ ولَكِنَّهُ أرادَ تَأْيِيدَهُ بِأخِيهِ. وإنَّما عَيَنَّهُ ولَمْ يَسْألْ مُؤَيِّدًا إمّا لِعِلْمِهِ بِأمانَتِهِ، وإخْلاصِهِ لِلَّهِ ولِأخِيهِ، وعِلْمِهِ بِفَصاحَةِ لِسانِهِ.

و(رِدًا) بِالتَّخْفِيفِ مِثْلُ (رِدْءٍ) بِالهَمْزِ في آخِرِهِ: العَوْنُ. قَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (رِدًا) مُخَفَّفًا. وقَرَأهُ الباقُونَ (رِدْءًا) بِالهَمْزِ عَلى الأصْلِ.

و”يُصَدِّقْنِي“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ مَجْزُومًا في جَوابِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ ”فَأرْسِلْهُ مَعِيَ“ . وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الهاءِ مِن ”أرْسِلْهُ“ .

ومَعْنى تَصْدِيقِهِ إيّاهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في تَصْدِيقِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إيّاهُ بِإبانَتِهِ عَنِ الأدِلَّةِ الَّتِي يُلْقِيها مُوسى في مَقامِ مُجادِلَةِ فِرْعَوْنَ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ”هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِي رِدًا يُصَدِّقْنِي“ . فَإنَّهُ فَرَّعَ طَلَبَ إرْسالِهِ مَعَهُ عَلى كَوْنِهِ أفْصَحَ لِسانًا وجَعَلَ تَصْدِيقَهُ جَوابَ ذَلِكَ الطَّلَبِ أوْ حالًا مِنَ المَطْلُوبِ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى تَفْرِيعٍ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مُناسِبًا لِمَعْنى المُفَرَّعِ عَنْهُ، وهو أنَّهُ أفْصَحُ لِسانًا. ولَيْسَ لِلْفَصاحَةِ أثَرٌ في التَّصْدِيقِ إلّا بِهَذا المَعْنى.

ولَيْسَ التَّصْدِيقُ أنْ يَقُولَ لَهم: صَدَقَ مُوسى؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الفَصِيحُ وذُو الفَهاهَةِ. فَإسْنادُ التَّصْدِيقِ إلى هارُونَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، والمُصَدِّقُونَ حَقِيقَةً هُمُ الَّذِينَ يَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّ مُوسى صادِقٌ فِيما جاءَ بِهِ.

وجُمْلَةُ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ تَعْلِيلٌ لِسُؤالِ تَأْيِيدِهِ بِهارُونَ، فَهَذِهِ مَخافَةٌ ثانِيَةٌ مِنَ التَّكْذِيبِ، والأُولى مَخافَةٌ مِنَ القَتْلِ.

28:35Page 389

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥

[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."

صفحة ١١٧

﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾

اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ دَعْوَتَيْهِ وزادَهُ تَفَضُّلًا بِما لَمْ يَسْألْهُ، فاسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ، واسْتِجابَةُ الأُولى بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾، والتَّفَضُّلُ بِقَوْلِهِ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا، فَأعْطى مُوسى ما يُماثِلُ ما لِهارُونَ مِنَ المَقْدِرَةِ عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ إذْ قالَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا. وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ما تَكَلَّمَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حُجَجٍ في مُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ كَما في سُورَةِ الشُّعَراءِ وهُنا، وما خاطَبَ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ مِمّا حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ. ولَمْ يُحْكَ في القُرْآنِ أنَّ هارُونَ تَكَلَّمَ بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ عَلى أنَّ مُوسى سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْلُلَ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ كَما في سُورَةِ طه، ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ لَهُ.

والشَّدُّ: الرَّبْطُ، وشَأْنُ العامِلِ بِعُضْوٍ إذا أرادَ أنْ يَعْمَلَ بِهِ عَمَلًا مُتْعِبًا لِلْعُضْوِ أنْ يَرْبِطَ عَلَيْهِ لِئَلّا يَتَفَكَّكَ أوْ يَعْتَرِيَهُ كَسْرٌ، وفي ضِدِّ ذَلِكَ قالَ تَعالى ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ وقَوْلُهم: فَتَّ في عَضُدِهِ، وجُعِلَ الأخُ هُنا بِمَنزِلَةِ الرِّباطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ. والمُرادُ: أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ بِفَصاحَتِهِ، فَتَعْلِيقُهُ بِالشَّدِّ مُلْحَقٌ بِبابِ المَجازِ العَقْلِيِّ. وهَذا كُلُّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إيضاحِ حُجَّتِهِ بِحالِ تَقْوِيَةِ مَن يُرِيدُ عَمَلًا عَظِيمًا أنْ يُشَدَّ عَلى يَدِهِ وهو التَّأْيِيدُ الَّذِي شاعَ في مَعْنى الإعانَةِ والإمْدادِ، وإلّا فالتَّأْيِيدُ أيْضًا مُشْتَقٌّ مِنَ اليَدِ. فَأصْلُ مَعْنى أيَّدَ جَعَلَ يَدًا، فَهو اسْتِعارَةٌ لِإيجادِ الإعانَةِ.

والسُّلْطانُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّسَلُّطِ عَلى القُلُوبِ والنُّفُوسِ، أيْ مَهابَةً في قُلُوبِ الأعْداءِ ورُعْبًا مِنكُما كَما ألْقى عَلى مُوسى مُحِبَّةً حِينَ التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى السُّلْطانِ حَقِيقَةً في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.

وفَرَّعَ عَلى جَعْلِ السُّلْطانِ ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ أيْ لا يُؤْذُونَكُما بِسُوءٍ وهو القَتْلُ ونَحْوُهُ. فالوُصُولُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإصابَةِ. والمُرادُ: الإصابَةُ بِسُوءٍ، بِقَرِينَةِ المَقامِ.

وقَوْلُهُ بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِآياتِنا مُتَعَلِّقًا

صفحة ١١٨

بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] تَقْدِيرُهُ: إذْهَبا بِآياتِنا عَلى نَحْوِ ما قُدِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ﴾ [النمل: ١٢] وقَوْلِهِ في سُورَةِ النَّمْلِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيِ اذْهَبا في تِسْعِ آياتٍ. وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] .

ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿نَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾، أيْ سُلْطانًا عَلَيْهِمْ بِآياتِنا حَتّى تَكُونَ رَهْبَتُهم مِنكُما آيَةً مِن آياتِنا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾“ أيْ يُصْرَفُونَ عَنْ أذاكم بِآياتٍ مِنّا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ» . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”الغالِبُونَ“ أيْ تَغْلِبُونَهم وتَقْهَرُونَهم بِآياتِنا الَّتِي نُؤَيِّدُكُما بِها. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في هَذا الوَجْهِ لِلِاهْتِمامِ بِعَظَمَةِ الآياتِ الَّتِي نُؤَيِّدُكُما بِها. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في هَذا الوَجْهِ لِلِاهْتِمامِ بِعَظَمَةِ الآياتِ الَّتِي سَيُعْطَيانِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ حَرْفَ قَسَمٍ تَأْكِيدًا لَهُما بِأنَّهُما الغالِبُونَ وتَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِما.

وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالآياتُ تَشْمَلُ خَوارِقَ العاداتِ المُشاهَدَةَ مِثْلَ الآياتِ التِّسْعِ، وتَشْمَلُ المُعْجِزاتِ الخَفِيَّةَ كَصَرْفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَنِ الإقْدامِ عَلى أذاهُما مَعَ ما لَدَيْهِمْ مِنَ القُوَّةِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ بِحَيْثُ لَوْلا الصَّرَفَةُ مِنَ اللَّهِ لَأهْلَكُوا مُوسى وأخاهُ.

ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِن هَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ الرِّسالَةَ فَيْضٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ مِن عِبادِهِ وأنَّ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَرِسالَةِ مُوسى جاءَتْهُ بَغْتَةً فَنُودِيَ مُحَمَّدٌ في غارِ جَبَلِ حِراءٍ، كَما نُودِيَ مُوسى في جانِبِ جَبَلِ الطُّورِ، وأنَّهُ اعْتَراهُ مِنَ الخَوْفِ مِثْلَ ما اعْتَرى مُوسى، وأنَّ اللَّهَ ثَبَّتَهُ كَما ثَبَّتَ مُوسى، وأنَّ اللَّهَ يَكْفِيهِ أعْداءَهُ كَما كَفى مُوسى أعْداءَهُ.

28:36Page 390

فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦

But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."

﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ طُوِيَ ما بَيْنَ نِداءِ اللَّهِ إيّاهُ وبَيْنَ حُضُورِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ مِنَ الأحْداثِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ العِبْرَةِ بِهِ. وأُسْنِدَ المَجِيءُ بِالآياتِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ دُونَ هارُونَ؛ لِأنَّهُ

صفحة ١١٩

الرَّسُولُ الأصْلِيُّ الَّذِي تَأْتِي المُعْجِزاتُ عَلى يَدَيْهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ”﴿فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ [الشعراء: ١٥]“ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وقَوْلِهِ ﴿بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] إذْ جَعَلَ تَعَلُّقَ الآياتِ بِضَمِيرَيْها؛ لِأنَّ مَعْنى المُلابَسَةِ مَعْنًى مُتَّسِعٌ فالمُصاحِبُ لِصاحِبِ الآياتِ هو مَلابِسٌ لَهُ.

والآياتُ البَيِّناتُ هي خَوارِقُ العاداتِ الَّتِي أظْهَرَها، أيْ جاءَهم بِها آيَةً بَعْدَ آيَةٍ في مَواقِعَ مُخْتَلِفَةٍ، قالُوا عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ ﴿ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ .

والمُفْتَرى: المَكْذُوبُ. ومَعْنى كَوْنِها سِحْرًا مَكْذُوبًا أنَّهُ مَكْذُوبٌ ادِّعاءُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإخْفاءُ كَوْنِهِ سِحْرًا.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ وما سَمِعْنا بِهَذا إلى ادِّعاءِ الرِّسالَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُسْمَعُ وأمّا الآياتُ فَلا تُسْمَعُ. فَمَرْجِعُ اسْمَيِ الإشارَةِ مُخْتَلِفٌ، أيْ ما سَمِعْنا مَن يَدْعُو آباءَنا إلى مِثْلِ ما تَدْعُو إلَيْهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ في زَمَنِ آبائِنا. وقَدْ جَعَلُوا انْتِفاءَ بُلُوغِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ إلى آبائِهِمْ حَتّى تَصِلَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ، دَلِيلًا عَلى بُطْلانِها وذَلِكَ آخِرُ مَلْجَأٍ يَلْجَأُ إلَيْهِ المَحْجُوجُ المَغْلُوبُ حِينَ لا يَجِدُ ما يَدْفَعُ بِهِ الحَقَّ بِدَلِيلٍ مَقْبُولٍ، فَيَفْزَعُ إلى مِثْلِ هَذِهِ التَّلْفِيقاتِ والمُباهِتاتِ.

28:37Page 390

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧

And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."

﴿وقالَ مُوسى رَبِّيَ أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لَمّا قالُوا قَوْلًا في تَكْذِيبِهِ واسْتَظْهَرُوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى شَيْءٌ ما عَلِمَهُ آباؤُهم أجابَ مُوسى كَلامَهم بِمِثْلِهِ في تَأْيِيدِ صِدْقِهِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، فَما عِلْمُ آبائِهِمْ في جانِبِ عِلْمِ اللَّهِ بِشَيْءٍ، فَلَمّا تَمَسَّكُوا بِعِلْمِ آبائِهِمْ تَمَسَّكَ مُوسى بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَقَدِ احْتَجَّ مُوسى بِنَفْسِهِ ولَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إلى هارُونَ.

وكانَ مُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ أنْ يُحْكى كَلامُ مُوسى بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِالواوِ شَأْنَ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَخُولِفَ ذَلِكَ هُنا بِمَجِيءِ حَرْفِ

صفحة ١٢٠

العَطْفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ؛ لِأنَّهُ قَصَدَ هُنا التَّوازُنَ بَيْنَ حُجَّةِ مَلَإ فِرْعَوْنَ وحُجَّةِ مُوسى، لِيَظْهَرَ لِلسّامِعِ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في مُصادَفَةِ الحَقِّ، ويَتَبَصَّرَ فَسادَ أحَدِهِما وصِحَّةَ الآخَرِ، وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ، فَلِهَذا عُطِفَتِ الجُمْلَةُ جَرْيًا عَلى الأصْلِ غَيْرِ الغالِبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ في مَعْناهُما. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، قالَ مُوسى بِدُونِ واوٍ وهي مَرْسُومَةٌ في مُصْحَفِ أهِلِ مَكَّةَ بِدُونِ واوٍ عَلى أصْلِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ القِراءَتَيْنِ الوَفاءُ بِحَقِّ الخُصُوصِيَّتَيْنِ مِن مُقْتَضى حالَيِ الحِكايَةِ. وعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ الحَقَّ هو الإلَهُ الحَقُّ لا آلِهَتُهُمُ المَزْعُومَةُ.

ويُظْهِرُ أنَّ القِبْطَ لَمْ يَكُنْ في لُغَتِهِمُ اسْمٌ عَلى الرَّبِّ واجِبِ الوُجُودِ الحَقِّ ولَكِنْ أسْماءُ آلِهَةٍ مَزْعُومَةً.

وعَبَّرَ في جانِبِ ﴿مَن جاءَ بِالهُدى﴾ [القصص: ٨٥] بِفِعْلِ المُضِيِّ وفي جانِبِ ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّ المَجِيءَ بِالهُدى المُحَقِّقِ والمَزْعُومِ أمْرٌ قَدْ تَحَقَّقَ ومَضى سَواءٌ كانَ الجائِي بِهِ مُوسى أمْ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ وعُلَماؤُهم. وأمّا كِيانُ عاقِبَةِ الدّارِ لِمَن فَمَرْجُوٌّ لِما يَظْهَرُ بَعْدُ. فَفي قَوْلِهِ ﴿رَبِّيَ أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى﴾ إشْهادٌ لِلَّهِ تَعالى وكَلامٌ مُنْصِفٌ، أيْ رَبِّي أعْلَمُ بِتَعْيِينِ الجائِي بِالهُدى أنْحَنِ أمْ أنْتُمْ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] .

وفِي قَوْلِهِ ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ تَفْوِيضٌ إلى ما سَيَظْهَرُ مِن نَصْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ، وهو تَعْوِيضٌ بِالوَعِيدِ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ.

و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ كَلِمَةٌ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ في خاتِمَةِ الخَيْرِ بَعْدَ المَشَقَّةِ تَشْبِيهًا لِعامِلِ العَمَلِ بِالسّائِرِ المُنْتَجِعِ إذا صادَفَ دارَ خِصْبٍ واسْتَقَرَّ بِها، ﴿وقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥] . فَأصْلُ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾: الدّارُ العاقِبَةُ. فَأُضِيفَتِ الصِّفَةُ إلى مَوْصُوفِها.

والعاقِبَةُ: هي الحالَةُ العاقِبَةُ، أيِ الَّتِي تَعْقُبُ، أيْ تَجِيءُ عَقِبَ غَيْرِها، فَيُؤْذِنُ هَذا اللَّفْظُ بِتَبْدِيلِ حالٍ إلى ما هو خَيْرٌ، فَلِذَلِكَ لا تُطْلَقُ عَلى العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ. وقَدْ

صفحة ١٢١

تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ قَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] وفي سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] وقَوْلُهُ ”وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ“ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَكُونُ) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أصْلِ تَأْنِيثِ لَفْظِ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخِيارِ في فِعْلِ الفاعِلِ المَجازِيِّ التَّأْنِيثِ.

وأيَّدَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾، دَلالَةً عَلى ثِقَتِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ وذَلِكَ يَفُتُّ مِن أعَضادِهِمْ، ويُلْقِي رُعْبَ الشَّكِّ في النَّجاةِ في قُلُوبِهِمْ. وضَمِيرُ ”إنَّهُ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ ذاتُ مَعْنًى لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ.

28:38Page 390

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨

And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ كَلامُ فِرْعَوْنَ المَحْكِيُّ هُنا واقِعٌ في مَقامٍ غَيْرِ مُقامِ المُحاوِرِ مَعَ مُوسى فَهو كَلامٌ أقْبَلَ بِهِ عَلى خِطابِ أهِلِ مَجْلِسِهِ إثْرَ المُحاوَرَةِ مَعَ مُوسى، فَلِذَلِكَ حُكِيَ بِحَرْفِ العَطْفِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. فَهَذِهِ قِصَّةُ مُحاوَرَةٍ بَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ في شَأْنِ دَعْوَةِ مُوسى فَهي حَقِيقَةٌ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما لا يَخْفى.

أرادَ فِرْعَوْنُ بِخِطابِهِ مَعَ مَلَئِهِ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى عَقِيدَةِ إلَهِيَّتِهِ، فَقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ إبْطالًا لِقَوْلِ مُوسى المَحْكِيِّ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] وقَوْلُهُ هُناكَ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] . فَأظْهَرَ لَهم فِرْعَوْنُ أنَّ دَعْوَةَ مُوسى لَمْ تَرُجْ عِنْدَهُ وأنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِها، فَقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ .

والمُرادُ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ نَفْيُ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ يُرِيهِمْ أنَّهُ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَقٍّ فَلَوْ كانَ ثَمَّةَ إلَهٌ غَيْرُهُ لَعَلِمَهُ.

والمَقْصُودُ بِنَفْيِ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيُ وُجُودِ الإلَهِ الَّذِي أثْبَتَهُ مُوسى وهو خالِقُ

صفحة ١٢٢

الجَمِيعِ. وأمّا آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها فَإنَّها مِمّا تَقْتَضِيهِ إلَهِيَّةُ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ عِنْدَهم هو مَظْهَرُ الآلِهَةِ المَزْعُومَةِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهُ في اعْتِقادِهِمُ ابْنُ الآلِهَةِ وخُلاصَةُ سِرِّهِمْ، وكُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا.

وحَيْثُ قالَ مُوسى: إنَّ الإلَهَ الحَقَّ هو رَبُّ السَّماواتِ فَقَدْ حَسِبَ فِرْعَوْنُ أنَّ مَمْلَكَةَ هَذا الرَّبِّ السَّماءُ تَصَوُّرًا مُخْتَلًّا فَفَرَّعَ عَلى نَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ، وعَلى تَوَهُّمِ أنَّ الرَّبَّ المَزْعُومَ مَقَرُّهُ السَّماءُ أنْ أمَرَ هامانَ وزِيرَهُ أنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا يَبْلُغُ بِهِ عَنانَ السَّماءِ لِيَرى الإلَهَ الَّذِي زَعَمَهُ مُوسى حَتّى إذا لَمْ يَجِدْهُ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَأثَبْتَ لَهم عَدَمَ إلَهٍ في السَّماءِ إثْباتَ مُعايَنَةٍ، أرادَ أنْ يَظْهَرَ لِقَوْمِهِ في مَظْهَرِ المُتَطَلِّبِ لِلْحَقِّ المُسْتَقْصِي لِلْعَوالِمِ حَتّى إذا أخْبَرَ قَوْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّ نَتِيجَةَ بَحْثِهِ أسْفَرَتْ عَنْ كَذِبِ مُوسى ازْدادُوا ثِقَةً بِبُطْلانِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وفِي هَذا الضِّغْثِ مِنَ الجَدَلِ السُّفِسْطائِيِّ مَبْلَغٌ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُوءِ انْتِظامِ تَفْكِيرِهِ وتَفْكِيرِ مَلْئِهِ، أوْ مَبْلَغُ تَحَيُّلِهِ وضَعْفِ آراءِ قَوْمِهِ.

و”هامانُ“ لَقَبٌ أوِ اسْمٌ لِوَزِيرِ فِرْعَوْنَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ أنْ يَأْمُرَ هامانَ العَمَلَةَ أنْ يَطْبُخُوا الطِّينَ لِيَكُونَ آجُرًّا ويَبْنُوا بِهِ فَكُنِّيَ عَنِ البِناءِ بِمُقَدَّماتِهِ، وهي إيقادُ الأفْرانِ لِتَجْفِيفِ الطِّينِ المُتَّخَذِ آجُرًّا. والآجُرُّ كانُوا يَبْنُونَ بِهِ بُيُوتَهم فَكانُوا يَجْعَلُونَ قَوالِبَ مِن طِينٍ يَتَصَلَّبُ إذا طُبِخَ، وكانُوا يَخْلِطُونَهُ بِالتِّبْنِ لِيَتَماسَكَ قَبْلَ إدْخالِهِ التَّنُّورَ، كَما ورَدَ وصْفُ صُنْعِ الطِّينِ في الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.

وابْتَدَأ بِأمْرِهِ بِأوَّلِ أشْغالِ البِناءِ لِلدَّلالَةِ عَلى العِنايَةِ بِالشُّرُوعِ مِن أوَّلِ أوْقاتِ الأمْرِ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ البَناءِ يَتَأخَّرُ إلى ما بَعْدَ إحْضارِ مَوادِّهِ فَلِذَلِكَ أمَرَهُ بِالأخْذِ في إحْضارِ تِلْكَ المَوادِّ الَّتِي أوَّلُها الإيقادُ، أيْ إشْعالُ التَّنانِيرِ لِطَبْخِ الآجُرِّ. وعَبَّرَ عَنِ الآجُرِّ بِالطِّينِ؛ لِأنَّهُ قِوامُ صُنْعِ الآجُرِّ، وهو طِينٌ مَعْرُوفٌ. وكَأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِبِناءٍ مِن حَجَرٍ وكِلْسٍ قَصْدًا لِلتَّعْجِيلِ بِإقامَةِ هَذا الصَّرْحِ المُرْتَفِعِ إذْ لَيْسَ مَطْلُوبًا طُولُ بَقائِهِ بِإحْكامِ بِنائِهِ عَلى مَرِّ العُصُورِ بَلِ المُرادُ سُرْعَةُ الوُصُولِ إلى ارْتِفاعِهِ كَيْ يَشْهَدَهُ النّاسُ، ويَحْصُلَ اليَأْسُ ثُمَّ يُنْقَضُ مِنَ الأساسِ.

صفحة ١٢٣

وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالآجُرِّ، قالَ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ: لِأنَّ كَلِمَةَ الآجُرِّ ونَحْوِها كالقَرْمَدِ والطُّوبِ كَلِماتٌ مُبْتَذَلَةٌ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الطِّينِ اهـ. وأُظْهِرَ مِن كَلامِ ابْنِ الأثِيرِ: أنَّ العُدُولَ إلى الطِّينِ؛ لِأنَّهُ أخَفُّ وأفْصَحُ.

وإسْنادُ الإيقادِ عَلى الطِّينِ إلى هامانَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِذَلِكَ كَما يَقُولُونَ: بَنى السُّلْطانُ قَنْطَرَةً وبَنى المَنصُورُ بَغْدادَ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هامانَ آنِفًا وأنَّهُ وزِيرُ فِرْعَوْنَ. وكانَتْ أوامِرُ المُلُوكِ في العُصُورِ الماضِيَةِ تُصْدَرُ بِواسِطَةِ الوَزِيرِ فَكانَ الوَزِيرُ هو المُنَفِّذَ لِأوامِرَ المَلِكِ بِواسِطَةِ أعْوانِهِ مِن كِتّابٍ وأُمَراءَ ووُكَلاءَ ونَحْوِهِمْ، كُلٌّ فِيما يَلِيقُ بِهِ.

والصَّرْحُ: القَصْرُ المُرْتَفِعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] في سُورَةِ النَّمْلِ.

ورَجا أنْ يَصِلَ بِهَذا الصَّرْحِ إلى السَّماءِ حَيْثُ مَقَرُّ إلَهِ مُوسى. وهَذا مِن فَسادِ تَفْكِيرِهِ إذْ حَسِبَ أنَّ السَّماءَ يُوصَلُ إلَيْها بِمِثْلِ هَذا الصَّرْحِ ما طالَ بِناؤُهُ، وأنَّ اللَّهَ مُسْتَقِرٌّ في مَكانٍ مِنَ السَّماءِ.

والِاطِّلاعُ: الطُّلُوعُ القَوِيُّ المُتَكَلَّفُ لِصُعُوبَتِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ اسْتَعْمَلَ فِيهِ الظَّنَّ بِمَعْنى القَطْعِ فَكانَتْ مُحاوَلَتُهُ الوُصُولَ إلى السَّماءِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ظَنِّهِ؛ أوْ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُقْنِعَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ. ولَعَلَّهُ أرادَ بِهَذا تَمْوِيهَ الأمْرِ عَلى قَوْمِهِ لِيُلْقِيَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّ مُوسى ادَّعى أنَّ اللَّهَ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ يَبْلُغُ إلَيْهِ ارْتِفاعُ صَرْحِهِ. ثُمَّ يَجْعَلَ عَدَمَ العُثُورِ عَلى الإلَهِ في ذَلِكَ الِارْتِفاعِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ وُجُودِ الإلَهِ الَّذِي ادَّعاهُ مُوسى. وكانَتْ عَقائِدُ أهْلِ الضَّلالَةِ قائِمَةً عَلى التَّخَيُّلِ الفاسِدِ، وكانَتْ دَلائِلُها قائِمَةً عَلى تَمْوِيهِ الدَّجّالِينَ مِن زُعَمائِهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَعُدُّهُ مِنَ الطّائِفَةِ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الكَذِبُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] .

ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أنَّ هَذا الصَّرْحَ بُنِيَ، ولَيْسَ هو أحَدَ الأهْرامِ؛ لِأنَّ الأهْرامَ بُنِيَتْ

صفحة ١٢٤

مِن حِجارَةٍ لا مِن آجُرٍّ، ولِأنَّها جُعِلَتْ مَدافِنَ لِلَّذِينَ بَنَوْها مِنَ الفَراعِنَةِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ وقَعَ بِناءُ هَذا الصَّرْحِ وتَمَّ أوْ لَمْ يَقَعْ؛ فَحَكى بَعْضُهم أنَّهُ تَمَّ وصَعِدَ فِرْعَوْنُ إلى أعْلاهُ ونَزَلَ وزَعَمَ أنَّهُ قَتَلَ رَبَّ مُوسى. وحَكى بَعْضُهم أنَّ الصَّرْحَ سَقَطَ قَبْلَ إتْمامِ بِنائِهِ فَأهْلَكَ خَلْقًا كَثِيرًا مِن عَمَلَةِ البِناءِ والجُنْدِ. وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ في بِنائِهِ. وقَدْ لاحَ لِي في مَعْنى الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ سَأذْكُرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِ.

28:39Page 390

وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩

And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.

﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يَرْجِعُونَ﴾ الِاسْتِكْبارُ: أشَدُّ مِنَ الكِبْرِ، أيْ تَكَبَّرَ تَكَبُّرًا شَدِيدًا إذْ طَمِعَ في الوُصُولِ إلى الرَّبِّ العَظِيمِ وُصُولَ الغالِبِ أوِ القَرِينِ.

وجُنُودُهُ: أتْباعُهُ. فاسْتِكْبارُهُ هو الأصْلُ واسْتِكْبارُ جُنُودِهِ تَبَعٌ لِاسْتِكْبارِهِ؛ لِأنَّهم يَتَّبِعُونَهُ ويَتَلَقَّوْنَ ما يُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ مِنَ العَقائِدِ.

والأرْضُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْهُودَةُ، أيْ أرْضُ مِصْرَ، وأنْ يُرادَ بِها الجِنْسُ، أيْ في عالَمِ الأرْضِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ أعْظَمَ أُمَمِ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ حالَةٌ لازِمَةٌ لِعامِلِها إذْ لا يَكُونُ الِاسْتِكْبارُ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ.

وقَوْلُهُ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يَرْجِعُونَ﴾ مَعْلُومٌ بِالفَحْوى مِن كَفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وإنَّما صَرَّحَ بِهِ لِأهَمِّيَّةِ إبْطالِهِ فَلا يُكْتَفى فِيهِ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ الفَحْوى، ولِأنَّ في التَّصْرِيحِ بِهِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ في أنَّهم وإيّاهم سَواءٌ فَلْيَضَعُوا أنْفُسَهم في أيِّ مَقامٍ مِن مَقاماتٍ أهْلِ الكُفْرِ، وقَدْ كانَ أبُو جَهْلٍ يُلَقَّبُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ بِفِرْعَوْنِ هَذِهِ الأُمَّةِ أخْذًا مِن تَعْرِيضاتِ القُرْآنِ.

ومَعْنى ذَلِكَ: ظَنُّوا أنْ لا بَعْثَ ولا رُجُوعَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِالمَرْجُوعِ إلَيْهِ. فَذِكْرُ ”إلَيْنا“ لِحِكايَةِ الواقِعِ ولَيْسَ بِقَيْدٍ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ ولَمْ يُنْكِرُوا وُجُودَ اللَّهِ مِثْلَ المُشْرِكِينَ. وتَقْدِيمُ إلَيْنا عَلى عامِلِهِ لِأجْلِ الفاصِلَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وظَنُّوا أنَّهم في مَنَعَةٍ مِن أنْ يَرْجِعُوا في قَبْضَةِ قُدْرَتِنا كَما

صفحة ١٢٥

دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] اسْتِعْجابًا مِن ذَلِكَ. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فالتَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ باقٍ عَلى حالِهِ فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهم في مَنَعَةٍ مِنَ الِاسْتِئْصالِ فَقالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ.

قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لا يَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ ياءِ المُضارَعَةِ مِن رَجَعَ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّها مِن (أُرْجِعَ) إذا فُعِلَ بِهِ الرُّجُوعُ.

28:40Page 390

فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠

So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.

﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ ظَنُّوا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْنا فَعَجَّلْنا بِهَلاكِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى حُكْمِهِ وعِقابِهِ، ويَعْقُبُهُ رُجُوعُ أرْواحِهِمْ إلى عِقابِهِ، فَلِهَذا فَرَّعَ عَلى ظَنِّهِمْ ذَلِكَ الإعْلامَ بِأنَّهُ أُخِذَ وجُنُودُهُ، وجَعَلَ هَذا التَّفْرِيعَ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ حِكايَةِ أحْوالِهِمْ.

وجَعَلَ في الكَشّافِ هَذا مِنَ الكَلامِ الفَخْمِ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِ اللَّهِ إذْ كانَ قَوْلُهُ ”﴿فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾“ ويَتَضَمَّنُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً، شُبِّهَ هو وجُنُودُهُ بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ في كَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ في البَحْرِ. وإذا حُمِلَ الأخْذُ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَسْتَتْبِعُ تَشْبِيهًا بِقَبْضَةٍ تُؤْخَذُ بِاليَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] وقَوْلِهِ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] . ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً كَما لا يَخْفى.

وقَوْلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ اعْتِبارٌ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ بِالِاسْتِكْبارِ عَنْ سَماعِ دَعْوَتِهِمْ. وهَذا مَوْضِعُ العِبْرَةِ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ لِيَعْتَبِرَ بِها المُشْرِكُونَ، فَيَقِيسُوا حالَ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِحالِ دَعْوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقِيسُوا حالَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ، فَيُوقِنُوا بِأنَّ ما أصابَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مِن عِقابٍ سَيُصِيبُهم لا مَحالَةَ. وهَذا مِن جُمْلَةِ مَحَلِّ العِبْرَةِ بِهَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا

صفحة ١٢٦

بَيِّناتٍ﴾ [القصص: ٣٦] لِيَعْتَبِرَ النّاسُ بِأنَّ شَأْنَ أهْلِ الضَّلالَةِ واحِدٌ فَإنَّهم يَتَلَقَّوْنَ دُعاةَ الخَيْرِ بِالإعْراضِ والِاسْتِكْبارِ واخْتِلاقِ المَعاذِيرِ، فَكَما قالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ﴿ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [القصص: ٣٦] قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، وقالُوا ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] أيِ الَّتِي أدْرَكْناها.

وكَما طَمِعَ فِرْعَوْنُ أنْ يَبْلُغَ إلى اللَّهِ اسْتِكْبارًا مِنهُ في الأرْضِ، سَألَ المُشْرِكُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] وظَنُّوا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ كَما ظَنَّ أُولَئِكَ فَيُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم مِنَ الِاسْتِئْصالِ ما أصابَ أُولَئِكَ.

28:41Page 390

وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١

And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.

﴿وجَعَلْناهم أيِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ﴾ [القصص: ٣٩] أيِ اسْتَكْبَرُوا فَكانُوا يَنْصُرُونَ الضَّلالَ ويَبُثُّونَهُ، أيْ جَعَلْناهُ وجُنُودَهُ أيِمَّةً لِلضَّلالَةِ المُفْضِيَةِ إلى النّارِ فَكَأنَّهم يَدْعُونَ إلى النّارِ فَكُلٌّ يَدْعُو بِما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُهُ؛ فَدَعْوَةُ فِرْعَوْنَ أمْرُهُ، ودَعْوَةُ كَهَنَتِهِ بِاخْتِراعِ قَواعِدِ الضَّلالَةِ وأوْهامِها، ودَعْوَةُ جُنُودِهِ، بِتَنْفِيذِ ذَلِكَ والِانْتِصارِ لَهُ.

والأيِمَّةُ: جَمْعُ إمامٍ وهو مَن يُقْتَدى بِهِ في عَمَلٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ قالَ تَعالى (﴿وجَعَلْناهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣]) . ومَعْنى جَعْلِهِمْ أيِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ: خَلْقُ نُفُوسِهِمْ مُنْصَرِفَةً إلى الشَّرِّ ومُعْرِضَةً عَنِ الإصْغاءِ لِلرُّشْدِ وكانَ وُجُودُهم بَيْنَ ناسٍ ذَلِكَ شَأْنُهم. فالجَعْلُ جَعْلٌ تَكْوِينِيٌّ بِجَعْلِ أسْبابِ ذَلِكَ، واللَّهُ بَعَثَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ لِإرْشادِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ.

والدُّعاءُ إلى النّارِ هو الدُّعاءُ إلى العَمَلِ الَّذِي يُوقِعُ في النّارِ فَهي دَعْوَةٌ إلى النّارِ بِالمَآلِ. وإذا كانُوا يَدْعُونَ إلى النّارِ فَهم مِن أهْلِ النّارِ بِالأحْرى، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا يَجِدُونَ مَن يَنْصُرُهم فَيَدْفَعُ عَنْهم عَذابَ النّارِ.

ومُناسِبَةُ عَطْفِ ”﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾“ هي أنَّ الدُّعاءَ يَقْتَضِي جُنْدًا وأتْباعًا يَعْتَزُّونَ بِهِمْ في الدُّنْيا، ولَكِنَّهم لا يُجْدُونَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ ”﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧]“ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском