Ibn 'AshurAl‑Qasas · 28:48–56

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:48–56

28:48Page 391

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨

But when the truth came to them from Us, they said, "Why was he not given like that which was given to Moses?" Did they not disbelieve in that which was given to Moses before? They said, "[They are but] two works of magic supporting each other,1 and indeed we are, in both, disbelievers."

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا ساحِرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ ”الفاءُ فَصِيحَةٌ كالفاءِ في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ:

قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا

وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَإنْ كانَ مِن مَعْذِرَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَقَدْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رَسُولًا بِالحَقِّ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ لَفَّقُوا المَعاذِيرَ وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى.

والحَقُّ: هو ما في القُرْآنِ مِنَ الهُدى.

وإثْباتُ المَجِيءِ إلَيْهِ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الحَقِّ بِشَخْصٍ وتَشْبِيهِ سَماعِهِ بِمَجِيءِ الشَّخْصِ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ وإنَّما الجائِي الرَّسُولُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالحَقِّ لِإدْماجِ الثَّناءِ عَلَيْهِ في ضِمْنِ الكَلامِ.

ولَمّا بَهَرَتْهم آياتُ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَجِدُوا مِنَ المَعاذِيرِ إلّا ما لَقَّنَهُمُ اليَهُودُ وهو أنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾، أيْ بِأنْ تَكُونَ آياتُهُ مِثْلَ آياتِ مُوسى الَّتِي يَقُصُّها عَلَيْهِمُ اليَهُودُ وقَصَّ بَعْضَها القُرْآنُ.

وضَمِيرُ يَكْفُرُوا عائِدٌ إلى القَوْمِ مِن قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا لِتَتَناسَقَ الضَّمائِرُ مِن قَوْلِهِ لَوْلا أنْ تُصِيبَهم وما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ أمْثالُهُ.

فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ دُونَ مُشْرِكِي العَرَبِ

صفحة ١٣٨

فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا مِن إلْزامِ المُماثِلِ بِفِعْلٍ مَثِيلِهِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ يَجْمَعُ الفَرِيقَيْنِ فَتَكُونُ أُصُولُ تَفْكِيرِهِمْ واحِدَةً ويِتَّحِدُ بُهْتانُهم، فَإنَّ القِبْطَ أقْدَمُ مِنهم في دِينِ الشِّرْكِ فَهم أُصُولُهم فِيهِ، والفَرْعُ يَتْبَعُ أصْلَهُ، ويَقُولُ بُقُولِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أيْ مُتَماثِلُونَ في سَبَبِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَلا يَحْتاجُ بَعْضُهم إلى وصِيَّةِ بَعْضٍ بِأُصُولِ الكُفْرِ. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ثُمَّ قالَ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهم إذْ نَصَرَ المُماثِلِينَ في كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ إذْ كانَ الرُّومُ يَوْمَئِذٍ عَلى دِينِ المَسِيحِ.

فَقَوْلُهم ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِن بابِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، أوْ مِنِ اضْطِرابِهِمْ في كُفْرِهِمْ فَمَرَّةً يَكُونُونَ مُعَطِّلِينَ، ومَرَّةً يَكُونُونَ مُشْتَرِطِينَ. والوَجْهُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَجْحَدُونَ رِسالَةَ الرُّسُلِ قاطِبَةً. وكَذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ“ ﴿ساحِرانِ تَظاهَرا﴾ ”مِن قَوْلِ مُشْرِكِي مَكَّةَ في مُوسى وهارُونَ لَمّا سَمِعُوا قِصَّتَهُما أوْ في مُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وهو الأظْهَرُ، وهو الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ [القصص: ٤٩] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ساحِرانِ) تَثْنِيَةَ ساحِرٍ. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (قالُوا سِحْرانِ) عَلى أنَّهُ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ قالُوا: هُما ذَوا سِحْرٍ.

والتَّظاهُرُ: التَّعاوُنُ.

والتَّنْوِينُ في“ بِكُلٍّ " تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ فَيُقَدَّرُ المُضافُ إلَيْهِ بِحَسَبِ الِاحْتِمالَيْنِ إمّا بِكُلٍّ مِنَ السّاحِرَيْنِ، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى رِسالَةً، وهو أنْسَبُ بُقُولِ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّهم قالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] .

28:49–50Page 391

قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩

Say, "Then bring a scripture from Allāh which is more guiding than either of them that I may follow it, if you should be truthful."

فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠

But if they do not respond to you - then know that they only follow their [own] desires. And who is more astray than one who follows his desire without guidance from Allāh? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.

صفحة ١٣٩

﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

أيْ أجِبْ كَلامَهُمُ المَحْكِيَّ مِن قَوْلِهِمْ (ساحِرانِ) وقَوْلِهِمْ ﴿إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] .

ووَصْفُ ”كِتابٍ“ بِـ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إدْماجٌ لِمَدْحِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ بِأنَّهُما كِتابانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والمُرادُ بِالتَّوْراةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأسْفارُ الأرْبَعَةُ المَنسُوبَةُ إلى مُوسى مِن كَلامِ اللَّهِ إلى مُوسى أوْ مِن إسْنادِ مُوسى أمْرًا إلى اللَّهِ لا كُلُّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأسْفارُ، فَإنَّ فِيها قَصَصًا وحَوادِثَ ما هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَيُقالُ لِلْمُصْحَفِ هو كَلامُ اللَّهِ بِالتَّحْقِيقِ، ولا يُقالُ لِأسْفارِ العَهْدَيْنِ كَلامُ اللَّهِ إلّا عَلى التَّغْلِيبِ، إذْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ المُرْسَلانِ بِكِتابَيِ العَهْدِ. وقَدْ تَحَدّاهُما القُرْآنُ في هَذِهِ الآيَةِ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الهُدى بِبَلاغَةِ نَظْمِهِ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والحَقائِقِ هو مِن طُرُقِ إعْجازِهِ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.

فَمَعْنى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ إنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِكَ، أيْ إلى الدِّينِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِهَذا التَّحَدِّي، فاعْلَمْ أنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ ما هو إلّا إتْباعٌ لِلْهَوى ولا شُبْهَةَ لَهم في دِينِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ عَدَمُ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الِاسْتِجابَةِ يَقْتَضِي دُعاءً ولا دُعاءَ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ بَلْ هو تَعْجِيزٌ، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ عَجَزُوا ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِكَ بَعْدَ العَجْزِ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾، أيْ لا يُغَيَّرُ. واعْلَمْ أنَّ فِعْلَ الِاسْتِجابَةِ بِزِيادَةِ السِّينِ والتّاءِ يَتَعَدّى إلى الدُّعاءِ بِنَفْسِهِ ويَتَعَدّى إلى الدّاعِي بِاللّامِ، وحِينَئِذٍ يُحْذَفُ لَفْظُ الدُّعاءِ غالِبًا فَقَلَّما قِيلَ: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ دُعاءَهُ، بَلْ يُقْتَصَرُ عَلى: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَإذا قالُوا: دَعاهُ فاسْتَجابَهُ كانَ المَعْنى فاسْتَجابَ دُعاءَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] في سُورَةِ هُودٍ.

صفحة ١٤٠

و”أنَّما“ المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ تُفِيدُ الحَصْرَ مِثْلَ (إنَّما) المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ فَرْعٌ عَنِ المَكْسُورَتِها لَفْظًا ومَعْنًى، فَلا مَحِيصَ مِن مُفادِها، فالتَّقْدِيرُ فاعْلَمْ أنَّهم ما يَتَّبِعُونَ إلّا أهْواءَهم. وجِيءَ بِحَرْفِ (إنَّ) الغالِبِ في الشَّرْطِ المَشْكُوكِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أوْ؛ لِأنَّها الحَرْفُ الأصْلِيُّ. وإقْحامُ فِعْلِ ”فاعْلَمْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ الَّذِي بَعْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] في سُورَةِ الأنْفالِ.

وقَوْلِهِ ”أتَّبِعْهُ“ جَوابُ ”فَأْتُوا“ أيْ إنْ تَأْتُوا بِهِ أتَّبِعْهُ، وهو مُبالَغَةٌ في التَّعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ إذا وعَدَهم بِأنْ يَتَّبِعَ ما يَأْتُونَ بِهِ فَهو يَتَّبِعُهم أنْفُسَهم وذَلِكَ مِمّا يُوَفِّرُ دَواعِيَهم عَلى مُحاوَلَةِ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِن كِتابِهِ لَوِ اسْتَطاعُوهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الحَقُّ، ووَجَبَتْ عَلَيْهِمُ المَغْلُوبِيَّةُ فَكانَ ذَلِكَ أدُلَّ عَلى عَجْزِهِمْ وأثْبُتَ في إعْجازِ القُرْآنِ.

وهَذا مِنَ التَّعْلِيقِ عَلى ما تَحَقَّقَ عَدَمُ وُقُوعِهِ، فالمُعَلَّقُ حِينَئِذٍ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] . ولِكَوْنِهِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ. وقَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ ومِن إقْحامِ ”فاعْلَمْ“ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِذَلِكَ البَتَّةَ، وهَذا مِنَ الإعْجازِ بِالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ.

وجاءَ في آخِرِ الكَلامِ تَذْيِيلٌ عَجِيبٌ، وهو أنَّهُ لا أحَدَ أشَدُّ ضَلالًا مِن أحَدٍ اتَّبَعَ هَواهُ المُنافِيَ لِهُدى اللَّهِ.

و”مَن“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنْ ذاتٍ مُبْهَمَةٍ، وهو اسْتِفْهامُ الإنْكارِ فَأفادَ الِانْتِفاءَ فَصارَ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ الَّذِي فِيهِ في مَعْنى نَكِرَةٍ في سِياقِ النَّفْيِ أفادَتِ العُمُومَ فَشَمِلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أهْواءَهم وغَيْرَهم. وبِهَذا العُمُومِ صارَ تَذْيِيلًا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأطْلَقَ الِاتِّباعَ عَلى العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ إرادَةُ المَرْءِ النّاشِئَةُ عَنْ مَيْلِهِ إلى المَفاسِدِ والأضْرارِ تَشْبِيهًا لِلْعَمَلِ بِالمَشْيِ وراءَ السّائِرِ، وفِيهِ تَشْبِيهُ الهَوى بِسائِرٍ، والهَوى مَصْدَرٌ لِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ:

هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ

صفحة ١٤١

وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ الباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وهو مَوْضِعُ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿اتَّبَعَ هَواهُ﴾ وهو حالٌ كاشِفَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الهَوى؛ لِأنَّ الهَوى لا يَكُونُ مُلابِسًا لِلْهُدى الرَّبّانِيِّ ولا صاحِبُهُ مُلابِسًا لَهُ؛ لِأنَّ الهُدى يَرْجِعُ إلى مَعْنى إصابَةِ المَقْصِدِ الصّالِحِ.

وجَعَلَ الهُدى مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ حَقُّ الهُدى؛ لِأنَّهُ وارِدٌ مِنَ العالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ مَعْصُومًا مِنَ الخَلَلِ والخَطَإ.

ووَجْهُ كَوْنِهِ لا أضَلَّ مِنهُ أنَّ الضَّلالَ في الأصْلِ خَطَأُ الطَّرِيقِ وأنَّهُ يَقَعُ في أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ في عَواقِبِ المَشَقَّةِ أوِ الخَطَرِ أوِ الهَلاكِ بِالكُلِّيَّةِ، عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ شِدَّةِ الضَّلالِ. واتِّباعُ الهَوى مَعَ إلْغاءِ إعْمالِ النَّظَرِ ومُراجَعَتِهِ في النَّجاةِ يُلْقِي بِصاحِبِهِ إلى كَثِيرٍ مِن أحْوالِ الضُّرِّ بِدُونِ تَحْدِيدٍ ولا انْحِصارٍ.

فَلا جَرَمَ يَكُونُ هَذا الِاتِّباعُ المُفارِقُ لِجِنْسِ الهُدى أشَدَّ الضَّلالِ، فَصاحِبُهُ أشَدُّ الضّالِّينَ ضَلالًا.

ثُمَّ ذُيِّلَ هَذا التَّذْيِيلُ بِما هو تَمامُهُ إذْ فِيهِ تَعْيِينُ هَذا الفَرِيقِ المُبْهَمِ الَّذِي هو أشَدُّ الضّالِّينَ ضَلالًا، فَإنَّهُ الفَرِيقُ الَّذِينَ كانُوا قَوْمًا ظالِمِينَ، أيْ كانَ الظُّلْمُ شَأْنَهم وقِوامَ قَوْمِيَّتِهِمْ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالقَوْمِ.

والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، وهو ظُلْمُ الأنْفُسِ وظُلْمُ النّاسِ، وأعْظَمُهُ الإشْراكُ وإتْيانُ الفَواحِشِ والعُدْوانُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ في نُفُوسِهِمُ الِاهْتِداءَ عِقابًا مِنهُ عَلى ظُلْمِهِمْ فَهم باقُونَ في الضَّلالِ يَتَخَبَّطُونَ فِيهِ، فَهم أضَلُّ الضّالِّينَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُتَفاوِتُونَ في انْتِفاءِ هُدى اللَّهِ عَنْهم عَلى تَفاوُتِهِمْ في التَّصَلُّبِ في ظُلْمِهِمْ؛ فَقَدْ يَسْتَمِرُّ أحَدُهم زَمانًا عَلى ضَلالِهِ ثُمَّ يُقَدِّرُ اللَّهُ لَهُ الهُدى فَيَخْلُقُ في قَلْبِهِ الإيمانَ. ولِأجْلِ هَذا التَّفاوُتِ في قابِلِيَّةِ الإقْلاعِ عَنِ الضَّلالِ اسْتَمَرَّتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُمُ لِلْإيمانِ في عُمُومِ المَدْعُوِّينَ إذْ لا يَعْلَمُ إلّا اللَّهُ مَدى تَفاوُتِ النّاسِ لِقَبُولِ الهُدى، فالهُدى المَنفِيُّ عَنْ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمْ هُنا هو الهُدى التَّكْوِينِيُّ.

وأمّا الهُدى بِمَعْنى الإرْشادِ فَهو مِن عُمُومِ الدَّعْوَةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الأيِمَّةِ مِنَ

صفحة ١٤٢

الأشاعِرَةِ أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُ بِالإيمانِ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ؛ لِأنَّ التَّعَلُّقَ التَّكْوِينِيَّ غَيْرُ التَّعَلُّقِ التَّشْرِيعِيِّ.

وبَيْنَ هَواهُ وهُدًى جِناسٌ مُحَرَّفٌ وجِناسُ خَطٍّ.

28:51Page 392

۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١

And We have [repeatedly] conveyed to them the word [i.e., the Qur’ān] that they might be reminded.

﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [القصص: ٤٧] الآيَةَ، وما عُطِفَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] .

والتَّوْصِيلُ: مُبالَغَةٌ في الوَصْلِ، وهو ضَمُّ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى بَعْضٍ، يُقالُ: وصَلَ الحَبْلَ إذا ضَمَّ قِطَعَهُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَصارَ حَبْلًا.

والقَوْلُ مُرادٌ بِهِ القُرْآنُ، قالَ تَعالى ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] وقالَ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠]، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، أيِ القَوْلُ المَعْهُودُ. ولِلتَّوْصِيلِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ فَهو بِاعْتِبارِ ألْفاظِهِ وُصِّلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ولَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً، وبِاعْتِبارِ مَعانِيهِ وُصِّلَ أصْنافًا مِنَ الكَلامِ وعْدًا، ووَعِيدًا، وتَرْغِيبًا، وتَرْهِيبًا، وقَصَصًا ومَواعِظَ وعِبَرًا، ونَصائِحَ يَعْقُبُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى فَنٍّ، وفي كُلِّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلى نَشاطِ الذِّهْنِ لِلتَّذَكُّرِ والتَّدَبُّرِ.

واللّامُ و”قَدْ“ كِلاهُما لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا عَلَيْهِ إذْ جَهِلُوا حِكْمَةَ تَنْجِيمِ نُزُولِ القُرْآنِ وذُكِرَتْ لَهم حِكْمَةُ تَنْجِيمِهِ هُنا بِما يَرْجِعُ إلى فائِدَتِهِمْ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ. وذُكِرَ في آيَةِ سُورَةِ الفُرْقانِ حِكْمَةٌ أُخْرى راجِعَةٌ إلى فائِدَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ وقالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] وفُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَتَذَكَّرُوا. وضَمِيرُ ”لَهم“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ.

28:52–53Page 392

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Those to whom We gave the Scripture before it - they1 are believers in it.

وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣

And when it is recited to them, they say, "We have believed in it; indeed, it is the truth from our Lord. Indeed we were, [even] before it, Muslims [i.e., submitting to Allāh]."

صفحة ١٤٣

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾

لَمّا أفْهَمَ قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، ولَمْ يَكُونُوا عِنْدَ رَجاءِ الرّاجِي عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّها جَوابٌ لِسُؤالِ مَن يَسْألُ هَلْ تَذَكَّرَ غَيْرُهم بِالقُرْآنِ أوِ اسْتَوى النّاسُ في عَدَمِ التَّذَكُّرِ بِهِ. فَأُجِيبَ بِأنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ يُؤْمِنُونَ بِهِ إيمانًا ثابِتًا.

والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ طائِفَةٌ مَعْهُودَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ شَهِدَ اللَّهُ لَهم بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ويَتَدَبَّرُونَهُ، وهم بَعْضُ النَّصارى مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ مِثْلَ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وصُهَيْبٍ، وبَعْضِ يَهُودِ المَدِينَةِ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامً، ورِفاعَةَ بْنِ رَفاعَةَ القُرَظِيِّ، مِمَّنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ النَّبِيءُ إلى المَدِينَةِ فَلَمّا هاجَرَ أظْهَرُوا إسْلامَهم.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ وفْدٌ مِن نَصارى الحَبَشَةِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا بَعْثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِاسْتِعْلامِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فَجَلَسُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنُوا بِهِ وكانَ أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ قَرِيبًا مِنهم يَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُونَ فَلَمّا قامُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ تَبِعَهم أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ فَقالَ لَهم: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ وقَبَّحَكم مِن وفْدٍ لَمْ تَلْبَثُوا أنْ صَدَّقْتُمُوهُ، فَقالُوا: سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا رُشْدًا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم. وبِهِ ظَهَرَ أنَّهم لَمّا رَجَعُوا أسْلَمَ النَّجاشِيُّ، وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ نَصارى الحَبَشَةِ لَمّا وفَدَ إلَيْهِمْ أهْلُ الهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ، وقَرَءُوا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وأفْهَمُوهُمُ الدِّينَ.

وضَمِيرُ مِن قَبْلِهِ عائِدٌ إلى القَوْلِ مِن ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]، وهو القُرْآنُ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ لِتُقَوِّيَ الخَبَرَ. وضَمِيرُ الفَصْلِ مُقَيِّدٌ لِلْقَصْرِ الإضافِيِّ، أيْ هم يُوقِنُونَ بِخِلافِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ.

صفحة ١٤٤

ومَجِيءُ المُسْنَدِ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ إيمانِهِمْ وتَجَدُّدِهِ.

وحِكايَةُ إيمانِهِمْ بِالمُضِيِّ في قَوْلِهِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ سَماعِهِمُ القُرْآنَ: إمّا لِأنَّ المُضِيَّ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الإيمانِ مِثْلَ اسْتِعْمالِهِ في صِيَغِ العُقُودِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم آمَنُوا بِهِ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، أيْ آمَنُوا بِأنَّهُ سَيَجِيءُ رَسُولٌ بِكِتابٍ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، يَعْنِي إيمانًا إجْمالِيًّا يَعْقُبُهُ إيمانٌ تَفْصِيلِيٌّ عِنْدَ سَماعِ آياتِهِ. ويُنْظَرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، أيْ مُصَدِّقِينَ بِمَجِيءِ رَسُولِ الإسْلامِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مُسْلِمِينَ“ مُوَحِّدِينَ مُصَدِّقِينَ بِالرُّسُلِ فَإنَّ التَّوْحِيدَ هو الإسْلامُ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَعْنى ﴿آمَنّا بِهِ﴾ .

28:54–55Page 392

أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤

Those will be given their reward twice for what they patiently endured and [because] they avert evil through good, and from what We have provided them they spend.

وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥

And when they hear ill speech, they turn away from it and say, "For us are our deeds, and for you are your deeds. Peace will be upon you;1 we seek not the ignorant."

﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ هُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَدَّ اللَّهُ لَهم سَبْعَ خِصالٍ مِن خِصالِ أهْلِ الكَمالِ: إحْداها أُخْرَوِيَّةٌ، وهي ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ أنَّهم يُؤْتُونَ أجْرَيْنِ عَلى إيمانِهِمْ، أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ لِأجْلِ أنَّهم آمَنُوا بِكِتابِهِمْ مِن قَبْلُ ثُمَّ آمَنُوا بِالقُرْآنِ، فَعَبَّرَ عَنْ مُضاعَفَةِ الأجْرِ ضِعْفَيْنِ بِالمَرَّتَيْنِ تَشْبِيهًا لِلْمُضاعَفَةِ بِتَكْرِيرِ الإيتاءِ وإنَّما هو إيتاءٌ واحِدٌ.

صفحة ١٤٥

وفائِدَةُ هَذا المَجازِ إظْهارُ العِنايَةِ حَتّى كَأنَّ المُثِيبَ يُعْطِي ثُمَّ يُكَرِّرُ عَطاءَهُ فَفي ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ تَمْثِيلَةٌ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وأدْرَكَنِي فَآمَنَ بِي واتَّبَعَنِي وصَدَّقَنِي فَلَهُ أجْرانِ، وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ تَعالى وحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أجْرانِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أُمَّةٌ فَغَذّاها فَأحْسَنَ غِذاءَها، ثُمَّ أدَّبَها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها، ثُمَّ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ» . رَواهُ الشَّعْبِيُّ، وقالَ لِعَطاءٍ الخُراسانِيِّ: خُذْهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيما دُونَ هَذا إلى المَدِينَةِ.

والثّانِيَةُ: الصَّبْرُ، والصَّبْرُ مِن أعْظَمِ خِصالِ البِرِّ وأجْمَعِها لِلْمَبَرّاتِ، وأعْوَنِها عَلى الزِّيادَةِ والمُرادُ بِالصَّبْرِ صَبْرُهم عَلى أذى أهْلِ مِلَّتِهِمْ، أوْ صَبْرُهم عَلى أذى قُرَيْشٍ، وهَذا يَتَحَقَّقُ في مِثْلِ الوَفْدِ الحَبَشِيِّ. ولَعَلَّهُمُ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ .

والخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: دَرْؤُهُمُ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ وهي مِن أعْظَمِ خِصالِ الخَيْرِ، وأدْعاها إلى حُسْنِ المُعاشَرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فائِدَةُ دَفْعِ مَضَرَّةِ المُسِيءِ عَنِ النَّفْسِ، وإسْداءُ الخَيْرِ إلى نَفْسٍ أُخْرى، فَهم لَمْ يَرُدُّوا جَلافَةَ أبِي جَهْلٍ بِمِثْلِها، ولَكِنْ بِالإعْراضِ مَعَ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ وهي سَلامٌ عَلَيْكم.

وأمّا الإنْفاقُ فَلَعَلَّهم كانُوا يُنْفِقُونَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وهو الخَصْلَةُ الرّابِعَةُ ولا يَخْفى مَكانُها مِنَ البَرِّ.

والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: الإعْراضُ عَنِ اللَّغْوِ، وهو الكَلامُ العَبَثُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَذا الخُلُقُ مِن مَظاهِرِ الحِكْمَةِ، إذْ لا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَشْغَلَ سَمْعَهُ ولُبَّهُ بِما لا جَدْوى لَهُ وبِالأوْلى يَتَنَزَّهُ عَنْ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ذَلِكَ.

والخَصْلَةُ السّادِسَةُ: الكَلامُ الفَصْلُ، وهو قَوْلُهم ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا مِن أحْسَنِ ما يُجابُ السُّفَهاءُ وهو أقْرَبُ لِإصْلاحِهِمْ وأسْلَمُ مِن تَزايُدِ سَفَهِهِمْ.

صفحة ١٤٦

ولَقَدْ أنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِحِكْمَةٍ جَعَلَها مُسْتَأْهِلَةً لِأنْ تُنْظَمَ في سِلْكِ الإعْجازِ فَألْهَمَهم تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ شَرَّفَها بِأنْ حُكِيَتْ في نَسْجِ القُرْآنِ، كَما ألْهَمَ عُمَرَ قَوْلَهُ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ.

ومَعْنى ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ أنَّ أعْمالَنا مُسْتَحَقَّةٌ لَنا كِنايَةً عَنْ مُلازَمَتِهِمْ إيّاها، وأمّا قَوْلُهم ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ فَهو تَتْمِيمٌ عَلى حَدِّ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .

والمَقْصُودُ مِنَ السَّلامِ أنَّهُ سَلامُ المُتارَكَةِ المُكَنّى بِها عَنِ المُوادَعَةِ أنْ لا نَعُودَ لِمُخاطَبَتِكم، قالَ الحَسَنُ: كَلِمَةُ: ”السَّلامُ عَلَيْكم“، تَحِيَّةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وعَلامَةُ الِاحْتِمالِ مِنَ الجاهِلِينَ. ولَعَلَّ القُرْآنَ غَيَّرَ مَقالَتَهم بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِتَكُونَ مُشْتَمِلَةً عَلى الخُصُوصِيَّةِ المُناسِبَةِ لِلْإعْجازِ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ المُتارَكَةُ إلى آخِرِ الِخِطابِ أوْلى؛ لِيَكُونَ فِيهِ بَراعَةُ المَقْطَعِ.

وحَذَفَ القُرْآنُ قَوْلَهم: لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا رُشْدًا، لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ .

السّابِعَةُ: ما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهم ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ مِن أنَّ ذَلِكَ خُلُقُهم أنَّهم يَتَطَلَّبُونَ العِلْمَ ومَكارِمَ الأخْلاقِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمُتارَكَةِ، أيْ لِأنّا لا نُحِبُّ مُخالَطَةَ أهْلِ الجَهالَةِ بِاللَّهِ، وبِدِينِ الحَقِّ وأهْلِ خُلُقِ الجَهْلِ الَّذِي هو ضِدُّ الحُلْمِ، فاسْتَعْمَلَ الجَهْلَ في مَعْنَيَيْهِ المُشْتَرَك فِيها ولَعَلَّهُ تَعْرِيضٌ بِكُنْيَةِ أبِي جَهْلٍ الَّذِي بَذا عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ يَقُولُونَها بَيْنَ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَجْهَرُوا بِها لِأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وقَوْلِهِ سَلامٌ عَلَيْكم وبِذَلِكَ يَكُونُ القَوْلُ المَحْكِيُّ قَوْلَيْنِ: قَوْلٌ وجَّهُوهُ لِأبِي جَهْلٍ وصَحْبِهِ، وقَوْلٌ دارَ بَيْنَ أهْلِ الوَفْدِ.

28:56Page 392

إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦

Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.

صفحة ١٤٧

﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهْوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾

لَمّا ذَكَرَ مَعاذِيرَ المُشْرِكِينَ وكُفْرَهم بِالقُرْآنِ، وأعْلَمَ رَسُولَهُ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم وأنَّهم مُجَرَّدُونَ عَنْ هُدى اللَّهِ، ثُمَّ أثْنى عَلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ، وكانَ ذَلِكَ يُحْزِنُ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُعْرِضَ قُرَيْشٌ وهم أخَصُّ النّاسِ بِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ، أقْبَلَ اللَّهُ عَلى خِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ بِما يُسَلِّي نَفْسَهُ، ويُزِيلُ كَمَدَهُ بِأنْ ذَكَرَّهُ بِأنَّ الهُدى بِيَدِ اللَّهِ. وهو كِنايَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالتَّفْوِيضِ في ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ اهْتِمامٌ بِاسْتِدْعاءِ إقْبالِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى عِلْمِ ما تَضَمَّنَتْهُ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] . ومَفْعُولُ ”أحْبَبْتَ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ”لا تَهْدِي“ .

والتَّقْدِيرُ: مَن أحْبَبْتَ هَدْيَهُ أوِ اهْتِداءَهُ. وماصَدَقَ (مَن) المَوْصُولَةِ كُلُّ مَن دَعاهُ النَّبِيءُ إلى الإسْلامِ فَإنَّهُ يُحِبُّ اهْتِداءَهُ.

وقَدْ تَضافَرَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ مِن أوَّلِ المُرادِ بِذَلِكَ أبا طالِبٍ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ إذْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ اغْتَمَّ لِمَوْتِهِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ كَما في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذُكِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ مِن أجْلِ امْتِناعِ أبِي طالِبٍ عَمِّهِ مِن إجابَتِهِ إذْ دَعاهُ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو نَصُّ حَدِيثِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”بَراءَةٌ“ .

وهَذا مِنَ العامِّ النّازِلِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ فَيَعُمُّهُ وغَيْرَهُ وهو يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، وكانَتْ وفاةُ أبِي طالِبٍ سَنَةَ ثَلاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ، أوْ كانَ وضْعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها بِتَوْقِيفٍ خاصٍّ.

ومَعْنى ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنَّهُ يَخْلُقُ مَن يَشاءُ قابِلًا لِلِاهْتِداءِ في مَدًى مُعَيَّنٍ وبَعْدَ دَعَواتٍ مَحْدُودَةٍ حَتّى يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْإيمانِ فَإذا تَدَبَّرَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَدَّدَهُ - كَثُرَ في عِلْمِهِ وإرادَتِهِ - جَعَلَ مِنهُ الِاهْتِداءَ، فالمُرادُ الهِدايَةُ بِالفِعْلِ. وأمّا

صفحة ١٤٨

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فَهي الهِدايَةُ بِالدَّعْوَةِ والإرْشادِ فاخْتَلَفَ الإطْلاقانِ.

ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ مَن يَشاءُ اهْتِداءَهُ، والمَشِيئَةُ تُعْرَفُ بِحُصُولِ الِاهْتِداءِ وتَتَوَقَّفُ عَلى ما سَبَقَ مِن عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إيماءٌ إلى ذَلِكَ، أيْ هو أعْلَمُ مِن كُلِّ أحَدٍ بِالمُهْتَدِينَ في أحْوالِهِمْ ومَقادِيرِ اسْتِعْدادِهِمْ عَلى حَسَبِ ما تَهَيَّأتْ إلَيْهِ فِطَرُهم مِن صَحِيحِ النَّظَرِ وقَبُولِ الخَيْرِ واتِّقاءِ العاقِبَةِ والِانْفِعالِ لِما يُلْقى إلَيْها مِنَ الدَّعْوَةِ ودَلائِلِها. ولِكُلِّ ذَلِكَ حالٌ ومَدًى ولِكِلَيْهِما أسْبابٌ تَكْوِينِيَّةٌ في الشَّخْصِ وأسْلافِهِ وأسْبابُ نَمائِهِ، أوْ ضَعْفِهِ مِنَ الكِيانِ والوَسَطِ والعَصْرِ والتَّعَقُّلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском