Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:14–21
29:14–15Page 397
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤
And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.
صفحة ٢٢٢
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾
سِيقَتْ هَذِهِ القِصَّةُ واللّاتِي بَعْدَها شَواهِدَ عَلى ما لَقِيَ الرُّسُلُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهم مِن تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ، كَما صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ عَقِبَ القِصَّتَيْنِ ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨] عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ الآتِيَيْنِ.
وابْتُدِئَتِ القِصَصُ بِقِصَّةِ أوَّلِ رَسُولٍ بَعْثَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأرْضِ، فَإنَّ لِأوَّلِيّاتِ الحَوادِثِ وقْعًا في نُفُوسِ المُتَأمِّلِينَ في التّارِيخِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ قِصَّتِهِ في سُورَةِ هُودٍ.
وزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهُ لَبِثَ في قَوْمِهِ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ مُدَّةُ رِسالَتِهِ إلى قَوْمِهِ، ولا غَرَضَ في مَعْرِفَةِ عُمُرِهِ يَوْمَ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، وفي ذَلِكَ اخْتِلافٌ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ المُدَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ مُصابَرَتِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ودَوامِهِ عَلى إبْلاغِ الدَّعْوَةِ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيءِ ﷺ . وأُوثِرَ تَمْيِيزُ ألْفٍ بِـ سَنَةً لِطَلَبِ الخِفَّةِ بِلَفْظِ سَنَةٍ، ومُيِّزَ خَمْسِينَ بِلَفْظِ عامًا؛ لِئَلّا يُكَرَّرَ لَفْظُ ”سَنَةٍ“ .
والفاءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا كَما عُطِفَ عَلَيْهِ فَلَبِثَ، وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أخْذُهم بِالطُّوفانِ، وهو اسْتِمْرارُ تَكْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ حالٌ، أيْ أخَذَهم وهم مُتَلَبِّسُونَ بِالظُّلْمِ - أيِ الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ - تَلَبُّسًا ثابِتًا لَهم مُتَقَرِّرًا، وهَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم سَيَأْخُذُهم عَذابٌ.
وفاءُ فَأنْجَيْناهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾، وهَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ مُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّفِينَةِ. ومَعْنى كَوْنِها آيَةً أنَّها دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الطُّوفانِ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ، فَكانَتِ السَّفِينَةُ آيَةً ماثِلَةً في
صفحة ٢٢٣
عُصُورِ جَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بَعْدَ نُوحٍ مَوْعِظَةً لِلْمُكَذِّبِينَ وحُجَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَدْ أبْقى اللَّهُ بَقِيَّةَ السَّفِينَةِ إلى صَدْرِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: قالَ قَتادَةُ: بَقِيَتْ بَقايا السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ حَتّى نَظْرَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. ويُقالُ: إنَّها دامَتْ إلى أوائِلِ الدَّوْلَةِ العَبّاسِيَّةِ ثُمَّ غَمَرَتْها الثُّلُوجُ. وكانَ الجُودِيُّ قُرْبَ ”باقِرْدى“ وهي قَرْيَةٌ مِن جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ بِالمَوْصِلِ شَرْقِيِّ دِجْلَةَ ”وباقِرْدى“ بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَها ألِفٌ، ثُمَّ قافٌ مَكْسُورَةٌ، ويَجُوزُ فَتْحُها، ودالٌّ فَألِفٌ مَقْصُورَةٌ. وقالَ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .
وإنَّما قالَ لِلْعالَمِينَ الشّامِلِ لِجَمِيعِ سُكّانِ الأرْضِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُشاهِدْ بَقايا سَفِينَةِ نُوحٍ يُشاهِدُ السُّفُنَ فَيَتَذَكَّرُ سَفِينَةَ نُوحٍ وكَيْفَ كانَ صُنْعُها بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِإنْجاءِ نُوحٍ ومَن شاءَ اللَّهُ نَجاتَهُ؛ ولِأنَّ الَّذِينَ مِن أهْلِ قَرْيَتِها يُخْبِرُونَ عَنْها تُنْقَلُ أخْبارُهم فَتَصِيرُ مُتَواتِرَةً.
هَذا وقَدْ وقَعَ في الإصْحاحِ الثّامِنِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ ”واسْتَقَرَّ الفُلْكُ عَلى جِبالِ أراراطَ“، وقَدِ اخْتَلَفَ الباحِثُونَ في تَعْيِينِ جِبالِ أراراطَ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ الجُودِيِّ وعَيَّنُوا أنَّهُ مِن جِبالِ بِلادِ الأكْرادِ في الحَدِّ الجَنُوبِيِّ لِأرْمِينْيا في سُهُولِ ما بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، ووَصَفُوهُ بِأنَّ نَهْرَ دِجْلَةَ يَجْرِي بَيْنَ مُرْتَفَعاتِهِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ العُبُورُ بَيْنَ الجَبَلِ ونَهْرِ دِجْلَةَ إلّا في الصَّيْفِ، وأيَّدُوا قَوْلَهم بِوُجُودِ بَقِيَّةِ سَفِينَةٍ عَلى قِمَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ. وبَعْضُهم زَعَمَ أنْ ”أراراطَ“ في بِلادِ أرْمِينْيا، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِتَجاوُرِ مُواطِنِ الكُرْدِسْتانِ وأرْمِينْيا، وقَدْ تَخْتَلِفُ حُدُودُ المُواطِنِ بِاخْتِلافِ الدُّوَلِ والفُتُوحِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ النَّصْبِ في وجَعَلْناها عائِدًا إلى الخَبَرِ المَذْكُورِ بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ أوِ الحادِثَةِ.
29:16–17Page 398
وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦
And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧
You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."
صفحة ٢٢٤
﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
انْتَقَلَ مِن خَبَرِ نُوحٍ إلى خَبَرِ إبْراهِيمَ؛ لِمُناسَبَةِ إنْجاءِ إبْراهِيمَ مِنَ النّارِ كَإنْجاءِ نُوحٍ مِنَ الماءِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ إلى عِظَمِ القُدْرَةِ، إذْ أنْجَتْ مِنَ الماءِ ومِنَ النّارِ.
وإبْراهِيمَ عَطْفٌ عَلى نُوحٍ. والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ.
وإذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ أرْسَلْنا المُقَدَّرِ، أيْ في وقْتِ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ، وهو أوَّلُ زَمَنِ دَعْوَتِهِ. واقْتَضى قَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عابِدِينَ لِلَّهِ أصْلًا.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ. وقَدْ أُجْمِلَ الخَبَرُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وفُصِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ الآيَةَ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أدِلَّةَ اخْتِصاصِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. فَمَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ جَعْلُ فِعْلِ تَعْلَمُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عِلْمٍ ونَظَرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ . وقَصْرُهم عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَصْرًا عَلى عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ، أيْ دُونَ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ، إذْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فالقَصْرُ مُنْصَبٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ إنَّما تَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حالًا مِن أوْثانًا، أيْ حالَ كَوْنِها مَعْبُودَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ لَهم: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ؛ لَكِنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ قَدْ وُصِفُوا بِالشِّرْكِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] فَهم مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ، فالقَصْرُ مُنْصَبٌّ عَلى عِبادَتِهِمُ المَوْصُوفَةِ بِالوَثَنِيَّةِ، أيْ ما
صفحة ٢٢٥
تَعْبُدُونَ إلّا صُوَرًا لا إدْراكَ لَها، فَيَكُونُ قَصْرَ قَلْبٍ لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ تِلْكَ الصُّوَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] .
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ يَتَخَرَّجُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَإنَّ ”دُونِ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”غَيْرِ“ فَتَكُونُ ”مِن“ زائِدَةً، والمَعْنى: تَعْبُدُونَ أوْثانًا غَيْرَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”دُونِ“ اسْمًا لِلْمَكانِ المُباعِدِ، فَهي إذَنْ مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى المُخالَفَةِ، فَتَكُونُ ”مِن“ ابْتِدائِيَّةً، والمَعْنى: تَعْبُدُونَ أوْثانًا مَوْصُوفَةً بِأنَّها مُخالِفَةٌ لِصِفاتِ اللَّهِ.
والأوْثانُ: جَمْعُ وثَنٍ - بِفَتْحَتَيْنِ - وهو صُورَةٌ مِن حَجَرٍ أوْ خَشَبٍ مُجَسَّمَةٍ عَلى صُورَةِ إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ. والوَثَنُ أخَصُّ مِنَ الصَّنَمِ؛ لِأنَّ الصَّنَمَ يُطْلَقُ عَلى حِجارَةٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ مَثْلَ أكْثَرِ أصْنامِ العَرَبِ، كَصَنَمِ ذِي الخَلَصَةِ لَخَثْعَمَ، وكانَتْ أصْنامُ قَوْمِ إبْراهِيمَ صُوَرًا، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] . وتَقَدَّمَ وصْفُ أصْنامِهِمْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وتَخْلُقُونَ مُضارِعُ خَلَقَ الخَبَرِ، أيِ اخْتَلَقَهُ، أيْ كَذَبَهُ ووَضَعَهُ، أيْ وتَضَعُونَ لَها أخْبارًا ومَناقِبَ وأعْمالًا مَكْذُوبَةً مَوْهُومَةً.
والإفْكُ: الكَذِبُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١] في سُورَةِ النُّورِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ إنْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ يَعْتَرِفُونَ لِلَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ والخَلْقِ والرِّزْقِ ولَكِنَّهم يَجْعَلُونَ لَهُ شُرَكاءَ في العِبادَةِ لِيَكُونُوا لَهم شُفَعاءَ كَحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ - تَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ أيْ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ الَّتِي هي شُكْرٌ عَلى نِعَمِهِ، وإنْ كانَ قَوْمُهُ لا يُثْبِتُونَ إلَهِيَّةً لِغَيْرِ أصْنامِهِمْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً إبْطالًا لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ آلِهَتَهم تَرْزُقُهم، ويُرَجِّحُ هَذا الِاحْتِمالَ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ التَّرَدُّدُ في حالِ إشْراكِ قَوْمِ إبْراهِيمَ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وتَنْكِيرُ رِزْقًا في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ نَفْيِ قُدْرَةِ أصْنامِهِمْ عَلى كُلِّ رِزْقٍ ولَوْ قَلِيلًا. وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِابْتِغاءِ الرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ إبْطالٌ لِظَنِّهِمُ الرِّزْقَ مِن أصْنامِهِمْ،
صفحة ٢٢٦
أوْ تَذْكِيرٌ بِأنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ، فابْتِغاءُ الرِّزْقِ مِنهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالعِبادَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ﴾ . وقَدْ سَلَكَ إبْراهِيمُ مَسْلَكَ الِاسْتِدْلالِ بِالنِّعَمِ الحِسِّيَّةِ؛ لِأنَّ إثْباتَها أقْرَبُ إلى أذْهانِ العُمُومِ.
و”عِنْدَ“ ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُجازٌ. شَبَّهَ طَلَبَ الرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ بِالبَحْثِ عَنْ شَيْءٍ في مَكانٍ يَخْتَصُّ بِهِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ ”عِنْدَ“ الدّالَّةُ عَلى المَكانِ المُخْتَصِّ بِما يُضافُ إلَيْهِ الظَّرْفُ.
وعُدِّيَ الشُّكْرُ بِاللّامِ جَرْيًا عَلى أكْثَرِ اسْتِعْمالِهِ في كَلامِ العَرَبِ لِقَصْدِ إفادَةِ ما في اللّامِ مِن مَعْنى الِاخْتِصاصِ أيِ الِاسْتِحْقاقِ.
ولامُ التَّعْرِيفِ في الرِّزْقِ لامُ الجِنْسِ المُفِيدَةُ لِلِاسْتِغْراقِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، أيْ فاطْلُبُوا كُلَّ رِزْقٍ قَلَّ أوْ كَثُرَ مِنَ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ. والمُعَرَّفُ بِلامِ الجِنْسِ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ رِزْقًا، ولِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ إعادَةُ لَفْظِ الرِّزْقِ بِالتَّعْرِيفِ مُقْتَضِيَةً كَوْنَهُ غَيْرَ الأوَّلِ، فَلا تَنْطَبِقُ هُنا قاعِدَةُ النَّكِرَةِ، إذا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كانَتْ عَيْنَ الأُولى.
وجُمْلَةُ ﴿إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ وشُكْرِهِ، أيْ لِأنَّهُ الَّذِي يُجازِي عَلى ذَلِكَ ثَوابًا وعَلى ضِدِّهِ عِقابًا؛ إذْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ مَرْجِعُكم بَعْدَ المَوْتِ، وفي هَذا إدْماجُ تَعْلِيلِ العِبادَةِ بِإثْباتِ البَعْثِ.
29:18Page 398
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨
And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1
﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن بَقِيَّةِ مَقالَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَكُونَ رَأى مِنهم مَخائِلَ التَّكْذِيبِ، فَفَرَضَ وُقُوعَهُ، أوْ يَكُونَ سَبَقَ تَكْذِيبُهِمْ إيّاهُ مَقالَتَهُ هَذِهِ، فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ لازِمَ الخَبَرِ، وهو أنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهُ لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَلا يَضِيرُهُ ولا يَحْسَبُوا أنَّهم يَضِيرُونَهُ بِهِ ويَتَشَفَّوْنَ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدِ انْتابَ الرُّسُلَ قَبْلَهُ مِن أُمَمِهِمْ؛ ولِذَلِكَ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ فِعْلِ تُكَذِّبُوا بِتاءِ الخِطابِ ولَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ اخْتِلافَهم في قِراءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] إلَخْ.
صفحة ٢٢٧
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً والواوُ اعْتِراضِيَّةً، واعْتِراضُ هَذا الكَلامِ بَيْنَ كَلامِ إبْراهِيمَ وجَوابِ قَوْمِهِ، فَهو كَلامٌ مُوَجَّهٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى المُشْرِكِينَ التَفَتَ بِهِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ فائِدَةِ سَوْقِ قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وأنَّ لِلرَّسُولِ ﷺ أُسْوَةً بِرُسُلِ الأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَهُ وخاصَّةً إبْراهِيمُ جَدُّ العَرَبِ المَقْصُودِينَ بِالخِطابِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ إعْلامٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنَّ تَكْذِيبَهم لا يَلْحَقُهُ مِنهُ ما فِيهِ تَشَفٍّ مِنهُ؛ فَإنْ كانَ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ فالمُرادُ بِالرَّسُولِ إبْراهِيمُ، سَلَكَ مَسْلَكَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإيذانِ عُنْوانِ الرَّسُولِ بِأنَّ واجِبَهُ إبْلاغُ ما أُرْسِلَ بِهِ بَيِّنًا واضِحًا، وإنْ كانَ مِن خِطابِ اللَّهِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فالمُرادُ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ في القُرْآنِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ عُنْوانَ الرِّسالَةِ لا يَقْتَضِي إلّا التَّبْلِيغَ الواضِحَ.
29:19Page 398
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩
Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
يَجْرِي هَذا الكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ [العنكبوت: ١٨]، ويَتَرَجَّحُ أنَّ هَذا مَسُوقٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ الجُمْهُورَ قَرَءُوا ”أوَلَمْ يَرَوْا“ بِياءِ الغَيْبَةِ ولَمْ يَجْرِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨] . ومُناسَبَةُ التَّعَرُّضِ لِهَذا هو ما جَرى مِنَ الإشارَةِ إلى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] تَنْظِيرًا لِحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ بِحالِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أوَلَمْ يَرَوْا“ بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [العنكبوت: ١٢] في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢]، أوْ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ. وعَلى وجْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ [العنكبوت: ١٨] إلَخْ خارِجًا عَنْ مَقالَةِ إبْراهِيمَ يَكُونُ ضَمِيرُ الغائِبِ في ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ التِفاتًا. والِالتِفاتُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِنُكْتَةِ إبْعادِهِمْ عَنْ شَرَفِ الحُضُورِ بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم مُكَذِّبُونَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ ”أوَلَمْ تَرَوْا“ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى
صفحة ٢٢٨
طَرِيقَةِ ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ [العنكبوت: ١٨] عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ.
والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، والِاسْتِدْلالُ بِما هو مُشاهَدٌ مِن تَجَدُّدِ المَخْلُوقاتِ في كُلِّ حِينٍ بِالوِلادَةِ وبُرُوزِ النَّباتِ دَلِيلٌ واضِحٌ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ.
وإبْداءُ الخَلْقِ: بَدْؤُهُ وإيجادُهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا. يُقالُ: ”أبْدَأ“ بِهَمْزَةٍ في أوَّلِهِ، و”بَدَأ“ بِدُونِها، وقَدْ ورَدا مَعًا في هَذِهِ الآيَةِ إذْ قالَ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ ثُمَّ قالَ ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] ولَمْ يَجِئْ في أسْمائِهِ تَعالى إلّا المُبْدِئُ دُونَ البادِئِ.
وأحْسَبُ أنَّهُ لا يُقالُ ”أبْدَأ“ بِهَمْزٍ في أوَّلِهِ إلّا إذا كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ”يُعِيدُ“، ولَمْ أرَ مَن قَيَّدَهُ بِهَذا.
والخَلْقُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَخْلُوقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] .
وجِيءَ يُبْدِئُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ بَدْءِ الخَلْقِ كُلَّما وجَّهَ النّاظِرُ بَصَرَهُ في المَخْلُوقاتِ، والجُمْلَةُ انْتَهَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ . وأمّا جُمْلَةُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، فَلَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِفِعْلِ يَرَوْا؛ لِأنَّ إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ انْعِدامِهِ لَيْسَتْ مَرْئِيَّةً لَهم ولا هم يَظُنُّونَها، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ مُسْتَقِلَّةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وجُمْلَةِ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٠] . وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّ أمْرَ إعادَةِ الخَلْقِ أهَمُّ وأرْفَعُ رُتْبَةً مِن بَدْئِهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُشاهَدٍ، ولِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ ولا يُنْكِرُونَ بَدْءَ الخَلْقِ، قالَ في ”الكَشّافِ“: هو كَقَوْلِكَ: مازِلْتُ أُوثِرُ فُلانًا وأسْتَخْلِفُهُ عَلى مَن أُخَلِّفُهُ، يَعْنِي فَجُمْلَةُ: وأسْتَخْلِفُهُ، لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ: ”أُوثِرُ“، ولا داخِلَةً في خَبَرِ ”مازِلْتُ“؛ لِأنَّكَ تَقُولُهُ قَبْلَ أنْ تَسْتَخْلِفَهُ فَضْلًا
صفحة ٢٢٩
عَنْ تَكَرُّرِ الِاسْتِخْلافِ مِنكَ. هَذِهِ طَرِيقَةُ ”الكَشّافِ“، وهو يَجْعَلُ مَوْقِعَ ”ثُمَّ يُعِيدُهُ“ كَمَوْقِعِ التَّفْرِيعِ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ ”يُبْدِئُ ويُعِيدُ“ وما تَصَرَّفَ مِنهُما مِمّا جَرى اسْتِعْمالُهُما مُتَزاوِجَيْنِ بِمَنزِلَةِ الِاتِّباعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٩] في سُورَةِ سَبَأٍ. قالَ في ”الكَشّافِ“ في سُورَةِ سَبَأٍ: فَجَعَلُوا قَوْلَهم: لا يُبْدِئُ ولا يُعِيدُ، مَثَلًا في الهَلاكِ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدٍ:
فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ
ويُقالُ: أبْدَأ وأعادَ بِمَعْنى تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا واسِعًا، قالَ بِشارٌ:
فَهُمُومِي مِظَلَّةٌ ∗∗∗ بادِئاتٍ وعُوَّدا
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً مُتَعَدِّيَةً إلى مَفْعُولَيْنِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُمُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ المُوَصِّلَ إلى عِلْمِ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛ لِأنَّ أدِلَّةَ بَدْءِ الخَلْقِ تُفْضِي بِالنّاظِرِ إلى العِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ يُعِيدُ الخَلْقَ، فَتَكُونُ ”ثُمَّ“ عاطِفَةً فِعْلَ يُعِيدُهُ عَلى فِعْلِ يُبْدِئُ، والجَمِيعُ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ.
و”كَيْفَ“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ وهي مُعَلِّقَةُ فِعْلِ يَرَوْا عَنِ العَمَلِ في مَعْمُولِهِ أوْ مَعْمُولَيْهِ. والمَعْنى: ألَمْ يَتَأمَّلُوا في هَذا السُّؤالِ، أيْ في الجَوابِ عَنْهُ. والِاسْتِفْهامُ ”بِكَيْفَ“ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ ولَفْتِ النَّظَرِ لا في طَلَبِ الإخْبارِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِن إنْكارِ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العِلْمِ بِوُقُوعِ الإعادَةِ، إذْ أحالُوها مَعَ أنَّ إعادَةَ الخَلْقِ إنْ لَمْ تَكُنْ أيْسَرَ مِنَ الإعادَةِ في العُرْفِ فَلا أقَلَّ مِن كَوْنِها مُساوِيَةً لَها، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . والإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى المَصْدَرِ المُفادِ مِن يُعِيدُهُ مِثْلَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . ووَجَهُ تَوْكِيدِ الجُمْلَةِ بِـ ”إنَّ“ رَدُّ دَعْواهم أنَّهُ مُسْتَحِيلٌ.
29:20Page 398
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."
صفحة ٢٣٠
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْتِراضٌ انْتِقالِيٌّ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ تَرْكَ الِاسْتِدْلالِ بِما هو بِمَرْأًى مِنهم إلى إرْشادِهِمْ لِلِاسْتِدْلالِ بِما هو بَعِيدٌ عَنْهم مِن أحْوالِ إيجادِ المَخْلُوقاتِ، وتَعاقُبِ الأُمَمِ وخَلْفِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، فَإنَّ تَعَوُّدَ النّاسِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَصْرِفُ عُقُولَهم عَنِ التَّأمُّلِ فِيما وراءَ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ دَقائِقِها عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى السَّيْرِ في الأرْضِ لِيُشاهِدُوا آثارَ خَلْقِ اللَّهِ الأشْياءَ مِن عَدَمٍ، فَيُوقِنُوا أنَّ إعادَتَها بَعْدَ زَوالِها لَيْسَ بِأعْجَبَ مِنِ ابْتِداءِ صُنْعِها.
وإنَّما أمَرَ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ لِأنَّ السَّيْرَ يُدْنِي إلى الرّائِي مُشاهَداتٍ جَمَّةً مِن مُخْتَلَفِ الأرَضِينَ بِجِبالِها وأنْهارِها ومُحْتَوَياتِها، ويَمُرُّ بِهِ عَلى مَنازِلِ الأُمَمِ حاضِرِها وبائِدِها، فَيَرى كَثِيرًا مِن أشْياءَ وأحْوالٍ لَمْ يَعْتَدْ رُؤْيَةَ أمْثالِها، فَإذا شاهَدَ ذَلِكَ جالَ نَظَرُ فِكْرِهِ في تَكْوِينِها بَعْدَ العَدَمِ جَوَلانًا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُ بِبالٍ حِينَما كانَ يُشاهِدُ أمْثالَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ في دِيارِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا نَشَأ فِيها مِن زَمَنِ الطُّفُولَةِ فَما بَعْدَهُ قَبْلَ حُدُوثِ التَّفْكِيرِ في عَقْلِهِ اعْتادَ أنْ يَمُرَّ بِبَصَرِهِ عَلَيْها دُونَ اسْتِنْتاجٍ مِن دَلائِلِها، حَتّى إذا شاهَدَ أمْثالَها مِمّا كانَ غائِبًا عَنْ بَصَرِهِ جالَتْ في نَفْسِهِ فِكْرَةُ الِاسْتِدْلالِ، فالسَّيْرُ في الأرْضِ وسِيلَةٌ جامِعَةٌ لِمُخْتَلِفِ الدَّلائِلِ؛ فَلِذَلِكَ كانَ الأمْرُ بِهِ لِهَذا الغَرَضِ مِن جَوامِعِ الحِكْمَةِ. وجِيءَ في جانِبِ بَدْءِ الخَلْقِ بِالفِعْلِ الماضِي؛ لِأنَّ السّائِرَ لَيْسَ لَهُ مِن قَرارٍ في طَرِيقِهِ، فَنَدَرَ أنْ يَشْهَدَ حُدُوثَ بَدْءِ مَخْلُوقاتٍ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ مَخْلُوقاتٍ مَبْدُوءَةً مِن قَبْلُ، فَيَفْطِنُ إلى أنَّ الَّذِي أوْجَدَها إنَّما أوْجَدَها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى إيجادِ أمْثالِها، فَهو بِالأحْرى قادِرٌ عَلى إعادَتِها بَعْدَ عَدَمِها.
والِاسْتِدْلالُ بِالأفْعالِ الَّتِي مَضَتْ أمْكَنُ؛ لِأنَّ لِلشَّيْءِ المُتَقَرِّرِ تَحَقُّقًا مَحْسُوسًا.
وجِيءَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ بِفِعْلِ النَّظَرِ؛ لِأنَّ إدْراكَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ حاصِلٌ بِطَرِيقِ البَصَرِ، وهو بِفِعْلِ النَّظَرِ أوْلى وأشْهَرُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى إدْراكِ أنَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ.
صفحة ٢٣١
ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ فَهي جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] .
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ ضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ يُنْشِئُ - قالَ في ”الكَشّافِ“: لِأنَّ الكَلامَ كانَ واقِعًا في الإعادَةِ، فَلَمّا قَرَّرَهم في الإبْداءِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الإعادَةَ إنْشاءٌ مِثْلَ الإبْداءِ، فالَّذِي لَمْ يُعْجِزْهُ الإبْداءُ فَهو الَّذِي وجَبَ أنْ لا تُعْجِزَهُ الإعادَةُ. فَكَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ ذاكَ الَّذِي أنْشَأ النَّشْأةَ الأُولى هو الَّذِي يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى هَذا المَعْنى أبْرَزَ اسْمَهُ وأوْقَعَهُ مُبْتَدَأً اهــ. يُرِيدُ أنَّ العُدُولَ عَنِ الإضْمارِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِتَسْجِيلِ وُقُوعِ هَذا الإنْشاءِ الثّانِي، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً حَتّى تَكُونَ عُنْوانَ اعْتِقادٍ بِمَنزِلَةِ المَثَلِ؛ لِأنَّ في اسْمِ الجَلالَةِ إحْضارًا لِجَمِيعِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ الَّتِي بِها التَّكْوِينُ؛ ولِيُفِيدَ وُقُوعُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِمُسْنَدٍ فِعْلِيٍّ مَعْنى التَّقَوِّي.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ قَدِيرٌ عَلى البَعْثِ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ إذا أرادَهُ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِتَكُونَ جُمْلَةُ التَّذْيِيلِ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها فَتَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ.
والنَّشْأةُ بِوَزْنِ فَعْلَةٍ: المَرَّةُ مِنَ النَّشْءِ وهو الإيجادُ، وكَذَلِكَ قَرَأها الجُمْهُورُ، عُبِّرَ عَنْها بِصِيغَةِ المَرَّةِ؛ لِأنَّها نَشْأةٌ دَفْعِيَّةٌ تُخالِفُ النَّشْءَ الأوَّلَ، ويُقالُ: النِّشاءَةُ بِمَدٍّ بَعْدَ الشِّينِ بِوَزْنِ الكَآبَةِ، ومِثْلُها الرَّأْفَةُ والرَّءافَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”النَّشاءَةُ“ بِالمَدِّ. ووَصْفُها بِـ الآخِرَةِ إيماءٌ بِأنَّها مُساوِيَةٌ لِلنَّشْأةِ الأُولى، فَلا شُبْهَةَ لَهم في إحالَةِ وُقُوعِها. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] فَذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] يَتَضَمَّنُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، فَعَبَّرَ عَنْ مَقالَتِها بِالنَّشْأةِ.
29:21Page 398
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١
He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.
﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ أتْبَعَ ذِكْرَها بِذِكْرِ أهَمِّ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ وما أُوجِدَتْ لِأجْلِهِ وهو الثَّوابُ والعِقابُ.
صفحة ٢٣٢
وابْتُدِئَ بِذِكْرِ العِقابِ؛ لِأنَّ الخِطابَ جارٍ مَعَ مُنْكِرِي البَعْثِ الَّذِينَ حَظُّهم فِيهِ هو التَّعْذِيبُ. ومَفْعُولا فِعْلَيِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفانِ جَرْيًا عَلى غالِبِ الِاسْتِعْمالِ فِيهِما، والتَّقْدِيرُ: مَن يَشاءُ تَعْذِيبَهُ ومَن يَشاءُ رَحْمَتَهُ. والفَرِيقانِ مَعْلُومانِ مِن آياتِ الوَعْدِ والوَعِيدِ؛ فَأصْحابُ الوَعْدِ شاءَ اللَّهُ رَحْمَتَهم، وأصْحابُ الوَعِيدِ شاءَ تَعْذِيبَهم، فَمِنَ الَّذِينَ شاءَ تَعْذِيبَهُمُ المُشْرِكُونَ، ومِنَ الَّذِينَ شاءَ رَحْمَتَهُمُ المُؤْمِنُونَ، والمَقْصُودُ هُنا هُمُ الفَرِيقانِ مَعًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ العامُّ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ .
والقَلْبُ: الرُّجُوعُ، أيْ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ والتَّأْكِيدِ؛ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِلْحَصْرِ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ اعْتِقادٌ مَرْدُودٌ. وفي هَذا إعادَةُ إثْباتِ وُقُوعِ البَعْثِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences