Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:8–13
29:8–9Page 397
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩
And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾
لَمْ يَتْرُكِ القُرْآنُ فاذَّةً مِن أحْوالِ عَلائِقِ المُسْلِمِينَ بِالمُشْرِكِينَ إلّا بَيَّنَ واجِبَهم فِيها المُناسِبَ لِإيمانِهِمْ، ومِن أشَدِّ تِلْكَ العَلائِقِ عَلاقَةُ النَّسَبِ، فالنَّسَبُ بَيْنَ المُشْرِكِ والمُؤْمِنِ يَسْتَدْعِي الإحْسانَ وطِيبَ المُعاشَرَةِ، ولَكِنَّ اخْتِلافَ الدِّينِ يَسْتَدْعِي المُناواةَ والمُغاضَبَةَ ولا سِيَّما إذْ كانَ المُشْرِكُونَ مُتَصَلِّبِينَ في شِرْكِهِمْ ومُشْفِقِينَ مِن أنْ تَأْتِيَ دَعْوَةُ الإسْلامِ عَلى أساسِ دِينِهِمْ، فَهم يُلْحِقُونَ الأذى بِالمُسْلِمِينَ لِيُقْلِعُوا عَنْ مُتابَعَةِ الإسْلامِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما عَلى المُسْلِمِ في مُعامَلَةِ أنْسِبائِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ. وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِنها نَسَبَ الوالِدَيْنِ لِأنَّهُ أقْرَبُ نَسَبٍ، فَيَكُونُ ما هو دُونَهُ أوْلى بِالحُكْمِ الَّذِي يُشْرَعُ لَهُ.
وحَدَثَتْ قَضِيَّةٌ أوْ قَضِيَّتانِ دَعَتا إلى تَفْصِيلِ هَذا الحُكْمِ. رُوِيَ «أنَّ سَعْدَ بْنَ
صفحة ٢١٣
أبِي وقّاصٍ» حِينَ أسْلَمَ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ: يا سَعْدُ، بَلَغَنِي أنَّكَ صَبَأْتَ، فَواللَّهِ لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ، وإنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلَيَّ حَرامٌ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، وبَقِيَتْ كَذَلِكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَشَكا سَعْدٌ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُدارِيَها ويَتَرَضّاها بِالإحْسانِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ عَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيُّ وهاجَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ إلى المَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ أبُو جَهْلٍ وأخُوهُ الحارِثُ، وكانا أخَوَيْ عَيّاشٍ لِأُمِّهِ، فَنَزَلا بِعَيّاشٍ وقالا لَهُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ وقَدْ تَرَكْتَ أُمَّكَ، وأقْسَمَتْ أنْ لا تَطْعَمَ ولا تَشْرَبَ ولا تَأْوِي بَيْتًا حَتّى تَراكَ، وهي أشَدُّ حُبًّا لَكَ مِنها لَنا، فاخْرُجْ مَعَنا، فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ عُمَرُ: هُما يَخْدَعانِكَ، فَلَمْ يَزالا بِهِ حَتّى عَصى نَصِيحَةَ عُمَرَ وخَرَجَ مَعَهُما، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى البَيْداءِ، قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ ناقَتِي كَلَّتْ فاحْمِلْنِي مَعَكَ. قالَ عَيّاشٌ: نَعَمْ، ونَزَلَ لِيُوَطِّئَ لِنَفْسِهِ ولِأبِي جَهْلٍ، فَأخَذاهُ وشَدّاهُ وِثاقًا وذَهَبا بِهِ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ لَهُ: لا تَزالُ بِعَذابٍ حَتّى تَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ، وأوْثَقَتْهُ عِنْدَها، فَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِهِما.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ إلى آخِرِهِ، وإنَّما افْتُتِحَتْ بِـ ”﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾“؛ لِأنَّهُ كالمُقَدِّمَةِ لِلْمَقْصُودِ لِيُعْلَمَ أنَّ الوِصايَةَ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ لا تَقْتَضِي طاعَتَهُما في السُّوءِ ونَحْوِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» . ولِقَصْدِ تَقْرِيرِ حُكْمِ الإحْسانِ لِلْوالِدَيْنِ في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ الإشْراكِ حَتّى لا يَلْتَبِسَ عَلى المُسْلِمِينَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرِ بِالإحْسانِ لِلْوالِدَيْنِ وبَيْنَ الأمْرِ بِعِصْيانِهِما إذا أمَرا بِالشِّرْكِ؛ لِإبْطالِ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: ألَيْسَ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ البَرُّ بِالوالِدَيْنِ، ونَحْوِهِ.
وهَذا مِن أسالِيبِ الجَدَلِ، وهو الَّذِي يُسَمّى ”القَوْلَ بِالمُوجِبِ“، وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقاءِ النِّزاعِ، ومِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] فَعُلِمَ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ
صفحة ٢١٤
الإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ وبَيْنَ إلْغاءِ أمْرِهِما بِما لا يَرْجِعُ إلى شَأْنِهِما.
والتَّوْصِيَةُ: كالإيصاءِ، يُقالُ: أوْصى ووَصّى، وهي أمْرٌ بِفِعْلِ شَيْءٍ في مَغِيبِ الآمِرِ بِهِ، فَفي الإيصاءِ مَعْنى التَّحْرِيضِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ: ”وأوْصى بِها إبْراهِيمُ“ في البَقَرَةِ.
وفِعْلُ الوِصايَةِ يَتَعَدّى إلى المُوصى عَلَيْهِ بِالباءِ، تَقُولُ: أوْصى بِأبْنائِهِ إلى فُلانٍ، عَلى مَعْنى أوْصى بِشِئُونِهِمْ، ويَتَعَدّى إلى الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ بِالباءِ أيْضًا، وهو الأصْلُ مِثْلَ ”وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ“، فَإذا جَمَعَ بَيْنَ المُوصى عَلَيْهِ والمُوصى بِهِ وغَلَبَ حَذْفُ الباءِ مِنَ البَدَلِ اكْتِفاءً بِوُجُودِها في المُبْدَلِ مِنهُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ تَقْدِيرُهُ: وصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ بِحُسْنٍ، بِنَزْعِ الخافِضِ.
والحُسْنُ: اسْمُ مَصْدَرٍ، أيْ بِإحْسانٍ. والجُمْلَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ وصَّيْنا وهو بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
والمُجاهَدَةُ: الإفْراطُ في بَذْلِ الجُهْدِ في العَمَلِ، أيْ ألَحّا لِأجْلِ أنْ تُشْرِكَ بِي.
والمُرادُ بِالعِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ العِلْمُ الحَقُّ المُسْتَنِدُ إلى دَلِيلِ العَقْلِ أوِ الشَّرْعِ، أيْ أنْ تُشْرِكَ بِي أشْياءَ لا تَجِدُ في نَفْسِكَ دَلِيلًا عَلى اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَلا تَسْألَنِّي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]“، أيْ عِلْمٌ بِإمْكانِ حُصُولِهِ. وفي ”الكَشّافِ“: إنَّ نَفْيَ العِلْمِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَعْلُومِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ تُشْرِكَ بِي شَيْئًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا، أيْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، يَعْنِي أنَّهُ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ في تَفْسِيرِ ”سُورَةِ لُقْمانَ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] .
وجُمْلَةُ: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما أشارَتْ إلَيْهِ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾؛ لِأنَّ بَقِيَّةَ الآيَةِ لَمّا آذَنَتْ بِفَظاعَةِ أمْرِ الشِّرْكِ وحَذَّرَتْ مِن طاعَةِ المَرْءِ والِدَيْهِ فِيهِ كانَ ذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ
صفحة ٢١٥
سُؤالًا في نُفُوسِ الأبْناءِ أنَّهم هَلْ يُعامِلُونَ الوالِدَيْنِ بِالإساءَةِ لِأجْلِ إشْراكِهِما، فَأُنْبِئُوا أنَّ عِقابَهُما عَلى الشِّرْكِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَهو الَّذِي يُجازِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ.
والمَرْجِعُ: البَعْثُ. والإنْباءُ: الإخْبارُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِما يَعْمَلُونَهُ مِن ظاهِرِ الأعْمالِ وخَفِيِّها، أيْ ما يُخْفُونَهُ عَنِ المُسْلِمِينَ وما يُكِنُّونَهُ في قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَفي قَوْلِهِ: فَأُنَبِّئُكم كِنايَتانِ: أُولاهُما إيماءٌ، وثانِيَتُهُما تَلْوِيحٌ، أيْ فَأُجازِيكم ثَوابًا عَلى عِصْيانِهِما فِيما يَأْمُرانِ، وأُجازِيهِما عَذابًا عَلى إشْراكِهِما.
فَجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِبَعْضِ ما أفادَتْهُ الكِنايَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، اهْتِمامًا بِجانِبِ جَزاءِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ أُشِيرَ إلى شَرَفِ هَذا الجَزاءِ بِأنَّهُ جَزاءُ الصّالِحِينَ الكامِلِينَ كَقَوْلِهِ: ”فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ“، ألا تَرى إلى قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ؟ .
ومِن لَطِيفِ مُناسَبَةِ هَذا الظَّرْفِ في هَذا المَقامِ أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا أُمِرَ بِعِصْيانِ والِدَيْهِ إذا أمَراهُ بِالشِّرْكِ كانَ ذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ جَفاءً وتَفْرِقَةً، فَجَعَلَ اللَّهُ جَزاءً عَنْ وحْشَةِ تِلْكَ التَّفْرِقَةِ أُنْسًا بِجَعْلِهِ في عِدادِ الصّالِحِينَ يَأْنَسُ بِهِمْ.
29:10Page 397
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾
هَذا فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ كانَ حالُهم في عَلاقاتِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ حالَ مَن لا يَصْبِرُ عَلى الأذى، فَإذا لَحِقَهم أذًى رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ بِقُلُوبِهِمْ وكَتَمُوا ذَلِكَ عَنِ المُسْلِمِينَ فَكانُوا مُنافِقِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مِن هَؤُلاءِ الحارِثَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وأبا قَيْسٍ بْنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيَّ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِي بْنَ
صفحة ٢١٦
مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، فَهَؤُلاءِ اسْتَنْزَلَهُمُ الشَّيْطانُ فَعادُوا إلى الكُفْرِ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ، وكانَ ما لَحِقَهم مِنَ الأذى سَبَبًا لِارْتِدادِهِمْ، ولَكِنَّهم جَعَلُوا يُظْهِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم مَعَهم. ولَعَلَّ التَّظاهُرَ كانَ بِتَمالُؤٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَرَضُوا مِنهم بِأنْ يَخْتَلِطُوا بِالمُسْلِمِينَ لِيَأْتُوا المُشْرِكِينَ بِأخْبارِ المُسْلِمِينَ: فَعَدَّهُمُ اللَّهُ مُنافِقِينَ وتَوَعَّدَهم بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ أوْمَأ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ لَمْ يَرْسَخْ في قُلُوبِهِمْ، وأوْمَأ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ إلى أنَّ هَذا الفَرِيقَ مُعَذَّبُونَ بِعَذابِ اللَّهِ، وأوْمَأ قَوْلُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِين﴾ [العنكبوت: ١١] إلى أنَّهم مُنافِقُونَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ، فَلا جَرَمَ أنَّهم مِنَ الفَرِيقِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وأنَّهم غَيْرُ الفَرِيقِ الَّذِينَ اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآياتِ أواخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ اخْتِلافٌ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن سُكُوتِ المُفَسِّرِينَ عَنْ بَيانِ الأحْكامِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ ذِكْرِهِمُ الأحْكامَ المُسْتَنْبَطَةَ مِن آياتِ سُورَةِ النَّحْلِ.
وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ كاللّامِ، أيْ أُوذِيَ لِأجْلِ اللَّهِ، أيْ لِأجْلِ اتِّباعِ ما دَعاهُ اللَّهُ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ جَعْلَها مُساوِيَةً لِعَذابِ اللَّهِ كَما هو مُقْتَضى أصْلِ التَّشْبِيهِ، فَهَؤُلاءِ إنْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا البَعْثَ والجَزاءَ فَمَعْنى هَذا الجَعْلِ أنَّهم سَوَّوْا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ كَما هو ظاهِرُ التَّشْبِيهِ، فَتَوَقَّوْا فِتْنَةَ النّاسِ وأهْمَلُوا جانِبَ عَذابِ اللَّهِ فَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِهِ؛ إعْمالًا لِما هو عاجِلٌ ونَبْذًا لِلْآجِلِ، وكانَ الأحَقُّ بِهِمْ أنْ يَجْعَلُوا عَذابَ اللَّهِ أعْظَمَ مِن أذى النّاسِ، وإنْ كانُوا نَبَذُوا اعْتِقادَ البَعْثِ تَبَعًا لِنَبْذِهِمُ الإيمانَ، فَمَعْنى الجَعْلِ أنَّهم جَعَلُوهُ كَعَذابِ اللَّهِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ.
فالخَبَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ مُكَنًّى بِهِ عَنِ الذَّمِّ والِاسْتِحْماقِ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ وإنْ كانَ الذَّمُّ مُتَفاوِتًا.
صفحة ٢١٧
وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِيَّتَهِمْ في إظْهارِهِمُ الإسْلامَ بِأنَّهم جَعَلُوا إظْهارَ الإسْلامِ عُدَّةً لِما يُتَوَقَّعُ مِن نَصْرِ المُسْلِمِينَ بِأخارَةٍ، فَيَجِدُونَ أنَفْسَهم مُتَعَرِّضِينَ لِفَوائِدِ ذَلِكَ النَّصْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِقُرْبِ الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ حِينَ دَخَلَ النّاسُ في الإسْلامِ وكانَ أمْرُهُ في ازْدِيادٍ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ﴾ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ؛ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ الجَوابِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ، وهو يَقْتَضِي تَحْقِيقَ وُقُوعِ الأمْرَيْنِ. فَفِيهِ وعْدٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُ المُسْلِمِينَ، وأنَّ المُنافِقِينَ قائِلُونَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ حَصَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقالَ ذَلِكَ مِن كانَ حَيًّا مِن هَذا الفَرِيقِ، وهو قَوْلٌ يُرِيدُونَ بِهِ نَيْلَ رُتْبَةِ السّابِقِيَّةِ في الإسْلامِ. وذَكَرَ أهْلُ التّارِيخِ أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وجَماعَةً مِن وُجُوهِ العَرَبِ كانُوا عَلى بابِ عُمَرَ يَنْتَظِرُونَ الإذْنَ لَهم، وكانَ عَلى البابِ بِلالٌ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، فَخَرَجَ إذْنُ عُمَرَ أنْ يَدْخُلَ سَلْمانُ وبِلالٌ وعَمّارٌ، فَتَمَعَّرَتْ وُجُوهُ البَقِيَّةِ، فَقالَ لَهم سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَمْ تَتَمَعَّرْ وُجُوهُكم، دُعُوا ودُعِينا فَأسْرَعُوا وأبْطَأنا، ولَئِنْ حَسَدْتُمُوهم عَلى بابِ عُمَرَ لَما أعَدَّ اللَّهُ لَهم في الجَنَّةِ أكْثَرُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ إنْكارًا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وقَوْلَهم: ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ ظَنًّا مِنهم أنْ يَرُوجَ كَذِبُهم ونِفاقُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَكانَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ مُتَضَمِّنًا أنَّهم كاذِبُونَ في قَوْلَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِقَصْدِ إسْماعِهِمْ هَذا الخِطابَ، فَإنَّهم يَحْضُرُونَ مَجالِسَ النَّبِيءِ والمُؤْمِنِينَ، ويَسْتَمِعُونَ ما يُنَزَّلُ مِنَ القُرْآنِ وما يُتْلى مِنهُ بَعْدَ نُزُولِهِ، فَيَشْعُرُونَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا وجَّهَ اللَّهُ بِهِ الخِطابَ لِلنَّبِيءِ ﷺ في صُورَةِ التَّقْرِيرِ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن إنْبائِهِ بِأحْوالِ المُلْتَبِسِينَ بِالنِّفاقِ. وهَذا الأُسْلُوبُ شائِعٌ في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكَثِيرًا ما يَلْتَبِسُ بِالإنْكارِيِّ، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَهُما إلّا المَقامُ، أيْ فَلا تُصَدِّقْ مَقالَهم.
صفحة ٢١٨
والتَّفْضِيلُ في قَوْلِهِ: بِأعْلَمَ مُراعًى فِيهِ عِلْمُ بَعْضِ المُسْلِمِينَ بِبَعْضِ ما في صُدُورِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ مِمَّنْ أُوتُوا فِراسَةً وصِدْقَ نَظَرٍ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اسْمَ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، أيْ: ألَيْسَ اللَّهُ عالِمًا عِلْمًا تَفْصِيلِيًّا لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ؟ .
29:11Page 397
وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١
And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.
﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾
خُصَّ بِالذِّكْرِ فَرِيقانِ هُما مِمَّنْ شَمِلَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ: العالَمِينَ اهْتِمامًا بِهاذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ وحالَيْهِما: فَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا، وفَرِيقُ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِما في صُدُورِ الفَرِيقَيْنِ مِن إيماءٍ ونِفاقٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ المُناسِبُ لِحالَيْهِما في العاجِلِ والآجِلِ، فَذَلِكَ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ.
ووَجْهُ تَأْكِيدِ كِلا الفِعْلَيْنِ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الخَبَرِ رَدُّ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ أنَّ اللَّهَ لا يُطْلِعُ رَسُولَهُ عَلى ما في نُفُوسِهِمْ، فالمَقْصُودُ مِنَ الخَبَرَيْنِ هو ثانِيهُما، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ .
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهو تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ، وتَنْصِيصٌ عَلى عَدَمِ التِباسِ الإيمانِ المَكْذُوبِ بِالإيمانِ الحَقِّ.
وفِي هَذا أيْضًا إرادَةُ المَعْنى الكِنائِيِّ مِنَ العِلْمِ وهو مُجازاةُ كُلِّ فَرِيقٍ عَلى حَسَبِ ما عَلِمَ اللَّهُ مِن حالِهِ.
وجِيءَ في جانِبِ هاذَيْنِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ؛ إذْ نُونُ التَّوْكِيدِ لا يُؤَكَّدُ بِها الخَبَرُ المُثْبَتُ إلّا وهو مُسْتَقْبَلٌ؛ إمّا لِأنَّ العِلْمَ مُكَنًّى بِهِ عَنْ لازِمِهُ وهو مُقابَلَةُ كُلِّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ بِحَسَبِ ما عُلِمَ مِن حالِهِ والمُجازاةُ أمْرُ مُسْتَقْبَلٍ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ عِلْمٌ بِمُسْتَقْبَلٍ وهو اخْتِلافُ أحْوالِهِمْ يَوْمَ يَجِيءُ النَّصْرُ، فَلَعَلَّ مَن كانُوا مُنافِقِينَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ يَوْمَ النَّصْرِ ويَبْقى قَوْمٌ عَلى نِفاقِهِمْ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأوَّلِينَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ والصِّلَةِ الماضَوِيَّةِ، وعَنِ الآخَرِينَ بِطَرِيقِ اللّامِ واسْمِ الفاعِلِ - لِما يُؤْذِنُ بِهِ المَوْصُولُ مِنِ اشْتِهارِهِمْ بِالإيمانِ وما يُؤْذِنُ بِهِ الفِعْلُ الماضِي مِن تَمَكُّنِ الإيمانِ مِنهم وسابِقِيَّتِهِ، وما يُؤْذِنُ بِهِ
صفحة ٢١٩
التَّعْرِيفُ بِاللّامِ مِن كَوْنِهِمْ عَهِدُوا بِالنِّفاقِ وطَرَيانِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ تَعْرِيفٌ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ.
29:12Page 397
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢
And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
هَذا غَرَضٌ آخَرُ مِن أغْراضِ مُخالَطَةِ المُشْرِكِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وهو مُحاوَلَةُ المُشْرِكِينَ ارْتِدادَ المُسْلِمِينَ بِمُحاوَلاتِ فِتْنَةٍ بِالشَّكِّ والمُغالَطَةِ لِلَّذِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى فِتْنَتِهِمْ بِالأذى والعَذابِ، إمّا لِعِزَّتِهِمْ وخَشْيَةِ بَأْسِهِمْ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قِيلَتْ لَهُ، وإمّا لِكَثْرَتِهِمْ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ وأعْيَتِ المُشْرِكِينَ حِيَلُ الصَّدِّ عَنِ الإسْلامِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا طائِفَةٌ مِنهم وهم أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ - قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ - قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لا نُبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ، فَإنْ عَسى كانَ ذَلِكَ فَإنّا نَحْمِلُ عَنْكم آثامَكم. وإنَّما قالُوا ذَلِكَ جَهْلًا وغُرُورًا حاوَلُوا بِهِما أنْ يَحِجُّوا المُسْلِمِينَ في إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ تَوَهُّمًا مِنهم بِأنَّهم إنْ كانَ البَعْثُ واقِعًا فَسَيَكُونُونَ في الحَياةِ الآخِرَةِ كَما كانُوا في الدُّنْيا أهْلَ ذِمامٍ وحَمالَةٍ ونَقْضٍ وإبْرامٍ شَأْنَ سادَةِ العَرَبِ أنَّهم إذا شَفَعُوا شُفِّعُوا، وإنْ تَحَمَّلُوا حُمِّلُوا.
وهَذا كَقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ: لَئِنْ بَعَثَنِي اللَّهُ لِيَكُونَنَّ لِي مالٌ فَأقْضِيَكَ دَيْنَكَ، وهو الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] . وكُلُّ هَذا مِنَ الجِدالِ بِالباطِلِ، وهو طَرِيقَةٌ جَدَلِيَّةٌ، إنْ بُنِيَتْ عَلى الحَقِّ، كَما يُنْسَبُ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في ضِدِّ هَذا:
زَعَمَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُمَـا لا تُحْشَرُ الأجْسادُ قُلْتُ إلَيْكُما
إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي فالخَسارُ عَلَيْكُما
وحَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ بِصِيغَةِ الأمْرِ بِلامِ الأمْرِ؛ إمّا لِأنَّهم نَطَقُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ لِبَلاغَتِهِمْ، وإمّا لِإفادَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ مَقالَتُهم مِن تَأْكِيدِ تَحَمُّلِهِمْ
صفحة ٢٢٠
بِذَلِكَ. فَصِيغَةُ أمْرِهِمْ أنْفُسَهم بِالحَمْلِ آكَدُ مِنَ الخَبَرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، ومِنَ الشَّرْطِ وما في مَعْناهُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَسْتَدْعِي الِامْتِثالَ، فَكانَتْ صِيغَةُ الأمْرِ دالَّةً عَلى تَحْقِيقِ الوَفاءِ بِالحَمالَةِ.
وواوُ العَطْفِ لِجُمْلَةِ ولْنَحْمِلْ عَلى جُمْلَةِ ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ مُرادٌ مِنها المَعِيَّةُ بَيْنَ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ في الأمْرِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الجَمْعَ في الحُصُولِ، فالجُمْلَتانِ في قُوَّةِ جُمْلَتَيْ شَرْطٍ وجَزاءٍ، والتَّعْوِيلُ عَلى القَرِينَةِ.
فَكانَ هَذا القَوْلُ أدَلُّ عَلى تَأْكِيدِ الِالتِزامِ بِالحالَةِ إنِ اتَّبَعَ المُسْلِمُونَ سَبِيلَ المُشْرِكِينَ، مِن أنْ يُقالَ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، أوْ أنْ يُقالَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا فَنَحْمِلُ خَطاياكم، بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ.
والحَمْلُ: مَجازٌ تَمْثِيلِيٌّ لِحالِ المُلْتَزِمِ بِمَشَقَّةِ غَيْرِهِ بِحالِ مَن يَحْمِلُ مَتاعَ غَيْرِهِ، فَيَئُولُ إلى مَعْنى الحَمالَةِ والضَّمانِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: خَطاياكم عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ، وهو مِن صِيَغِ العُمُومِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾، نَقْضُ العُمُومِ في الإثْباتِ بِعُمُومٍ في النَّفْيِ؛ لِأنَّ شَيْءٍ في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، وزِيادَةُ حَرْفُ ”مِن“ تَنْصِيصٌ عَلى العُمُومِ.
والحَمْلُ المَنفِيُّ هو ما كانَ المَقْصُودُ مِنهُ دَفْعَ التَّبِعَةِ عَنِ الغَيْرِ وتَبْرِئَتَهُ مِن جِناياتِهِ، فَلا يُنافِيهِ إثْباتُ حَمْلٍ آخَرَ عَلَيْهِمْ هو حَمْلُ المُؤاخَذَةِ عَلى التَّضْلِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] .
والكَذِبُ المُخْبَرُ بِهِ عَنْهم هو الكَذِبُ فِيما اقْتَضاهُ أمْرُهم أنْفُسَهم بِأنْ يَحْمِلُوا عَنِ المُسْلِمِينَ خَطاياهم حَسَبَ زَعْمِهِمْ، والوَفاءِ بِذَلِكَ كَما كانُوا في الدُّنْيا، فَهو كَذِبٌ لا شَكَّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِمْ.
ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ؛﴾ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ تَضَمَّنَتْ عُرُوَّ قَوْلِهِمْ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ عَنْ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ في شَيْءٍ، وذَلِكَ
صفحة ٢٢١
يَشْتَمِلُ عَلى أنَّ مَضْمُونَها كَذِبٌ صَرِيحٌ، فَكانَ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿وما هم بِحامِلِينَ﴾ . ولَيْسَ مَضْمُونُ الثّانِيَةِ عَيْنَ مَضْمُونِ الأُولى، بَلِ الثّانِيةُ أوْفى بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَذِبَهم مُحَقَّقٌ وأنَّهُ صِفَةٌ لَهم في خَبَرِهم هَذا في غَيْرِهِ، ووِزانُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وِزانُ بَيْتِ عِلْمِ المَعانِي:
أقُولُ لَهُ ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا
إذْ جَعَلَ الأيِمَّةُ جُمْلَةَ ”لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا“ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”ارْحَلْ“؛ لِأنَّ جُمْلَةَ ”لا تُقِيمَنَّ“ أوْفى بِالدَّلالَةِ عَلى كَراهِيَتِهِ وطَلَبِ ارْتِحالِهِ؛ ولِهَذا لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَها وبَيْنَ ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ .
29:13Page 397
وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣
But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
بَعْدَ أنْ كَذَّبَهم في قَوْلِهِمْ ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وكَشَفَ كَيْدَهم بِالمُسْلِمِينَ - عَطَفَ عَلَيْهِ ما أفادَ أنَّهم غَيْرُ ناجِينَ مِن حَمْلِ تَبِعاتٍ لِأقْوامٍ آخَرِينَ، وهُمُ الأقْوامُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وسَوَّلُوا لَهُمُ الشِّرْكَ والبُهْتانَ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ. فَذِكْرُ الحَمْلِ تَمْثِيلٌ، والأثْقالُ مَجازٌ عَنِ الذُّنُوبِ والتَّبِعاتِ. وهو تَمْثِيلٌ لِلشَّقاءِ والعَناءِ يَوْمَ القِيامَةِ بِحالِ الَّذِي يَحْمِلُ مَتاعَهُ وهو مُوقَرٌ بِهِ فَيُزادُ حَمْلُ أمْتِعَةِ أُناسٍ آخَرِينَ.
وقَدْ عُلِمَ مِن مَقامِ المُقابَلَةِ أنَّ هَذا حَمْلُ تَثْقِيلٍ وزِيادَةٍ في العَذابِ، ولَيْسَ حَمْلًا يَدْفَعُ التَّبِعَةَ عَنِ المَحْمُولِ عَنْهُ، وأنَّ الأثْقالَ المَحْمُولَةَ مَعَ أثْقالِهِمْ هي ذُنُوبُ الَّذِينَ أضَلُّوهم، ولَيْسَ مَن بَيْنِها شَيْءٌ مِن ذُنُوبِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ سالِمُونَ مِن تَضْلِيلِ المُشْرِكِينَ بِما كَشَفَ اللَّهُ لَهم مِن بُهْتانِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِمُؤاخَذَتِهِمْ بِجَمِيعِ ما اخْتَلَقُوهُ مِنَ الإفْكِ والتَّضْلِيلِ سَواءٌ ما أضَلُّوا بِهِ أتْباعَهم وما حاوَلُوا بِهِ بِتَضْلِيلِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَقَعُوا في أشْراكِهِمْ، وقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَفْظُ الِافْتِراءِ، كَما عَبَّرَ عَنْ مُحاوَلَتِهِمْ تَغْرِيرَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم فِيهِ كاذِبُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences