Ibn 'AshurAl-'Ankabut · 29:31–40

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:31–40

29:31–32Page 400

وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١

And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢

[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."

صفحة ٢٤٢

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾

لَمّا أداةٌ تَدُلُّ عَلى التَّوْقِيتِ، والأصْلُ أنَّها ظَرْفٌ مُلازِمٌ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ. ومَدْلُولُها وُجُودٌ لِوُجُودٍ، أيْ وُجُودُ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تُضافُ إلَيْها عِنْدَ وُجُودِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها، فَهي تَسْتَلْزِمُ جُمْلَتَيْنِ: أُولاهُما فِعْلِيَّةٌ ماضَوِيَّةٌ وتُضافُ إلَيْها ”لَمّا“، والثّانِيَةُ فِعْلِيَّةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما يَصْلُحُ لِأنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ مِن فِعْلٍ أوِ اسْمٍ مُشْتَقٍّ، ويُطْلَقُ عَلى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ ”لَمّا“ اسْمُ الجَزاءِ تَسامُحًا.

ولَمّا كانَتْ ”لَمّا“ ظَرْفًا مُبْهَمًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي تُضافُ إلَيْها ”لَمّا“ مَعْلُومًا لِلسّامِعِ، إذِ التَّوْقِيتُ الإعْلامُ بِمُقارَنَةِ زَمَنٍ مَجْهُولٍ بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ. فَوُجُودُ ”لَمّا“ هُنا يَقْتَضِي أنَّ مَجِيءَ المَلائِكَةِ بِالبُشْرى أمْرٌ مَعْلُومٌ لِلسّامِعِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِلْبُشْرى، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في البُشْرى تَعْرِيفُ العَهْدِ لِاقْتِضاءِ ”لَمّا“ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، فالبُشْرى هي ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى آنِفًا: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.

والبُشْرى: اسْمٌ لِلْبِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِما فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمُخْبَرِ - بِفَتْحِ الباءِ - وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البِشارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومِن لُطْفِ اللَّهِ بِإبْراهِيمَ أنْ قَدَّمَ لَهُ البُشْرى قَبْلَ إعْلامِهِ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى بِحِلْمِ إبْراهِيمَ. والمَعْنى: قالُوا لِإبْراهِيمَ إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ. . إلَخْ.

والقَرْيَةُ هي ”سَدُومُ“ قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ، وقُصِدَ بِهِ اسْتِئْناسُ إبْراهِيمَ لِقَبُولِ هَذا الخَبَرِ المُحْزِنِ، وأيْضًا لِأنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ العِقابُ إلّا عَلى ذَنْبٍ يَقْتَضِيهِ.

صفحة ٢٤٣

والظُّلْمُ: ظُلْمُهم أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والفَواحِشِ، وظُلْمُهُمُ النّاسَ بِالغَصْبِ عَلى الفَواحِشِ والتَّدَرُّبِ بِها.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِسُنَّةِ اللَّهِ مَعَ رُسُلِهِ مِنَ الإنْجاءِ مِنَ العَذابِ الَّذِي يَحِلُّ بِأقْوامِهِمْ. فَهو مِنَ التَّعْرِيضِ لِلْمَلائِكَةِ بِتَخْصِيصِ لُوطٍ مِمَّنْ شَمِلَتْهُمُ القَرْيَةُ في حُكْمِ الإهْلاكِ، ولُوطٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ القَرْيَةِ بِالأصالَةِ إلّا أنَّ كَوْنَهُ بَيْنَهم يَقْتَضِي الخَشْيَةَ عَلَيْهِ مِن أنْ يَشْمَلَهُ الإهْلاكُ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ ولَمْ يَقِلْ: إنَّ مِنها.

وجَوابُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ بِأنَّهم أعْلَمُ بِمَن فِيها يُرِيدُونَ أنَّهم أعْلَمُ مِنهُ بِأحْوالِ مَن في القَرْيَةِ، فَهو جَوابٌ عَمّا اقْتَضاهُ تَعْرِيضُهُ بِالتَّذْكِيرِ بِإنْجاءِ لُوطٍ، أيْ نَحْنُ أعْلَمُ مِنكَ بِاسْتِحْقاقِ لُوطٍ النَّجاةَ عِنْدَ اللَّهِ واسْتِحْقاقِ غَيْرِهِ العَذابَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ لا يَسْبِقُونَ اللَّهَ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ، وكانَ جَوابُهم مُطَمْئِنًا إبْراهِيمَ. فالمُرادُ مِن عِلْمِهِمْ بِمَن في القَرْيَةِ عِلْمُهم بِاخْتِلافِ أحْوالِ أهْلِها المُرَتَّبِ عَلَيْها اسْتِحْقاقُ العَذابِ أوِ الكَرامَةِ بِالنَّجاةِ.

وإنَّما كانَ المَلائِكَةُ أعْلَمَ مِن إبْراهِيمَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهم سابِقٌ عَلى عِلْمِهِ؛ ولِأنَّهُ عِلْمُ يَقِينٍ مُلْقًى مِن وحْيِ اللَّهِ فِيما سَخَّرَ لَهُ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ، إذْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يُوحِ اللَّهُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ عِلْمٌ تَفْصِيلِيٌّ لا إجْمالِيٌّ وعُمُومِيٌّ لا خُصُوصِيٌّ، فَلِأجْلِ هَذا الأخِيرِ أجابُوا بِـ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ . ولَمْ يَقُولُوا: نَحْنُ أعْلَمُ بِلُوطٍ، وكَوْنُهم أعْلَمَ مِن إبْراهِيمَ في هَذا الشَّأْنِ لا يَقْتَضِي أنَّهم أعْلَمُ مِن إبْراهِيمَ في غَيْرِهِ، فَإنَّ لِإبْراهِيمَ عِلْمَ النُّبُوءَةِ والشَّرِيعَةِ وسِياسَةِ الأُمَّةِ، والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ولا يَشْتَغِلُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ إلّا مَتى سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لِعَمَلٍ. وبِالأوْلى لا يَقْتَضِي كَوْنُهم أعْلَمُ بِهَذا مِنهُ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن إبْراهِيمَ، فَإنَّ قَوْلَ أهْلِ الحَقِّ: إنَّ الرُّسُلَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، والمَزِيَّةُ لا تَقْتَضِي الأفْضَلِيَّةَ، ولِكُلِّ فَرِيقٍ عِلْمٌ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وخَصَّهُ بِهِ كَما خَصَّ الخَضِرَ بِما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى، وخَصَّ مُوسى بِما لا يَعْلَمُهُ الخَضِرُ؛ ولِذَلِكَ عَتَبَ اللَّهُ عَلى مُوسى لَمّا سُئِلَ: هَلْ يُوجَدُ أعْلَمُ مِنكَ ؟ فَقالَ: لا؛ لِأنَّهُ كانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يُفَكِّكَ في أنْواعِ العِلْمِ.

صفحة ٢٤٤

وجُمْلَةُ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفُ عَلَيْها وفُصِّلَتْ، فَقَدْ عَلِمُوا بِإذْنِ اللَّهِ أنْ لا يَنْجُوَ إلّا لُوطٌ وأهْلُهُ، أيْ بِنْتاهُ لا غَيْرَ، ويَهْلِكُ الباقُونَ حَتّى امْرَأةُ لُوطٍ.

وفِعْلُ كانَتْ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى تَكُونُ، فَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي تَشْبِيهًا لِلْفِعْلِ المُحَقَّقِ وُقُوعِهِ بِالفِعْلِ الَّذِي مَضى مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ الكَوْنُ في عِلْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، كَما في آيَةِ الحِجْرِ ﴿قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] فَتَكُونُ صِيغَةُ الماضِي حَقِيقَةً.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ في سُورَةِ النَّمْلِ.

29:33Page 400

وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣

And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.

﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾

قَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] أنَّ المَلائِكَةَ يَحِلُّونَ بِالقَرْيَةِ، واقْتَضى ذَلِكَ أنْ يُخْبِرُوا لُوطًا بِحُلُولِهِمْ بِالقَرْيَةِ، وأنَّهم مُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ اسْتِجابَةً لِطَلَبِ لُوطٍ النَّصْرَ عَلى قَوْمِهِ، فَكانَ هَذا المَجِيءُ مُقَدَّرًا حُصُولُهُ، فَمِن ثَمَّ جُعِلَ شَرْطًا لِحِرَفِ لَمّا كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] .

و”أنْ“ حَرْفٌ مَزِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، وأكْثَرُ ما يُزادُ بَعْدَ ”لَمّا“، وهو يُفِيدُ تَحْقِيقَ الرَّبْطِ بَيْنَ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ ”لَمّا“، فَهي لِتَحْقِيقِ الرَّبْطِ بَيْنَ مَجِيءِ الرُّسُلِ ومَساءَةِ لُوطٍ بِهِمْ. ومَعْنى تَحْقِيقِهِ هُنا سُرْعَةُ الِاقْتِرانِ والتَّوْقِيتِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإشاءَةَ عَقَّبَتْ مَجِيئَهم وفاجَأتْهُ مِن غَيْرِ رَيْثٍ، وذَلِكَ لِما يُعْلَمُ مِن عادَةِ مُعامَلَةِ قَوْمِهِ مَعَ الوافِدِينَ عَلى قَرْيَتِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لُوطٌ عالِمًا بِأنَّهم مَلائِكَةٌ؛ لِأنَّهم جاءُوا في صُورَةِ رِجالٍ، فَأُرِيدَ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما حَدَثَ بِهِ مِنَ المَساءَةِ وضِيقِ الذَّرْعِ كانَ قَبْلَ أنْ يُعْلَمَ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ جاءُوا لِإهْلاكِ أهْلِ القَرْيَةِ وقَبْلَ أنْ يَقُولُوا: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ .

صفحة ٢٤٥

ولَمْ تَقَعْ ”أنْ“ المُؤَكِّدَةُ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ؛ لِأنَّ في تِلْكَ السُّورَةِ تَفْصِيلًا لِسَبَبِ إساءَتِهِ وضِيقِ ذَرْعِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ التَّأْكِيدُ هُنا ضَرْبًا مِنَ الإطْنابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ وتَفْسِيرِها هُناكَ.

وبِناءُ فِعْلِ سِيءَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ المَفْعُولِ دُونَ فاعِلِهِ.

وعُطِفَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿وقالُوا لا تَخَفْ﴾؛ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ عَقِبَ مَجِيءِ الرُّسُلِ لُوطًا. وقَدْ طُوِيَتْ جُمَلٌ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وهي الجُمَلُ الَّتِي ذُكِرَتْ مَعانِيها في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] في سُورَةِ هُودٍ. وقَدَّمُوا تَأْمِينَهُ قَبْلَ إعْلامِهِ بِأنَّهم مُنْزِلُونَ العَذابَ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ تَعْجِيلًا بِتَطْمِينِهِ.

وعَطْفُ ولا تَحْزَنُ عَلى لا تَخَفْ جَمْعٌ بَيْنَ تَأْمِينِهِ مِن ضُرِّ العَذابِ وبَيْنَ إعْلامِهِ بِأنَّ الَّذِينَ سَيَهْلِكُونَ لَيْسُوا أهْلًا لِأنْ يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ ومِن أُولَئِكَ امْرَأتُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُحْزَنُ عَلى مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الأمْرَيْنِ.

واسْتِثْناءُ امْرَأتِهِ مِن عُمُومِ أهْلِهِ اسْتِثْناءٌ مِنَ التَّعْلِيلِ لا مِنَ النَّهْيِ، فَفي ذَلِكَ مَعْذِرَةٌ لَهُ بِما عَسى أنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنَ الحُزْنِ عَلى هَلاكِ امْرَأتِهِ مَعَ أنَّهُ كانَ يَحْسَبُها مُخْلِصَةً لَهُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”مُنْجُوكَ“ بِسُكُونِ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ.

29:34Page 400

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤

Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."

﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ بَيانًا لِما في جُمْلَةِ ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ثَمَّةَ حادِثًا يَخافُ مِنهُ ويَحْزَنُ لَهُ.

صفحة ٢٤٦

والرِّجْزُ: العَذابُ المُؤْلِمُ. ومَعْنى كَوْنِهِ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأُفُقِ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في سُورَةِ هُودٍ.

29:35Page 400

وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥

And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.

﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ٢٨] إلَخْ. . عَطْفُ آيَةٍ عَلى آيَةٍ؛ لِأنَّ قِصَّةَ لُوطٍ آيَةٌ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الخَبَرِ، وآثارَ قَرْيَةِ قَوْمِهِ آيَةٌ أُخْرى بِما يُمْكِنُ مُشاهَدَتُهُ لِأهْلِ البَصَرِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً في آخِرِ القِصَّةِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَهو مِن كَلامِ اللَّهِ. ونُونُ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ ضَمِيرُ الجَلالَةِ، ولَيْسَتْ ضَمِيرَ المَلائِكَةِ. والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى أمْرٍ.

ومَفْعُولُ تَرَكْنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ آيَةً فَيُجْعَلُ مِن حَرْفَ جَرٍّ وهو مَجْرُورٌ وصْفًا لِـ آيَةً قُدِّمَ عَلى مَوْصُوفِهِ لِلِاهْتِمامِ، فَيُجْعَلُ حالًا مِن آيَةً.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ، أيْ تَرَكْنا آيَةً صادِرَةً مِن آثارِها ومُعَرِّفَةً خَبَرَها، وهي آيَةٌ واضِحَةٌ دائِمَةٌ عَلى طُولِ الزَّمانِ إلى الآنِ؛ ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِـ بَيِّنَةً، ولَمْ تُوصَفْ آيَةُ السَّفِينَةِ بِـ ”بَيِّنَةً“ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥]؛ لِأنَّ السَّفِينَةَ قَدْ بَلِيَتْ ألْواحُها وحَدِيدُها أوْ بَقِيَ مِنها ما لا يَظْهَرُ إلّا بَعْدَ تَفْتِيشٍ إنْ كانَ.

ويَجُوزُ جَعْلُ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ عَلى رَأْيِ مَن رَأى ذَلِكَ مِنَ المُحَقِّقِينَ، فَتَكُونُ ”مِن“ مَفْعُولًا مُضافًا إلى ضَمِيرِ ”قَرْيَةٍ“، وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا مِنَ القَرْيَةِ آثارًا دالَّةً لِقَوْمٍ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في الِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى أحْوالِ أهْلِها، وهَذِهِ العَلامَةُ هي بَقايا قَرْيَتِهِمْ، مَغْمُورَةٌ بِماءِ بُحَيْرَةِ لُوطٍ، تَلُوحُ مِن تَحْتِ المِياهِ شَواهِدُ القَرْيَةِ وبَقايا لَوْنِ الكِبْرِيتِ والمَعادِنِ الَّتِي رُجِمَتْ بِها قَرْيَتُهم، وفي ذَلِكَ عِدَّةُ أدِلَّةٍ بِاخْتِلافِ مَدارِكِ المُسْتَدِلِّينَ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: تَرَكْنا، أوْ يُجْعَلُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا صِفَةً لِـ آيَةً.

29:36Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

صفحة ٢٤٧

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى ولُوطًا المَعْطُوفِ عَلى نُوحًا المَعْمُولِ لِـ أرْسَلْنا. فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا.

والمُناسَبَةُ في الِانْتِقالِ مِن قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ إلى قِصَّةِ مَدْيَنَ ورَسُولِهِمْ أنَّ مَدْيَنَ كانَ مِن أبْناءِ إبْراهِيمَ، وأنَّ اللَّهَ أنْجاهُ مِنَ العَذابِ كَما أنْجى لُوطًا.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: إلى مَدْيَنَ لِيَتَأتّى الإيجازُ في وصْفِ شُعَيْبٍ بِأنَّهُ أخُوهم؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في نُوحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ. وتَقَدَّمَ مَعْنى كَوْنِهِ أخًا لَهم في سُورَةِ هُودٍ.

وقَوْلُهُ: فَقالَ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، أيْ أرْسَلْناهُ فَعُقِّبَ إرْسالُهُ بِأنْ قالَ.

والرَّجاءُ: التَّرَقُّبُ واعْتِقادُ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ. وأمْرُهُ إيّاهم بِتَرَقُّبِ اليَوْمِ الآخِرِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ شُعَيْبٍ في سُورَةِ هُودٍ.

29:37Page 400

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾

الأخْذُ: الإعْدامُ والإهْلاكُ؛ شَبَّهُ الإعْدامَ بِالأخْذِ، بِجامِعِ الإزالَةِ.

والرَّجْفَةُ: الزِّلْزالُ الشَّدِيدُ الَّذِي تَرْتَجِفُ مِنهُ الأرْضُ، وفي سُورَةِ هُودٍ سُمِّيَتْ بِالصَّيْحَةِ؛ لِأنَّ لِتِلْكَ الرَّجْفَةِ صَوْتًا شَدِيدًا كالصَّيْحَةِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ.

وقَدْ أُشِيرَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ إلى ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالغَرَضِ المَسُوقِ فِيهِ، وهو المُصابَرَةُ عَلى إبْلاغِ الرِّسالَةِ، والصَّبْرُ عَلى أذى الكافِرِينَ، ونَصْرُ اللَّهِ إيّاهم، وتَعْذِيبُ الكافِرِينَ، وإنْجاءُ المُؤْمِنِينَ.

29:38Page 400

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

صفحة ٢٤٨

﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾

لَمّا جَرى ذِكْرُ أهْلِ مَدْيَنَ وقَوْمِ لُوطٍ أُكْمِلَتِ القَصَصُ بِالإشارَةِ إلى عادٍ وثَمُودَ، إذْ قَدْ عُرِفَ في القُرْآنِ اقْتِرانُ هَذِهِ الأُمَمِ في نَسَقِ القَصَصِ.

والواوُ عاطِفَةٌ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ.

وانْتِصابُ عادًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، تَقْدِيرُهُ: وأهْلَكْنا عادًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى آنِفًا: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] يَدُلُّ عَلى مَعْنى الإهْلاكِ، قالَهُ الزَّجاجُ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ إهْلاكٌ خاصٌّ مِن بَطْشِ اللَّهِ تَعالى، فَظَهَرَ تَقْدِيرُ: وأهْلَكْنا عادًا.

ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرُ فِعْلُ واذْكُرْ كَما هو ظاهِرٌ ومُقَدَّرٌ في كَثِيرٍ مِن قَصَصِ القُرْآنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ضَمِيرِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] والتَّقْدِيرُ: وأخَذَتْ عادًا وثَمُودًا. وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وهَذا بَعِيدٌ؛ لِطُولِ بُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والأظْهَرُ أنْ نَجْعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وأخَذْنا، يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]؛ لِأنَّ كُلًّا اسْمٌ يَعُمُّ المَذْكُورِينَ، فَلَمّا جاءَ مُنْتَصِبًا بِـ أخَذْنا تَعَيَّنَ أنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِمِثْلِهِ، وتَنْوِينُ العِوَضِ الَّذِي لَحِقَ كُلًّا هو الرّابِطُ، وأصْلُ نَسْجِ الكَلامِ: وعادًا وثَمُودًا وقارُونَ وفِرْعَوْنَ إلَخْ. . . كُلُّهم أخَذْنا بِذَنْبِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ. والمَعْنى: تَبَيَّنَ لَكم مِن مُشاهَدَةِ مَساكِنِهِمْ أنَّهم كانُوا فِيها، فَأُهْلِكُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ.

ومَساكِنُ عادٍ وثَمُودَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، ومَنقُولَةٌ بَيْنَهم أخْبارُها وأحْوالُها، ويَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ إلى اليَمَنِ وإلى الشّامِ.

صفحة ٢٤٩

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”تَبَيَّنَ“ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، أيْ يَتَبَيَّنُ لَكم إهْلاكُهم أوْ أخْذُنا إيّاهم.

وجُمْلَةُ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”وعادًا وثَمُودًا“ .

والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ. والمُرادُ: زَيَّنَ لَهم أعْمالَهُمُ الشَّنِيعَةَ فَأوْهَمَهم بِوَسْوَسَتِهِ أنَّها حَسَنَةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والصَّدُّ: المَنعُ عَنْ عَمَلٍ، والسَّبِيلُ: هُنا ما يُوَصِّلُ إلى المَطْلُوبِ الحَقِّ وهو السَّعادَةُ الدّائِمَةُ، فَإنَّ الشَّيْطانَ بِتَسْوِيلِهِ لَهم كُفْرَهم قَدْ حَرَمَهم مِنَ السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، فَكَأنَّهُ مَنَعَهم مِن سُلُوكِ طَرِيقٍ يُبَلِّغُهم إلى المَقَرِّ النّافِعِ.

والِاسْتِبْصارُ: البَصارَةُ بِالأُمُورِ، والسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ: اسْتَجابَ واسْتَمْسَكَ واسْتَكْبَرَ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا أهْلَ بَصائِرَ، أيْ عُقُولٍ، فَلا عُذْرَ لَهم في صَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ اقْتِضاءٌ أنَّ ضَلالَ عادٍ كانَ ضَلالًا ناشِئًا عَنْ فَسادِ اعْتِقادِهِمْ وكُفْرِهِمُ المُتَأصِّلِ فِيهِمْ والمَوْرُوثِ عَنْ آبائِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يَنْجُوا مِن عَذابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ رُسُلِهِمْ.

29:39Page 401

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾

كَما ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِقُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنها، كَذَلِكَ ضَرَبَ المَثَلَ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي لَهَبٍ، بِصَنادِيدِ بَعْضِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، كانُوا سَبَبَ مُصابِ أنْفُسِهِمْ ومُصابِ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم؛ إنْذارًا لِقُرَيْشٍ بِما عَسى أنْ يُصِيبَهم مِن جَرّاءِ تَغْرِيرِ قادَتِهِمْ بِهِمْ وإلْقائِهِمْ في خَطَرِ سُوءِ العاقِبَةِ. وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ. وتَقَدَّمَتْ قَصَصُهم وقِصَّةُ قارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ.

صفحة ٢٥٠

فَأمّا ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ البَيِّناتِ لِفِرْعَوْنَ وهامانَ فَهي المُعْجِزاتُ الَّتِي تَحَدّاهم بِها عَلى صِدْقِهِ فَأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنْها واتَّبَعَهُ هامانُ وقَوْمُهُ. وأمّا ما جاءَ بِهِ مُوسى لِقارُونَ فَنَهْيُهُ عَنِ البَطَرِ.

وأوْمَأ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ﴾ إلى أنَّهم كَفَرُوا عَنْ عِنادٍ وكِبْرِياءَ لا عَنْ جَهْلٍ وغُلَواءَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَكانَ حالُهم كَحالِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ لا يُظَنُّ أنَّ فِطْنَتَهم لَمْ تَبْلُغْ بِهِمْ إلى تَحَقُّقِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ صِدْقٌ وأنَّ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ حَقٌّ ولَكِنْ غَلَبَتِ الأنَفَةُ. ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى﴾ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .

والِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ الكِبْرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .

وتَعْلِيقُ قَوْلِهِ: ”في الأرْضِ“ بِـ اسْتَكْبَرُوا لِلْإشْعارِ بِأنَّ اسْتِكْبارَ كُلٍّ مِنهم كانَ في جَمِيعِ البِلادِ الَّتِي هو مِنها، فَيُومِئُ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كانَ سَيِّدًا مُطاعًا في الأرْضِ.

فالتَّعْرِيفُ في الأرْضِ لِلْعَهْدِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْهُودُ هو أرْضُ كُلٍّ مِنهم، أوْ أنْ يَكُونَ المَعْهُودُ الكُرَةَ الأرْضِيَّةَ، مُبالَغَةً في انْتِشارِ اسْتِكْبارِ كُلٍّ مِنهم في البِلادِ حَتّى كَأنَّهُ يَعُمُّ الدُّنْيا كُلَّها.

ومَعْنى السَّبْقِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الِانْفِلاتُ مِن تَصْرِيفِ الحُكْمِ فِيهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا“ في سُورَةِ الأنْفالِ، فالواوُ لِلْحالِ، أيِ اسْتَكْبَرُوا في حالِ أنَّهم لَمْ يُفِدْهُمِ اسْتِكْبارُهم.

وإقْحامُ فِعْلِ الكَوْنِ بَعْدَ النَّفْيِ لِأنَّ المَنفِيَّ هو ما حَسَبُوهُ نَتِيجَةَ اسْتِكْبارِهِمْ، أيْ أنَّهم لا يَنالُهم أحَدٌ لِعَظَمَتِهِمْ. ومَثَلُ هَذا الحالِ مَثَلُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قَتَلَهُ ابْنا عَفْراءَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حِينَ وجَدَهُ مُحْتَضَرًا: أنْتَ أبُو جَهِلٍ ؟ فَقالَ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، لَوْ غَيْرُ أكّارٍ قَتَلَنِي ”أيْ زَرّاعٍ، يَعْنِي رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ؛ لِأنَّ الأنْصارَ أهْلُ حَرْثٍ وزَرْعٍ“ .

29:40Page 401

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

صفحة ٢٥١

﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

أفادَتِ الفاءُ التَّفْرِيعَ عَلى الكَلامِ السّابِقِ؛ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ الشَّيْطانَ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهم ومِنِ اسْتِكْبارِ الآخَرِينَ، أيْ فَكانَ مِن عاقِبَةِ ذَلِكَ أنْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمُ العَظِيمَةِ النّاشِئَةِ عَنْ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم وعَنِ اسْتِكْبارِهِمْ في الأرْضِ، ولَيْسَ المُفَرَّعُ هو أخْذُ اللَّهِ إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ أشْعَرَ بِهِ ما قَبْلَ التَّفْرِيعِ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِيُفْضى بِذِكْرِهِ إلى تَفْصِيلِ أنْواعِ أخْذِهِمْ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ إلى آخِرِهِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ﴾ . . . إلَخْ لِتَفْرِيعِ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ عَلى الإجْمالِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ، فَتَحْصُلُ خُصُوصِيَّةُ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ.

فَأمّا الَّذِينَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حاصِبٌ فَهم عادٌ. والحاصِبُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، سُمِّيَتْ حاصِبًا لِأنَّها تَقْلَعُ الحَصْباءَ مِنَ الأرْضِ. قالَ أبُو وجْزَةَ السَّعْدِيُّ:

صَبَبْتُ عَلَيْكم حاصِبِي فَتَرَكْتُكم كَأصْرامِ عادٍ حِينَ جَلَّلَها الرَّمْدُ

فَجَعَلَ الحاصِبَ مِمّا أصابَ عادًا. ولَيْسَ المُرادُ بِهِمْ قَوْمُ لُوطٍ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٤]؛ لِأنَّ قَوْمَ لُوطٍ مَرَّ آنِفًا الكَلامُ عَلى عَذابِهِمْ مُفَصَّلًا، فَلا يَدْخُلُونَ في هَذا الإجْمالِ.

والَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ هم ثَمُودُ، والَّذِينَ خَسَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ هو قارُونُ وأهْلُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخَسْفِ في سُورَةِ القَصَصِ. والَّذِينَ أغْرَقَهم: فِرْعَوْنُ وهامانُ ومَن مَعَهُما مِن قَوْمِهِما. وقَدْ جاءَ هَذا عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ.

والأخْذُ: الإتْلافُ والإهْلاكُ، شَبَّهَ الإعْدامَ بِالأخْذِ، بِجامِعِ إزالَةِ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ فِعْلُ أخَذْنا. وقَدْ نُفِيَ عَنِ اللَّهِ تَعالى ظُلْمُ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ إيلامَهم كانَ جَزاءً عَلى أعْمالِهِمْ، وكُلُّ ما كانَ مِن نَوْعِ الجَزاءِ يُوصَفُ بِالعَدْلِ، وقَدْ نَفى اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ الوَصْفَ بِالظُّلْمِ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ سَمْعًا لا عَقْلًا في مَقامِ الجَزاءِ، وأمّا في

صفحة ٢٥٢

مَقامِ التَّكْوِينِ فَلا. وظُلْمُهم أنْفُسَهم هو تَسَبُّبُهم في عَذابِ أنْفُسِهِمْ فَجَرُّوا إلَيْها العِقابَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ أوْلى الأشْياءِ بِرَأْفَةِ صاحِبِها بِها وتَفْكِيرِهِ في أسْبابِ خَيْرِها.

والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَنْ نَفْيِ الظُّلْمِ عَنِ اللَّهِ في عِقابِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ انْتِفاءُ مُوجِبِ العِقابِ، فالِاسْتِدْراكُ لِرَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском