Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:46–50
29:46Page 402
۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦
And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ
﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] الآيَةَ، بِاعْتِبارِ ما تَسْتَلْزِمُهُ تِلْكَ مِن مُتارَكَةِ المُشْرِكِينَ والكَفِّ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ كانَتْ هَذِهِ تَوْطِئَةٌ لِما سَيَحَدُثُ مِنَ الدَّعْوَةِ في المَدِينَةِ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ مُجادَلَةَ أهْلِ الكِتابِ لا تَعْرِضُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولا لِلْمُؤْمِنِينَ في مَكَّةَ، ولَكِنْ لَمّا كانَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في إبّانِ نُزُولِ أواخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى وشْكِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، وكانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ مُجادِلَةً لِلْمُشْرِكِينَ غَلِيظَةً عَلَيْهِمْ مِن تَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ العَنْكَبُوتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] - هَيَّأ اللَّهُ لِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - طَرِيقَةَ مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ. فَهَذِهِ الآيَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ والعَوْدِ إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] الآياتِ.
وجِيءَ في النَّهْيِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِيَعُمَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ؛ إذْ قَدْ تَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِينَ مُجادَلاتٌ مَعَ أهْلِ الكِتابِ في غَيْرِ حَضْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ قَبْلَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ.
والمُجادَلَةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَدَلِ، وهو إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى رَأْيٍ اخْتَلَفَ فِيهِ صاحِبُهُ مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ. وبِهَذا يُعْلَمُ أنْ لا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِحُكْمِ قِتالِ أهْلِ الكِتابِ حَتّى
صفحة ٦
يَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى أنَّها هَلْ نُسِخَتْ أمْ بَقِيَ حُكْمُها؛ لِأنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ بِها عَنْ مَهْيَعِها.
والمُجادَلَةُ تَعْرِضُ في أوْقاتِ السِّلْمِ وأوْقاتِ القِتالِ.
وأهْلُ الكِتابِ: اليَهُودُ والنَّصارى في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، والمَقْصُودُ هُنا اليَهُودُ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا كَثِيرِينَ في المَدِينَةِ والقُرى حَوْلَها. ويَشْمَلُ النَّصارى إنْ عَرَضَتْ مُجادَلَتُهم مِثْلَ ما عَرَضَ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.
و﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] مُسْتَثْنًى مِن مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُسْتَثْنى، تَقْدِيرُهُ: لا تُجادِلُوهم بِجِدالٍ إلّا بِجِدالٍ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
و”أحْسَنُ“ اسْمُ تَفْضِيلٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ، فَيُقَدَّرُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ، أيْ بِأحْسَنَ مِن مُجادَلَتِكُمُ المُشْرِكِينَ، أوْ بِأحْسَنَ مِن مُجادَلَتِهِمْ إيّاكم كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ.
ويَجُوزُ كَوْنُ اسْمِ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبَ المُفاضَلَةِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في الحُسْنِ، أيْ إلّا بِالمُجادَلَةِ الحُسْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ. فاللَّهُ جَعَلَ الخِيارَ لِلنَّبِيءِ ﷺ في مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ بَيْنَ أنْ يُجادِلَهم بِالحُسْنى كَما اقْتَضَتْهُ آيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ، وبَيْنَ أنْ يُجادِلَهم بِالشِّدَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، فَإنَّ الإغْلاظَ شامِلٌ لِجَمِيعِ المُعامَلاتِ، ومِنها المُجادَلاتُ، ولا يَخْتَصُّ بِخُصُوصِ الجِهادِ، فَإنَّ الجِهادَ كُلَّهُ إغْلاظٌ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ الإغْلاظِ عَلى الجِهادِ إلّا إغْلاظًا غَيْرَ الجِهادِ.
ووَجْهُ الوِصايَةِ بِالحُسْنى في مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ، فَهم مُتَأهِّلُونَ لِقَبُولِ الحُجَّةِ غَيْرُ مَظْنُونٍ بِهِمُ المُكابَرَةُ؛ ولِأنَّ آدابَ دِينِهِمْ وكِتابِهِمْ أكْسَبَتْهم مَعْرِفَةَ طَرِيقِ المُجادَلَةِ، فَيَنْبَغِي الِاقْتِصارُ في مُجادَلَتِهِمْ عَلى بَيانِ الحُجَّةِ دُونَ إغْلاظٍ؛ حَذَرًا مِن تَنْفِيرِهِمْ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَقَدْ ظَهَرَ مِن تَصَلُّبِهِمْ وصَلَفِهِمْ وجَلافَتِهِمْ ما أيْأسَ مِن إقْناعِهِمْ بِالحُجَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وعَيَّنَ أنْ يُعامَلُوا بِالغِلْظَةِ وأنْ يُبالَغَ في تَهْجِينِ دِينِهِمْ وتَفْظِيعِ طَرِيقَتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ نُجُوعًا لَهم.
صفحة ٧
وهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الحالُ في ابْتِداءِ مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ، وبِقَدْرِ ما يُسْمَحُ بِهِ رَجاءُ الِاهْتِداءِ مِن طَرِيقِ اللِّينِ، فَإنْ هم قابَلُوا الحُسْنى بِضِدِّها انْتَقَلَ الحُكْمُ إلى الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ .
والَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم هُمُ الَّذِينَ كابَرُوا وأظْهَرُوا العَداءَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ، وأبَوْا أنْ يَتَلَقَّوُا الدَّعْوَةَ، فَهَؤُلاءِ ظَلَمُوا النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمَيْنِ حَسَدًا وبُغْضًا عَلى أنْ جاءَ الإسْلامُ بِنَسْخِ شَرِيعَتِهِمْ، وجَعَلُوا يَكِيدُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ونَشَأ مِنهُمُ المُنافِقُونَ، وكُلُّ هَذا ظُلْمٌ واعْتِداءٌ.
وقَدْ كانَ اليَهُودُ قَبْلَ هِجْرَةِ المُسْلِمِينَ إلى المَدِينَةِ مُسالِمِينَ الإسْلامَ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الأُمِّيِّينَ كَما قالَ ابْنُ صَيّادٍ لَمّا قالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ»، فَلَمّا جاءَ المَدِينَةَ دَعاهم في أوَّلِ يَوْمٍ قَدِمَ فِيهِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي أسْلَمَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، فَأخَذُوا مِن يَوْمِئِذٍ يَتَنَكَّرُونَ لِلْإسْلامِ.
وعَطْفُ ﴿وقُولُوا آمَنّا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَعْلِيمٌ لِمُقَدِّمَةِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وهَذا مِمّا يُسَمّى تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزاعِ وتَقْرِيبُ شُقَّةِ الخِلافِ، وذَلِكَ تَأْصِيلُ طُرُقِ الإلْزامِ في المُناظَرَةِ، وهو أنْ يُقالَ: قَدِ اتَّفَقْنا عَلى كَذا وكَذا، فَلْنَحْتَجَّ عَلى ما عَدا ذَلِكَ، فَإنَّ ما أُمِرُوا بِقَوْلِهِ هُنا مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الفَرِيقانِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو السَّبِيلَ إلى الوِفاقِ، ولَيْسَ هو بِداخِلٍ في حَيِّزِ المُجادَلَةِ؛ لِأنَّ المُجادَلَةَ تَقَعُ في مَوْضِعِ الِاخْتِلافِ؛ ولِأنَّ ما أُمِرُوا بِقَوْلِهِ هُنا هو إخْبارٌ عَمّا يَعْتَقِدُهُ المُسْلِمُونَ، وإنَّما تَكُونُ المُجادَلَةُ فِيما يَعْتَقِدُهُ أهْلُ الكِتابِ مِمّا يُخالِفُ عَقائِدَ المُسْلِمِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .
ولِأجْلِ أنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الآيَةِ لا يَدْخُلُ في حَيِّزِ المُجادَلَةِ عُطِفَتْ عَلى ما قَبْلَها، ولَوْ كانَتْ مِمّا شَمِلَتْهُ المُجادَلَةُ لَكانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا فَصْلَها؛ لِأنَّها مِثْلُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
ومَعْنى ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ القُرْآنُ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَأِ أهْلِ الكِتابِ، إذْ جَحَدُوا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ
صفحة ٨
كِتابًا عَلى غَيْرِ أنْبِيائِهِمْ؛ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ عَطْفُ صِلَةِ اسْمٍ مَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم، أيِ الكِتابُ وهو التَّوْراةُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إلَيْكم، والمَعْنى: إنَّنا نُؤْمِنُ بِكِتابِكم، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَنْحَرِفُوا عَنّا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ تَذْكِيرٌ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ واليَهُودَ يُؤْمِنُونَ بِإلَهٍ واحِدٍ. فَهَذانِ أصْلانِ يَخْتَلِفُ فِيهِما كَثِيرٌ مِن أهْلِ الأدْيانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُرادٌ بِهِ كِلا الفَرِيقَيْنِ؛ فَرِيقُ المُتَكَلِّمِينَ وفَرِيقُ المُخاطَبِينَ، فَيَشْمَلُ المُسْلِمِينَ وأهْلَ الكِتابِ فَيَكُونُ المُرادُ بِوَصْفِ مُسْلِمُونَ أحَدَ إطْلاقَيْهِ وهو إسْلامُ الوَجْهِ إلى اللَّهِ، أيْ عَدَمُ الإشْراكِ بِهِ، أيْ وكِلانا مُسْلِمُونَ لِلَّهِ تَعالى لا نُشْرِكُ مَعَهُ غَيْرَهُ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: لَهُ مُسْلِمُونَ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُفْرِدُوا اللَّهَ بِالإلَهِيَّةِ.
29:47Page 402
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧
And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾
هَذا عَوْدٌ إلى مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ في إثْباتِ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ .
فالمَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، فَهو بَدِيعٌ في فَصاحَتِهِ، وشَرَفِ مَعانِيهِ، وعُذُوبَةِ تَراكِيبِهِ، وارْتِفاعِهِ عَلى كُلِّ كَلامٍ مِن كَلامِ البُلَغاءِ، وفي تَنْجِيمِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِ هَذِهِ الإشارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ تَفَرَّعَ عَلى بَداعَةِ تَنْزِيلِهِ الإخْبارُ بِأنَّ الَّذِينَ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أيْ يُصَدِّقُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم أدْرى بِأسالِيبِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ والأنْبِياءِ وأعْلَمُ بِسِماتِ الرُّسُلِ وشَمائِلِهِمْ.
صفحة ٩
وإنَّما قالَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَأهْلُ الكِتابِ؛ لِأنَّ في ﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّهم أُمَناءُ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] .
وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ إيمانِ هَذا الفَرِيقِ بِهِ، أيْ إيمانُ مَن آمَنَ مِنهم مُسْتَمِرٌّ، يَزْدادُ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا.
والإشارَةُ بِـ هَؤُلاءِ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ الحاضِرِينَ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ؛ لِأنَّهم حاضِرُونَ في الذِّهْنِ بِكَثْرَةِ مُمارَسَةِ أحْوالِهِمْ وجِدالِهِمْ. وهَكَذا اصْطِلاحُ القُرْآنِ حَيْثُ يُذَكِّرُ هَؤُلاءِ بِدُونِ سَبْقٍ ما يَصْلُحُ لِلْإشارَةِ إلَيْهِ، وهَذا قَدْ ألْهَمَنِي اللَّهُ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمَعْنى: ومِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، أيْ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا والَّذِينَ يُسَلِمُونَ مِن بَعْدُ، ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في باطِنِهِ ولا يُظْهِرُ ذَلِكَ؛ عِنادًا وكِبَرًا مِثْلَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.
وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ إلى أنَّ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ الكِتابِ وأهْلِ مَكَّةَ مَن يَكْتُمُ إيمانَهُ جُحُودًا مِنهم لِأجْلِ تَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ.
فالتَّعْرِيفُ في الكافِرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ في الوَصْفِ المُعَرَّفِ، أيْ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ الرّاسِخُونَ فِيهِ، لِيَظْهَرَ وجْهُ الِاخْتِلافِ بَيْنَ ”ما يَجْحَدُ“ وبَيْنَ الكافِرُونَ، إذْ لَوْلا الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى الكَمالِ لَصارَ مَعْنى الكَلامِ: وما يَجْحَدُ إلّا الجاحِدُونَ.
وعَبَّرَ عَنِ الكِتابِ بِالآياتِ؛ لِأنَّهُ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ إعْجازِهِ وتَحَدِّيهِ وعَجْزِ المُعانِدِينَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ.
وهَذا يَتَوَجَّهُ ابْتِداءً إلى المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ جُحُودَهم واقِعٌ، وفِيهِ تَهْيِئَةٌ لِتَوَجُّهِهِ إلى مَن عَسى أنْ يَجْحَدَ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دُونِ أنْ يُواجِهَهم بِأنَّهم كافِرُونَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مِنهم ذَلِكَ الآنَ، فَإنْ فَعَلُوهُ فَقَدْ أوْجَبُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ.
29:48Page 402
وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨
And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.
صفحة ١٠
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾
هَذا اسْتِدْلالٌ بِصِفَةِ الأُمِّيَّةِ المَعْرُوفِ بِها الرَّسُولُ ﷺ ودَلالَتُها عَلى أنَّهُ مُوحًى إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أعْظَمُ دَلالَةٍ، وقَدْ ورَدَ الِاسْتِدْلالُ بِها في القُرْآنِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] .
ومَعْنى ﴿ما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ أنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَقْرَأُ كِتابًا حَتّى يَقُولَ أحَدٌ: هَذا القُرْآنُ الَّذِي جاءَ بِهِ هو مِمّا كانَ يَتْلُوهُ مِن قَبْلُ.
﴿ولا تَخُطُّهُ﴾ أيْ لا تَكْتُبُ كِتابًا ولَوْ كُنْتَ لا تَتْلُوهُ، فالمَقْصُودُ نَفْيُ حالَتَيِ التَّعَلُّمِ، وهَما التَّعَلُّمُ بِالقِراءَةِ والتَّعَلُّمُ بِالكِتابَةِ اسْتِقْصاءً في تَحْقِيقِ وصْفِ الأُمِّيَّةِ، فَإنَّ الَّذِي يَحْفَظُ كِتابًا ولا يَعْرِفُ يَكْتُبُ لا يُعَدُّ أُمِّيًّا كالعُلَماءِ العُمْيِ، والَّذِي يَسْتَطِيعُ أنْ يَكْتُبَ ما يُلْقى إلَيْهِ ولا يَحْفَظُ عِلْمًا لا يُعَدُّ أُمِّيًّا مِثْلَ النُّسّاخِ، فَبِانْتِفاءِ التِّلاوَةِ والخَطِّ تَحَقَّقَ وصْفُ الأُمِّيَّةِ.
و”إذَنْ“ جَوابٌ وجَزاءٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ بِـ ”لَوْ“؛ لِأنَّهُ مَفْرُوضٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو﴾، ﴿ولا تَخُطُّهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَوْ كُنْتَ تَتْلُو قَبْلَهُ كِتابًا أوْ تَخُطُّهُ لارْتابَ المُبْطِلُونَ. ومَجِيءُ جَوابِ ”إذَنْ“ مُقْتَرِنًا بِاللّامِ الَّتِي يَغْلِبُ اقْتِرانُ جَوابِ ”لَوْ“ بِها دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّرَ شَرْطٌ بِـ ”لَوْ“ كَما في قَوْلِ قُرَيْطٍ العَنْبَرِيِّ:
لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مَن ذُهْلِ ابْنِ شَيْبانا
إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لُوثَةٍ لانَـا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في ”شَرْحِ الحَماسَةِ“: ”وفائِدَةُ“ إذَنْ ”هو أنَّهُ أخْرَجَ البَيْتَ الثّانِيَ مَخْرَجَ جَوابِ قائِلٍ قالَ لَهُ: ولَوِ اسْتَباحُوا إبِلَكَ ماذا كانَ يَفْعَلُ بَنُو مازِنٍ ؟ فَقالَ:
إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا“ إذَنْ لَقامَ ”جَوابَ“ لَوْ ”، كَأنَّهُ أُجِيبَ بِجَوابَيْنِ. وهَذا كَما
صفحة ١١
تَقُولُ: لَوْ كُنْتَ حُرًّا لاسْتَقْبَحْتَ ما يَفْعَلُهُ العَبِيدُ، إذَنْ لاسْتَحْسَنْتَ ما يَفْعَلُهُ الأحْرارُ“ اهــ. يَعْنِي يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”إذَنْ لَقامَ“ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ”لَمْ تَسْتَبِحْ“ .
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والِارْتِيابُ: حُصُولُ الرَّيْبِ في النَّفْسِ وهو الشَّكُّ.
ووَجْهُ التَّلازُمِ بَيْنَ التِّلاوَةِ والكِتابَةِ المُتَقَدِّمَيْنِ عَلى نُزُولِ القُرْآنِ وبَيْنَ حُصُولِ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ واقِعًا لاحْتَمَلَ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن جِنْسِ ما كانَ يَتْلُوهُ مِن قَبْلُ مِن كُتُبٍ سالِفَةٍ، وأنْ يَكُونَ مِمّا خَطَّهُ مِن قَبْلُ مِن كَلامٍ تَلَقّاهُ فَقامَ اليَوْمَ بِنَشْرِهِ ويَدْعُو بِهِ.
وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ مُوجِبَ رَيْبٍ دُونَ أنْ يَكُونَ مُوجِبَ جَزْمٍ بِالتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّ نَظْمَ القُرْآنِ وبَلاغَتَهُ وما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي يُبْطِلُ أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِ ما سَبَقَ مِنَ الكُتُبِ والقَصَصِ والخُطَبِ والشِّعْرِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ مُسْتَدْعِيًا تَأمُّلًا لَمْ يَمْنَعْ مِن خُطُورِ خاطِرِ الِارْتِيابِ عَلى الإجْمالِ قَبْلَ إتْمامِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ بِحَيْثُ يَكُونُ دَوامُ الِارْتِيابِ بُهْتانًا ومُكابَرَةً.
وتَقْيِيدُ ﴿تَخُطُّهُ﴾ بِقَيْدِ بِيَمِينِكَ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ الخَطَّ لا يَكُونُ إلّا بِاليَمِينِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
ووَصْفُ المُكَذِّبِينَ بِالمُبْطِلِينَ مَنظُورٌ فِيهِ لِحالِهِمْ في الواقِعِ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا مَعَ انْتِفاءِ شُبْهَةِ الكَذِبِ، فَكانَ تَكْذِيبُهُمُ الآنَ باطِلًا، فَهم مُبْطِلُونَ مُتَوَغِّلُونَ في الباطِلِ؛ فالقَوْلُ في وصْفِهِمْ بِالمُبْطِلِينَ كالقَوْلِ في وصْفِهِمْ بِالكافِرِينَ.
29:49Page 402
بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩
Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.
﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾
بَلْ إبْطالٌ لِما اقْتَضاهُ الفَرْضُ مِن قَوْلِهِ: ”إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ“، أيْ بَلِ القُرْآنُ لا رَيْبَ يَتَطَرَّقُهُ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو كُلُّهُ آياتٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ
صفحة ١٢
الرَّسُولِ ﷺ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الإعْجازِ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ، ولِما أيَّدَ ذَلِكَ الإعْجازَ مِن كَوْنِ الآتِي بِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَكُنْ يَتْلُو مِن قَبْلِهِ كِتابًا ولا يَخُطُّ، أيْ بَلِ القُرْآنُ آياتٌ لَيْسَتْ مِمّا كانَ يُتْلى قَبْلَ نُزُولِهِ، بَلْ هو آياتٌ في صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ .
فالمُرادُ مِن صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ صَدْرَ النَّبِيءِ ﷺ عُبِّرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ.
والعِلْمُ الَّذِي أُوتِيَهُ النَّبِيءَ ﷺ هو النُّبُوَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] ومَعْنى الآيَةِ أنَّ كَوْنَهُ في صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ هو شَأْنُ كُلِّ ما يُنَزَّلُ مِنَ القُرْآنِ حِينَ نُزُولِهِ، فَإذا أُنْزِلَ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخُطَّهُ الكاتِبُونَ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ اتَّخَذَ كِتابًا لِلْوَحْيِ، فَكانُوا رُبَّما كَتَبُوا الآيَةَ في حِينِ نُزُولِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، وكَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ نُزُولِهِ مَتْلُوًّا، فالمَنفِيُّ هو أنْ يَكُونَ مَتْلُوًّا قَبْلَ نُزُولِهِ. هَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الإضْرابِ عَنْ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ يَتْلُو كِتابًا قَبْلَ هَذا القُرْآنِ، بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ مِمّا كانَ يَتْلُوهُ مِن قَبْلُ، فَلَمّا انْتَفى ذَلِكَ ناسَبَ أنْ يَكْشِفَ عَنْ حالِ تَلَقِّي القُرْآنِ، فَذَلِكَ هو مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ كَما قالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقالَ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] .
وأمّا الإخْبارُ بِأنَّهُ آياتٌ بَيِّناتٌ فَذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِلْغَرَضِ وإكْمالٌ لِمُقْتَضاهُ؛ ولِهَذا فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ الضَّمِيرِ. ويَلْتَئِمُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ بَلْ هو أُلْقِيَ في صَدْرِكَ وهو آياتٌ بَيِّناتٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ صُدُورَ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وحُفّاظِ المُسْلِمِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَتْمِيمًا لِلثَّناءِ عَلى القُرْآنِ، وأنَّ الغَرَضَ هو الإخْبارُ عَنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ آياتٌ بَيِّناتٌ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ صِفَةً لِـ آياتٌ، والإبْطالُ مُقْتَصِرٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ .
صفحة ١٣
وجُمْلَةُ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُشْرِكِينَ جَحَدُوا آياتِ القُرْآنِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم ظالِمُونَ لا إنْصافَ لَهم، وشَأْنُ الظّالِمِينَ جَحْدُ الحَقِّ، يَحْمِلُهم عَلى جَحْدِهِ هَوى نُفُوسِهِمْ لِلظُّلْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فَهم مُتَوَغِّلُونَ في الظُّلْمِ كَما تَقَدَّمَ في وصْفِهِمْ بِالكافِرِينَ والمُبْطِلِينَ.
29:50Page 402
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠
But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
لَمّا ذَكَرَ الجاحِدِينَ لِآيَةِ القُرْآنِ ثَلاثَ مَرّاتٍ ووَصَفَهم بِالكافِرِينَ والمُبْطِلِينَ والظّالِمِينَ انْتَقَلَ الكَلامُ إلى مَقالَتِهِمُ النّاشِئَةِ عَنْ جُحُودِهِمْ، وذَلِكَ طَلَبُهم أنْ يَأْتِيَ النَّبِيءُ ﷺ بِآياتٍ مَرْئِيَّةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَها تَصْدِيقًا لِلرَّسُولِ كَما خَلَقَ ناقَةَ صالِحٍ وعَصا مُوسى، وهَذا مِن جَلافَتِهِمْ أنْ لا يَتَأثَّرُوا إلّا لِلْأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وهم يَحْسَبُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَنْتَصِبُ لِلْمُعانَدَةِ مَعَهم، فَهم يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ ما يَرْغَبُونَهُ لِيَجْعَلُوا ما يَسْألُونَهُ مِنَ الخَوارِقِ حَدِيثَ النَّوادِي حَتّى يَكُونَ مَحْضَرُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيهِمْ كَمَحْضَرِ المُشَعْوِذِينَ وأصْحابِ الخَنْقَطَراتِ. وقَدْ قَدَّمْتُ بَيانَ هَذا الوَهْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ومَعْنى عِنْدَ اللَّهِ أنَّها مِن عَمَلِ القُدْرَةِ الَّذِي يَجْرِي عَلى وفْقِ إرادَتِهِ تَعالى، فَلِكَوْنِها مَنُوطَةً بِإرادَتِهِ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المَحْفُوظِ عِنْدَ مالِكِهِ.
وأفادَتْ إنَّما قَصْرَ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ، أيِ الرِّسالَةِ، لا يَتَجاوَزُها إلى خَلْقِ الآياتِ أوِ اقْتِراحِها عَلى رَبِّهِ، فَهو قَصْرُ إفْرادٍ رَدًّا عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ مِن حَقِّ المَوْصُوفِ بِالرِّسالَةِ أنْ يَأْتِيَ بِالخَوارِقِ المُشاهَدَةِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لا يُسَلَّمُ أنَّ التَّبْلِيغَ يَحْتاجُ إلى الإتْيانِ بِالخَوارِقِ عَلى حَسَبِ رَغْبَةِ
صفحة ١٤
النّاسِ واقْتِراحِهِمْ حَتّى يَكُونُوا مَعْذُورِينَ في عَدَمِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ إذا لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةٍ حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ.
وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِ الرِّسالَةِ وصْفُ النَّذِيرِ؛ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ حالَهم يَقْتَضِي الإنْذارَ وهو تَوَقُّعُ الشَّرِّ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ لِلْإنْذارِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما يُخْبِرُ بِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ”آياتٌ“، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”آيَةٌ“ . والجَمْعُ والإفْرادُ في هَذا سَواءٌ؛ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجِنْسِ، فالآيَةُ الواحِدَةُ كافِيَةٌ في التَّصْدِيقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences