Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:14–18
3:14Page 51
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤
Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينِ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] إذْ كانَتْ إضافَةُ أمْوالٍ وأوْلادٍ إلى ضَمِيرِ ”هم“ دالَّةٌ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، قُصِدَ مِنهُ عِظَةُ المُسْلِمِينَ ألّا يَغْتَرُّوا بِحالِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتُعْجِبَهم زِينَةُ الدُّنْيا، وتُلْهِيَهم عَنِ التَّهَمُّمِ بِما بِهِ الفَوْزُ في الآخِرَةِ، فَإنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الغاياتِ يَسْتَدْعِي التَّحْذِيرَ مِنَ البِداياتِ، وقَدْ صُدِّرَ هَذا الوَعْظُ والتَّأْدِيبُ بِبَيانِ مَدْخَلِ هَذِهِ الحالَةِ إلى النُّفُوسِ، حَتّى يَكُونُوا عَلى أشَدِّ الحَذَرِ مِنها؛ لِأنَّ ما قَرارَتُهُ النَّفْسُ يَنْسابُ إلَيْها مَعَ الأنْفاسِ.
صفحة ١٧٩
والتَّزْيِينُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ زَيْنًا أيْ حَسَنًا، فَهو تَحْسِينُ الشَّيْءِ المُحْتاجِ إلى التَّحْسِينِ، وإزالَةُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ القُبْحِ أوِ التَّشْوِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحَلّاقُ مُزَيِّنًا.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةً تَسْعى بِزِينَتِها لِكُلِّ جَهُولِ
فالزِّينَةُ هي ما في الشَّيْءِ مِنَ المَحاسِنِ: الَّتِي تُرَغِّبُ النّاظِرِينَ في اقْتِنائِهِ، قالَ تَعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] . وكَلِمَةُ ”زَيْنٍ“ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حُسْنِها وخِفَّتِها؛ قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
أزْمَعَتْ خُلَّتِي مَعَ الفَجْرِ بَيْنا ∗∗∗ جَلَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَجْهَ زَيْنَـا
وفِي حَدِيثِ سُنَنِ أبِي داوُدَ: أنَّ أبا بَرَزَةَ الأسْلَمِيَّ دَخَلَ عَلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ وقَدْ أرْسَلَ إلَيْهِ لِيَسْألَهُ عَنْ حَدِيثِ الحَوْضِ - فَلَمّا دَخَلَ أبُو بَرَزَةَ قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِجُلَسائِهِ: إنَّ مُحَمَّدِيَّكم هَذا الدِّحْداحُ. قالَ أبُو بَرَزَةَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنِّي أبْقى في قَوْمٍ يُعَيِّرُونَنِي بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ. فَقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إنَّ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ لَكَ زَيْنٌ غَيْرُ شَيْنٍ.
والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وأصْلُ الشَّهْوَةِ مَصْدَرُ ”شَهِيَ“ كَرَضِيَ، والشَّهْوَةُ بِزِنَةِ المَرَّةِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ مَصْدَرِ ”شَهِيَ“ أنْ يَكُونَ بِزِنَةِ المَرَّةِ. وأُطْلِقَتِ الشَّهَواتُ هُنا عَلى الأشْياءِ المُشْتَهاةِ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في قُوَّةِ الوَصْفِ، وتَعْلِيقُ التَّزْيِينِ بِالحُبِّ جَرى عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المُزَيَّنَ لِلنّاسِ هو الشَّهَواتُ، أيِ المُشْتَهَياتُ نَفْسُها، لا حُبُّها، فَإذا زُيِّنَتْ لَهم أحَبُّوها؛ فَإنَّ الحُبَّ يَنْشَأُ عَنِ الِاسْتِحْسانِ، ولَيْسَ الحُبُّ بِمُزَيَّنٍ، وهَذا إيجازٌ يُغْنِي عَنْ أنْ يُقالَ زُيِّنَتْ لِلنّاسِ الشَّهَواتُ فَأحَبُّوها، وقَدْ سَكَتَ المُفَسِّرُونَ عَنْ وجْهِ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا التَّعْلِيقِ.
والوَجْهُ عِنْدِي إمّا أنْ يُجْعَلَ ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ مَصْدَرًا نائِبًا عَنْ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، مُبَيِّنًا لِنَوْعِ التَّزْيِينِ: أيْ زُيِّنَ لَهم تَزْيِينُ حُبٍّ، وهو أشَدُّ التَّزْيِينِ، وجُعِلَ المَفْعُولُ المُطْلَقُ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، وأصْلُ الكَلامِ: زُيِّنَ لِلنّاسِ الشَّهَواتُ حُبًّا، فَحُوِّلَ وأُضِيفَ إلى النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ، وجُعِلَ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، كَما جُعِلَ مَفْعُولًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] . وإمّا أنْ يُجْعَلَ ”حُبُّ“ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ
صفحة ١٨٠
مَحْبُوبُ الشَّهَواتِ أيِ الشَّهَواتُ المَحْبُوبَةُ. وإمّا أنْ يُجْعَلَ ”زُيِّنَ“ كِنايَةً مُرادًا بِهِ لازِمُ التَّزْيِينِ وهو إقْبالُ النَّفْسِ عَلى ما في المُزَيَّنِ مِنَ المُسْتَحْسَناتِ مَعَ سَتْرِ ما فِيهِ مِنَ الأضْرارِ، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّزْيِينِ، أيْ تَحْسِينِ ما لَيْسَ بِخالِصِ الحُسْنِ. فَإنَّ مُشْتَهَياتِ النّاسِ تَشْتَمِلُ عَلى أُمُورٍ مُلائِمَةٍ مَقْبُولَةٍ، وقَدْ تَكُونُ في كَثِيرٍ مِنها مَضارُّ، أشَدُّها أنَّها تُشْغِلُ عَنْ كَمالاتٍ كَثِيرَةٍ فَلِذَلِكَ كانَتْ كالشَّيْءِ المُزَيَّنِ تُغَطّى نَقائِصُهُ بِالمُزَيَّناتِ، وبِذَلِكَ لَمْ يَبْقَ في تَعْلِيقِ ”زُيِّنَ“ بِـ ”حُبُّ“ إشْكالٌ.
وحُذِفَ فاعِلُ التَّزْيِينِ لِخَفائِهِ عَنْ إدْراكِ عُمُومِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى الغَرائِزِ والسَّجايا، لَمّا جُهِلَ فاعِلُهُ في مُتَعارَفِ العُمُومِ، كانَ الشَّأْنُ إسْنادَ أفْعالِهِ لِلْمَجْهُولِ: كَقَوْلِهِمْ عُنِيَ بِكَذا، واضْطُرَّ إلى كَذا، لا سِيَّما إذا كانَ المُرادُ الكِنايَةَ عَنْ لازِمِ التَّزْيِينِ، وهو الإغْضاءُ عَمّا في المُزَيَّنِ مِنَ المَساوِي؛ لِأنَّ الفاعِلَ لَمْ يَبْقَ مَقْصُودًا بِحالٍ، والمُزَيَّنُ في نَفْسِ الأمْرِ هو إدْراكُ الإنْسانِ الَّذِي أحَبَّ الشَّهَواتِ، وذَلِكَ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ في نِظامِ الخِلْقَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] .
ولَمّا رَجَعَ التَّزْيِينُ إلى انْفِعالٍ في الجِبِلَّةِ، كانَ فاعِلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ هو خالِقَ هَذِهِ الجِبِلّاتِ، فالمُزَيِّنُ هو اللَّهُ بِخَلْقِهِ لا بِدَعْوَتِهِ، ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وإذا التَفَتْنا إلى الأسْبابِ القَرِيبَةِ المُباشِرَةِ كانَ المُزَيِّنُ هو مَيْلَ النَّفْسِ إلى المُشْتَهى، أوْ تَرْغِيبَ الدّاعِينَ إلى تَناوُلِ الشَّهَواتِ: مِنَ الخِلّانِ والقُرَناءِ، وعَنِ الحَسَنِ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ التَّزْيِينَ بِمَعْنى التَّسْوِيلِ والتَّرْغِيبِ بِالوَسْوَسَةِ لِلشَّهَواتِ الذَّمِيمَةِ والفَسادِ، وقَصَرَهُ عَلى هَذا - وهو بَعِيدٌ - لِأنَّ تَزْيِينَ هَذِهِ الشَّهَواتِ في ذاتِهِ قَدْ يُوافِقُ وجْهَ الإباحَةِ والطّاعَةِ، فَلَيْسَ يُلازِمُها تَسْوِيلُ الشَّيْطانِ إلّا إذا جَعَلَها وسائِلَ لِلْحَرامِ، وفي الحَدِيثِ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيَأْتِي أحَدُنا شَهْوَتَهُ ولَهُ فِيها أجْرٌ. فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ وضَعَها في حَرامٍ أكانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إذا وضَعَها في الحَلالِ كانَ لَهُ أجْرٌ» وسِياقُ الآيَةِ تَفْضِيلُ مَعالِي الأُمُورِ وصالِحِ الأعْمالِ عَلى المُشْتَهَياتِ المَخْلُوطَةِ أنْواعُها بِحَلالٍ مِنها وحَرامٍ، والمُعَرَّضَةِ لِلزَّوالِ، فَإنَّ الكَمالَ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ لِتَبْلُغَ الدَّرَجاتِ القُدْسِيَّةَ، وتَنالَ النَّعِيمَ الأبَدِيَّ العَظِيمَ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .
صفحة ١٨١
وبَيانُ الشَّهَواتِ بِـ ﴿النِّساءِ والبَنِينَ﴾ وما بَعْدَهُما، بَيانٌ بِأُصُولِ الشَّهَواتِ البَشَرِيَّةِ: الَّتِي تَجْمَعُ مُشْتَهَياتٍ كَثِيرَةً، والَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والعُصُورِ والأقْطارِ، فالمَيْلُ إلى النِّساءِ مَرْكُوزٌ في الطَّبْعِ، وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِحِكْمَةِ بَقاءِ النَّوْعِ بِداعِي طَلَبِ التَّناسُلِ؛ إذِ المَرْأةُ هي مَوْضِعُ التَّناسُلِ، فَجُعِلَ مَيْلُ الرَّجُلِ إلَيْها في الطَّبْعِ حَتّى لا يَحْتاجَ بَقاءُ النَّوْعِ إلى تَكَلُّفٍ رُبَّما تَعْقُبُهُ سَآمَةٌ، وفي الحَدِيثِ: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أشَدَّ عَلى الرِّجالِ مِن فِتْنَةِ النِّساءِ» ولَمْ يَذْكُرِ الرِّجالَ لِأنَّ مَيْلَ النِّساءِ إلى الرِّجالِ أضْعَفُ في الطَّبْعِ، وإنَّما تَحْصُلُ المَحَبَّةُ مِنهُنَّ لِلرِّجالِ بِالإلْفِ والإحْسانِ.
ومَحَبَّةُ الأبْناءِ - أيْضًا - في الطَّبْعِ: إذْ جَعَلَ اللَّهُ في الوالِدَيْنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ شُعُورًا وِجْدانِيًّا يُشْعِرُ بِأنَّ الوَلَدَ قِطْعَةٌ مِنهُما، لِيَكُونَ ذَلِكَ مَدْعاةً إلى المُحافَظَةِ عَلى الوَلَدِ الَّذِي هو الجِيلُ المُسْتَقْبَلُ، وبِبَقائِهِ بَقاءُ النَّوْعِ، فَهَذا بَقاءُ النَّوْعِ بِحِفْظِهِ مِنَ الِاضْمِحْلالِ المَكْتُوبِ عَلَيْهِ، وفي الوَلَدِ أيْضًا حِفْظٌ لِلنَّوْعِ مِنَ الِاضْمِحْلالِ العارِضِ بِالِاعْتِداءِ عَلى الضَّعِيفِ مِنَ النَّوْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَعْرِضُ لَهُ الضَّعْفُ بَعْدَ القُوَّةِ، فَيَكُونُ ولَدُهُ دافِعًا عَنْهُ اعْتِداءَ مَن يَعْتَدِي عَلَيْهِ، فَكَما دَفَعَ الوالِدُ عَنِ ابْنِهِ في حالِ ضَعْفِهِ، يَدْفَعُ الوَلَدُ عَنِ الوالِدِ في حالِ ضَعْفِهِ.
و﴿الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ شَهْوَتانِ بِحُسْنِ مَنظَرِهِما وما يُتَّخَذُ مِنهُما مِن حُلِيٍّ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، والنَّقْدانِ مِنهُما: الدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، شَهْوَةٌ لِما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مُنْذُ العُصُورِ المُتَوَغِّلَةِ في القِدَمِ مِن حُبِّ النُّقُودِ الَّتِي بِها دَفْعُ أعْواضِ الأشْياءِ المُحْتاجِ إلَيْها.
والقَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو ما يَزِنُ مِائَةَ رِطْلٍ، وأصْلُهُ مُعَرَّبٌ قِيلَ عَنِ الرُّومِيَّةِ - اللّاتِينِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ - كَما نَقَلَهُ النَّقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ، وهو الصَّحِيحُ؛ فَإنَّ أصْلَهُ في اللّاتِينِيَّةِ (كِينْتالُ) وهو مِائَةُ رِطْلٍ. وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو مُعَرَّبٌ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ. فَما في الكَشّافِ في سُورَةِ النِّساءِ أنَّ القِنْطارَ مَأْخُوذٌ مَن قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إذا رَفَعْتَهُ - تَكَلُّفٌ. وقَدْ كانَ القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنًا ومِقْدارًا مِنَ الثَّرْوَةِ، يَبْلُغُهُ بَعْضُ المُثْرِينَ: وهو أنْ يَبْلُغَ مالُهُ مِائَةَ رِطْلٍ فِضَّةً، ويَقُولُونَ: قَنْطَرَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَ مالُهُ قِنْطارًا وهو اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِينارٍ أيْ ما يُساوِي قِنْطارًا مِنَ الفِضَّةِ، وقَدْ يُقالُ: هو مِقْدارُ مِائَةِ ألْفِ دِينارٍ مِنَ الذَّهَبِ.
صفحة ١٨٢
و﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ أُرِيدَ بِها هُنا المُضاعَفَةُ المُتَكاثِرَةُ، لِأنَّ اشْتِقاقَ الوَصْفِ مِنِ اسْمِ الشَّيْءِ المَوْصُوفِ، إذا اشْتُهِرَ صاحِبُ الِاسْمِ بِصِفَةٍ، يُؤْذِنُ ذَلِكَ الِاشْتِقاقُ بِمُبالَغَةٍ في الحاصِلِ بِهِ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌّ ظَلِيلٌ، وداهِيَةٌ دَهْياءُ، وشِعْرٌ شاعِرٌ، وإبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ، وآلافٌ مُؤَلَّفَةٌ.
والخَيْلُ مَحْبُوبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، في العُصُورِ الماضِيَةِ وفِيما بَعْدَها، لَمْ يُنْسِها ما تَفَنَّنَ فِيهِ البَشَرُ مِن صُنُوفِ المَراكِبِ بَرًّا وبَحْرًا وجَوًّا، فالأُمَمُ المُتَحَضِّرَةُ اليَوْمَ مَعَ ما لَدَيْهِمْ مِنِ القِطاراتِ الَّتِي تَجْرِي بِالبُخارِ وبِالكَهْرَباءِ عَلى السِّكَكِ الحَدِيدِيَّةِ، ومِن سَفائِنِ البَحْرِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُسَيِّرُها آلاتُ البُخارِ، ومِنَ السَّيّاراتِ الصَّغِيرَةِ المُسَيَّرَةِ بِاللَّوالِبِ تُحَرِّكُها حَرارَةُ النِّفْطِ المُصَفّى، ومِنَ الطِّياراتِ في الهَواءِ مِمّا لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ البَشَرُ في عَصْرٍ مَضى، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُغْنِ النّاسَ عَنْ رُكُوبِ ظُهُورِ الخَيْلِ، وجَرِّ العَرَباتِ بِمُطَهَّماتِ الأفْراسِ، والعِنايَةِ بِالمُسابَقَةِ بَيْنَ الأفْراسِ.
وذَكَرَ الخَيْلَ لِتَواطُؤِ نُفُوسِ أهْلِ البَذَخِ عَلى مَحَبَّةِ رُكُوبِها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ
و﴿المُسَوَّمَةِ﴾ الأظْهَرُ فِيهِ ما قِيلَ: إنَّهُ الرّاعِيَةُ، فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ السَّوْمِ وهو الرَّعْيُ، يُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ إذا رَعى بِها في المَرْعى، فَتَكُونُ مادَّةُ ”فَعَّلَ“ لِلتَّكْثِيرِ أيِ الَّتِي تُتْرَكُ في المَراعِي مُدَدًا طَوِيلَةً وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِسَعَةِ أصْحابِها وكَثْرَةِ مَراعِيهِمْ، فَتَكُونُ خَيْلُهم مُكَرَّمَةً في المُرُوجِ والرِّياضِ. وفي الحَدِيثِ في ذِكْرِ الخَيْلِ («فَأطالَ لَها في مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ» ) .
وقِيلَ: المُسَوَّمَةُ مِنَ السُّومَةِ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي السِّمَةُ أيِ العَلامَةُ مِن صُوفٍ أوْ نَحْوِهِ، وإنَّما يَجْعَلُونَ لَها ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِكَرَمِها وحُسْنِ بَلائِها في الحَرْبِ، قالَ العَتّابِيُّ:
ولَوْلاهُنَّ قَدْ سَوَّمْتُ مُهْـرِي ∗∗∗ وفي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ
يُرِيدُ جَعَلْتُ لَهُ سُومَةَ أفْراسِ الجِهادِ أيْ عَلامَتَها وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُ السِّمَةِ والسُّومَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والأنْعامُ زِينَةٌ لِأهْلِ الوَبَرِ قالَ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وفِيها مَنافِعُ عَظِيمَةٌ أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]
صفحة ١٨٣
الآياتِ في سُورَةِ النَّحْلِ، وقَدْ لا تَتَعَلَّقُ شَهَواتُ أهْلِ المُدُنِ بِشِدَّةِ الإقْبالِ عَلى الأنْعامِ لَكِنَّهم يُحِبُّونَ مَشاهِدَها، ويُعْنَوْنَ بِالِارْتِياحِ إلَيْها إجْمالًا.
والحَرْثِ أصْلُهُ مَصْدَرُ حَرَثَ الأرْضَ: إذا شَقَّها بِآلَةٍ لِيَزْرَعَ فِيها أوْ يَغْرِسَ، وأُطْلِقَ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَحْرُوثِ فَصارَ يُطْلَقُ عَلى الجَنّاتِ والحَوائِطِ وحُقُولِ الزَّرْعِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] فِيها.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأفْرَدَ كافَ الخِطابِ لِأنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، عَلى أنَّ عَلامَةَ المُخاطَبِ الواحِدِ هي الغالِبُ في الِاقْتِرانِ بِأسْماءِ الإشارَةِ لِإرادَةِ البُعْدِ، والبُعْدُ هُنا بُعْدٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ والنَّفاسَةِ.
والمَتاعُ مُؤْذِنٌ بِالقِلَّةِ وهو ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ مُدَّةً.
ومَعْنى ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ. والمَآبُ: المَرْجِعُ، وهو هُنا مَصْدَرٌ، مَفْعَلٌ مِن آبَ يَئُوبُ، وأصْلُهُ مَأْوَبٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ، وقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، والمُرادُ بِهِ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
3:15–17Page 51
۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥
Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦
Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "
ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧
The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.
﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، فَإنَّهُ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] المُقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ الغَضِّ مِن هَذِهِ الشَّهَواتِ. وافْتَتَحَ الِاسْتِئْنافَ بِكَلِمَةِ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ، والمُخاطَبُ بِـ ”قُلْ“
صفحة ١٨٤
النَّبِيءُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ لِلْعَرْضِ تَشْوِيقًا مِن نُفُوسِ المُخاطَبِينَ إلى تَلَقِّي ما سَيُقَصُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أوُنَبِّئُكم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وهي المُنَبَّأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”خَيْرٍ“، وجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ: أيْ لَهم، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَدْ أُلْغِيَ ما يُقابِلُ شَهَواتِ الدُّنْيا في ذِكْرِ نَعِيمِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ البَنِينَ ولَذَّةَ المالِ هُنالِكَ مَفْقُودَةٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، وكَذَلِكَ لَذَّةُ الخَيْلِ والأنْعامِ؛ إذْ لا دَوابَّ في الجَنَّةِ، فَبَقِيَ ما يُقابِلُ النِّساءَ والحَرْثَ، وهو الجَنّاتُ والأزْواجُ، لِأنَّ بِهِما تَمامُ النَّعِيمِ والتَّأنُّسِ، وزِيدَ عَلَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ الَّذِي حُرِمَهُ مَن جَعَلَ حَظَّهُ لَذّاتِ الدُّنْيا وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ. ومَعْنى المُطَهَّرَةِ المُنَزَّهَةُ مِمّا يَعْتَرِي نِساءَ البَشَرِ مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النُّفُوسُ، فالطَّهارَةُ هُنا حِسِّيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.
وعَطَفَ ”رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“ عَلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ اللَّهِ: لِأنَّ رِضْوانَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ المادِّيِّ؛ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَقْرِيبٌ رُوحانِيٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِضْوانٌ، بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ.
وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دُونَ أنْ يَقُولَ ورِضْوانٌ مِنهُ أيْ مِن رَبِّهِمْ: لِما في اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الرِّضْوانِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا ومَراتِبِ تَقْواهم، فَهو يُجازِيهِمْ، ولِتَضَمُّنِ ”بَصِيرٌ“ مَعْنى ”عَلِيمٍ“ عُدِّيَ بِالباءِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ لِتَكُونَ كالمَثَلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصَفَهم بِالتَّقْوى وبِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ومَعْنى القَوْلِ هُنا الكَلامُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في الخَبَرِ، والجارِي عَلى
صفحة ١٨٥
فَرْطِ الرَّغْبَةِ في الدُّعاءِ، في قَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إلَخْ، وإنَّما يَجْرِي كَذَلِكَ إذا سَعى الدّاعِي في وسائِلِ الإجابَةِ وتَرَقَّبَها بِأسْبابِها الَّتِي تُرْشِدُ إلَيْها التَّقْوى، فَلا يُجازى هَذا الجَزاءَ مَن قالَ ذَلِكَ بِفَمِهِ ولَمْ يَعْمَلْ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ الآيَةَ - صِفاتٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أوْ صِفاتٌ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ. وذَكَرَ هُنا أُصُولَ فَضائِلِ صِفاتِ المُتَدَيِّنِينَ: وهي الصَّبْرُ الَّذِي هو مِلاكُ فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي. والصِّدْقُ الَّذِي هو مِلاكُ الِاسْتِقامَةِ وبَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ. والقُنُوتُ، وهو مُلازَمَةُ العِباداتِ في أوْقاتِها وإتْقانُها وهو عِبادَةٌ نَفْسِيَّةٌ جَسَدِيَّةٌ. والإنْفاقُ وهو أصْلُ إقامَةِ أوَدِ الأُمَّةِ بِكِفايَةِ حاجِ المُحْتاجِينَ، وهو قُرْبَةٌ مالِيَّةٌ والمالُ شَقِيقُ النَّفْسِ. وزادَ الِاسْتِغْفارَ بِالأسْحارِ وهو الدُّعاءُ والصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ في أواخِرِ اللَّيْلِ، والسَّحَرُ سُدُسُ اللَّيْلِ الأخِيرُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَدُّ إخْلاصًا، لِما في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن هُدُوءِ النُّفُوسِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى اهْتِمامِ صاحِبِهِ بِأمْرِ آخِرَتِهِ، فاخْتارَ لَهُ هَؤُلاءِ الصّادِقُونَ آخِرَ اللَّيْلِ لِأنَّهُ وقْتُ صَفاءِ السَّرائِرِ، والتَّجَرُّدِ عَنِ الشَّواغِلِ.
وعَطْفُ الصِّفاتِ في قَوْلِهِ: الصّابِرِينَ، وما بَعْدَهُ - سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ الصّابِرِينَ صِفَةً ثانِيَةً، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾، أمْ كانَ ابْتِداءَ الصِّفاتِ بَعْدَ البَيانِ - طَرِيقَةٌ ثانِيَةٌ مِن طَرِيقَتَيْ تَعْدادِ الصِّفاتِ في الذِّكْرِ في كَلامِهِمْ، فَيَكُونُ بِالعَطْفِ وبِدُونِهِ، مِثْلَ تَعَدُّدِ الأخْبارِ والأحْوالِ؛ إذْ لَيْسَتْ حُرُوفُ العَطْفِ بِمَقْصُورَةٍ عَلى تَشْرِيكِ الذَّواتِ. وفي الكَشّافِ أنَّ في عَطْفِ الصِّفاتِ نُكْتَةً زائِدَةً عَلى ذِكْرِها بِدُونِ العَطْفِ، وهي الإشارَةُ إلى كَمالِ المَوْصُوفِ في كُلِّ صِفَةٍ مِنها، وأحالَ تَفْصِيلَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] مَعَ أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هُنالِكَ شَيْئًا مِن هَذا، وسَكَتَ الكاتِبُونَ عَنْ بَيانِ ذَلِكَ هُنا وهُناكَ، وكَلامُهُ يَقْتَضِي أنَّ الأصْلَ عِنْدَهُ في تَعَدُّدِ الصِّفاتِ والأخْبارِ تَرْكُ العَطْفِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ عَطْفُها مُؤْذِنًا بِمَعْنًى خُصُوصِيٍّ، يَقْصِدُهُ البَلِيغُ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ شَأْنَ حَرْفِ العَطْفِ أنْ يُسْتَغْنى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ العامِلِ فَيُناسِبَ المَعْمُولاتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الصِّفاتُ، فَإذا عُطِفَتْ فَقَدْ نُزِّلَتْ كُلُّ صِفَةٍ مَنزِلَةَ ذاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وما ذَلِكَ إلّا لِقُوَّةِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى كَأنَّ الواحِدَ صارَ عَدَدًا، كَقَوْلِهِمْ: واحِدٌ كَألْفٍ، ولا أحْسَبُ لِهَذا الكَلامِ تَسْلِيمًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عَطْفُ الصِّفاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
3:18Page 52
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
صفحة ١٨٦
﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
اسْتِئْنافٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ذَلِكَ أنَّ أساسَ الإسْلامِ هو تَوْحِيدُ اللَّهِ. وإعْلانُ هَذا التَّوْحِيدِ، وتَخْلِيصُهُ مِن شَوائِبِ الإشْراكِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ وبِالنَّصارى واليَهُودِ، وإنْ تَفاوَتُوا في مَراتِبِ الإشْراكِ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ: لِأنَّهُ يُؤَكِّدُ ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] .
والشَّهادَةُ حَقِيقَتُها خَبَرٌ يُصَدَّقُ بِهِ خَبَرُ مُخْبِرٍ وقَدْ يُكَذَّبُ بِهِ خَبَرُ آخَرَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ قَدْ كانَ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لِلتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ في الحُقُوقِ، كانَ مَظِنَّةَ اهْتِمامِ المُخْبِرِ بِهِ والتَّثَبُّتِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ التَّلازُمِ، فَشَهادَةُ اللَّهِ تَحْقِيقُهُ وحْدانِيَّتَهُ بِالدَّلائِلِ الَّتِي نَصَبَها عَلى ذَلِكَ، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَحْقِيقُهم ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، وتَبْلِيغُ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ إلى الرُّسُلِ، وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ تَحْقِيقُهم ذَلِكَ بِالحُجَجِ والأدِلَّةِ.
فَإطْلاقُ الشَّهادَةِ عَلى هَذِهِ الأخْبارِ مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أوْ تَشْبِيهُ الإخْبارِ بِالإخْبارِ أوِ المُخْبِرِ بِالمُخْبِرِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”شَهِدَ“ بِمَعْنى بَيَّنَ وأقامَ الأدِلَّةَ، شَبَّهَ إقامَةَ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ: مِن إيجادِ المَخْلُوقاتِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، بِشَهادَةِ الشّاهِدِ بِتَصْدِيقِ الدَّعْوى في البَيانِ والكَشْفِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ المَلائِكَةُ بِما نَزَلُوا بِهِ مِنَ الوَحْيِ عَلى الرُّسُلِ، وما نَطَقُوا بِهِ مِن مَحامِدَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أُولُو العِلْمِ بِما أقامُوا مِنَ الحُجَجِ عَلى المَلاحِدَةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ شَهادَةَ اللَّهِ بِمَعْنى الدَّلالَةِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ، وشَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ بِمَعْنًى آخَرَ وهو الإقْرارُ أوْ بِمَعْنَيَيْنِ: إقْرارِ المَلائِكَةِ، واحْتِجاجِ أُولِي العِلْمِ، ثُمَّ تَبْنِيَهُ عَلى اسْتِعْمالِ ”شَهِدَ“ في مَعانٍ مَجازِيَّةٍ، مِثْلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، أوْ عَلى اسْتِعْمالِ ”شَهِدَ“ في مَجازٍ أعَمَّ، وهو الإظْهارُ، حَتّى يَكُونَ نَصْبُ الأدِلَّةِ والإقْرارُ والِاحْتِجاجُ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، بِناءً عَلى عُمُومِ المَجازِ.
صفحة ١٨٧
وانْتَصَبَ قائِمًا بِالقِسْطِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ إلّا هو أيْ شَهِدَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وقِيامِهِ بِالعَدْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فَيَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ ”شَهِدَ“ لِأنَّ الشَّهادَةَ هَذِهِ قِيامٌ بِالقِسْطِ، فالشّاهِدُ بِها قائِمٌ بِالقِسْطِ، قالَ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] . وزَعَمَ ابْنُ هِشامٍ في البابِ الرّابِعِ: أنَّ كَوْنَهُ حالًا مُؤَكِّدَةً وهْمٌ، وعَلَّلَهُ بِما هو وهْمٌ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدْ الرَّصّاعْ جَرَيانَ بَحْثٍ في إعْرابِ مِثْلِ هَذِهِ الحالِ في سُورَةِ الصَّفِّ في دَرْسِ شَيْخِهِ مُحَمَّدْ بْنِ عُقابْ.
والقِيامُ هُنا بِمَعْنى المُواظَبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وقَوْلِهِ: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وتَقُولُ: الأمِيرُ قائِمٌ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ، كَما تَقُولُ: ساهِرٌ عَلَيْها، ومِنهُ ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] وقَوْلِ أيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ الأنْصارِيِّ:
أقامَتْ غَزالَةُ سُوقَ الضِّرابِ لِأهْلِ العِراقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطا
وهُوَ في الجَمِيعِ تَمْثِيلٌ.
والقِسْطُ: العَدْلُ وهو مُخْتَصَرٌ مِنَ القُسْطاسِ - بِضَمِّ القافِ - رَوى البُخارِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: القُسْطاسُ: العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ وهَذِهِ الكَلِمَةُ ثابِتَةٌ في اللُّغاتِ الرُّومِيَّةِ وهي مِنَ اللّاطِينِيَّةِ، ويُطْلَقُ القِسْطُ والقِسْطاسُ عَلى المِيزانِ، لِأنَّهُ آلَةٌ لِلْعَدْلِ. قالَ تَعالى: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . وقَدْ أقامَ اللَّهُ القِسْطَ في تَكْوِينِ العَوالِمِ عَلى نُظُمِها، وفي تَقْدِيرِ بَقاءِ الأنْواعِ، وإيداعِ أسْبابِ المُدافَعَةِ في نُفُوسِ المَوْجُوداتِ، وفِيما شَرَعَ لِلْبَشَرِ مِنَ الشَّرائِعِ في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ: لِدَفْعِ ظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، فَهو القائِمُ بِالعَدْلِ سُبْحانَهُ، وعَدْلُ النّاسِ مُقْتَبَسٌ مِن مُحاكاةِ عَدْلِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ تَمْجِيدٌ وتَصْدِيقٌ، نَشَأ عَنْ شَهادَةِ المَوْجُوداتِ كُلِّها لَهُ بِذَلِكَ فَهو تَلْقِينُ الإقْرارِ لَهُ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ اقْتِداءً بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، عَلى أنَّهُ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ويُمَهِّدُ لِوَصْفِهِ تَعالى بِالعَزِيزِ الحَكِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences