Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:146–151

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:146–151

3:146–148Page 68

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦

And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.

وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .

صفحة ١١٦

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وهو عَطْفُ العِبْرَةِ عَلى المَوْعِظَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] مَوْعِظَةٌ لِمَن يَهُمُّ بِالِانْقِلابِ، وقَوْلَهُ ﴿وكَأيِّنٍ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ﴾ عِبْرَةٌ بِما سَلَفَ مِن صَبْرِ أتْباعِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عِنْدَ إصابَةِ أنْبِيائِهِمْ أوْ قَتْلِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، لِمُماثَلَةِ الحالَيْنِ. فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِتَشْبِيهِ حالِ أصْحابِ أُحُدٍ بِحالِ أصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ لِأنَّ مَحَلَّ المَثَلِ لَيْسَ هو خُصُوصُ الِانْهِزامِ في الحَرْبِ بَلْ ذَلِكَ هو المُمَثَّلُ. وأمّا التَّشْبِيهُ فَهو بِصَبْرِ الأتْباعِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ أوْ مَوْتِ المَتْبُوعِ.

(وكَأيِّنْ) كَلِمَةٌ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، قِيلَ: هي بَسِيطَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ولَيْسَتْ (أيُّ) هَذِهِ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ المُرادَ مِنها تَذْكِيرُ المُسْتَفْهِمِ بِالتَّكْثِيرِ، فاسْتِفْهامُها مَجازِيٌّ، ونُونُها في الأصْلِ تَنْوِينٌ، فَلَمّا رُكِّبَتْ وصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً جُعِلَ تَنْوِينُها نُونًا وبُنِيَتْ. والأظْهَرُ أنَّها بَسِيطَةٌ وفِيها لُغاتٌ أرْبَعُ، أشْهَرُها في النَّثْرِ كَأيِّنْ بِوَزْنِ كَعَيِّنْ ( هَكَذا جَرَتْ عادَةُ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ إذا وزَنُوا الكَلِماتِ المَهْمُوزَةَ أنْ يُعَوِّضُوا عَنْ حَرْفِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العَيْنِ لِئَلّا تَلْتَبِسَ الهَمْزَةُ بِالألْفِ أوِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ في صُورَةِ إحْداهُما، وأشْهَرُها في الشِّعْرِ كائِنٌ بِنُونٍ اسْمُ فاعِلِ كانَ، ولَيْسَتْ باسِمِ فاعِلٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، بَلْ هي مُخَفَّفُ كَأيِّنْ.

ولَهم في كَيْفِيَّةِ تَخْفِيفِها تَوْجِيهاتٌ أصْلُها قَوْلُ الخَلِيلِ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها تَصَرَّفَ فِيها العَرَبُ بِالقَلْبِ والحَذْفِ في بَعْضِ الأحْوالِ. قُلْتُ: وتَفْصِيلُهُ يَطُولُ. وأنا أرى أنَّهم لَمّا رامُوا التَّخْفِيفَ جَعَلُوا الهَمْزَةَ ألِفًا، ثُمَّ التَقى ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، فَحَذَفُوا الياءَ السّاكِنَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ فَشابَهَتِ اسْمَ فاعِلِ (كانَ) فَجَعَلُوها هَمْزَةً كالياءِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، وأكْثَرُ ما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ هو كَأيِّنْ لِأنَّها أخَفُّ في النَّظْمِ وأسْعَدُ بِأكْثَرِ المَوازِينِ في أوائِلِ الأبْياتِ وأوْسَطِها بِخِلافِ كائِنٍ، قالَ الزَّجّاجُ: اللُّغَتانِ الجَيِّدَتانِ كَأيِّنٍ وكائِنٍ. وحَكى الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنا شَيْخُنا

صفحة ١١٧

أحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ الكِنانِيُّ قالَ: قُلْتُ لِشَيْخِنا ابْنِ عُصْفُورٍ: لِمَ أكْثَرْتَ في شَرْحِكَ لِلْإيضاحِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى كائِنٍ ؟ فَقالَ: لِأنِّي دَخَلْتُ عَلى السُّلْطانِ الأمِيرِ المُسْتَنْصِرِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ المُسْتَنْصِرَ ابْنَ أبِي زَكَرِيّاءَ الحَفْصِيَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ ولِيُّ العَهْدِ، فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيى بْنِ هِشامٍ الخَضْراوِيَّ نَزِيلَ تُونُسَ ودَفِينَها المُتَوَفّى سَنَةَ ٦٤٦ فَأخْبَرَنِي أنَّهُ سَألَهُ عَمّا يَحْفَظُ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى قِراءَةِ كَأيِّنْ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْ غَيْرَ بَيْتِ الإيضاحِ:

وكائِنٍ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِبْتُ هو المُصابا

قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: فَلَمّا سَألَنِي أنا قُلْتُ: أحْفَظُ فِيها خَمْسِينَ بَيْتًا فَلَمّا أنْشَدْتُهُ نَحْوَ عَشْرَةٍ قالَ: حَسْبُكَ، وأعْطانِي خَمْسِينَ دِينارًا، فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ جالِسًا بِالبابِ فَأعْطَيْتُهُ نِصْفَها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (وكَأيِّنْ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ وياءٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ كَلِمَةِ (كَصَيِّبٍ) وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (كائِنٍ) بِألْفٍ بَعْدَ الكافِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ بِوَزْنِ كاهِنٍ.

والتَّكْثِيرُ المُسْتَفادُ مِنَ (كَأيِّنٍ) واقِعٌ عَلى تَمْيِيزِها وهو لَفْظُ نَبِيءٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا بِمَعْنى مُطْلَقِ العَدَدِ، فَلا يَتَجاوَزُ جَمْعَ القِلَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا في مَعْنى جَمْعِ الكَثْرَةِ، فَمِنهم مَن عَلِمْناهُ ومِنهم مَن لَمْ نَعْلَمْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، ويَحْضُرُنِي أسْماءُ سِتَّةٍ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ الأنْبِياءِ: أرْمِياءُ قَتَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وحَزْقِيالُ قَتَلُوهُ أيْضًا لِأنَّهُ وبَّخَهم عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ، وأشْعِياءُ قَتَلَهُ مِنَسّا بْنُ حَزْقِيلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ لِأنَّهُ وبَّخَهُ ووَعَظَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ فَنَشَرَهُ بِمِنشارٍ، وزَكَرِيّاءُ، ويَحْيى، قَتَلَهُما بَنُو إسْرائِيلَ لِإيمانِهِما بِالمَسِيحِ، وقَتَلَ أهْلُ الرَّسِّ مِنَ العَرَبِ نَبِيئَهم حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ في مُدَّةِ عَدْنانَ، والحَوارِيُّونَ اعْتَقَدُوا أنَّ المَسِيحَ قُتِلَ ولَمْ يَهِنُوا في إقامَةِ دِينِهِ بَعْدَهُ، ولَيْسَ مُرادًا هُنا وإنَّما العِبْرَةُ بِثَباتِ أتْباعِهِ عَلى دِينِهِ مَعَ مُفارَقَتِهِ لَهم إذِ العِبْرَةُ في خُلُوِّ الرَّسُولِ وبَقاءِ أتْباعِهِ، سَواءٌ كانَ بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ. ولَيْسَ في هَؤُلاءِ رَسُولٌ إلّا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانٍ، ولَيْسَ فِيهِمْ أيْضًا مَن قُتِلَ في جِهادٍ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما سَمِعْنا بِنَبِيءٍ قُتِلَ في القِتالِ.

صفحة ١١٨

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (قُتِلَ) بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: (قاتَلَ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ فَعَلى قِراءَةِ (قُتِلَ) - بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - فَمَرْفُوعُ الفِعْلِ هو ضَمِيرُ نَبِيءٍ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ ضَمِيرَ نَبِيءٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾) جُمْلَةً حالِيَّةً مِن نَبِيءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ لِفْظُ (رِبِّيُّونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ مَعَهُ حالًا مِن رِبِّيُّونَ مُقَدَّمًا.

وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ الصّالِحِ لِحَمْلِ الكَلامِ عَلى تَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ في حالِ الهَزِيمَةِ وفي حالِ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ وعَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ يَخْتَلِفُ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَلِمَةِ (قُتِلَ) أوْ عَلى كَلِمَةِ (كَثِيرٌ) .

والرِّبِّيُّونَ جَمْعُ رِبِّيٍّ وهو المُتَّبِعُ لِشَرِيعَةِ الرَّبِّ مِثْلُ الرَّبّانِيِّ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا أتْباعُ الرُّسُلِ وتَلامِذَةُ الأنْبِياءِ. ويَجُوزُ في رائِهِ الفَتْحُ، عَلى القِياسِ، والكَسْرُ، عَلى أنَّهُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ وهو الَّذِي قُرِئَ بِهِ في المُتَواتِرِ.

ومَحَلُّ العِبْرَةِ هو ثَباتُ الرَّبّانِيِّينَ عَلى الدِّينِ مَعَ مَوْتِ أنْبِيائِهِمْ ودُعاتِهِمْ.

وقَوْلُهُ (كَثِيرٌ) صِفَةُ (رِبِّيُّونَ) وجِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ، مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ جَمْعٌ، لِأنَّ لَفْظَ كَثِيرٌ وقَلِيلٌ يُعامَلُ مَوْصُوفُها مُعامَلَةَ لِفَظِ شَيْءٍ أوْ عَدَدٍ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقالَ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقالَ ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] وقالَ ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٣] .

وقَوْلُهُ فَما وهَنُوا أيِ الرِّبِّيُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ لا يَهِنُونَ فالقُدْوَةُ المَقْصُودَةُ هُنا، هي الِاقْتِداءُ بِأتْباعِ الأنْبِياءِ، أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أتْباعُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، أجْدَرَ بِالعَزْمِ مِن أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وجَمَعَ بَيْنَ الوَهَنِ والضَّعْفِ، وهُما مُتَقارِبانِ تَقارُبًا قَرِيبًا مِنَ التَّرادُفِ؛ فالوَهَنُ قِلَّةُ القُدْرَةِ عَلى العَمَلِ، وعَلى النُّهُوضِ في الأمْرِ، وفِعْلُهُ كَوَعَدَ ووَرِثَ

صفحة ١١٩

وكَرُمَ. والضَّعْفُ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِها ضِدُّ القُوَّةِ في البَدَنِ، وهُما هُنا مَجازانِ، فالأوَّلُ أقْرَبُ إلى خَوَرِ العَزِيمَةِ، ودَبِيبِ اليَأْسِ في النُّفُوسِ والفِكْرِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الِاسْتِسْلامِ والفَشَلِ في المُقاوَمَةِ. وأمّا الِاسْتِكانَةُ فَهي الخُضُوعُ والمَذَلَّةُ لِلْعَدُوِّ. ومِنَ اللَّطائِفِ تَرْتِيبُها في الذِّكْرِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِها في الحُصُولِ: فَإنَّهُ إذا خارَتِ العَزِيمَةُ فَشَلَتِ الأعْضاءُ، وجاءَ الِاسْتِسْلامُ، فَتَبِعَهُ المَذَلَّةُ والخُضُوعُ لِلْعَدُوِّ.

واعْلَمُوا أنَّهُ إذا كانَ هَذا شَأْنَ أتْباعِ الأنْبِياءِ، وكانَتِ النُّبُوَّةُ هَدْيًا وتَعْلِيمًا، فَلا بِدْعَ أنْ يَكُونَ هَذا شَأْنَ أهْلِ العِلْمِ، وأتْباعِ الحَقِّ، أنْ لا يُوهِنَهم، ولا يُضْعِفَهم، ولا يُخْضِعَهم، مُقاوَمَةُ مُقاوِمٍ، ولا أذى حاسِدٍ، أوْ جاهِلٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في البُخارِيِّ: «أنَّ خَبّابًا قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً ألا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ لَقَدْ كانَ مَن قَبْلَكم لَيُمَشَّطُ بِمِشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ عِظامِهِ مِن لَحْمٍ أوْ عَصَبٍ، ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُوضَعُ المِنشارُ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» الحَدِيثَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ الآيَةُ عَطْفٌ عَلى (فَما وهَنُوا) لِأنَّهُ لَمّا وصَفَهم بِرَباطَةِ الجَأْشِ، وثَباتِ القَلْبِ، وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى الثَّباتِ مِن أقْوالِ اللِّسانِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِ عِنْدَ الِاضْطِرابِ والجَزَعِ، أيْ أنَّ ما أصابَهم لَمْ يُخالِجْهم بِسَبَبِهِ تَرَدُّدٌ في صِدْقِ وعْدِ اللَّهِ، ولا بَدَرَ مِنهم تَذَمُّرٌ، بَلْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ، أوْ لَعَلَّهُ كانَ جَزاءً عَلى تَقْصِيرٍ مِنهم في القِيامِ بِواجِبِ نَصْرِ دِينِهِ، أوْ في الوَفاءِ بِأمانَةِ التَّكْلِيفِ، فَلِذَلِكَ ابْتَهَلُوا إلَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ ما أصابَهم جَزاءً عَلى ما فَرَّطَ مِنهم، ثُمَّ سَألُوهُ النَّصْرَ وأسْبابَهُ ثانِيًا فَقالُوا ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] فَلَمْ يَصُدُّهم ما لَحِقَهم مِنَ الهَزِيمَةِ عَنْ رَجاءِ النَّصْرِ، وفي المُوَطَّأِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» فَقَصَرَ قَوْلَهَمْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي يَنْدُرُ

صفحة ١٢٠

فِيها صُدُورُ مِثْلِ هَذا القَوْلِ، عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى آخِرِهِ، فَصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ لِرَدِّ اعْتِقادِ مَن قَدْ يَتَوَهَّمُ أنَّهم قالُوا أقْوالًا تُنْبِئُ عَنِ الجَزَعِ، أوِ الهَلَعِ، أوِ الشَّكِّ في النَّصْرِ، أوِ الِاسْتِسْلامِ لِلْكُفّارِ. وفي هَذا القَصْرِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ جَزِعُوا مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ أوِ المُنافِقِينَ فَقالَ قائِلُهم: لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ.

وقُدِّمَ خَبَرُ كانَ عَلى اسْمِها في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْصُورٍ، لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ أقْوالِهِمْ حِينَئِذٍ في مَقالَةِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لِقَوْلِهِمُ الصّادِرِ مِنهم، حِينَ حُصُولِ ما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَلِكَ القَيْدُ مُلاحَظٌ مِنَ المَقامِ، نَظِيرَ القَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مُقَيَّدٌ بِزَمانٍ خاصٍّ، تَقْيِيدًا مَنطُوقًا بِهِ، وهَذا أحْسَنُ مِن تَوْجِيهِ تَقْدِيمِ الخَبَرِ في الآيَةِ بِأنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ المُئَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ لِدَلالَةِ المُئَوَّلِ عَلى النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، بِخِلافِ إضافَةِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ جائِزٌ في بابِ (كانَ) في غَيْرِ صِيَغِ القَصْرِ، وأمّا في الحَصْرِ فَمُتَعَيِّنٌ تَقْدِيمُ المَحْصُورِ.

والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ جَمِيعِها، وعَطَفَ عَلَيْهِ بَعْضَ الذُّنُوبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِالإسْرافِ في الأمْرِ، والإسْرافُ هو الإفْراطُ وتَجاوُزُ الحَدِّ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أمْرِنا)، أيْ دِينِنا وتَكْلِيفِنا، فَيَكُونُ عَطْفَ خاصٍّ لِلِاهْتِمامِ بِطَلَبِ غُفْرانِهِ، وتَمَحُّضُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِبَقِيَّةِ الذُّنُوبِ وهي الصَّغائِرُ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإسْرافِ في الأمْرِ التَّقْصِيرُ في شَأْنِهِمْ ونِظامِهِمْ فِيما يَرْجِعُ إلى أُهْبَةِ القِتالِ، والِاسْتِعْدادِ لَهُ، أوِ الحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ، وهَذا الظّاهِرُ مِن كَلِمَةِ أمْرٍ، بِأنْ يَكُونُوا شَكُّوا أنْ يَكُونَ ما أصابَهم مِن هَزِيمَتِهِمْ في الحَرْبِ مَعَ عَدُوِّهِمْ ناشِئًا عَنْ سَبَبَيْنِ: باطِنٍ وظاهِرٍ، فالباطِنُ هو غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الذُّنُوبِ، والظّاهِرُ هو تَقْصِيرُهم في الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ، وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ.

صفحة ١٢١

وقَوْلُهُ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ إعْلامٌ بِتَعْجِيلِ إجابَةِ دَعْوَتِهِمْ لِحُصُولِ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَثَوابُ الدُّنْيا هو الفَتْحُ والغَنِيمَةُ، وثَوابُ الآخِرَةِ هو ما كُتِبَ لَهم مِن حُسْنِ عاقِبَةِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ خَيْرٌ وأبْقى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الثَّوابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] .

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ يُحِبُّ كُلَّ مُحْسِنٍ، ومَوْقِعُ التَّذْيِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهم هم مِنَ الَّذِينَ أحْسَنُوا، فاللّامُ لِلْجِنْسِ المُفِيدِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، وهَذِهِ مِن أكْبَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ (ال) الجِنْسِيَّةَ إذا دَخَلَتْ عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، وأنَّ الِاسْتِغْراقَ المُفادَ مِن (ال) إذا كانَ مَدْخُولُها مُفْرَدًا وجُمْلَةً سَواءٌ.

3:149–150Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهْوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ والعِتابِ إلى التَّحْذِيرِ، لِيَتَوَسَّلَ مِنهُ إلى مُعاوَدَةِ التَّسْلِيَةِ، عَلى ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ، مِنَ الحَقائِقِ الحُكْمِيَّةِ والمَواعِظِ الأخْلاقِيَّةِ والعِبَرِ التّارِيخِيَّةِ، ما لا يُحْصِيهِ مُرِيدُ إحْصائِهِ.

والطّاعَةُ تُطْلَقُ عَلى امْتِثالِ أمْرِ الآمِرِ وهو مَعْرُوفٌ، وعَلى الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الغالِبِ، فَيُقالُ طاعَتْ قَبِيلَةُ كَذا وطَوَّعَ الجَيْشُ بِلادَ كَذا.

(والَّذِينَ كَفَرُوا) شائِعٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنْ يُرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، واللَّفْظُ صالِحٌ بِالوَضْعِ لِكُلِّ كافِرٍ مِن مُشْرِكٍ وكِتابِيٍّ، مُظْهِرٌ أوْ مُنافِقٌ.

والرَّدُّ عَلى الأعْقابِ: الِارْتِدادُ، والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِما عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَإينْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالظّاهِرُ أنَّهُ

صفحة ١٢٢

أرادَ مِن هَذا الكَلامِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يُخامِرَهم خاطِرُ الدُّخُولِ في صُلْحِ المُشْرِكِينَ وأمانِهِمْ، لِأنَّ في ذَلِكَ إظْهارَ الضَّعْفِ أمامَهم، والحاجَةَ إلَيْهِمْ، فَإذا مالُوا إلَيْهِمُ اسْتَدْرَجُوهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا، بِإظْهارِ عَدَمِ كَراهِيَةِ دِينِهِمُ المُخالِفِ لَهم، حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ لِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهم حَتّى يَرْجِعُوا إلى مِلَّتِهِمْ، فالرَّدُّ عَلى الأعْقابِ عَلى هَذا يَحْصُلُ بِالإخارَةِ والمَآلِ، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبْرَةُ في طاعَةِ مُسْلِمِي الأنْدَلُسِ لِطاغِيَةِ الجَلالِقَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى تَسْفِيهِ رَأْيِ مَن قالَ لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ الطّاعَةِ طاعَةُ القَوْلِ والإشارَةِ، أيِ الِامْتِثالُ، وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ لَهم: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا ما قُتِلَ فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم ومِلَّتِكم. ومَعْنى الرَّدِّ عَلى الأعْقابِ في هَذا الوَجْهِ أنَّهُ يَحْصُلُ مُباشَرَةً في حالِ طاعَتِهِمْ إيّاهم.

وقَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ غايَةَ الظُّهُورِ، لِأنَّ الطّاعَةَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ هي مِن قَبِيلِ المُوالاةِ والحَلِفِ فَناسَبَ إبْطالَها بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ مَوْلى المُؤْمِنِينَ هو اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا التَّذْكِيرِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ: وهو أنَّ نَقْضَ الوَلاءِ والحِلْفِ أمْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَإنَّ لِلْوَلاءِ عِنْدَهم شَأْنًا كَشَأْنِ النَّسَبِ، وهَذا مَعْنًى قَرَّرَهُ الإسْلامُ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ مَنِ انْتَسَبَ إلى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ فَكَيْفَ إذا كانَ الوَلاءُ ولاءَ سَيِّدِ المُوالِي كُلِّهِمْ.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِاعْتِبارِ ما في طاعَةِ المُنافِقِينَ مِن مُوالاتِهِمْ وتَرْكِ ولاءِ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يُقَوِّي مُناسِبَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ ويَزِيدُ إرادَتَهُ ظُهُورًا. و﴿خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ هو أفْضَلُ المَوْصُوفِينَ بِالوَصْفِ، فِيما يُرادُ مِنهُ، وفي مَوْقِعِهِ، وفائِدَتِهِ، فالنَّصْرُ يُقْصَدُ مِنهُ دَفْعُ الغَلَبِ عَنِ المَغْلُوبِ، فَمَتى كانَ الدَّفْعُ أقْطَعَ لِلْغالِبِ كانَ النَّصْرُ أفْضَلَ، ويُقْصَدُ مِنهُ دَفْعُ الظُّلْمِ فَمَتى كانَ النَّصْرُ

صفحة ١٢٣

قاطِعًا لِظُلْمِ الظّالِمِ كانَ مَوْقِعُهُ أفْضَلَ، وفائِدَتُهُ أكْمَلَ، فالنَّصْرُ لا يَخْلُو مِن مِدْحَةٍ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ الشُّجاعَةِ وإباءَ الضَّيْمِ والنَّجْدَةِ. قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ:

إذا اسْتَنْجَدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأيِّ مَكانِ

ولَكِنَّهُ إذا كانَ تَأْيِيدًا لِظالِمٍ أوْ قاطِعِ طَرِيقٍ، كانَ فِيهِ دَخَلٌ ومَذَمَّةٌ، فَإذا كانَ إظْهارًا لِحَقِّ المُحِقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، اسْتَكْمَلَ المَحْمَدَةَ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ نَصْرَ الظّالِمِ بِما يُناسِبُ خُلُقَ الإسْلامِ لَمّا قالَ «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: هَذا أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أنْصُرُهُ إذا كانَ ظالِمًا ؟ فَقالَ أنْ تَنْصُرَهُ عَلى نَفْسِهِ فَتَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» .

3:151Page 69

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ .

رُجُوعٌ إلى تَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ، وتَطْمِينِهِمْ، ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ عَلى العَدُوِّ. والإلْقاءُ حَقِيقَتُهُ رَمْيُ شَيْءٍ عَلى الأرْضِ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، أوْ في الماءِ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] ويُطْلَقُ عَلى الإفْضاءِ بِالكَلامِ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] وعَلى حُصُولِ الشَّيْءِ في النَّفْسِ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهُ أيْ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَهَيُّؤٍ وألْقَيْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ وهو هُنا مَجازٌ في الجَعْلِ والتَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] .

والرُّعْبُ: الفَزَعُ مِن شِدَّةِ خَوْفٍ، وفِيهِ لُغَتانِ الرُّعْبُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - والرُّعُبُ - بِضَمِّ العَيْنِ - وقَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ - بِضَمِّ العَيْنِ -

والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ لِلْعِوَضِ وتُسَمّى باءَ المُقابَلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذِهِ بِتِلْكَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ [المائدة: ٣٨]، وهَذا جَزاءٌ دُنْيَوِيٌّ رَتَّبَهُ

صفحة ١٢٤

اللَّهُ تَعالى عَلى الإشْراكِ بِهِ، ومِن حِكْمَتِهِ تَعالى أنْ رَتَّبَ عَلى الأُمُورِ الخَبِيثَةِ آثارًا خَبِيثَةً، فَإنَّ الشِّرْكَ لَمّا كانَ اعْتِقادَ تَأْثِيرِ مَن لا تَأْثِيرَ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ يَرْتَكِزُ في نُفُوسِ مُعْتَقَدِيهِ عَلى غَيْرِ دَلِيلٍ، كانَ مِن شَأْنِ مُعْتَقِدِهِ أنْ يَكُونَ مُضْطَرِبَ النَّفْسِ مُتَحَيِّرًا في العاقِبَةِ في تَغَلُّبِ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، فَيَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ هم أخَصُّ بِهِ، وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّ لِغَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ مِثْلُ ما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ والغَيْرَةِ. فَلا تَزالُ آلِهَتُهم في مُغالَبَةٍ ومُنافَرَةٍ. كَما لا يَزالُ أتْباعُهم كَذَلِكَ، والَّذِينَ حالُهم كَما وصَفْنا لا يَسْتَقِرُّ لَهم قَرارٌ في الثِّقَةِ بِالنَّصْرِ في حُرُوبِهِمْ، إذْ هم لا يَدْرُونَ هَلِ الرِّبْحُ مَعَ آلِهَتِهِمْ أمْ مَعَ أضْدادِها، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ صِلَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى المُشْرِكِ بِهِ لَيْسَ القَصْدُ بِها تَعْرِيفُ الشُّرَكاءِ، ولَكِنْ قُصِدَ بِها الإيماءُ إلى أنَّهُ مِن أسْبابِ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، إذْ هم عَلى غَيْرِ يَقِينٍ فِيما أشْرَكُوا واعْتَقَدُوا، فَقُلُوبُهم وجِلَةٌ مُتَزَلْزِلَةٌ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الشُّرَكاءَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ سُلْطانٌ. فَإنْ قُلْتَ: ما ذَكَرْتَهُ يَقْتَضِي أنَّ الشِّرْكَ سَبَبٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الرُّعْبُ نازِلًا في قُلُوبِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ، واللَّهُ يَقُولُ (سَنُلْقِي) أيْ في المُسْتَقْبَلِ، قُلْتُ: هو كَذَلِكَ إلّا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ تَسْتَكِنُّ في النُّفُوسِ حَتّى يَدْعُوَ داعِي ظُهُورِها، فالرُّعْبُ والشَّجاعَةُ صِفَتانِ لا تَظْهَرانِ إلّا عِنْدَ القِتالِ، وتَقْوَيانِ وتَضْعُفانِ، فالشُّجاعُ تَزِيدُ شَجاعَتُهُ بِتَكَرُّرِ الِانْتِصارِ، وقَدْ يَنْزَوِي قَلِيلًا إذا انْهَزَمَ ثُمَّ تَعُودُ لَهُ صِفَتُهُ سَرْعى. كَما وصَفَهُ عَمْرُو بْنُ الإطْنابَةَ في قَوْلِهِ:

وقُولِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

وقَوْلِ الحُصَيْنِ بْنِ الحُمامِ:

تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ ∗∗∗ لِنَفْسَيْ حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما

وكَذَلِكَ الرُّعْبُ والجُبْنُ قَدْ يَضْعُفُ عِنْدَ حُصُولِ بارِقَةِ انْتِصارٍ، فالمُشْرِكُونَ لَمّا انْهَزَمُوا بادِئَ الأمْرِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَّتْ عَزِيمَتُهم، ثُمَّ لَمّا ابْتَلى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالهَزِيمَةِ راجَعَهم شَيْءٌ مِنَ الشَّجاعَةِ والِازْدِهاءِ، ولَكِنَّهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ

صفحة ١٢٥

عاوَدَتْهُ صِفاتُهم،

وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ

. فَقَوْلُهُ (سَنُلْقِي) أيْ إلْقاءَ إعادَةِ الصِّفَةِ إلى النُّفُوسِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ السِّينَ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ أيْ ألْقَيْنا ونُلْقِي، ويَنْدَفِعُ الإشْكالُ.

وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرُّعْبَ كانَتْ لَهُ مَظاهِرُ: مِنها أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ كانَ في مُكْنَتِهِمْ أنْ يُوغِلُوا في اسْتِيصالِهِمْ إلّا أنَّ الرُّعْبَ صَدَّهم عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا قاصِدِينَ الرُّجُوعَ إلىمَكَّةَ عَنَّ لَهم في الطَّرِيقِ نَدَمٌ، وقالُوا: لَوْ رَجَعْنا فاقْتَفَيْنا آثارَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَإنّا قَتَلْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الفَلُّ والطَّرِيدُ، فَلْنَرْجِعْ إلَيْهِمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهم، وبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ إلى لِقائِهِمْ، فانْتَدَبُوا، وكانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ ومُثْقَلِينَ بِالجِراحَةِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَحْمِلُ الآخَرَ ثُمَّ يَنْزِلُ المَحْمُولُ فَيَحْمِلُ الَّذِي كانَ حامِلَهُ، فَقَيَّضَ اللَّهُ مَعْبَدَ بْنَ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيَّ وهو كافِرٌ فَجاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ إنَّ خُزاعَةَ قَدْ ساءَها ما أصابَكَ ولَوَدِدْنا أنَّكَ لَمْ تُرْزَأْ في أصْحابِكَ ثُمَّ لَحِقَ مَعْبَدٌ بِقُرَيْشٍ فَأدْرَكَهم بِالرَّوْحاءِ قَدْ أجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ، قالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ قَدْ خَرَجُوا يَطْلُبُونَكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَقالَ: ويْلَكَ، ما تَقُولُ ؟ قالَ: ما أرى أنَّكَ تَرْتَحِلُ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ ولَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ مِنهُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِ:

كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ

تَرْدِي بِأسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مَيْلٍ مَعازِيلِ

فَظَلْتُ أعْدُو أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ

فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ وقالَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ: لا تَرْجِعُوا فَإنِّي أرى أنَّهُ سَيَكُونُ لِلْقَوْمِ قِتالٌ غَيْرُ الَّذِي كانَ.

صفحة ١٢٦

وقَوْلُهُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ ما لا سُلْطانَ لَهُ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ لِأنَّهُ يَتَسَلَّطُ عَلى النَّفْسِ، ونُفِيَ تَنْزِيلُهُ وأُرِيدَ نَفْيُ وجُودِهِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِنَزَلَ أيْ لَأوْحى اللَّهُ بِهِ إلى النّاسِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُمِ النّاسَ الإرْشادَ إلى ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنِ اعْتِقادٍ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، فالتَّنْزِيلُ إمّا بِمَعْنى الوَحْيِ، وإمّا بِمَعْنى نَصْبِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: نَزَلَتِ الحِكْمَةُ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ وعُقُولِ الفُرْسِ وأيْدِي الصِّينِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ لا يَعْدُو هَذَيْنِ الحالَيْنِ: لِأنَّهُ إمّا أنْ يُعْلَمَ بِالوَحْيِ، أوْ بِالأماراتِ، كانَ نَفْيُ تَنْزِيلِ السُّلْطانِ عَلى الإشْراكِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ السُّلْطانِ نَفْسِهِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي لا يُعْرَفُ اسْمُهُ:

لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ

وقَوْلُهُ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ ذَكَرَ عِقابَهم في الآخِرَةِ. والمَأْوى مَفْعَلٌ مِن أوى إلى كَذا إذا ذَهَبَ إلَيْهِ، والمَثْوى مَفْعَلٌ مِن ثَوى إذا أقامَ، فالنّارُ مَصِيرُهم ومَقَرُّهم والمُرادُ المُشْرِكُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском