Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:152–153
3:152Page 69
وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢
And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.
﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحَسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وهَذا عَوْدٌ إلى التَّسْلِيَةِ عَلى ما أصابَهم، وإظْهارٌ لِاسْتِمْرارِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِالمُؤْمِنِينَ، ورَمَزَ إلى الثِّقَةِ بِوَعْدِهِمْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، وتَبْيِينٍ لِسَبَبِ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ: تَطْمِينًا لَهم بِذِكْرِ نَظِيرِهِ ومُماثِلِهِ السّابِقِ، فَإنَّ لِذَلِكَ مَوْقِعًا عَظِيمًا في الكَلامِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (التّارِيخُ يُعِيدُ نَفْسَهُ) ولِيَتَوَسَّلَ
صفحة ١٢٧
بِذَلِكَ إلى إلْقاءِ تَبِعَةِ الهَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْلِفْهم وعْدَهُ، ولَكِنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ أوْقَعَهم في المُصِيبَةِ كَقَوْلِهِ ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] .
وصِدْقُ الوَعْدِ: تَحْقِيقُهُ والوَفاءُ بِهِ، لِأنَّ مَعْنى الصِّدْقِ مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ، وقَدْ عُدِّيَ صَدَقَ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ، وحَقُّهُ أنْ لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] يُقالُ: صَدَقَنِي أخُوكَ وكَذَبَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ والكَذِبَ، وأمّا المَثَلُ (صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ) فَمَعْناهُ صَدَقَنِي في سِنِّ بَكْرِهِ بِطَرْحِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ. فَنُصِبَ وعْدُهُ هُنا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُ الكَلامِ صَدَقَكم في وعْدِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ صَدَقَ مَعْنى أعْطى.
والوَعْدُ هُنا وعْدُ النَّصْرِ الواقِعِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] أوْ بِخَبَرٍ خاصٍّ في يَوْمِ أُحُدٍ.
وإذْنُ اللَّهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وتَيْسِيرِ الأسْبابِ.
وإذْ في قَوْلِهِ: (إذْ تَحُسُّونَهم) نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقَوْلِهِ صَدَقَكم أيْ: صَدَقَكُمُ اللَّهُ الوَعْدَ حِينَ كُنْتُمْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ الحِسَّ تَحْقِيقٌ لِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ، وإذْ فِيهِ لِلْمُضِيِّ، وأُتِيَ بَعْدَها بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ أيْ لِحِكايَةِ تَجَدُّدِ الحَسِّ في الماضِي.
والحَسُّ - بِفَتْحِ الحاءِ - القَتْلُ أطْلَقَهُ أكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ، وقَيَّدَهُ في الكَشّافِ بِالقَتْلِ الذَّرِيعِ، وهو أصْوَبُ.
وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ حَتّى حَرْفُ انْتِهاءٍ وغايَةٍ، يُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فالمَعْنى: إذْ تَقْتُلُونَهم بِتَيْسِيرِ اللَّهِ، واسْتَمَرَّ قَتْلُكم إيّاهم إلى حُصُولِ الفَشَلِ لَكم والتَّنازُعِ بَيْنَكم.
وحَتّى هُنا جارَّةٌ وإذا مَجْرُورٌ بِها.
صفحة ١٢٨
وإذا اسْمُ زَمانٍ، وهو في الغالِبِ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وقَدْ يَخْرُجُ عَنْهُ إلى الزَّمانِ مُطْلَقًا كَما هُنا، ولَعَلَّ نُكْتَةَ ذَلِكَ أنَّهُ أُرِيدَ اسْتِحْضارُ الحالَةِ العَجِيبَةِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ تَحُسُّونَهم.
وإذا هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لِأنَّها إذا صارَتْ لِلْمُضِيِّ انْسَلَخَتْ عَنِ الصَّلاحِيَةِ لِلشَّرْطِيَّةِ، إذِ الشَّرْطُ لا يَكُونُ ماضِيًا إلّا بِتَأْوِيلٍ لِذَلِكَ فَهي غَيْرُ مُحْتاجَةٍ لِجَوابٍ فَلا فائِدَةَ في تَكَلُّفِ تَقْدِيرِهِ: انْقَسَمْتُمْ، ولا إلى جَعْلِ الكَلامِ بَعْدَها دَلِيلًا عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ إلى آخِرِها.
والفَشَلُ: الوَهَنُ والإعْياءُ، والتَّنازُعُ: التَّخالُفُ، والمُرادُ بِالعِصْيانِ هُنا عِصْيانُ أمْرِ الرَّسُولِ، وقَدْ رُتِّبَتِ الفِعالُ الثَّلاثَةُ في الآيَةِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الحُصُولِ، إذْ كانَ الفَشَلُ، وهو ضَجَرُ بَعْضِ الرُّماةِ مِن مُلازَمَةِ مَوْقِفِهِمْ لِلطَّمَعِ في الغَنِيمَةِ، قَدْ حَصَلَ أوَّلًا فَنَشَأ عَنْهُ التَّنازُعُ بَيْنَهم في مُلازَمَةِ المَوْقِفِ وفي اللَّحاقِ بِالجَيْشِ لِلْغَنِيمَةِ، ونَشَأ عَنِ التَّنازُعِ تَصْمِيمُ مُعْظَمِهِمْ عَلى مُفارَقَةِ المَوْقِفِ الَّذِي أمَرَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمُلازَمَتِهِ وعَدَمِ الِانْصِرافِ مِنهُ، وهَذا هو الأصْلُ في تَرْتِيبِ الأخْبارِ في صِناعَةِ الإنْشاءِ ما لَمْ يَقْتَضِ الحالُ العُدُولَ عَنْهُ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ في الأمْرِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ في أمْرِكم أيْ شَأْنِكم.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ أرادَ بِهِ النَّصْرَ إذْ كانَتِ الرِّيحُ أوَّلَ يَوْمِ أُحُدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَزَمُوا المُشْرِكِينَ، ووَلَّوُا الأدْبارَ، حَتّى شُوهِدَتْ نِساؤُهم مُشَمِّراتٍ عَنْ سُوقِهِنَّ في أعْلى الجَبَلِ هارِباتٍ مِنَ الأسْرِ، وفِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ امْرَأةُ أبِي سُفْيانَ، فَلَمّا رَأى الرُّماةُ الَّذِينَ أمَرَهُمُ الرَّسُولُ أنْ يَثْبُتُوا لِحِمايَةِ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، الغَنِيمَةَ، التَحَقُوا بِالغُزاةِ، فَرَأى خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وهو قائِدُ خَيْلِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، غِرَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتاهم مِن ورائِهِمْ فانْكَشَفُوا واضْطَرَبَ بَعْضُهم في بَعْضٍ وبادَرُوا الفِرارَ وانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ فَيَكُونُ المَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِفَشَلِهِمْ. والكَلامُ عَلى هَذا تَشْدِيدٌ في المَلامِ والتَّنْدِيمِ.
صفحة ١٢٩
والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَعْنى ما تُحِبُّونَ هو الغَنِيمَةُ فَإنَّ المالَ مَحْبُوبٌ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن فَشِلْتُمْ، وتَنازَعْتُمْ، وعَصَيْتُمْ، وعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الغَنِيمَةِ بِاسْمِها، إلى المَوْصُولِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم عَجِلُوا في طَلَبِ المالِ المَحْبُوبِ، والكَلامُ عَلى هَذا تَمْهِيدٌ لِبِساطِ المَعْذِرَةِ إذْ كانَ فَشَلُهم وتَنازُعُهم وعِصْيانُهم عَنْ سَبَبٍ مِن أغْراضِ الحَرْبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِ ﴿إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ جُبْنٍ، ولا عَنْ ضَعْفِ إيمانٍ، أوْ قَصْدِ خِذْلانِ المُسْلِمِينَ، وكُلُّهُ تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ تَفْصِيلٌ لِ (تَنازَعْتُمْ)، وتَبْيِينٌ لِ (عَصَيْتُمْ)، وتَخْصِيصٌ لَهُ بِأنَّ العاصِينَ بَعْضُ المُخاطَبِينَ المُتَنازِعِينَ إذِ الَّذِينَ أرادُوا الآخِرَةَ لَيْسُوا بِعاصِينَ، ولِذَلِكَ أُخِّرَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ إلى بَعْدِ الفِعْلَيْنِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعَقِّبَ بِها قَوْلَهُ ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ وفي هَذا المَوْضِعِ لِلْجُمْلَةِ ما أغْنى عَنْ ذِكْرِ ثَلاثِ جُمَلٍ وهَذا مِن أبْدَعِ وُجُوهِ الإعْجازِ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ إرادَةُ نِعْمَةِ الدُّنْيا وخَيْرِها، وهي الغَنِيمَةُ، لِأنَّ مَن أرادَ الغَنِيمَةَ لَمْ يَحْرِصْ عَلى ثَوابِ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الرَّسُولِ بِدُونِ تَأْوِيلٍ، ولَيْسَ هو مُفَرِّطًا في الآخِرَةِ مُطْلَقًا، ولا حاسِبًا تَحْصِيلَ خَيْرِ الدُّنْيا في فِعْلِهِ ذَلِكَ مُفِيتًا عَلَيْهِ ثَوابَ الآخِرَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ الفِعْلِ، فَلَيْسَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَرِيقَ الَّذِينَ أرادُوا ثَوابَ الدُّنْيا قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإيمانِ حِينَئِذٍ، إذْ لَيْسَ الحِرْصُ عَلى تَحْصِيلِ فائِدَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مِن فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، مَعَ عَدَمِ الحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِ ثَوابِ الآخِرَةِ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ بِدالٍّ عَلى اسْتِخْفافٍ بِالآخِرَةِ، وإنْكارٍ لَها، كَما هو بَيِّنٌ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا فَقَطْ. وإنَّما سُمِّيَتْ مُخالَفَةُ مَن خالَفَ أمْرَ الرَّسُولِ عِصْيانًا، مَعَ أنَّ تِلْكَ المُخالَفَةَ كانَتْ عَنِ اجْتِهادٍ لا عَنِ اسْتِخْفافٍ، إذْ كانُوا قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ أمَرَنا بِالثَّباتِ هُنا لِحِمايَةِ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فَما لَنا ولِلْوُقُوفِ هُنا حَتّى تَفُوتَنا الغَنائِمُ، فَكانُوا مُتَأوِّلِينَ، فَإنَّما سُمِّيَتْ هُنا
صفحة ١٣٠
عِصْيانًا لِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ اجْتِهادٍ، فَإنَّ شَأْنَ الحَرْبِ الطّاعَةُ لِلْقائِدِ مِن دُونِ تَأْوِيلٍ، أوْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ كانَ بَعِيدًا فَلَمْ يُعْذَرُوا فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ تَأْوِيلًا لِإرْضاءِ حُبِّ المالِ، فَلَمْ يَكُنْ مُكافِئًا لِدَلِيلِ وُجُوبِ طاعَةِ الرَّسُولِ.
وإنَّما قالَ ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَّرْفَ بِإذْنِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، كَما كانَ القَتْلُ بِإذْنِ اللَّهِ وأنَّ حِكْمَتَهُ الِابْتِلاءُ، لِيَظْهَرَ لِلرَّسُولِ ولِلنّاسِ مَن ثَبَتَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِ، ولِأنَّ في الِابْتِلاءِ أسْرارًا عَظِيمَةً في المُحاسَبَةِ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ سُبْحانَهُ وقَدْ أجْمَلَ هَذا الِابْتِلاءَ هُنا وسَيُبَيِّنُهُ.
وعَقَّبَ هَذا المَلامَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ تَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَلَطُّفٌ مَعَهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَقْرِيعِ المُؤْمِنِينَ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَقْدِيمُ العَفْوِ عَلى المَلامِ في مَلامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . فَتِلْكَ رُتْبَةٌ أشْرَفُ مِن رُتْبَةِ تَعْقِيبِ المَلامِ بِذِكْرِ العَفْوِ، وفِيهِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ إذْ عَجَّلَ لَهُمُ الإعْلامَ بِالعَفْوِ لِكَيْلا تَطِيرَ نُفُوسُهم رَهْبَةً وخَوْفًا مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى.
وفِي تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ تَأْكِيدُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عَفْوٌ لِأجْلِ التَّأْوِيلِ. فَلا يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَفْوًا بَعْدَما ظَهَرَ مِنهم مِنَ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ، ولِأجْلِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ تَكُنِ الآيَةُ صالِحَةً لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الخَوارِجِ والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْصِيَةَ تَسْلُبُ الإيمانَ.
3:153Page 69
۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣
[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.
﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
صفحة ١٣١
﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أيْ دَفَعَكم عَنِ المُشْرِكِينَ حِينَ أنْتُمْ مُصْعِدُونَ.
والإصْعادُ: الذَّهابُ في الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى صَعِيدًا، قالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ:
هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ
والإصْعادُ أيْضًا السَّيْرُ في الوادِي، قالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ: أصْعِدُوا يَوْمَ أُحُدٍ في الوادِي. والمَعْنى: تَفِرُّونَ مُصْعِدِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَذْهَبُونَ في الأرْضِ أيْ فِرارًا، إذْ ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الَّذِي عَقِبَ صَرْفَ اللَّهِ إيّاهم وكانَ مِن آثارِهِ.
﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ أيْ في هَذِهِ الحالَةِ. واللَّيُّ مَجازٌ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ والرِّفْقُ مِثْلُ العَطْفِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، فالمَعْنى ولا يَلْوِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ فَأُوجِزَ بِالحَذْفِ، والمُرادُ عَلى أحَدٍ مِنكم، يَعْنِي: فَرَرْتُمْ لا يَرْحَمُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَرْفُقُ بِهِ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْجِدِّ في الهُرُوبِ حَتّى إنَّ الواحِدَ لِيَدُوسَ الآخَرَ لَوْ تَعَرَّضَ في طَرِيقِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ حالٌ، والأُخْرى آخِرُ الجَيْشِ أيْ مِن ورائِكم. ودُعاءُ الرَّسُولِ دُعاؤُهُ إيّاهم لِلثَّباتِ والرُّجُوعِ عَنِ الهَزِيمَةِ، وهَذا هو دُعاءُ الرَّسُولِ النّاسَ بِقَوْلِهِ «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ مَن يَكُرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ» . وقَوْلُهُ ﴿فَأثابَكم غَمًّا﴾ إنْ كانَ ضَمِيرُ فَأثابَكم ضَمِيرَ اسْمِ الجَلالَةِ، وهو الأظْهَرُ والمُوافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَهو عَطْفٌ عَلى صَرَفَكم أيْ تَرَتَّبَ عَلى الصَّرْفِ إثابَتُكم. وأصْلُ الإثابَةِ إعْطاءُ الثَّوابِ وهو شَيْءٌ يَكُونُ جَزاءً عَلى عَطاءٍ أوْ فِعْلٍ. والغَمُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ، فَيَكُونُ أثابَكم إمّا اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا
أيْ جازاكُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ الإصْعادِ المُقارِنِ لِلصَّرْفِ أنْ أثابَكم غَمًّا أيْ قَلَقًا لَكم في نُفُوسِكم، والمُرادُ أنْ عاقَبَكم بِغَمٍّ كَقَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]
صفحة ١٣٢
وفِي هَذا الوَجْهِ بُعْدٌ: لِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَلامٍ لا تَوْبِيخٍ، ومَقامُ مَعْذِرَةٍ لا تَنْدِيمٍ، وإمّا مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّهم لَمّا خَرَجُوا لِلْحَرْبِ خَرَجُوا طالِبِينَ الثَّوابَ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ باءُوا مَعَها بِعِقابٍ فَيَكُونُ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا
وقَوْلِ الآخَرِ: قُلْتُ: اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا ونُكْتَةُ هَذِهِ المُشاكَلَةِ أنْ يُتَوَصَّلَ بِها إلى الكَلامِ عَلى ما نَشَأ عَنْ هَذا الغَمِّ مِن عِبْرَةٍ، ومِن عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ بَعْدَهُ.
والباءُ في قَوْلِهِ بِغَمٍّ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ غَمًّا مَعَ غَمٍّ، وهو جُمْلَةُ الغُمُومِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ مِن خَيْبَةِ الأمَلِ في النَّصْرِ بَعْدَ ظُهُورِ بَوارِقِهِ، ومِنَ الِانْهِزامِ، ومِن قَتْلِ مَن قُتِلَ، وجَرْحِ مَن جُرِحَ، ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ لِلْعِوَضِ، أيْ: جازاكُمُ اللَّهُ غَمًّا في نُفُوسِكم عِوَضًا عَنِ الغَمِّ الَّذِي نَسَبْتُمْ فِيهِ لِلرَّسُولِ وإنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ فَأثابَكم عائِدًا إلى الرَّسُولِ في قَوْلِهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم، وفِيهِ بُعْدٌ، فالإثابَةُ مَجازٌ في مُقابَلَةِ فِعْلِ الجَمِيلِ بِمِثْلِهِ أيْ جازاكم بِغَمٍّ. والباءُ في قَوْلِهِ بِغَمٍّ باءُ العِوَضِ. والغَمُّ الأوَّلُ غَمُّ نَفْسِ الرَّسُولِ، والغَمُّ الثّانِي غَمُّ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ اغْتَمَّ وحَزِنَ لِما أصابَكم، كَما اغْتَمَمْتُمْ لِما شاعَ مِن قَتْلِهِ فَكانَ غَمُّهُ لِأجْلِكم جَزاءً عَلى غَمِّكم لِأجْلِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ أوَّلُ لِـ (أثابَكم) أيْ ألْهاكم بِذَلِكَ الغَمِّ لِئَلّا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، وما أصابَكم مِنَ القَتْلِ والجِراحِ، فَهو أنْساهم بِمُصِيبَةٍ صَغِيرَةٍ مُصِيبَةً كَبِيرَةً، وقِيلَ: لا زائِدَةٌ والمَعْنى: لِتَحْزَنُوا، فَيَكُونُ زِيادَةً في التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ إنْ كانَ قَوْلُهُ أثابَكم تَهَكُّمًا، أوِ المَعْنى فَأثابَكُمُ
صفحة ١٣٣
الرَّسُولُ غَمًّا عَلى ما فاتَكم: أيْ سَكَتَ عَنْ تَثْرِيبِكم، ولَمْ يَظْهَرْ لَكم إلّا الِاغْتِمامُ لِأجْلِكم، لِكَيْلا يُذَكِّرَكم بِالتَّثْرِيبِ حُزْنًا عَلى ما فاتَكم، فَأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ جَبْرًا لِخَواطِرِكم. وقِيلَ: المَعْنى أصابَكم بِالغَمِّ الَّذِي نَشَأ عَنِ الهَزِيمَةِ لِتَعْتادُوا نُزُولَ المَصائِبِ، فَيَذْهَبُ عَنْكُمُ الهَلَعُ والجَزَعُ عِنْدَ النَّوائِبِ.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ما فاتَكم وما أصابَكم طِباقٌ يُؤْذِنُ بِطِباقٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ، لِأنَّ ما فاتَ هو مِنَ النّافِعِ وما أصابَ هو مِنَ الضّارِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences