Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:154–158

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:154–158

3:154Page 70

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ .

الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ثُمَّ أنْزَلَ ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، وهو يُرَجِّحُ كَوْنَ ضَمِيرِ أثابَكم مِثْلَهُ لِئَلّا يَكُونَ هَذا رُجُوعًا إلى سِياقِ الضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والمَعْنى ثُمَّ أغْشاكم بِالنُّعاسِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ. وسُمِّيَ الإغْشاءُ إنْزالًا لِأنَّهُ لَمّا كانَ نُعاسًا مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ لِحِكْمَةٍ خاصَّةٍ، كانَ كالنّازِلِ مِنَ العَوالِمِ المُشَرَّفَةِ كَما يُقالُ: نَزَلَتِ السَّكِينَةُ.

والأمَنَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ - الأمْنُ، والنُّعاسُ: النَّوْمُ الخَفِيفُ أوْ أوَّلُ النَّوْمِ، وهو يُزِيلُ التَّعَبَ ولا يَغِيبُ صاحِبُهُ، فَلِذَلِكَ كانَ أمَنَةً إذْ لَوْ نامُوا ثَقِيلًا لَأخَذُوا، قالَ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ، والزُّبَيْرُ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ: غَشِيَنا نُعاسٌ حَتّى إنَّ السَّيْفَ لِيَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا. وقَدِ اسْتَجَدُّوا بِذَلِكَ نَشاطَهم، ونَسُوا حُزْنَهم، لِأنَّ الحُزْنَ تَبْتَدِئُ خِفَّتُهُ بَعْدَ أوَّلِ نَوْمَةٍ تُعْفِيهِ، كَما هو مُشاهَدٌ في أحْزانِ المَوْتِ وغَيْرِها. و(نُعاسًا) بَدَلٌ عَلى أمَنَةٍ بَدَلٌ مُطابِقٌ.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقَدَّمَ النُّعاسُ ويُؤَخَّرَ أمَنَةٌ: لِأنَّ أمَنَةً بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ أوِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَحَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَلى المَفْعُولِ كَما جاءَ في آيَةِ الأنْفالِ ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المِنَّةَ هُنا تَشْرِيفًا لِشَأْنِها لِأنَّها جُعِلَتْ كالمُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ لِنَصْرِهِمْ، فَهو كالسَّكِينَةِ، فَناسَبَ أنْ يُجْعَلَ هو مَفْعُولَ أنْزَلَ، ويُجْعَلَ النُّعاسُ بَدَلًا مِنهُ.

صفحة ١٣٤

وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَغْشى - بِالتَّحْتِيَّةِ - عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى نُعاسٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ - بِالفَوْقِيَّةِ - بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى أمَنَةً، ولِذَلِكَ وصَفَها بِقَوْلِهِ مِنكم.

* * *

﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ حالَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ، تَخَلَّصَ مِنهُ لِذِكْرِ حالِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، كَما عُلِمَ مِنَ المُقابَلَةِ، ومِن قَوْلِهِ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾، ومَن تَرَكَ وصَفَها بِمِنكم كَما وصَفَ الأُولى.

وطائِفَةٌ مُبْتَدَأٌ وُصِفَ بِجُمْلَةِ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ . وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] الآيَةَ.

ومَعْنى ﴿أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ حَدَّثَتْهم أنْفُسُهم بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الهَمُّ وذَلِكَ بِعَدَمِ رِضاهم بِقَدَرِ اللَّهِ، وبِشِدَّةِ تَلَهُّفِهِمْ عَلى ما أصابَهم وتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِمّا يَظُنُّونَهُ مُنْجِيًا لَهم لَوْ عَمِلُوهُ: أيْ مِنَ النَّدَمِ عَلى ما فاتَ، وإذْ كانُوا كَذَلِكَ كانَتْ نُفُوسُهم في اضْطِرابٍ يَمْنَعُهم مِنَ الِاطْمِئْنانِ ومِنَ المَنامِ، وهَذا كَقَوْلِهِ الآتِي ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] . وقِيلَ مَعْنى أهَمَّتْهم أدْخَلَتْ عَلَيْهِمُ الهَمَّ بِالكُفْرِ والِارْتِدادِ، وكانَ رَأْسُ هَذِهِ الطّائِفَةِ مُعَتَّبُ بْنَ قُشَيْرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ وإمّا حالٌ مِن طائِفَةٌ. ومَعْنى ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ أنَّهم

صفحة ١٣٥

ذَهَبَتْ بِهِمْ هَواجِسُهم إلى أنْ يَظُنُّوا بِاللَّهِ ظُنُونًا باطِلَةً مِن أوْهامِ الجاهِلِيَّةِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لَمْ يَزالُوا عَلى جاهِلِيَّتِهِمْ لَمْ يُخْلِصُوا الدِّينَ لِلَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ بَعْضَ ما لَهم مِنَ الظَّنِّ بِقَوْلِهِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ و(هَلْ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِمَعْنى النَّفْيِ، بِقَرِينَةِ زِيادَةِ مِن قَبْلَ النَّكِرَةِ، وهي مِن خَصائِصِ النَّفْيِ، وهو تَبْرِئَةٌ لِأنْفُسِهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا سَبَبًا في مُقابَلَةِ العَدُوِّ. حَتّى نَشَأ عَنْهُ ما نَشَأ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الخُرُوجَ لِلْقِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ خَطَأٌ وغُرُورٌ، ويَظُنُّونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِرَسُولٍ إذْ لَوْ كانَ لَكانَ مُؤَيَّدًا بِالنَّصْرِ.

والقَوْلُ في ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] المُتَقَدِّمِ آنِفًا. والمُرادُ بِالأمْرِ هُنا شَأْنُ الخُرُوجِ إلى القِتالِ. والأمْرُ بِمَعْنى السِّيادَةِ الَّذِي مِنهُ الإمارَةُ، ومِنهُ أُولُو الأمْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَظُنُّونَ لِأنَّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى هَذا القَوْلِ. ومَعْنى ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أيْ مِن شَأْنِ الخُرُوجِ إلى القِتالِ، أوْ مِن تَدْبِيرِ النّاسِ شَيْءٌ، أيْ رَأْيٌ ﴿ما قُتِلْنا هاهُنا﴾، أيْ ما قُتِلَ قَوْمُنا. ولَيْسَ المُرادُ انْتِفاءَ القَتْلِ مَعَ الخُرُوجِ إلى القِتالِ في أُحُدٍ، بَلِ المُرادُ انْتِفاءُ الخُرُوجِ إلى أُحُدٍ الَّذِي كانَ سَبَبًا في قَتْلِ مَن قُتِلَ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الإشارَةِ بِقَوْلِهِ هاهُنا

فالكَلامُ كِنايَةٌ. وهَذا القَوْلُ قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ لَمّا أخْبَرُوهُ بِمَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الخَزْرَجِ يَوْمَئِذٍ، وهَذا تَنَصُّلٌ مِن أسْبابِ الحَرْبِ وتَعْرِيضٌ بِالنَّبِيءِ ومَن أشارَ بِالخُرُوجِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رَغِبُوا في إحْدى الحُسْنَيَيْنِ.

وإنَّما كانَ هَذا الظَّنُّ غَيْرَ الحَقِّ لِأنَّهُ تَخْلِيطٌ في مَعْرِفَةِ صِفاتِ اللَّهِ وصِفاتِ رَسُولِهِ وما يَجُوزُ وما يَسْتَحِيلُ، فَإنَّ لِلَّهِ أمْرًا وهَدْيًا ولَهُ قَدَرٌ وتَيْسِيرٌ، وكَذَلِكَ لِرَسُولِهِ الدَّعْوَةُ والتَّشْرِيعُ وبَذْلُ الجُهْدَ في تَأْيِيدِ الدِّينِ وهو في ذَلِكَ مَعْصُومٌ، ولَيْسَ مَعْصُومًا مِن جَرَيانِ الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِ، ومِن أنْ يَكُونَ الحَرْبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ سِجالًا، قالَ أبُو سُفْيانَ لِهِرَقْلَ وقَدْ سَألَهُ: كَيْفَ كانَ قِتالُكم لَهُ ؟

صفحة ١٣٦

فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: يَنالُ مِنّا ونَنالُ مِنهُ، فَقالَ هِرَقْلُ: وكَذَلِكَ الإيمانُ حَتّى يَتِمَّ. فَظَنُّهم ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ.

وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ ظَنُّ الجاهِلِيَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا الإيمانَ أصْلًا فَهَؤُلاءِ المُتَظاهِرُونَ بِالإيمانِ لَمْ يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ فَبَقِيَتْ مَعارِفُهم كَما هي مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ.

والجاهِلِيَّةُ صِفَةٌ جَرَتْ عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِالفِئَةِ أوِ الجَماعَةِ، ورُبَّما أُرِيدَ بِهِ حالَةُ الجاهِلِيَّةِ في قَوْلِهِمْ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، والظّاهِرُ أنَّهُ نِسْبَةٌ إلى الجاهِلِ أيِ الَّذِي لا يَعْلَمُ الدِّينَ والتَّوْحِيدَ، فَإنَّ العَرَبَ أطْلَقَتِ الجَهْلَ عَلى ما قابَلَ الحِلْمَ، قالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:

بِجَهْلٍ كَجَهْلِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُنْتَضى وحِلْمٍ كَحِلْمِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُغْمَدُ

وأُطْلِقَتِ الجَهْلُ عَلى عَدَمِ العِلْمِ قالَ السَّمَوْألُ:

فَلَيْسَ سَواءٌ عالِمٌ وجَهُولُ

وقالَ النّابِغَةُ:

ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما

وأحْسَبُ أنَّ لَفْظَ الجاهِلِيَّةِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، وصَفَ بِهِ أهْلَ الشِّرْكِ تَنْفِيرًا مِنَ الجَهْلِ، وتَرْغِيبًا في العِلْمِ، ولِذَلِكَ يَذْكُرُهُ القُرْآنُ في مَقاماتِ الذَّمِّ في نَحْوِ قَوْلِهِ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا، وفي «حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ أشْياءَ كانَ يَتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ وعَتاقَةٍ وصِلَةِ رَحِمٍ»، وقالُوا: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ، وأيّامُ الجاهِلِيَّةِ. ولَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وفي كَلامِ المُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ غَيْرَ الحَقِّ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ يَظُنُّونَ كَأنَّهُ قِيلَ الباطِلُ. وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ عَلى المَصْدَرِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ إذْ كُلُّ أحَدٍ يَعْرِفُ عَقائِدَ الجاهِلِيَّةِ إنْ كانَ مُتَلَبِّسًا بِها أوْ تارِكًا لَها.

صفحة ١٣٧

وجُمْلَةُ يُخْفُونَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُولُونَ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ في حالِ نِيَّتِهِمْ غَيْرَ ظاهِرِهِ، فَ (يُخْفُونَ) في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ إعْلانٌ بِنِفاقِهِمْ، وأنَّ قَوْلَهم هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ وقَوْلَهم لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا هو وإنْ كانَ ظاهِرُهُ صُورَةَ العِتابِ عَنْ تَرْكِ مَشُورَتِهِمْ فَنِّيَّتُهم مِنهُ تَخْطِئَةُ النَّبِيءِ في خُرُوجِهِ بِالمُسْلِمِينَ إلى أُحُدٍ، وأنَّهم أسَدُّ رَأْيًا مِنهُ.

وجُمْلَةُ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ إذْ كانُوا قَدْ قالُوا ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم ولَمْ يُظْهِرُوهُ، أوْ هي بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ إذا أظْهَرُوا قَوْلَهم لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَرْجِعُ الجُمْلَةُ إلى مَعْنى بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ يَظُنُّونَ لِأنَّها لَمّا بَيَّنَتْ جُمْلَةَ هي بَدَلٌ فَهي أيْضًا كالَّتِي بَيَّنَتْها، وهَذا أظْهَرُ لِأجْلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ القالَةَ فَشَتْ وبَلَغَتِ الرَّسُولَ، ولا يَحْسُنُ كَوْنُ جُمْلَةِ يَقُولُونَ لَوْ كانَ إلى آخِرِهِ مُسْتَأْنَفَةً خِلافًا لِما في الكَشّافِ.

وهَذِهِ المَقالَةُ صَدَرَتْ مِن مَعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: غَشِيَنِي النُّعاسُ فَسَمِعْتُ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ يَقُولُ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. فَحَكى القُرْآنُ مَقالَتَهُ كَما قالَها، وأُسْنِدَتْ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم سَمِعُوها ورَضُوا بِها.

وجُمْلَةُ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ هَذا العُذْرَ الباطِلَ أيْ أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ غَيْرُ مُحْتاجَيْنِ إلى أمْرِكم. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كُلَّهُ - بِالنَّصْبِ - تَأْكِيدًا لِاسْمِ إنَّ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ - بِالرَّفْعِ - عَلى نِيَّةِ الِابْتِداءِ. والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.

* * *

﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بِيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ .

صفحة ١٣٨

لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ الجَوابَ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، والجَوابُ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ، وتَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الرَّيْبِ، إذا سَمِعُوا كَلامَ المُنافِقِينَ، أوْ هو جَوابٌ لِلْمُنافِقِينَ ويَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ جَرْيًا عَلى حِكايَةِ المُقاوَلَةِ كَما قَرَّرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ، وهَذا الجَوابُ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ وهي جَرَيانُ الأشْياءِ عَلى قَدَرٍ مِنَ اللَّهِ والتَّسْلِيمُ لِذَلِكَ بَعْدَ اسْتِفْراغِ الجُهْدِ في مُصادَفَةِ المَأْمُولِ، فَلَيْسَ هَذا الجَوابُ ونَظائِرُهُ بِمُقْتَضٍ تَرْكَ الأسْبابِ، لِأنَّ قَدَرَ اللَّهِ تَعالى وقَضاءَهُ غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ لَنا إلّا بَعْدَ الوُقُوعِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالسَّعْيِ فِيما عَساهُ أنْ يَكُونَ كاشِفًا عَنْ مُصادَفَةِ اللَّهِ لِمَأْمُولِنا، فَإنِ اسْتَفْرَغْنا جُهُودَنا وحُرِمْنا المَأْمُولَ، عَلِمْنا أنَّ قَدَرَ اللَّهِ جَرى مِن قَبْلُ عَلى خِلافِ مُرادِنا، فَأمّا تَرْكُ الأسْبابِ فَلَيْسَ مِن شَأْنِنا، وهو مُخالِفٌ لِما أرادَ اللَّهُ مِنّا، وإعْراضٌ عَمّا أقامَنا اللَّهُ فِيهِ في هَذا العالَمِ وهو تَحْرِيفٌ لِمَعْنى القَدَرِ. والمَعْنى: لَوْ لَمْ تَكُونُوا هاهُنا وكُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَخَرَجَ الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَمُوتُوا مَقْتُولِينَ فَقُتِلُوا في مَضاجِعِهِمُ الَّتِي اضْطَجَعُوا فِيها يَوْمَ أُحُدٍ أيْ مَصارِعِهِمْ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ كُتِبَ قُدِّرَ، ومَعْنى بَرَزَ خَرَجَ إلى البَرازِ وهو الأرْضُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ باءَ (بُيُوتِكم) بِالكَسْرِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِالضَّمِّ.

والمَضاجَعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ الجِيمِ وهو مَحَلُّ الضُّجُوعِ، والضُّجُوعُ: وضْعُ الجَنْبِ بِالأرْضِ لِلرّاحَةِ والنَّوْمِ، وفِعْلُهُ مِن بابِ مَنَعَ ومَصْدَرُهُ القِياسِيُّ الضَّجْعُ، وأمّا الضُّجُوعُ فَغَيْرُ قِياسِيٍّ، ثُمَّ غَلَبَ إطْلاقُ المَضْجَعِ عَلى مَكانِ النَّوْمِ قالَ تَعالى تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ وفي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ» فَحَقِيقَةُ الضُّجُوعِ هو وضْعُ الجَنْبِ لِلنَّوْمِ والرّاحَةِ وأُطْلِقَ هُنا عَلى مَصارِعِ القَتْلى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، وحُسْنُها أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّ قَوْلَهم ما قُتِلْنا هاهُنا يَتَضَمَّنُ مَعْنى أنَّ الشُّهَداءَ كانُوا يَبْقُونَ في بُيُوتِهِمْ مُتَمَتِّعِينَ بِفُرُوشِهِمْ.

* * *

صفحة ١٣٩

﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم وما بَيْنَهُما جُمَلٌ بَعْضُها عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعَلِّلَةِ، وبَعْضُها مُعْتَرِضَةٌ، فَهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ، وهو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ.

و(الصُّدُورُ) هُنا بِمَعْنى الضَّمائِرِ، والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ أثَرِهِ، وهو إظْهارٌ لِلنّاسِ والحُجَّةُ عَلى أصْحابِ تِلْكَ الضَّمائِرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا.

والتَّمْحِيصُ تَخْلِيصُ الشَّيْءِ مِمّا يُخالِطُهُ مِمّا فِيهِ عَيْبٌ لَهُ فَهو كالتَّزْكِيَةِ. والقُلُوبُ هُنا بِمَعْنى العَقائِدِ، ومَعْنى تَمْحِيصُ ما في قُلُوبِهِمْ تَطْهِيرُها مِمّا يُخامِرُها مِنَ الرَّيْبِ حِينَ سَماعِ شُبَهِ المُنافِقِينَ الَّتِي يَبُثُّونَها بَيْنَهم.

وأُطْلِقَ ”الصُّدُورُ“ عَلى الضَّمائِرِ لِأنَّ الصَّدْرَ في كَلامِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى الإحْساسِ الباطِنِيِّ، وفي الحَدِيثِ «الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ» وأُطْلِقَ القَلْبُ عَلى الِاعْتِقادِ لِأنَّ القَلْبَ في لِسانِ العَرَبِ هو ما بِهِ يَحْصُلُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِقادُ. وعُدِّيَ إلى الصُّدُورِ فِعْلُ الِابْتِلاءِ لِأنَّهُ اخْتِبارُ الأخْلاقِ والضَّمائِرِ: ما فِيها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ولِيَتَمَيَّزَ ما في النَّفْسِ. وعُدِّيَ إلى القُلُوبِ فِعْلُ التَّمْحِيصِ لِأنَّ الظُّنُونَ والعَقائِدَ مُحْتاجَةٌ إلى التَّمْحِيصِ لِتَكُونَ مَصْدَرَ كُلِّ خَيْرٍ.

3:155Page 70

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سَبَبِ الهَزِيمَةِ الخَفِيِّ، وهي اسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ إيّاهم، وأرادَ بِـ (يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) يَوْمَ أُحُدٍ، و(اسْتَزَلَّهُمُ) بِمَعْنى أزَلَّهم أيْ جَعَلَهم زالِّينَ، والزَّلَلُ

صفحة ١٤٠

مُسْتَعارٌ لِفِعْلِ الخَطِيئَةِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلُ اسْتَفادَ واسْتَبْشَرَ واسْتَنْشَقَ وقَوْلِ النّابِغَةِ:

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً أبا جابِرٍ فاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرِ

أيْ نَكَحُوا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ أبى واسْتَكْبَرَ. ولا يَحْسُنُ حَمْلُ السِّينِ والتّاءِ عَلى مَعْنى الطَّلَبِ لِأنَّ المَقْصُودَ لَوْمُهم عَلى وُقُوعِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، فَهو زَلَلٌ واقِعٌ.

والمُرادُ بِالزَّلَلِ الِانْهِزامُ، وإطْلاقُ الزَّلَلِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ كَإطْلاقِ ثَباتِ القَدَمِ عَلى ضِدِّهِ وهو النَّصْرُ قالَ تَعالى وثَبِّتْ أقْدامَنا.

والباءُ في بِبَعْضِ ما كَسَبُوا لِلسَّبَبِيَّةِ وأُرِيدَ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا مُفارَقَةُ مَوْقِفِهِمْ، وعِصْيانُ أمْرِ الرَّسُولِ، والتَّنازُعُ، والتَّعْجِيلُ إلى الغَنِيمَةِ، والمَعْنى أنَّ ما أصابَهم كانَ مِن آثارِ الشَّيْطانِ، وما هم فِيهِ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا مِن صَنِيعِهِمْ، والمَقْصِدُ مِن هَذا إلْقاءُ تَبِعَةِ ذَلِكَ الِانْهِزامِ عَلى عَواتِقِهِمْ، وإبْطالُ ما عَرَّضَ بِهِ المُنافِقُونَ مِن رَمْيِ تَبِعَتِهِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالخُرُوجِ، وتَحْرِيضِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الجِهادِ. وذَلِكَ شَأْنُ ضِعافِ العُقُولِ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِمْ مُقارِنُ الفِعْلِ بِسَبَبِهِ، ولِأجْلِ تَخْلِيصِ الأفْكارِ مِن هَذا الغَلَطِ الخَفِيِّ وضَعَ أهْلُ المَنطِقِ بابَ القَضِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ والقَضِيَّةِ الِاتِّفاقِيَّةِ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم مَرْتَبَةَ حَقِّ اليَقِينِ بِقَوْلِهِ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمُ انْتَقَلَ بِهِمْ إلى مَرْتَبَةِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ إنْ كانَ لِلْأسْبابِ تَأْثِيرٌ فَسَبَبُ مُصِيبَتِهِمْ هي أفْعالُهُمُ الَّتِي أمْلاها الشَّيْطانُ عَلَيْهِمْ وأضَلَّهم، فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى السَّبَبِ، والتُبِسَ عَلَيْهِمْ بِالمُقارَنِ، ومِن شَأْنِ هَذا الضَّلالِ أنْ يَحُولَ بَيْنَ المُخْطِئِ وبَيْنَ تَدارُكِ خَطَئِهِ ولا يَخْفى ما في الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأغْراضِ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيحِ، وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وتَحْبِيبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَعْظِيمِهِ عِنْدَهم، وتَنْفِيرِهِمْ مِنَ الشَّيْطانِ، والأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وتَسْفِيهِ أحْلامِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ. وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ

صفحة ١٤١

الَّذِينَ تَوَلَّوْا نَفْسُ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمُ الآياتِ. وضَمِيرُ مِنكم راجِعٌ إلى عامَّةِ جَيْشِ أُحُدٍ فَشَمِلَ الَّذِينَ ثَبَتُوا ولَمْ يَفِرُّوا. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا جَماعَةٌ هَرَبُوا إلى المَدِينَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا احْتِمالاتٌ ذَكَرَها صاحِبُ الكَشّافِ والفَخْرُ، وهي بِمَعْزِلٍ عَنِ القَصْدِ.

وقَوْلُهُ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم أُعِيدَ الإخْبارُ بِالعَفْوِ تَأْنِيسًا لَهم كَقَوْلِهِ ولَقَدْ عَفا عَنْكم.

3:156Page 70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

تَحْذِيرٌ مِنَ العَوْدِ إلى مُخالَجَةِ عَقائِدِ المُشْرِكِينَ، وبَيانٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ تِلْكَ العَقائِدِ في الدُّنْيا أيْضًا. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ. والإقْبالُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخِطابِ تَلَطُّفٌ بِهِمْ جَمِيعًا بَعْدَ تَقْرِيعِ فَرِيقٍ مِنهُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لِإخْوانِهِمْ لَيْسَتْ لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ بَلْ هي لامُ العِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا لِأنَّ الإخْوانَ لَيْسُوا مُتَكَلَّمًا مَعَهم بَلْ هُمُ الَّذِينَ ماتُوا وقُتِلُوا، والمُرادُ بِالإخْوانِ الأقارِبُ في النَّسَبِ، أيْ مِنَ الخَزْرَجِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الشُّهَداءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

و(إذا) هُنا ظَرْفٌ لِلْماضِي بِدَلِيلِ فِعْلَيْ قالُوا و(ضَرَبُوا)، وقَدْ حُذِفَ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ما ماتُوا تَقْدِيرُهُ: فَماتُوا في سَفَرِهِمْ أوْ قُتِلُوا في الغَزْوِ.

والضَّرْبُ في الأرْضِ هو السَّفَرُ، فالضَّرْبُ مُسْتَعْمَلٌ في السَّيْرِ لِأنَّ أصْلَ الضَّرْبِ

صفحة ١٤٢

هُوَ إيقاعُ جِسْمٍ عَلى جِسْمٍ وقَرْعُهُ بِهِ، فالسَّيْرُ ضَرْبٌ في الأرْضِ بِالأرْجُلِ، فَأُطْلِقَ عَلى السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وعَلى مُطْلَقِ السَّفَرِ كَما هُنا، وعَلى السَّفَرِ لِلْغَزْوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] وقَوْلُهُ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا السَّفَرُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَلُومُهم عَلَيْهِ الكُفّارُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ التِّجارَةُ.

وعَلَيْهِ يَكُونُ قَرْنُهُ مَعَ القَتْلِ في الغَزْوِ لِكَوْنِهِما كَذَلِكَ في عَقِيدَةِ الكُفّارِ.

و(غُزًّى) جَمْعُ غازٍ. وفُعَّلٌ قَلِيلٌ في جَمْعِ فاعِلٍ النّاقِصِ. وهو مَعَ ذَلِكَ فَصِيحٌ. ونَظِيرُهُ عُفًّى في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

لَها قُلُبٌ عُفّى الحِياضِ أُجُونُ

وقَوْلُهُ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ عِلَّةٌ لِـ (قالُوا) بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ اعْتِقادِ ذَلِكَ مَعَ الإعْلانِ بِهِ تَوْجِيهًا لِلنَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ أيْ فَإنَّكم إنِ اعْتَقَدْتُمُ اعْتِقادَهم لَحِقَكم أثَرُهُ كَما لَحِقَهم، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى القَوْلِ الدّالِّ عَلى الِاعْتِقادِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّعْلِيلُ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ. وقِيلَ: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا، فَتَرَتَّبَ عَلى قَوْلِهِمْ أنْ كانَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِيَجْعَلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن صِلَةِ الَّذِينَ، ومِن جُمْلَةِ الأحْوالِ المُشَبَّهَةِ بِها، فَيُعْلَمُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ فِيها لِما فِيها مِنَ الضُّرِّ.

والحَسْرَةُ: شِدَّةُ الأسَفِ أيِ الحُزْنِ، وكانَ هَذا حَسْرَةً عَلَيْهِمْ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ مُصابَهم نَشَأ عَنْ تَضْيِيعِهِمُ الحَزْمَ، وأنَّهم لَوْ كانُوا سَلَكُوا غَيْرَ ما سَلَكُوهُ لَنَجَوْا فَلا يَزالُونَ مُتَلَهِّفِينَ عَلى ما فاتَهم. والمُؤْمِنُ يَبْذُلُ جُهْدَهُ فَإذا خابَ سَلَّمَ لِحُكْمِ القَدَرِ.

صفحة ١٤٣

وقَوْلُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَحْذِيرٌ لَهم مِن أنْ يُضْمِرُوا العَوْدَ إلى ما نُهُوا عَنْهُ.

3:157–158Page 70

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مِتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ .

ذَكَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمَوْتَ في غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إذا أعْقَبَتْهُما المَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الحَياةِ وما يَجْمَعُونَ فِيها، وجَعَلَ المَوْتَ والقَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسِيلَةً لِلْحَشْرِ والحِسابِ فَلْيَعْلَمْ أحَدٌ بِماذا يُلاقِي رَبَّهُ. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وعَلى قَوْلِهِ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ أيْ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ قَبْلَها قَسَمًا مُقَدَّرًا، ورَدَ بَعْدَهُ شَرْطٌ فَلِذَلِكَ لا تَقَعُ إلّا مَعَ الشَّرْطِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَمَغْفِرَةٌ هي لامُ جَوابِ القَسَمِ. والجَوابُ هو قَوْلُهُ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ لِظُهُورِ أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ لَكم. وقَرَأهُ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: مِتُّمْ - بِكَسْرِ المِيمِ - عَلى لُغَةِ الحِجازِ لِأنَّهم جَعَلُوا ماضِيَهُ مِثْلَ خافَ، اعْتَبَرُوهُ مَكْسُورَ العَيْنِ وجَعَلُوا مُضارِعَهُ مِن بابِ قامَ فَقالُوا: يَمُوتُ، ولَمْ يَقُولُوا: يُماتُ، فَهو مِن تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ. وأمّا سُفْلى مُضَرَ فَقَدْ جاءُوا بِهِ في الحالَيْنِ مِن بابِ: قامَ فَقَرَءُوهُ: مُتُّمْ. وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، مِمّا تَجْمَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أيْ خَيْرٌ لَكم مِن غَنائِمِ المُشْرِكِينَ الَّتِي جَمَعُوها وطَمِعْتُمْ أنْتُمْ في غُنْمِها.

وقُدِّمَ القَتْلُ في الأُولى والمَوْتُ في الثّانِيَةِ اعْتِبارًا بِعَطْفِ ما يُظَنُّ أنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحُكْمِ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أمْرٌ قَرِيبٌ، ولَكِنَّ كَوْنَ المَوْتِ في غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ المَوْتِ في

صفحة ١٤٤

الثّانِيَةِ لِأنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ أنْ يُعْقِبَهُ الحَشْرُ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ، ومِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وجَعْلِ القَتْلِ مَبْدَأ الكَلامِ وعَوْدَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском