Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:169–177

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:169–177

3:169–172Page 72

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩

And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠

Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١

They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -

﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

صفحة ١٦٥

قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.

والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.

وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ

صفحة ١٦٦

الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا دُنْيَوِيَّةٍ، وحِينَئِذٍ فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِكَيْنُونَةِ هَذا الرِّزْقِ. وقَوْلُهُ فَرِحِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُرْزَقُونَ.

والِاسْتِبْشارُ: حُصُولُ البِشارَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى واسْتَغْنى اللَّهُ وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم بَيْنَ المَسَرَّةِ بِأنْفُسِهِمْ والمَسَرَّةِ بِمَن بَقِيَ مِن إخْوانِهِمْ، لِأنَّ في بَقائِهِمْ نِكايَةً لِأعْدائِهِمْ، وهم مَعَ حُصُولِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لَهم عَلى أيْدِي الأعْداءِ يَتَمَنَّوْنَ هَلاكَ أعْدائِهِمْ، لِأنَّ في هَلاكِهِمْ تَحْقِيقَ أُمْنِيَّةٍ أُخْرى لَهم وهي أُمْنِيَّةُ نَصْرِ الدِّينِ.

فالمُرادُ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ رُفَقاؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُجاهِدُونَ مَعَهم، ومَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لَمْ يُسْتَشْهَدُوا فَيَصِيرُوا إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.

و(مِن خَلْفِهِمْ) تَمْثِيلٌ بِمَعْنى مِن بَعْدِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَصِيرُوا إلى الدّارِ الآخِرَةِ مِن رِفاقِهِمْ بِأمْنِهِمْ وانْتِفاءِ ما يُحْزِنُهم. وقَوْلُهُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ، و(لا) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ ومُفِيدَةٌ مَعْناها، ولَمْ يُبْنَ اسْمُ لا عَلى الفَتْحِ هُنا لِظُهُورِ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الجِنْسِ ولا احْتِمالَ لِنَفْيِ الوَحْدَةِ فَلا حاجَةَ لِبِناءِ النَّكِرَةِ عَلى الفَتْحِ، وهو كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» بِرَفْعِ الأسْماءِ النَّكِراتِ الثَّلاثَةِ.

وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ أرْواحَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ مُنِحَتِ الكَشْفَ عَلى ما يَسُرُّها مِن أحْوالِ الَّذِينَ يَهُمُّهم شَأْنُهم في الدُّنْيا. وأنَّ هَذا الكَشْفَ ثابِتٌ لِجَمِيعِ الشُّهَداءِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا بِالأحْوالِ السّارَّةِ لِأنَّها لَذَّةٌ لَها. وقَدْ يَكُونُ عامًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ لِأنَّ لَذَّةَ الأرْواحِ تَحْصُلُ بِالمَعْرِفَةِ، عَلى أنَّ الإمامَ الرّازِيَّ حَصَرَ اللَّذَّةَ الحَقِيقِيَّةَ في المَعارِفِ. وهي لَذَّةُ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَةً.

وفِي الآيَةِ بِشارَةٌ لِأصْحابِ أُحُدٍ الأحْياءِ بِأنَّهم لا تَلْحَقُهم نَكْبَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.

صفحة ١٦٧

وضَمِيرُ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا والضَّمِيرُ لِـ (الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ)، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى البِشارَةِ كَقَوْلِهِ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا فَكَرَّرَ أغْوَيْناهم، ولِأنَّ هَذا اسْتِبْشارٌ مِنهُ عائِدٌ لِأنْفُسِهِمْ، ومِنهُ عائِدٌ لِرِفاقِهِمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ مِن بَعْدِ القَرْحِ، والأُولى عائِدَةٌ لِإخْوانِهِمْ. والنِّعْمَةُ: هي ما يَكُونُ بِهِ صَلاحٌ، والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في النِّعْمَةِ.

وقَوْلُهُ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَفْخِيمُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الِاسْتِبْشارِ وانْشِراحِ الأنْفُسِ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُمُ المَسَرَّةَ الجُثْمانِيَّةَ الجُزْئِيَّةَ والمَسَرَّةَ العَقْلِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، فَإنَّ إدْراكَ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ لَذَّةٌ رُوحانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِشَرَفِ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ، وشَرَفِ العِلْمِ بِها، وحُصُولِ المَسَرَّةِ لِلنَّفْسِ مِنَ انْكِشافِها لَها وإدْراكِها، أيِ اسْتَبْشَرُوا بِأنْ عَلِمُوا حَقِيقَةً كُلِّيَّةً وسِرًّا جَلِيلًا مِن أسْرارِ العِلْمِ بِصِفاتِ اللَّهِ وكَمالاتِهِ، الَّتِي تَعُمُّ آثارُها أهْلَ الكَمالِ كُلَّهم، فَتَشْمَلُ الَّذِينَ أدْرَكُوها وغَيْرَهم، ولَوْلا هَذا المَعْنى الجَلِيلُ لَمْ يَكُنْ داعٍ إلى زِيادَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِزِيادَتِهِ زِيادَةُ نِعْمَةٍ وفَضْلٍ لِلْمُسْتَبْشِرِينَ مِن جِنْسِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ الأوَّلَيْنِ، بَلْ حَصَلَتْ نِعْمَةٌ وفَضْلٌ آخَرانِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَسْتَبْشِرُونَ في مَعْنى التَّذْيِيلِ فَهو غَيْرُ داخِلٍ فِيما اسْتَبْشَرَ بِهِ الشُّهَداءُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ، فَتَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.

وجُمْلَةُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ وهَذِهِ الِاسْتِجابَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ إثْرَ أُحُدٍ مِنَ الإرْجافِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ، بَعْدَ أنْ بَلَغُوا الرَّوْحاءَ، خَطَرَ لَهم أنْ لَوْ لَحِقُوا المُسْلِمِينَ فاسْتَأْصَلُوهم. وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ هَذا وما وقَعَ لِمَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ

صفحة ١٦٨

تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القَرْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا القَرْحُ المَجازِيُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ فَيُقالُ القُرُوحُ.

3:173–175Page 72

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ العَطْفِ في الأخْبارِ. وإنَّما جِيءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، دُونَ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ، اهْتِمامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حَتّى لا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ أيْ ذَلِكَ القَوْلُ، كَما سَيَأْتِي. وهَذا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ كَفاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعامٍ، إنْجازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ في العامِ القابِلِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ قَدْ كَرِهَ الخُرُوجَ إلى لِقاءِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ الأجَلِ، وكادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إخْلافَ الوَعْدِ مِنهم لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى الإرْجافِ بَيْنَ العَرَبِ بِضَعْفِ المُسْلِمِينَ، فَجاعَلَ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ قُرْبَ مَكَّةَ قاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أنْ يُخْبِرُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهم جَيْشًا عَظِيمًا، وكانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، فَأخْبَرَ نُعَيْمٌ ومَن مَعَهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزادَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ اسْتِعْدادًا وحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وخَرَجُوا إلى المَوْعِدِ

صفحة ١٦٩

وهُوَ بَدْرٌ فَلَمْ يَجِدُوا المُشْرِكِينَ وانْتَظَرُوهم هُناكَ، وكانَتْ هُنالِكَ سُوقٌ فاتَّجَرُوا ورَجَعُوا سالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ أيِ الرَّكْبُ العَبْدِيُّونَ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم أيْ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم. وحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أيْ جَمَعُوا أنْفُسَهم وعَدَدَهم وأحْلافَهم كَما فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الأوَّلِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ لَفْظَ النّاسَ هُنا أُطْلِقَ عَلى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سُفْيانَ، وجَعَلُوهُ شاهِدًا عَلى اسْتِعْمالِ النّاسِ بِمَعْنى الواحِدِ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وإطْلاقُ لَفْظِ النّاسَ مُرادًا بِهِ واحِدٌ أوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الإبْهامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِـ (النّاسَ) مُحَمَّدًا ﷺ .

وقَوْلُهُ فَزادَهم إيمانًا أيْ زادَهم قَوْلُ النّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرِ في فَزادَهُمُ عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ قالَ لَهُمُ النّاسُ أوْ عائِدٌ إلى النّاسُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مُرادًا بِهِ تَخْوِيفُ المُسْلِمِينَ ورُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وحَصَلَ مِنهُ خِلافُ ما أرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، جَعَلَ ما حَصَلَ بِهِ زائِدًا في إيمانِ المُسْلِمِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ الإيمانَ أُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ، أيِ العَزْمِ عَلى النَّصْرِ والجِهادِ وهو بِهَذا المَعْنى يَزِيدُ ويَنْقُصُ ومَسْألَةُ زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ مَسْألَةٌ قَدِيمَةٌ، والخِلافُ فِيها مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأعْمالَ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الإيمانِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلاتَكم. أمّا التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ وهو عَقْدُ القَلْبِ عَلى إثْباتِ وُجُودِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وبَعْثِهِ الرُّسُلَ وصِدْقِ الرَّسُولِ، فَلا يَقْبَلُ النَّقْصَ، ولا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ولِذَلِكَ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في هَذا المَعْنى، وإنَّما هو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى اللَّفْظِ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأخْلاقِ أنَّ الِاعْتِقادَ الجازِمَ إذا تَكَرَّرَتْ أدِلَّتُهُ، أوْ طالَ زَمانُهُ، أوْ قارَنَتْهُ التَّجارِبُ، يَزْدادُ جَلاءً وانْكِشافًا، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَلَكَةِ، فَلَعَلَّ هَذا المَعْنى مِمّا يُرادُ بِالزِّيادَةِ، بِقَرِينَةِ أنَّ القُرْآنَ لَمْ يُطْلِقْ وصْفَ النَّقْصِ في الإيمانِ بَلْ ما ذَكَرَ إلّا الزِّيادَةَ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

صفحة ١٧٠

وقَوْلُهم ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ كَلِمَةٌ لَعَلَّهم أُلْهَمُوها أوْ تَلَقَّوْها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وحَسْبُ: أيْ كافٍ، وهو اسْمٌ جامِدٌ بِمَعْنى الوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قالُوا: ومِنهُ اسْمُهُ تَعالى الحَسِيبُ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ. وقِيلَ: الإحْسابُ هو الإكْفاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى كَفى، وهو ظاهِرُ القامُوسِ. ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ في تَوْضِيحِهِ بِأنَّ دُخُولَ العَوامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، وقَوْلُهم: بِحَبْسِكَ دِرْهَمٌ، يُنافِي دَعْوى كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّ أسْماءَ الأفْعالِ لا تَدْخُلُ عَلَيْها العَوامِلُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وهو مِنَ الأسْماءِ اللّازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا دُونَ مَعْنًى، فَيُبْنى عَلى الضَّمِّ مِثْلُ: قَبْلُ وبَعْدُ، كَقَوْلِهِمْ: اعْطِهِ دِرْهَمَيْنِ فَحَسْبُ، ويَتَجَدَّدُ لَهُ مَعْنى حِينَئِذٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى لا غَيْرَ. وإضافَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيضًا لِأنَّهُ في قُوَّةِ المُشْتَقِّ ولِذَلِكَ تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، وهو مُلازِمُ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ لِأنَّهُ لَجُمُودِهِ شابَهَ المَصْدَرَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ اسْمَ فِعْلٍ فَهو كالمَصْدَرِ، أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو شَأْنُ المَصادِرِ، ومَعْناها: إنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِاللَّهِ ناصِرًا وإنْ كانُوا في قِلَّةٍ وضَعْفٍ.

وجُمْلَةُ ونِعْمَ الوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلى حَسْبُنا اللَّهُ في كَلامِ القائِلِينَ، فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ، وهو مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ الَّذِي لا تُطْلَبُ فِيهِ إلّا المُناسَبَةُ.

والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِتَقَدُّمِ دَلِيلِهِ.

و(الوَكِيلُ) فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ. يُقالُ: وكَلَ حاجَتَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ في قَضائِها وفَوَّضَ إلَيْهِ تَحْصِيلَها، ويُقالُ لِلَّذِي لا يَسْتَطِيعُ القِيامَ بِشُئُونِهِ بِنَفْسِهِ: رَجُلٌ وكَلٌ - بِفَتْحَتَيْنِ - أيْ كَثِيرُ الِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِهِ، فالوَكِيلُ هو القائِمُ بِشَأْنِ مَن وكَّلَهُ، وهَذا القِيامُ بِشَأْنِ المُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ المُوَكَّلِ فِيها، وبِذَلِكَ الِاخْتِلافِ يَخْتَلِفُ مَعْنى الوَكِيلُ، فَإنْ كانَ القِيامُ في دَفْعِ العَداءِ والجَوْرِ فالوَكِيلُ النّاصِرُ والمُدافِعُ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ، ومِنهُ فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا. ومِنهُ الوَكِيلُ في الخُصُومَةِ، وإنْ كانَ في شُئُونِ الحَياةِ فالوَكِيلُ الكافِلُ والكافِي ومِنهُ

صفحة ١٧١

أنْ لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا كَما قالَ وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا ولِذَلِكَ كانَ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الوَكِيلُ، وقَوْلُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ومِنهُ الوَكِيلُ عَلى المالِ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا اسْمُ الكَفِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا. وقَدْ حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الوَكِيلَ عَلى ما يَشْمَلُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: وهو مالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَكِيلَ اسْمٌ جامِعٌ لِلرَّقِيبِ والحافِظِ في الأُمُورِ الَّتِي يُعْنى النّاسُ بِحِفْظِها ورِقابَتِها وادِّخارِها، ولِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ ويَتَعَمَّمُ بِحَسَبِ المَقاماتِ.

وقَوْلُهُ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعْقِيبٌ لِلْإخْبارِ عَنْ ثَباتِ إيمانِهِمْ وقَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، وهو تَعْقِيبٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ فانْقَلَبُوا، لِأنَّ الِانْقِلابَ يَقْتَضِي أنَّهم خَرَجُوا لِلِقاءِ العَدُوِّ الَّذِي بَلَغَ عَنْهم أنَّهم جَمَعُوا لَهم ولَمْ يَعْبَئُوا بِتَخْوِيفِ الشَّيْطانِ، والتَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلابِسِينَ لِنِعْمَةٍ وفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ. فالنِّعْمَةُ هي ما أخَذُوهُ مِنَ الأمْوالِ، والفَضْلُ فَضْلُ الجِهادِ. ومَعْنى لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ لَمْ يُلاقُوا حَرْبًا مَعَ المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ بَدَلًا أوْ صِفَةً كَما تَقَدَّمَ، وإمّا خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ مُبْتَدَأً، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ إنَّما مَقالُهم يُخَوِّفُ الشَّيْطانُ بِهِ. ورابِطُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ، وهو الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ.

ثُمَّ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إمّا عائِدٌ إلى المَقالِ فَلَفْظُ الشَّيْطانِ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ ثانٍ، ولَفْظُهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ المَقالَ ناشِئٌ

صفحة ١٧٢

عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ الَّذِينَ دَبَّرُوا مَكِيدَةَ الإرْجافِ بِتِلْكَ المَقالَةِ لِتَخْوِيفِ المُسْلِمِينَ بِواسِطَةِ رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ.

وإمّا أنْ تَعُودَ الإشارَةُ إلى النّاسُ مِن قَوْلِهِ قالَ لَهُمُ النّاسُ لِأنَّ النّاسَ مُؤَوَّلٌ بِشَخْصٍ، أعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فالشَّيْطانُ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ شَيْطانٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

وقَوْلُهُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ تَقْدِيرُهُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ يُخَوِّفُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَلا تَخافُوهم فَإنَّ ”خَوَّفَ“ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إذْ هو مُضاعَفُ خافَ المُجَرَّدِ، وخافَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَصارَ بِالتَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسا كَما قالَ تَعالى ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.

وضَمِيرُ فَلا تَخافُوهم عَلى هَذا يَعُودُ إلى أوْلِياءَهُ. وجُمْلَةُ وخافُونِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فَلا تَخافُوهم وجُمْلَةِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ مُؤَخَّرٌ تَقَدَّمَ دَلِيلُ جَوابِهِ، وهو تَذْكِيرٌ وإحْماءٌ لِإيمانِهِمْ، وإلّا فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ حَقًّا.

3:176Page 73

وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

﴿ولا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

نَهْيٌ لِلرَّسُولِ عَنْ أنْ يَحْزَنَ مِن فِعْلِ قَوْمٍ يَحْرِصُونَ عَلى الكُفْرِ، أيْ عَلى أعْمالِهِ، ومَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ يَتَوَغَّلُونَ فِيهِ ويُعَجِّلُونَ إلى إظْهارِهِ وتَأْيِيدِهِ والعَمَلِ بِهِ عِنْدَ سُنُوحِ الفُرَصِ، ويَحْرِصُونَ عَلى إلْقائِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ يُسارِعُونَ، فَقِيلَ: ذَلِكَ مِنَ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ يُسارِعُونَ مَعْنى يَقَعُونَ، فَعُدِّيَ بِفي، وهي طَرِيقَةُ الكَشّافِ وشُرُوحِهِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ

صفحة ١٧٣

تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَ حالَ حِرْصِهِمْ وجَدِّهِمْ في تَكْفِيرِ النّاسِ وإدْخالِ الشَّكِّ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَرَبُّصِهِمُ الدَّوائِرَ وانْتِهازِهِمُ الفُرَصَ بِحالِ الطّالِبِ المُسارِعِ إلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ يَخْشى أنْ يَفُوتَهُ وهو مُتَوَغِّلٌ فِيهِ مُتَلَبِّسٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِفي الدّالَّةِ عَلى سُرْعَتِهِمْ سُرْعَةِ طالِبِ التَّمْكِينِ، لا طالِبِ الحُصُولِ، إذْ هو حاصِلٌ عِنْدَهم، ولَوْ عُدِّيَ بِإلى لَفُهِمَ مِنهُ أنَّهم لَمْ يَكْفُرُوا عِنْدَ المُسارَعَةِ. قِيلَ: هَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: قَوْمٌ أسْلَمُوا ثُمَّ خافُوا مِنَ المُشْرِكِينَ فارْتَدُّوا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أنْ يُحْزِنَهُ تَسارُعُهم إلى الكُفْرِ بِعِلَّةٍ يُوقِنُ بِها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . ومَوْقِعُ إنَّ في مِثْلِ هَذا المَقامِ إفادَةُ التَّعْلِيلِ، وإنَّ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

ونَفْيُ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ مُرادٌ بِهِ نَفْيُ أنْ يُعَطِّلُوا ما أرادَهُ إذْ قَدْ كانَ اللَّهُ وعَدَ الرَّسُولَ إظْهارَ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وكانَ سَعْيُ المُنافِقِينَ في تَعْطِيلِ ذَلِكَ، نَهى اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَحْزُنَ لِما يَبْدُو لَهُ مِنَ اشْتِدادِ المُنافِقِينَ في مُعاكَسَةِ الدَّعْوَةِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهم لَنْ يَسْتَطِيعُوا إبْطالَ مُرادِ اللَّهِ، تَذْكِيرًا لَهُ بِأنَّهُ وعَدَهُ بِأنَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ.

ووَجْهُ الحاجَةِ إلى هَذا النَّهْيِ: هو أنَّ نَفْسَ الرَّسُولِ، وإنْ بَلَغَتْ مُرْتَقى الكَمالِ، لا تَعْدُو، تَعْتَرِيها في بَعْضِ أوْقاتِ الشِّدَّةِ أحْوالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ: مِن تَأْثِيرِ مَظاهِرِ الأسْبابِ، وتَوَقُّعِ حُصُولِ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ عِنْدَها، كَما وقَعَ لِلرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ. وهو في العَرِيشِ، وإذا انْتَفى إضْرارُهُمُ اللَّهَ انْتَفى إضْرارُهُمُ المُؤْمِنِينَ فِيما وعَدَهُمُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَحْزُنْكَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ مِن حَزَنَهُ إذا أدْخَلَ عَلَيْهِ الحُزْنَ، وقَرَأهُ نافِعٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ جَزائِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ في الآخِرَةِ، بَعْدَ أنْ بَيَّنَ السَّلامَةَ مِن كَيْدِهِمْ في الدُّنْيا، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَذَلَهم وسَلَبَهُمُ التَّوْفِيقَ فَكانُوا مُسارِعِينَ في الكُفْرِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ. والحَظُّ: النَّصِيبُ مِن شَيْءٍ نافِعٍ.

3:177Page 73

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

صفحة ١٧٤

﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] قُصِدَ بِهِ، مَعَ التَّأْكِيدِ، إفادَةُ هَذا الخَبَرِ اسْتِقْلالًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ، وفي اخْتِلافِ الصِّلَتَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّ مَضْمُونَ كُلِّ صِلَةٍ مِنهُما هو سَبَبُ الخَبَرِ الثّابِتِ لِمَوْصُولِها، وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] المُتَقَدِّمُ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:

كَدُخانِ نارٍ ساطِعٌ أسْنامُها

بَعْدَ قَوْلِهِ:

كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها

مَعَ زِيادَةِ بَيانِ اشْتِهارِهِمْ هم بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.

والِاشْتِراءُ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِبْدالِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском