Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:190–195

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:190–195

3:190–194Page 75

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -

ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣

Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

صفحة ١٩٦

هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.

ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.

و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ

صفحة ١٩٧

شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: نَعَمْ، هو اليَقِينُ.

والخَلْقُ بِمَعْنى كَيْفِيَّةِ أثَرِ الخَلْقِ، أوِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ، فالإضافَةُ إمّا عَلى مَعْنى اللّامِ، وإمّا عَلى مَعْنى (في) .

وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ: أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ: رَبَّنا إلَخْ لِأنَّ هَذا الكَلامَ أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.

فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَواطَأ الجَمِيعُ مِن أُولِي الألْبابِ عَلى قَوْلِ هَذا التَّنْزِيهِ والدُّعاءِ عِنْدَ التَّفْكِيرِ مَعَ اخْتِلافِ تَفْكِيرِهِمْ وتَأثُّرِهِمْ ومَقاصِدِهِمْ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُلازِمُونَهُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ وعَقِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم إيّاهُ فَصارَ هَجِّيراهم مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآياتِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ في الصَّحِيحِ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ «فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ» إلى آخِرِ الحَدِيثِ.

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ حِكايَةً لِتَفَكُّرِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، فَهو كَلامُ النَّفْسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ المُتَفَكِّرِينَ لِاسْتِوائِهِمْ في صِحَّةِ التَّفَكُّرِ لِأنَّهُ تَنَقَّلَ مِن مَعْنًى إلى مُتَفَرِّعٍ عَنْهُ، وقَدِ اسْتَوى أُولُو الألْبابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم هُنا في إدْراكِ هَذِهِ المَعانِي، فَأوَّلُ التَّفْكِيرِ أنْتَجَ لَهم أنَّ المَخْلُوقاتِ لَمْ تُخْلَقْ باطِلًا، ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وسُؤالِهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، لِأنَّهم رَأوْا في المَخْلُوقاتِ طائِعًا وعاصِيًا، فَعَلِمُوا أنَّ وراءَ هَذا العالَمِ ثَوابًا وعِقابًا، فاسْتَعاذُوا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ. وتَوَسَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنَّهم بَذَلُوا غايَةَ مَقْدُورِهِمْ في طَلَبِ النَّجاةِ إذِ اسْتَجابُوا لِمُنادِي الإيمانِ وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وسَألُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والمَوْتَ عَلى البِرِّ إلى آخِرِهِ. فَلا يَكادُ أحَدٌ مِن أُولِي الألْبابِ يَخْلُو مِن هَذِهِ التَّفَكُّراتِ ورُبَّما زادَ عَلَيْها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وشاعَتْ بَيْنَهُمُ، اهْتَدى لِهَذا التَّفْكِيرِ مَن لَمْ يَكُنِ انْتَبَهَ لَهُ مِن قَبْلُ فَصارَ شائِعًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِمَعانِيهِ وألْفاظِهِ.

صفحة ١٩٨

ومَعْنى ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ ما خَلَقْتَ هَذا في حالِ أنَّهُ باطِلٌ، فَهي حالٌ لازِمَةُ الذِّكْرِ في النَّفْيِ وإنْ كانَتْ فَضْلَةً في الإثْباتِ، كَقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] فالمَقْصُودُ نَفْيُ عَقائِدِ مَن يُفْضِي اعْتِقادُهم إلى أنَّ هَذا الخَلْقَ باطِلٌ أوْ خُلِّيَ عَنِ الحِكْمَةِ، والعَرَبُ تَبْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ عَلى اعْتِبارِ سَبْقِ الإثْباتِ كَثِيرًا.

وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى العِلْمِ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ حَقٌّ، ومِن جُمْلَةِ الحَقِّ أنْ لا يَسْتَوِيَ الصّالِحُ والطّالِحُ، والمُطِيعُ والعاصِي، فَعَلِمُوا أنَّ لِكُلٍّ مُسْتَقَرًّا مُناسِبًا فَسَألُوا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الخَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَذابَ النّارِ.

وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مَسُوقٌ مَساقُ التَّعْلِيلِ لِسُؤالِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ إنَّ المُسْتَعْمَلَةُ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ إذْ لا مَقامَ لِلتَّأْكِيدِ هُنا. والخِزْيُ مَصْدَرُ خَزِيَ يَخْزى بِمَعْنى ذَلَّ وهانَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ، وأخْزاهُ أذَلَّهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ووَجْهُ تَعْلِيلِ طَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ بِأنَّ دُخُولَها خِزْيٌ بَعْدَ الإشارَةِ إلى مُوجِبَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ أنَّ النّارَ مَعَ ما فِيها مِنَ العَذابِ الألِيمِ فِيها قَهْرٌ لِلْمُعَذَّبِ وإهانَةٌ عَلَنِيَّةٌ، وذَلِكَ مَعْنًى مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وذَلِكَ لِظُهُورِ وجْهِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن يَدْخُلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ. والخِزْيُ لا تُطِيقُهُ الأنْفُسُ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ تَأوَّلُوهُ عَلى مَعْنى فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًا عَظِيمًا. ونَظَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِ رُعاةِ العَرَبِ ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ أيْ فَقَدْ أدْرَكَ مَرْعًى لِئَلّا يَكُونَ مَعْنى الجَزاءِ ضَرُورِيَّ الحُصُولِ مِنَ الشَّرْطِ فَلا تَظْهَرُ فائِدَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، لِأنَّهُ يُخَلِّي الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ حِينَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .

ولِأجْلِ هَذا أعْقَبُوهُ بِما في الطِّباعِ التَّفادِي بِهِ عَنِ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بِالهَرَعِ إلى أحْلافِهِمْ وأنْصارِهِمْ، فَعَلِمُوا أنْ لا نَصِيرَ في الآخِرَةِ لِلظّالِمِ فَزادُوا بِذَلِكَ

صفحة ١٩٩

تَأْكِيدًا لِلْحِرْصِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن عَذابِ النّارِ إذْ قالُوا ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ لِأهْلِ النّارِ أنْصارٌ تَدْفَعُ عَنْهُمُ الخِزْيَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ . والمُنادِي، الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالكَلامِ. والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا قَوِيًّا لِأجْلِ الإسْماعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النِّداءِ بِكَسْرِ النُّونِ وبِضَمِّها وهو الصَّوْتُ المُرْتَفِعُ. يُقالُ: هو أنْدى صَوْتًا أيْ أرْفَعُ، فَأصْلُ النِّداءِ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ والصِّياحُ بِهِ، ومِنهُ سُمِّيَ دُعاءُ الشَّخْصِ شَخْصًا لِيُقْبِلَ إلَيْهِ نِداءً، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ حُرُوفًا مَمْدُودَةً مِثْلَ: يا وآ وأيا وهَيا. ومِنهُ سُمِّي الأذانُ نِداءً، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المُبالَغَةِ في الإسْماعِ والدَّعْوَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَفْعُ صَوْتٍ، ويُطْلَقُ النِّداءُ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ بِالذّاتِ أوْ بِالفَهْمِ بِحُرُوفٍ مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ هُنا لِأنَّ النَّبِيءَ يَدْعُو النّاسَ بِنَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ ويا بَنِي فُلانٍ ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَعانِي النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ.

و(أنْ) في ﴿أنْ آمِنُوا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في فِعْلِ يُنادِي مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.

وجاءُوا بِفاءِ التَّعْقِيبِ في فَآمَنّا: لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ والسَّبْقِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ دَلِيلُ سَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ والمُكابَرَةِ، وقَدْ تَوَسَّمُوا أنْ تَكُونَ مُبادَرَتُهم لِإجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ مَشْكُورَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لِأنَّهم لَمّا بَذَلُوا كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الدِّينِ كانُوا حَقِيقِينَ بِتَرَجِّي المَغْفِرَةِ.

والغَفْرُ والتَّكْفِيرُ مُتَقارِبانِ في المادَّةِ المُشْتَقَّيْنِ مِنها إلّا أنَّهُ شاعَ الغَفْرُ والغُفْرانُ في العَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ والتَّكْفِيرِ في تَعْوِيضِ الذَّنْبِ بِعِوَضٍ، فَكَأنَّ العِوَضَ كَفَّرَ الذَّنْبَ أيْ سَتَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ كَفّارَةُ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وكَفّارَةُ الحِنْثِ في اليَمِينِ إلّا أنَّهم أرادُوا بِالذُّنُوبِ ما كانَ قاصِرًا عَلى ذَواتِهِمْ، ولِذَلِكَ طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ،

صفحة ٢٠٠

وأرادُوا مِنَ السَّيِّئاتِ ما كانَ فِيهِ حَقُّ النّاسِ، فَلِذَلِكَ سَألُوا تَكْفِيرَها عَنْهم. وقِيلَ هو مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ، وهو حَسَنٌ، وقِيلَ أرادُوا مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرَ ومِنَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرَ لِأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ، بِناءً عَلى أنَّ الذَّنْبَ أدَلُّ عَلى الإثْمِ مِنَ السَّيِّئَةِ.

وسَألُوا الوَفاةَ مَعَ الأبْرارِ، أيْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةِ البِرِّ، بِأنْ يُلازِمَهُمُ البِرُّ إلى المَماتِ وأنْ لا يَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، فَإذا ماتُوا كَذَلِكَ ماتُوا مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ. فالمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي المُشارَكَةُ في الحالَةِ الكامِلَةِ، والمَعِيَّةُ مَعَ الأبْرارِ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالدَّلالَةِ، لِأنَّهُ بِرٌّ يُرْجى دَوامُهُ وتَزايُدُهُ لِكَوْنِ صاحِبِهِ ضِمْنُ جَمْعٍ يَزِيدُونَهُ إقْبالًا عَلى البِرِّ بِلِسانِ المَقالِ ولِسانِ الحالِ.

ولَمّا سَألُوا المَثُوبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرَقَّوْا في السُّؤالِ إلى طَلَبِ تَحْقِيقِ المَثُوبَةِ، فَقالُوا ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .

وتَحْتَمِلُ كَلِمَةُ (عَلى) أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الوَعْدِ، ومَعْناها التَّعْلِيلُ فَيَكُونُ الرُّسُلُ هُمُ المَوْعُودُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى الوَعْدِ عَلى الرُّسُلِ أنَّهُ وعْدٌ عَلى تَصْدِيقِهِمْ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، أيْ وعْدًا كائِنًا عَلى رُسُلِكَ أيْ، مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الجارِّ في مِثْلِهِ كَوْنٌ غَيْرُ عامٍّ بَلْ هو كَوْنٌ خاصٌّ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، ومَعْنى (عَلى) حِينَئِذٍ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أوْ تُجْعَلُ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْضًا، بِتَقْدِيرِ كَوْنٍ عامٍّ لَكِنْ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى رُسُلِكَ، أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.

والمَوْعُودُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أوْ عَلى التَّصْدِيقِ بِهِمُ الأظْهَرُ أنَّهُ ثَوابُ الآخِرَةِ وثَوابُ الدُّنْيا: لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . والمُرادُ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ خُصُوصُ مُحَمَّدٍ ﷺ أُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ (رُسُلٍ) تَعْظِيمًا لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] .

صفحة ٢٠١

فَإنْ قُلْتَ: إذا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم ذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَما فائِدَةُ سُؤالِهِمْ ذَلِكَ في دُعائِهِمْ ؟ قُلْتُ: لَهُ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أمارَةً عَلى حُصُولِ قَبُولِ الأعْمالِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها بِما سَألُوهُ فَقَدْ يَظُنُّونَ أنْفُسَهم آتِينَ بِما يُبَلِّغُهم تِلْكَ المَرْتَبَةَ ويَخْشَوْنَ لَعَلَّهم قَدْ خَلَطُوا أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ بِما يُبْطِلُها، ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في مَجِيءِ الواوِ في قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ دُونَ الفاءِ إذْ جَعَلُوهُ دَعْوَةً مُسْتَقِلَّةً لِتَتَحَقَّقَ ويَتَحَقَّقَ سَبَبُها، ولَمْ يَجْعَلُوها نَتِيجَةَ فِعْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِهِ، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] مَعَ أنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا هُنا عَدَمَ إضاعَةِ أعْمالِهِمْ.

الثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: أرادُوا طَلَبَ التَّوْفِيقِ إلى أسْبابِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ. فالكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْأعْمالِ المَوْعُودِ عَلَيْها.

الثّالِثُ: قالَ فِيهِ ما حاصِلُهُ: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ حَتّى لا يَظْهَرُوا بِمَظْهَرِ المُسْتَحِقِّ لِتَحْصِيلِ المَوْعُودِ بِهِ تَذَلُّلًا، أيْ كَسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَغْفِرَةَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم.

الرّابِعُ: أجابَ القَرافِيُّ في الفَرْقِ ٢٧٣ بِأنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَهُ مَشْرُوطٌ بِالوَفاةِ عَلى الإيمانِ، وقَدْ يُؤَيَّدُ هَذا بِأنَّهم قَدَّمُوا قَبْلَهُ قَوْلَهم ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ لَكِنَّ هَذا الجَوابَ يَقْتَضِي قَصْرَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، وأعادُوا سُؤالَ النَّجاةِ مِن خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ.

الخامِسُ: أنَّ المَوْعُودَ الَّذِي سَألُوهُ هو النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، فالدُّعاءُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ تَعْجِيلُ ذَلِكَ لَهم، يَعْنِي أنَّ الوَعْدَ كانَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، فَكُلُّ واحِدٍ إذا دَعا بِهَذا فَإنَّما يَعْنِي أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يَرى مِصْداقَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى خَشْيَةَ أنْ يَفُوتَهم. وهَذا كَقَوْلِ خَبّابِ ابْنِ الأرَتِّ: هاجَرْنا مَعَ النَّبِيءِ نَلْتَمِسُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى فَوَقَعَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها، ومِنّا مَن ماتَ لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ ما نُكَفِّنُهُ إلّا بُرْدَةً إلَخْ.

صفحة ٢٠٢

وقَدِ ابْتَدَءُوا دُعاءَهم وخَلَّلُوهُ بِنِدائِهِ تَعالى: خَمْسَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِلْحاجَةِ إلى إقْبالِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: يا رَبِّ خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، واقْرَءُوا ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

3:195Page 76

فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ .

دَلَّتِ الفاءُ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ بِحُصُولِ المَطْلُوبِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ مُناجاةَ العَبْدِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الدُّعاءِ قابِلٌ لِلْإجابَةِ.

و(اسْتَجابَ) بِمَعْنى أجابَ عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ: اسْتَوْقَدَ واسْتَخْلَصَ. وعَنِ الفَرّاءِ، وعَلِيِّ بْنِ عِيسى الرَّبَعِيِّ: أنَّ اسْتَجابَ أخَصُّ مِن أجابَ لِأنَّ اسْتَجابَ يُقالُ لِمَن قَبِلَ ما دُعِيَ إلَيْهِ، وأجابَ أعَمُّ، فَيُقالُ لِمَن أجابَ بِالقَبُولِ وبِالرَّدِّ. وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِجابَةُ هي التَّحَرِّي لِلْجَوابِ والتَّهَيُّؤُ لَهُ، لَكِنْ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الإجابَةِ لِقِلَّةِ انْفِكاكِها مِنها. ويُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ واسْتَجابَهُ، فَعُدِّيَ في الآيَةِ بِاللّامِ، كَما قالُوا: حَمِدَ لَهُ وشَكَرَ لَهُ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ أيْضًا مِثْلُهُما.

قالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوِيُّ، يَرْثِي قَرِيبًا لَهُ:

وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وتَعْبِيرُهم في دُعائِهِمْ بِوَصْفِ رَبَّنا دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِما في وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الشَّفَقَةِ بِالمَرْبُوبِ، ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لَهُ، ومِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّهم عَبِيدُهُ ولِتَتَأتّى الإضافَةُ المُفِيدَةُ التَّشْرِيفَ والقُرْبَ، ولِرَدِّ حُسْنِ دُعائِهِمْ بِمِثْلِهِ بِقَوْلِهِمْ رَبَّنا، رَبَّنا.

صفحة ٢٠٣

ومَعْنى نَفْيِ إضاعَةِ عَمَلِهِمْ نَفْيُ إلْغاءِ الجَزاءِ عَنْهُ: جَعْلُهُ كالضّائِعِ غَيْرِ الحاصِلِ في يَدِ صاحِبِهِ.

فَنَفْيُ إضاعَةِ العَمَلِ وعْدٌ بِالِاعْتِدادِ بِعَمَلِهِمْ وحُسْبانِهِ لَهم، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الِاسْتِجابَةُ تَحْقِيقَ عَدَمِ إضاعَةِ العَمَلِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ مِن وجَلِ عَدَمِ القَبُولِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا مِن قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] تَحْقِيقَ قَبُولِ أعْمالِهِمْ والِاسْتِعاذَةِ مِنَ الحَبَطِ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ ووَجْهُ الحاجَةِ إلى هَذا البَيانِ هُنا أنَّ الأعْمالَ الَّتِي أتَوْا بِها أكْبَرُها الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ، ولَمّا كانَ الجِهادُ أكْثَرَ تَكَرُّرًا خِيفَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ النِّساءَ لا حَظَّ لَهُنَّ في تَحْقِيقِ الوَعْدِ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَدَفَعَ هَذا بِأنَّ لِلنِّساءِ حَظَّهُنَّ في ذَلِكَ فَهُنَّ في الإيمانِ والهِجْرَةِ يُساوِينَ الرِّجالَ، وهُنَّ لَهُنَّ حَظُّهُنَّ في ثَوابِ الجِهادِ لِأنَّهُنَّ يَقُمْنَ عَلى المَرْضى ويُداوِينَ الكَلْمى، ويَسْقِينَ الجَيْشَ، وذَلِكَ عَمَلٌ عَظِيمٌ بِهِ اسْتِبْقاءُ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، فَهو لا يُقْصَرُ عَنِ القِتالِ الَّذِي بِهِ إتْلافُ نُفُوسِ عَدُوِّ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ (مِن) فِيهِ اتِّصالِيَّةٌ أيْ بَعْضُ المُسْتَجابِ لَهم مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ، وهي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ بِمَعْنى أنَّ شَأْنَهم واحِدٌ وأمْرَهم سَواءٌ. قالَ تَعالى ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٦٧] إلَخْ. وقَوْلُهم: هو مِنِّي وأنا مِنهُ، وفي عَكْسِهِ يَقُولُونَ كَما قالَ النّابِغَةُ:

فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

وقَدْ حَمَلَها جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى مَعْنى أنَّ نِساءَكم ورِجالَكم يَجْمَعُهم أصْلٌ واحِدٌ، وعَلى هَذا فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّعْمِيمِ في قَوْلِهِ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ أيْ لِأنَّ شَأْنَكم واحِدٌ. وكُلٌّ قائِمٌ بِما لَوْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَضاعَتْ مَصْلَحَةُ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانُوا سَواءً في تَحْقِيقِ وعْدِ اللَّهِ إيّاهم، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْمالُهم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] .

صفحة ٢٠٤

والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ لَيْسَ هَذا تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَلْ هو بَيانٌ لِلتَّساوِي في الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِضَمائِرِ المُخاطَبِينَ أيْ أنْتُمْ في عِنايَتِي بِأعْمالِكم سَواءٌ، وهو قَضاءٌ لِحَقِّ ما لَهم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المُتَساوِينَ فِيها، لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِبِساطِ تَمْيِيزِ المُهاجِرِينَ بِفَضْلِ الهِجْرَةِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾، الآياتِ.

وقَوْلُهُ ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ﴾ وهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الخاصِّ، واشْتَمَلَ عَلى بَيانِ ما تَفاضَلُوا فِيهِ مِنَ العَمَلِ، وهو الهِجْرَةُ الَّتِي فازَ بِها المُهاجِرُونَ.

والمُهاجَرَةُ: هي تَرْكُ المَوْطِنِ بِقَصْدِ اسْتِيطانِ غَيْرِهِ، والمُفاعَلَةُ فِيها لِلتَّقْوِيَةِ كَأنَّهُ هَجَرَ قَوْمَهُ وهَجَرُوهُ لِأنَّهم لَمْ يَحْرِصُوا عَلى بَقائِهِ، وهَذا أصْلُ المُهاجَرَةِ أنْ تَكُونَ لِمُنافَرَةٍ ونَحْوِها، وهي تَصْدُقُ بِهِجْرَةِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى بِلادِ الحَبَشَةِ وبِهِجْرَةِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَلى هاجَرُوا لِتَحْقِيقِ مَعْنى المُفاعَلَةِ في هاجَرَ أيْ هاجَرُوا مُهاجِرَةً لَزَّهم إلَيْها قَوْمُهم، سَواءٌ كانَ الإخْراجُ بِصَرِيحِ القَوْلِ أمْ بِالإلْجاءِ، مِن جِهَةِ سُوءِ المُعامَلَةِ، ولَقَدْ هاجَرَ المُسْلِمُونَ الهِجْرَةَ الأُولى إلى الحَبَشَةِ لِما لاقَوْهُ مِن سُوءِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِجْرَتَهُ إلى المَدِينَةِ والتَحَقَ بِهِ المُسْلِمُونَ كُلُّهم، لِما لاقَوْهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ. ولا يُوجَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ، وكَيْفَ واخْتِفاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلى المَدِينَةِ يَدُلُّ عَلى حِرْصِ المُشْرِكِينَ عَلى صَدِّهِ عَنِ الخُرُوجِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ كَعْبٍ:

فِي فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا

أيْ قالَ قائِلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ اخْرُجُوا مِن مَكَّةَ، وعَلَيْهِ فَكُلُّ ما ورَدَ مِمّا فِيهِ أنَّهم أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ الإلْجاءُ إلى الخُرُوجِ، ومِنهُ «قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ يا لَيْتَنِي أكُونُ مَعَكَ إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهُ أوَمُخْرِجِيَّ هم ؟ فَقالَ: ما جاءَ نَبِيءٌ بِمِثْلِ ما جِئْتَ

صفحة ٢٠٥

بِهِ إلّا عُودِيَ» . وقَوْلُهُ ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ أصابَهُمُ الأذى وهو مَكْرُوهٌ قَلِيلٌ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ وفُهِمَ مِنهُ أنَّ مَن أصابَهُمُ الضُّرُّ أوْلى بِالثَّوابِ وأوْفى. وهَذِهِ حالَةٌ تَصْدُقُ بِالَّذِينَ أُوذُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها.

وقَوْلُهُ ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ جَمَعَ بَيْنَهُما لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لِلْقِسْمَيْنِ ثَوابًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ. والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: وقُتِلُوا وقاتَلُوا عَكْسَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهَذِهِ حالَةٌ تَصْدُقُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مِنَ الَّذِينَ جاهَدُوا فاسْتَشْهَدُوا أوْ بَقُوا. وقَوْلُهُ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ إلَخْ مُؤَكَّدٌ بِلامِ القَسَمِ. وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ تَقَدَّمَ آنِفًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском