Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:45–53

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:45–53

3:45–46Page 55

إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] قُصِدَ مِنهُ التَّكْرِيرُ لِتَكْمِيلِ المَقُولِ بَعْدَ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ. ولِكَوْنِهِ بَدَلًا لَمْ يُعْطَفْ عَلى ”إذْ قالَتِ“ الأوَّلِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”يُبَشِّرُكِ“ .

والكَلِمَةُ مُرادٌ بِها كَلِمَةُ التَّكْوِينِ وهي تَعَلُّقُ القُدْرَةِ التَّنْجِيزِيُّ كَما في حَدِيثِ خَلْقِ الإنْسانِ مِن قَوْلِهِ «ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ» إلَخْ.

ووَصْفُ عِيسى بِكَلِمَةٍ مُرادٌ بِهِ كَلِمَةٌ خاصَّةٌ مُخالِفَةٌ لِلْمُعْتادِ في تَكْوِينِ الجَنِينِ أيْ بِدُونِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ.

صفحة ٢٤٦

وقَوْلُهُ ”مِنهُ“ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ أيْ بِدُونِ واسِطَةِ أسْبابِ النَّسْلِ المُعْتادَةِ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ إذا قَضى أمْرًا.

وقَوْلُهُ ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ عَبَّرَ عَنِ العَلَمِ واللَّقَبِ والوَصْفِ بِالِاسْمِ، لِأنَّ لِثَلاثَتِها أثَرًا في تَمْيِيزِ المُسَمّى. فَأمّا اللَّقَبُ والعَلَمُ فَظاهِرٌ. وأمّا الوَصْفُ المُفِيدُ لِلنَّسَبِ فَلِأنَّ السّامِعِينَ تَعارَفُوا ذِكْرَ اسْمِ الأبِ في ذِكْرِ الأعْلامِ لِلتَّمْيِيزِ وهو المُتَعارَفُ، وتُذْكَرُ الأُمُّ في النَّسَبِ إمّا لِلْجَهْلِ بِالأبِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: زِيادُ ابْنُ سُمَيَّةَ قَبْل أنْ يُلْحَقَ بِأبِي سُفْيانَ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، وإمّا لِأنَّ لِأُمِّهِ مَفْخَرًا عَظِيمًا كَقَوْلِهِمْ: عَمْرُو ابْنُ هِنْدٍ، وهو عَمْرُو بْنُ المُنْذِرِ مَلِكُ العَرَبِ.

و المَسِيحُ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ بِمَعْنى الوَصْفِ، ونُقِلَتْ إلى العَرَبِيَّةِ بِالغَلَبَةِ عَلى عِيسى وقَدْ سَمّى مُتَنَصِّرَةُ العَرَبِ بَعْضَ أبْنائِهِمْ عَبْدَ المَسِيحِ وأصْلُها ”مَسِّيِّحْ“ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ ياءٍ مُثَنّاةٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ حاءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ ونَطَقَ بِهِ بَعْضُ العَرَبِ بِوَزْنِ سِكِّينٍ.

ومَعْنى مَسِيحٍ مَمْسُوحٌ بِدُهْنِ المَسْحَةِ وهو الزَّيْتُ المُعَطَّرُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى أنْ يَتَّخِذَهُ لِيَسْكُبَهُ عَلى رَأْسِ أخِيهِ هارُونَ حِينَما جَعَلَهُ كاهِنًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، وصارَتْ كَهَنَةُ بَنِي إسْرائِيلَ يَمْسَحُونَ بِمِثْلِهِ مَن يُمَلِّكُونَهم عَلَيْهِمْ مِن عَهْدِ شاوِلَ المَلِكِ، فَصارَ المَسِيحُ عِنْدَهم بِمَعْنى المَلِكِ: فَفي أوَّلِ سِفْرِ صَمْوِيلَ الثّانِي مِن كُتُبِ العَهْدِ القَدِيمِ قالَ داوُدُ لِلَّذِي أتاهُ بِتاجِ شاوِلَ المَلِكِ المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بِطالُوتَ: كَيْفَ لَمْ تَخَفْ أنْ تَمُدَّ يَدَكَ لِتُهْلِكَ مَسِيحَ الرَّبِّ.

فَيُحْتَمَلُ أنَّ عِيسى سُمِّيَ بِهَذا الوَصْفِ كَما يُسَمُّونَ بِمَلِكٍ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَقَبٌ لَقَّبَهُ بِهِ اليَهُودُ تَهَكُّمًا عَلَيْهِ إذِ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ يُحاوِلُ أنْ يَصِيرَ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ بَيْنَهم واشْتُهِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِهِ في القُرْآنِ.

والوَجِيهُ: ذُو الوَجاهَةِ وهي: التَّقَدُّمُ عَلى الأمْثالِ، والكَرامَةُ بَيْنَ القَوْمِ، وهي وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَجْهِ لِلْإنْسانِ وهو أفْضَلُ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ مِنهُ، وأجْمَعُها لِوَسائِلِ الإدْراكِ وتَصْرِيفِ الأعْمالِ، فَأُطْلِقَ الوَجْهُ عَلى أوَّلِ الشَّيْءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ

صفحة ٢٤٧

الشّائِعَةِ فَيُقالُ: وجْهُ النَّهارِ لِأوَّلِ النَّهارِ قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ العَبْسِيُّ:

مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَـهَـارِ

وقالَ الأعْشى:

ولاحَ لَهم وجْهُ العَشِيّاتِ سَمْلَقُ

ويَقُولُونَ: هو وجْهُ القَوْمِ أيْ سَيِّدُهم والمُقَدَّمُ بَيْنَهم. واشْتُقَّ مِن هَذا الِاسْمِ فِعْلُ ”وجُهَ“ بِضَمِّ الجِيمِ كَكَرُمَ فَجاءَ مِنهُ ”وجِيهٌ“ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، فَوَجِيهُ النّاسِ المُكَرَّمُ بَيْنَهم، ومَقْبُولُ الكَلِمَةِ فِيهِمْ، قالَ تَعالى في وصْفِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] .

و المَهْدُ شِبْهُ الصُّنْدُوقِ مِن خَشَبٍ لا غِطاءَ لَهُ يُمَهَّدُ فِيهِ مَضْجَعٌ لِلصَّبِيِّ مُدَّةَ رِضاعِهِ يُوضَعُ فِيهِ لِحِفْظِهِ مِنَ السُّقُوطِ.

وخُصَّ تَكْلِيمُهُ بِحالَيْنِ: حالِ كَوْنِهِ في المَهْدِ، وحالِ كَوْنِهِ كَهْلًا، مَعَ أنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ لِأنَّ لِذَيْنِكَ الحالَيْنِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ إيّاهُ. فَأمّا تَكْلِيمُهُ النّاسَ في المَهْدِ فَلِأنَّهُ خارِقُ عادَةٍ إرْهاصًا لِنُبُوءَتِهِ. وأمّا تَكْلِيمُهم كَهْلًا فَمُرادٌ بِهِ دَعْوَتُهُ النّاسَ إلى الشَّرِيعَةِ. فالتَّكْلِيمُ مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وفي كِنايَتِهِ بِاعْتِبارِ القَرِينَةِ المُعَيَّنَةِ لِلْمَعْنَيَيْنِ وهي ما تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ مِنَ المَجْرُورَيْنِ.

وعُطِفَ عَلَيْهِ ومِنَ الصّالِحِينَ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ.

والصّالِحُونَ الَّذِينَ صِفَتُهُمُ الصَّلاحُ لا تُفارِقُهم، والصَّلاحُ اسْتِقامَةُ الأعْمالِ وطَهارَةُ النَّفْسِ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] .

والكَهْلُ مَن دَخَلَ في عَشَرَةِ الأرْبَعِينَ وهو الَّذِي فارَقَ عَصْرَ الشَّبابِ، والمَرْأةُ شَهْلَةٌ بِالشِّينِ، ولا يُقالُ كَهْلَةٌ كَما لا يُقالُ شَهْلٌ لِلرَّجُلِ إلّا أنَّ العَرَبَ قَدِيمًا سَمَّوْا شَهْلًا مِثْلَ شَهْلِ بْنِ شَيْبانَ المُلَقَّبِ الفِنْدُ الزِّمانِيُّ فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ الوَصْفَ أُمِيتَ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بُعِثَ ابْنَ نَيِّفٍ وثَلاثِينَ.

صفحة ٢٤٨

وقَوْلُهُ وجِيهًا حالٌ مِن ”كَلِمَةٍ“ بِاعْتِبارِ ما صَدَّقَها ومِنَ المُقَرَّبِينَ عَطْفٌ عَلى الحالِ، ويُكَلِّمُ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الحالِ المُفْرَدَةِ: لِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ لَها حُكْمُ المُفْرَدِ.

وقَوْلُهُ في المَهْدِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”يُكَلِّمُ“ . وكَهْلًا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، لِأنَّهُما في مَوْضِعِ الحالِ، فَعُطِفَ عَلَيْها بِالنَّصْبِ، مِنَ الصّالِحِينَ مَعْطُوفٌ عَلى ومِنَ المُقَرَّبِينَ.

3:47Page 56

قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

وقَوْلُهُ قالَتْ رَبِّ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، مِن كَلامِها، بَيْنَ كَلامِ المَلائِكَةِ.

والنِّداءُ لِلتَّحَسُّرِ ولَيْسَ لِلْخِطابِ: لِأنَّ الَّذِي كَلَّمَها هو المَلَكُ، وهي قَدْ تَوَجَّهَتْ إلى اللَّهِ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ ولِذَلِكَ أُجِيبَ جَوابَيْنِ أحَدُهُما ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ فَهو لِرَفْعِ إنْكارِها، والثّانِي إذا قَضى أمْرًا إلَخْ، لِرَفْعِ تَعَجُّبِها.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ﴾ إلَخْ جَوابُ اسْتِفْهامِها ولَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] وما بَعْدَها في سُورَةِ البَقَرَةِ والقائِلُ لَها هو اللَّهُ تَعالى بِطَرِيقِ الوَحْيِ.

واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ“ راجِعٌ إلى مَعْنى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ”وكَهْلًا“ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المَذْكُورِ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ اللَّهُ يَخْلُقُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِ الخَبَرِ.

صفحة ٢٤٩

وعُبِّرَ عَنْ تَكْوِينِ اللَّهِ لِعِيسى بِفِعْلِ ”يَخْلُقُ“ لِأنَّهُ إيجادُ كائِنٍ مِن غَيْرِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ لِإيجادِ مِثْلِهِ، فَهو خَلْقٌ أُنُفٌ غَيْرُ ناشِئٍ عَنْ أسْبابِ إيجادِ النّاسِ، فَكانَ لِفِعْلِ ”يَخْلُقُ“ هُنا مَوْقِعٌ مُتَعَيِّنٌ، فَإنَّ الصّانِعَ إذا صَنَعَ شَيْئًا مِن مَوادَّ مُعْتادَةٍ وصَنْعَةٍ مُعْتادَةٍ، لا يَقُولُ خَلَقْتُ وإنَّما يَقُولُ صَنَعْتُ.

3:48–49Page 56

وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨

And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم إنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بِيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

جُمْلَةُ ”ويُعَلِّمُهُ“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦] بَعْدَ انْتِهاءِ الِاعْتِراضِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: ويُعَلِّمُهُ - بِالتَّحْتِيَّةِ - أيْ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِنُونِ العَظَمَةِ، عَلى الِالتِفاتِ.

والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الكِتابُ المَعْهُودُ. وعَطْفُ التَّوْراةِ تَمْهِيدٌ لِعَطْفِ الإنْجِيلِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ بِمَعْنى الكِتابَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أوَّلِ السُّورَةِ.

ورَسُولًا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”يُعَلِّمُهُ“ لِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ، لِكَوْنِها ذاتَ مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ، هي في قُوَّةِ المُفْرَدِ فَنُصِبَ ”رَسُولًا“ عَلى الحالِ، وصاحِبُ الحالِ هو قَوْلُهُ ”بِكَلِمَةٍ“ فَهو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ المَلائِكَةِ.

وفَتْحُ هَمْزَةِ ”أنَّ“ في قَوْلِهِ أنِّي قَدْ جِئْتُكم لِتَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ بَعْدَ ”رَسُولًا“ أيْ رَسُولًا بِهَذا المَقالِ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولًا“ مِن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا بِكَلامٍ، فَهَذا مَبْدَأُ كَلامٍ بَعْدَ انْتِهاءِ كَلامِ المَلائِكَةِ.

صفحة ٢٥٠

ومَعْنى جِئْتُكم أُرْسِلْتُ إلَيْكم مِن جانِبِ اللَّهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ [الزخرف: ٦٣] .

وقَوْلُهُ ”بِآيَةٍ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”جِئْتُكم“ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ بِأنَّهُ رَسُولٌ لا بِأنَّهُ جاءَ بِآيَةٍ. شَبَّهَ أمْرَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يُبَلِّغَ رِسالَةً بِمَجِيءِ المُرْسَلِ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّبِيءُ رَسُولًا.

والباءُ في قَوْلِهِ ”بِآيَةٍ“ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُقارِنًا لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِي في هَذِهِ الرِّسالَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِفِعْلِ المَجِيءِ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”جِئْتُكم“ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”جِئْتُكم“ لِأنَّ مَعْنى ”جِئْتُكم“: أُرْسِلْتُ إلَيْكم، فَلا يَحْتاجُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ.

وقَوْلُهُ: إنِّي أخْلُقُ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ آيَةٍ وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأبِي جَعْفَرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنِّي“ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أنِّي قَدْ جِئْتُكم.

والخَلْقُ: حَقِيقَتُهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ بِقَدْرٍ، ومِنهُ خَلْقُ الأدِيمِ تَقْدِيرُهُ بِحَسْبِ ما يُرادُ مِن قَطْعِهِ قَبْلَ قَطْعِ القِطْعَةِ مِنهُ، قالَ زُهَيْرٌ:

ولَأنْتَ تَفْرِي مَـا خَـلَـقْـتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

يُرِيدُ تَقْدِيرَ الأدِيمِ قَبْلَ قَطْعِهِ والقَطْعُ هو الفَرْيُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا مَشْهُورًا أوْ مُشْتَرَكًا في الإنْشاءِ والإبْداعِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ ولا احْتِذاءٍ، وفي الإنْشاءِ عَلى مِثالِ يُبْدِعُ ويُقَدِّرُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فَهو إبْداعُ الشَّيْءِ وإبْرازُهُ لِلْوُجُودِ والخَلْقُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةٍ أيْ: أُقَدِّرُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ خَلْقَ الحَيَوانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَأنْفُخُ فِيهِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ الطَّيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ بِمَعْنى مِثْلِ، وهي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ أخْلُقُ، أيْ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الطَّيْرَ وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ غالِبًا وقَدْ يَقَعُ عَلى الواحِدِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ: (الطّائِرِ) .

صفحة ٢٥١

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ ”في“ مِن قَوْلِهِ فَأنْفُخُ فِيهِ عائِدٌ إلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الكافُ.

وقَرَأ نافِعٌ - وحْدَهُ - فَيَكُونُ طائِرًا بِالإفْرادِ وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، فَقِراءَةُ نافِعٍ عَلى مُراعاةِ انْفِرادِ الضَّمِيرِ، وقِراءَةُ الباقِينَ عَلى اعْتِبارِ المَعْنى. جَعَلَ لِنَفْسِهِ التَّقْدِيرَ، وأسْنَدَ لِلَّهِ تَكْوِينَ الحَياةِ فِيهِ. والهَيْئَةُ: الصُّورَةُ والكَيْفِيَّةُ أيْ أُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةً كَصُورَةِ الطَّيْرِ. وقَرَأ الجَمِيعُ ”كَهَيْئَةِ“ بِتَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

وزادَ قَوْلَهُ بِإذْنِ اللَّهِ لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، ونَفْيِ تَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في خَلْقِ الكائِناتِ. والأكْمَهُ: الأعْمى، أوِ الَّذِي وُلِدَ أعْمى.

والأبْرَصُ: المُصابُ بِداءِ البَرَصِ وهو داءٌ جِلْدِيٌّ لَهُ مَظاهِرُ مُتَنَوِّعَةٌ مِنها الخَفِيفُ ومِنها القَوِيُّ وأعْراضُهُ بُقَعٌ بَيْضاءُ شَدِيدَةُ البَياضِ تَظْهَرُ عَلى الجِلْدِ، فَإنْ كانَتْ غائِرَةً في الجِلْدِ فَهو البَرَصُ، وإنْ كانَتْ مُساوِيَةً لِسَطْحِ الجِلْدِ فَهو البَهَقُ، ثُمَّ تَنْتَشِرُ عَلى الجِلْدِ فَرُبَّما عَمَّتِ الجِلْدَ كُلَّهُ حَتّى يَصِيرَ أبْيَضَ، ورُبَّما بَقِيَتْ مُتَمَيِّزَةً عَنْ لَوْنِ الجِلْدِ.

وأسْبابُهُ مَجْهُولَةٌ، ويَأْتِي بِالوِراثَةِ، وهو غَيْرُ مُعْدٍ، وشُوهِدَ أنَّ الإصابَةَ بِهِ تَكْثُرُ في الَّذِينَ يُقَلِّلُونَ مِنَ النَّظافَةِ أوْ يَسْكُنُونَ الأماكِنَ القَذِرَةَ. والعِبْرانِيُّونَ واليُونانُ يُطْلِقُونَ البَرَصَ عَلى مَرَضٍ آخَرَ هو مِن مَبادِئِ الجُذامِ فَكانُوا يَتَشاءَمُونَ بِالبَرَصِ إذا بَدَتْ أعْراضُهُ عَلى واحِدٍ مِنهم. فَأمّا العَرَبُ فَكانَ مُلُوكُهم لا يُكَلِّمُونَ الأبْرَصَ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ الشّاعِرِ مَعَ المَلِكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. وأمّا العِبْرانِيُّونَ فَهم أشَدُّ في ذَلِكَ. وقَدِ اهْتَمَّتِ التَّوْراةُ بِأحْكامِ الأبْرَصِ، وأطالَتْ في بَيانِها، وكَرَّرَتْهُ مِرارًا، ويَظْهَرُ مِنها أنَّهُ مَرَضٌ يَنْزِلُ في الهَواءِ ويَلْتَصِقُ بِجُدْرانِ المَنازِلِ، وقَدْ وصَفَهُ الوَحْيُ لِمُوسى لِيُعَلِّمَهُ الكَهَنَةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويُعَلِّمَهم طَرِيقَةَ عِلاجِهِ، ومِن أحْكامِهِمْ أنَّ المُصابَ يُعْزَلُ عَنِ القَوْمِ ويُجْعَلُ في مَحَلٍّ خاصٍّ وأحْكامُهُ مُفَصَّلَةٌ في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. ولِهَذا كانَ إعْجازُ المَسِيحِ بِإبْراءِ الأبْرَصِ أهَمَّ المُعْجِزاتِ فائِدَةً عِنْدَهم دِينًا ودُنْيا.

وقَدْ ذَكَرَ فُقَهاءُ الإسْلامِ البَرَصَ في عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ المُوجِبَةِ لِلْخِيارِ وفَصَّلُوا بَيْنَ أنْواعِهِ الَّتِي تُوجِبُ الخِيارَ والَّتِي لا تُوجِبُهُ ولَمْ يَضْبِطُوا أوْصافَهُ واقْتَصَرُوا عَلى تَحْدِيدِ أجْلِ بُرْئِهِ.

صفحة ٢٥٢

وإحْياءُ المَوْتى مُعْجِزَةٌ لِلْمَسِيحِ أيْضًا، كَنَفْخِ الرُّوحِ في الطَّيْرِ المُصَوَّرِ مِنَ الطِّينِ، فَكانَ إذا أحْيا مَيِّتًا كَلَّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ مَيِّتًا، ووَرَدَ في الأناجِيلِ أنَّهُ أحْيا بِنْتًا كانَتْ ماتَتْ فَأحْياها عَقِبَ مَوْتِها. ووَقَعَ في إنْجِيلِ مَتّى في الإصْحاحِ ١٧ أنَّ عِيسى صَعِدَ الجَبَلَ ومَعَهُ بُطْرُسُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا أخُوهُ وأظْهَرَ لَهم مُوسى وإيلِياءَ يَتَكَلَّمانِ مَعَهم، وكُلُّ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ أنَّهُ يُخْبِرُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ، فَيُخْبِرُهم بِما أكَلُوهُ في بُيُوتِهِمْ، وما عِنْدَهم مُدَّخَرٌ فِيها، لِتَكُونَ هاتِهِ المُتَعاطِفاتُ كُلُّها مِن قَبِيلِ المُعْجِزاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”أُنَبِّئُكم“ لِأنَّ الإنْباءَ يَكُونُ في الأُمُورِ الخَفِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها آياتٍ تَدْعُو إلى الإيمانِ بِهِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ، بِخِلافِ ما إذا كانَ دَأْبُكُمُ المُكابَرَةَ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ مِنهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم بادَرُوا دَعْوَتَهُ بِالتَّكْذِيبِ والشَّتْمِ.

وتَعَرُّضُ القُرْآنِ لِذِكْرِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ جَعَلُوا مِنها دَلِيلًا عَلى أُلُوهِيَّةِ عِيسى، بِعِلَّةِ أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَةِ البَشَرِ، فَمَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو الإلَهُ، وهَذا دَلِيلٌ سُفِسْطائِيٌّ أشارَ اللَّهُ إلى كَشْفِهِ بِقَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، وقَوْلِهِ: بِإذْنِ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ. وقَدْ رَوى أهْلُ السِّيَرِ أنَّ نَصارى نَجْرانَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الأعْمالِ لَدى النَّبِيءِ ﷺ .

3:50–51Page 56

وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"

﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدِيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .

عَطْفٌ عَلى ”بِآيَةٍ“ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ ”بِآيَةٍ“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ. أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”جِئْتُكم“ فَيُقَدَّرُ فِعْلُ ”جِئْتُكم“ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، ومُصَدِّقًا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُقَدَّرِ مَعَهُ، ولَيْسَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ”ورَسُولًا“ لِأنَّ ”رَسُولًا“ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، ومُصَدِّقًا مِن كَلامِ عِيسى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِما بَيْنَ يَدَيَّ.

صفحة ٢٥٣

والمُصَدِّقُ: المُخْبِرُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ، وأُدْخِلَتِ اللّامُ عَلى المَفْعُولِ لِلتَّقْوِيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَصْدِيقٍ مُثْبَتٍ مُحَقَّقٍ، أيْ مُصَدِّقًا تَصْدِيقًا لا يَشُوبُهُ شَكٌّ ولا نِسْبَةٌ إلى خَطَأٍ. وجُعِلَ التَّصْدِيقُ مُتَعَدِّيًا إلى التَّوْراةِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .

ومَعْنى ما بَيْنَ يَدَيَّ ما تَقَدَّمَ قَبْلِي، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ السّابِقَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الجائِي فَهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالَةِ السَّبْقِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُزُولِ التَّوْراةِ أزْمِنَةٌ طَوِيلَةٌ، لِأنَّها لَمّا اتَّصَلَ العَمَلُ بِها إلى مَجِيئِهِ، فَكَأنَّها لَمْ تَسْبِقْهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. ويُسْتَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْ كَذا في مَعْنى المُشاهَدِ الحاضِرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ”ولِأُحِلَّ“ عَلى ”رَسُولًا“ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْوالِ: لِأنَّ الحالَ تُشْبِهُ العِلَّةَ؛ إذْ هي قَيْدٌ لِعامِلِها، فَإذا كانَ التَّقْيِيدُ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ شابَهَ المَفْعُولَ لِأجْلِهِ، وشابَهَ المَجْرُورَ بِلامِ التَّعْلِيلِ، فَصَحَّ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْها مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ ”جِئْتُكم“ . وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّسْخَ لا يُنافِي التَّصْدِيقَ؛ لِأنَّ النَّسْخَ إعْلامٌ بِتَغَيُّرِ الحُكْمِ. وانْحَصَرَتْ شَرِيعَةُ عِيسى في إحْياءِ أحْكامِ التَّوْراةِ وما تَرَكُوهُ فِيها وهو في هَذا كَغَيْرِهِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وفي تَحْلِيلِ بَعْضِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَعْيًا لِحالِهِمْ في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وبِهَذا كانَ رَسُولًا. قِيلَ أحَلَّ لَهُمُ الشُّحُومَ، ولُحُومَ الإبِلِ، وبَعْضَ السَّمَكِ، وبَعْضَ الطَّيْرِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا مِن قَبْلُ، وأحَلَّ لَهُمُ السَّبْتَ، ولَمْ أقِفْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ ما حُلِّلَ لَهم، فَما قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الطَّلاقَ فَهو تَقَوُّلٌ عَلَيْهِ، وإنَّما حَذَّرَهم مِنهُ وبَيَّنَ لَهم سُوءَ عَواقِبِهِ، وحَرَّمَ تَزَوُّجَ المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ما لا تَخْلُو عَنْهُ دَعْوَةٌ: مِن تَذْكِيرٍ، ومَواعِظَ، وتَرْغِيباتٍ.

* * *

﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .

قَوْلُهُ ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ .

تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ الأوَّلِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] . وإنَّما عُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ ويَحْصُلُ

صفحة ٢٥٤

التَّأْكِيدُ بِمُجَرَّدِ تَقَدُّمِ مَضْمُونِهِ، فَتَكُونُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ اعْتِبارانِ يَجْعَلانِها بِمَنزِلَةِ جُمْلَتَيْنِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ: فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ قَوْلَهُ ”وأطِيعُونِ“ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ ”إنَّ“ مَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ لا مَحالَةَ، وهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ كَشَأْنِها إذا وقَعَتْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، كَقَوْلِ بَشّارٍ:

بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

ولِذَلِكَ قالَ رَبِّي ورَبُّكم فَهو لِكَوْنِهِ رَبَّهم حَقِيقٌ بِالتَّقْوى، ولِكَوْنِهِ رَبَّ عِيسى وأرْسَلَهُ تَقْتَضِي تَقْواهُ طاعَةَ رَسُولِهِ.

وقَوْلُهُ فاعْبُدُوهُ تَفْرِيعٌ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ، فَقَدْ جَعَلَ قَوْلَهُ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي، تَعْلِيلًا ثُمَّ أصْلًا لِلتَّفْرِيعِ.

وقَوْلُهُ: هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، الإشارَةُ إلى ما قالَهُ كُلِّهِ أيْ أنَّهُ الحَقُّ الواضِحُ فَشَبَّهَهُ بِصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَضِلُّ سالِكُهُ ولا يَتَحَيَّرُ.

3:52–53Page 56

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allāh?" The disciples said, "We are supporters for Allāh. We have believed in Allāh and testify that we are Muslims [submitting to Him].

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ .

آذَنَ شَرْطُ ”لَمّا“ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُها: فَوُلِدَ عِيسى، وكَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ بِما أخْبَرَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مَرْيَمَ، وكَلَّمَ النّاسَ بِالرِّسالَةِ. وأراهُمُ الآياتِ المَوْعُودَ بِها، ودَعاهم إلى التَّصْدِيقِ بِهِ وطاعَتِهِ، فَكَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ. إلى آخِرِهِ. أيْ أحَسَّ الكُفْرَ مِن جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ خاطَبَهم بِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ وأطِيعُونِ أيْ

صفحة ٢٥٥

سَمِعَ تَكْذِيبَهم إيّاهُ وأُخْبِرَ بِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ. و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أحَسَّ“ . وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ يُفَسِّرُهُ وصْفُ الكُفْرِ.

وطَلَبُ النَّصْرِ لِإظْهارِ الدَّعْوَةِ لِلَّهِ، مَوْقِفٌ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ، فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نُوحٍ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وقالَ مُوسى: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [طه: ٢٩] وقَدْ عَرَضَ النَّبِيءُ ﷺ نَفْسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ لِيَنْصُرُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ دَعْوَةَ رَبِّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ لَعَلَّهُ قالَهُ في مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ إبْلاغًا لِلدَّعْوَةِ، وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ. والنَّصْرُ يَشْمَلُ إعْلانَ الدِّينِ والدَّعْوَةَ إلَيْهِ. ووَصَلَ وصْفُ أنْصارِي بِـ ”إلى“ إمّا عَلى تَضْمِينِ صِفَةِ أنْصارٍ مَعْنى الضَّمِّ أيْ مَن ضامُّونَ نَصْرَهم إيّايَ إلى نَصْرِ اللَّهِ إيّايَ، الَّذِي وعَدَنِي بِهِ؛ إذْ لابُدَّ لِحُصُولِ النَّصْرِ مِن تَحْصِيلِ سَبَبِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ ضامِّيها فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ، وإمّا عَلى جَعْلِهِ حالًا مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى: في حالِ ذَهابِي إلى اللَّهِ، أيْ إلى تَبْلِيغِ شَرِيعَتِهِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالكَوْنُ الَّذِي اقْتَضاهُ المَجْرُورُ هو كَوْنٌ مِن أحْوالِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الحَوارِيُّونَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ . والحَوارِيُّونَ: لَقَبٌ لِأصْحابِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولازَمُوهُ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ مِنَ النَّبَطِيَّةِ ومُفْرَدُهُ حَوارِيٌّ قالَهُ في الإتْقانِ عَنِ ابْنِ حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ولَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ مَعْناهُ الغَسّالُ أيْ غَسّالُ الثِّيابِ. وفَسَّرَهُ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ بِأنَّهُ مَن يَكُونُ مِن خاصَّةِ مَن يُضافُ هو إلَيْهِ ومِن قَرابَتِهِ.

وغَلَبَ عَلى أصْحابِ عِيسى وفي الحَدِيثِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لِكُلِّ نَبِيءٍ حَوارِيٌّ وحَوارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ» . وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ في احْتِمالاتِ اشْتِقاقِهِ واخْتِلافِ مَعْناهُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْصاقٌ بِالكَلِماتِ الَّتِي فِيها حُرُوفُ الحاءِ والواوِ والرّاءِ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ.

صفحة ٢٥٦

والحَوارِيُّونَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وهم: سَمْعانْ بُطْرُسْ، وأخُوهُ أنْدَراوِسُ، ويُوحَنّا بْنُ زَبْدِي، وأخُوهُ يَعْقُوبُ وهَؤُلاءِ كُلُّهم - صَيّادُو سَمَكٍ - ومَتّى العَشّارُ، وتُوما وفِيلِيبْسُ، وبِرْثُولْماوِسُ، ويَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِي، ولَباوِسُ، وسَمْعانُ القانْوِي، ويَهُوذا الأسْخَرْيُوطِيُّ.

وكانَ جَوابُ الحَوارِيِّينَ دالًّا عَلى أنَّهم عَلِمُوا أنَّ نَصْرَ عِيسى لَيْسَ لِذاتِهِ بَلْ هو نَصْرٌ لِدِينِ اللَّهِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ ما يُفِيدُ حَصْرًا لِأنَّ الإضافَةَ اللَّفْظِيَّةَ لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا، فَلَمْ يَحْصُلْ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ، ولَكِنَّ الحَوارِيِّينَ بادَرُوا إلى هَذا الِانْتِدابِ.

وقَدْ آمَنَ مَعَ الحَوارِيِّينَ أفْرادٌ مُتَفَرِّقُونَ مِنَ اليَهُودِ، مِثْلَ الَّذِينَ شَفى المَسِيحُ مَرْضاهم، وآمَنَ بِهِ مِنَ النِّساءِ أُمُّهُ عَلَيْها السَّلامُ، ومَرْيَمُ المَجْدَلِيَّةُ، وأُمُّ يُوحَنّا، وحَماةُ سَمْعانَ، ويُوثا امْرَأةُ حُوزِي وكِيلِ هِيرُودِسَ، وسُوسَةُ، ونِساءٌ أُخَرُ ولَكِنَّ النِّساءَ لا تُطْلَبُ مِنهُنَّ نُصْرَةٌ.

وقَوْلُهُ رَبَّنا آمَنّا مِن كَلامِ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةُ قَوْلِهِمْ، وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ الدُّعاءِ دُعاءً بِأنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ مَعَ الشّاهِدِينَ أيْ مَعَ الَّذِينَ شَهِدُوا لِرُسُلِ اللَّهِ بِالتَّبْلِيغِ، وبِالصِّدْقِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهم تَلَقَّوْا مِن عِيسى - فِيما عَلَّمَهم إيّاهُ - فَضائِلَ مَن يَشْهَدُ لِلرُّسُلِ بِالصِّدْقِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском