Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:62–67
3:62–63Page 58
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢
Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣
But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.
﴿إنَّ هَذا لَهْو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها بِالواوِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ”الكاذِبِينَ“ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونَ عِيسى عَبْدًا لِلَّهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ غُلِبَ، فَإثْباتُ أنَّهُ عَبْدٌ هو الحَقُّ.
واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى.
صفحة ٢٦٧
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهو القَصَصُ ضَمِيرُ فَصْلٍ، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ لِزِيادَةِ التَّقْوِيَةِ الَّتِي أفادَها ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لِأنَّ اللّامَ وحْدَها مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ، وضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ هَذا القَصَصُ لا ما تَقُصُّهُ كُتُبُ النَّصارى وعَقائِدُهم.
و القَصَصُ بِفَتْحِ القافِ والصّادِ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، يُقالُ: قَصَّ الخَبَرَ قَصًّا: إذا أخْبَرَ بِهِ، والقَصُّ أخَصُّ مِنَ الإخْبارِ؛ فَإنَّ القَصَّ إخْبارٌ بِخَبَرٍ فِيهِ طُولٌ وتَفْصِيلٌ وتُسَمّى الحادِثَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُخْبَرَ بِها - قِصَّةً بِكَسْرِ القافِ أيْ مَقْصُوصَةً أيْ مِمّا يَقُصُّها القُصّاصُ، ويُقالُ لِلَّذِي يَنْتَصِبُ لِتَحْدِيثِ النّاسِ بِأخْبارِ الماضِينَ قَصّاصٌ بِفَتْحِ القافِ. فالقَصَصُ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ ولَيْسَ هو مَصْدَرًا، ومَن جَرى عَلى لِسانِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَذَلِكَ تَسامُحٌ مِن تَسامُحِ الأقْدَمِينَ، فالقَصُّ بِالإدْغامِ مَصْدَرٌ، والقَصَصُ بِالفَكِّ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ واسْمٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُوصِ.
وقَوْلُهُ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ تَأْكِيدٌ لِحَقِّيَّةِ هَذا القَصَصِ. ودَخَلَتْ ”مِنَ“ الزّائِدَةُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ تَنْصِيصًا عَلى قَصْدِ نَفْيِ الجِنْسِ لِتَدُلَّ الجُمْلَةُ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ بِالصَّراحَةِ ودَلالَةِ المُطابَقَةِ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الوَحْدَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَيُوهِمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلاهانِ أوْ أكْثَرُ في شِقٍّ آخَرَ، وإنْ كانَ هَذا يَئُولُ إلى نَفْيِ الشَّرِيكِ لَكِنْ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ.
وقَوْلُهُ: وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ - فِيهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعِزَّةِ والحُكْمِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ إلَهِيَّةِ المَسِيحِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ مِنَ النَّصارى، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ قَتَلَهُ اليَهُودُ وذَلِكَ ذِلَّةٌ وعَجْزٌ لا يَلْتَئِمانِ مَعَ الإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ وهو غَيْرُ عَزِيزٍ وهو مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا إبْطالٌ لِإلَهِيَّتِهِ عَلى اعْتِقادِنا؛ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا لِإنْقاذِهِ مِن أيْدِي الظّالِمِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ فَقُلْ تَعالَوْا، وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ إذْ نَكَصُوا عَنِ المُباهَلَةِ، وقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا المُكابَرَةَ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا الحَقَّ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا أبَوُا المُباهَلَةَ، قالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ «فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا. فَأبَوْا، فَقالَ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، فَأبَوْا، فَقالَ لَهم: فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ
صفحة ٢٦٨
أيْ أتْرُكُ لَكُمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا، فَقالُوا: ما لَنا طاقَةٌ بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُصالِحُكَ عَلى ألّا تَغْزُوَنا ولا تُخِيفَنا، ولا تَرُدَّنا عَنْ دِينِنا عَلى أنْ نُؤَدِّيَ إلَيْكَ كُلَّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ حَمْراءَ ألْفًا في صَفَرٍ وألْفًا في رَجَبٍ وثَلاثِينَ دِرْعًا عادِيَّةً مِن حَدِيدٍ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهم رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهم، فَقالَ: لَأبْعَثَنَّ مَعَكم أمِينًا حَقَّ أمِينٍ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» -، ولَمْ أقِفْ عَلى ما دَعاهم إلى طَلَبِ أمِينٍ ولا عَلى مِقْدارِ المُدَّةِ الَّتِي مَكَثَ فِيها أبُو عُبَيْدَةَ بَيْنَهم.
3:64Page 58
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤
Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ .
رُجُوعٌ إلى المُجادَلَةِ، بَعْدَ انْقِطاعِها بِالدُّعاءِ إلى المُباهَلَةِ، بَعَثَ عَلَيْهِ الحِرْصُ عَلى إيمانِهِمْ، وإشارَةٌ إلى شَيْءٍ مِن زَيْغِ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَنْ حَقِيقَةِ إسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. وقَدْ جِيءَ في هَذِهِ المُجادَلَةِ بِحُجَّةٍ لا يَجِدُونَ عَنْها مَوْئِلًا، وهي دَعْوَتُهم إلى تَخْصِيصِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِ عَقِيدَةِ إشْراكِ غَيْرِهِ في الإلَهِيَّةِ. فَجُمْلَةُ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِجُمْلَةِ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا﴾ [آل عمران: ٦١] لِأنَّ مَدْلُولَ الأُولى احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِضِعْفِ ثِقَتِهِمْ بِأحَقِّيَّةِ اعْتِقادِهِمْ، ومَدْلُولَ هَذِهِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ. والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا النَّصارى: لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا المَخْلُوقَ رَبًّا وعَبَدُوهُ مَعَ اللَّهِ.
وتَعالَوْا هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في طَلَبِ الِاجْتِماعِ عَلى كَلِمَةٍ سَواءٍ وهو تَمْثِيلٌ: جُعِلَتِ الكَلِمَةُ المُجْتَمَعُ عَلَيْها بِشِبْهِ المَكانِ المُرادِ الِاجْتِماعُ عِنْدَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”تَعالَوْا“ قَرِيبًا.
والكَلِمَةُ هُنا أُطْلِقَتْ عَلى الكَلامِ الوَجِيزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .
صفحة ٢٦٩
و”سَواءٌ“ هُنا اسْمُ مَصْدَرِ الِاسْتِواءِ، قِيلَ بِمَعْنى العَدْلِ، وقِيلَ بِمَعْنى قَصْدٍ لا شَطَطَ فِيها، وهَذانِ يَكُونانِ مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ سَواءٌ وسِوًى وسَوًى بِمَعْنى مُتَوَسِّطٍ قالَ تَعالى: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِمَعْنى ما يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَإنَّ اتِّخاذَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا، لا يَكُونُ عَلى اسْتِواءِ حالٍ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ. وعَلى كُلِّ مَعْنًى فالسَّواءُ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ، وُصِفَ بِهِ ”كَلِمَةٍ“ وهو لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ، لِأنَّ الوَصْفَ بِالمَصْدَرِ واسْمِ المَصْدَرِ لا مُطابَقَةَ فِيهِ.
وألّا نَعْبُدَ بَدَلٌ مِن ”كَلِمَةٍ“ وقالَ جَماعَةٌ: هو بَدَلٌ مِن ”سَواءٍ“ ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ، في النَّوْعِ الثّانِي مِنَ الجِهَةِ السّادِسَةِ مِن جِهاتِ قَواعِدِ الإعْرابِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ، واعْتَرَضَهُ الدَّمامِينِيُّ وغَيْرُهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مَرْدُودٌ مِن جِهَةِ مُراعاةِ الِاصْطِلاحِ لا مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ ”سَواءٍ“ وصْفٌ لِـ ”كَلِمَةٍ“ و”ألّا نَعْبُدَ“ لَوْ جُعِلَ بَدَلًا مِن ”سَواءٍ“ آلَ إلى كَوْنِهِ في قُوَّةِ الوَصْفِ لِـ ”كَلِمَةٍ“ ولا يَحْسُنُ وصْفُ ”كَلِمَةٍ“ بِهِ.
وضَمِيرُ ”بَيْنَنا“ عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ: وهو النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ .
ويُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ إلى آخِرِهِ، التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ عَبَدُوا المَسِيحَ كُلِّهِمْ.
وقَوْلُهُ فَإنْ تَوَلَّوْا جِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِحَرْفِ ”إنْ“ لِأنَّ التَّوَلِّيَ بَعْدَ نُهُوضِ هَذِهِ الحُجَّةِ وما قَبْلَها مِنَ الأدِلَّةِ غَرِيبُ الوُقُوعِ، فالمَقامُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو صالِحٌ لِاقْتِلاعِ حُصُولِ هَذا الشَّرْطِ، فَصارَ فِعْلُ الشَّرْطِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ نادِرَ الوُقُوعِ مَفْرُوضًا، وذَلِكَ مِن مَواقِعِ ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ فَإنْ كانَ ذَلِكَ مِنهم فَقَدْ صارُوا بِحَيْثُ يُؤْيَسُ مِن إسْلامِهِمْ فَأعْرِضُوا عَنْهم، وأمْسِكُوا أنْتُمْ بِإسْلامِكم، وأشْهِدُوهم أنَّكم عَلى إسْلامِكم. ومَعْنى هَذا الإشْهادِ التَّسْجِيلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُظْهِرُوا إعْراضَ المُسْلِمِينَ عَنِ الِاسْتِرْسالِ في مُحاجَّتِهِمْ في صُورَةِ العَجْزِ والتَّسْلِيمِ بِأحَقِّيَّةِ ما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ فَهَذا مَعْنى الإشْهادِ عَلَيْهِمْ بِأنّا مُسْلِمُونَ.
3:65–66Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥
O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦
Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.
صفحة ٢٧٠
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن دُعائِهِمْ لِكَلِمَةِ الحَقِّ الجامِعَةِ لِحَقِّ الدِّينِ، إلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهُمُ الباطِلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِ إبْراهِيمَ، وزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم عَلى دِينِهِ تَوَصُّلًا إلى أنَّ الَّذِي خالَفَ دِينَهم لا يَكُونُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ كَما يَدَّعِي النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ فالمُحاجَّةُ فَرْعٌ عَنِ المُخالَفَةِ في الدَّعْوى. وهَذِهِ المُحاجَّةُ عَنْ طَرِيقِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ، أوْ مُحاجَّتُهُمُ النَّبِيءَ في دَعْواهُ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - مُحاجَّةٌ يَقْصِدُونَ مِنها إبْطالَ مُساواةِ دِينِهِ لِدِينِ إبْراهِيمَ، بِطَرِيقَةِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ أيْضًا.
فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن مَقُولِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ الرَّسُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] أيْ قُلْ لَهم: يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنافُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَقِبَ أمْرِهِ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ تَعالَوْا، فَيَكُونَ تَوْجِيهَ خِطابٍ إلى أهْلِ الكِتابِ مُباشَرَةً، ويَكُونَ جَعَلَ الجُمْلَةَ الأُولى مِن مَقُولِ الرَّسُولِ دُونَ هَذِهِ؛ لِأنَّ الأُولى مِن شُئُونِ الدَّعْوَةِ، وهَذِهِ مِن طُرُقِ المُحاجَّةِ، وإبْطالِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ. والكُلُّ في النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سَواءٌ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى هَذا الكَلامِ نَشَأتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] لِأنَّهُ قَدْ شاعَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في مَكَّةَ وبَعْدَها أنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَرْجِعُ إلى الحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَما في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وسَيَجِيءُ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وقَدِ اشْتُهِرَ هَذا وأُعْلِنَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في مَكَّةَ، وبَيْنَ اليَهُودِ في المَدِينَةِ، وبَيْنَ النَّصارى في وفْدِ نَجْرانَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم ورَثَةُ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ، وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ ادَّعَوْا أنَّهم
صفحة ٢٧١
عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُمُ ادِّعاءً قَدِيمًا أمْ كانُوا قَدْ تَفَطَّنُوا إلَيْهِ مِن دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاسْتَيْقَظُوا لِتَقْلِيدِهِ في ذَلِكَ، أمْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإفْحامِ لِلرَّسُولِ حِينَ حاجَّهم بِأنَّ دِينَهُ الحَقُّ، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَألْجَأُوهُ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرَ مُخْرِجَةٍ عَنِ اتِّباعِهِ، فَهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ في دِينِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُخْرِجَةً عَنْ دِينِإبْراهِيمَ فَلا يَكُونُ الإسْلامُ تابِعًا لِدِينِ إبْراهِيمَ.
وأحْسَبُ أنَّ ادِّعاءَهم أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ إنَّما انْتَحَلُوهُ لِبَثِّ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ بَيْنَ العَرَبِ، ولاسِيَّما النَّصْرانِيَّةَ؛ فَإنَّ دُعاتَها كانُوا يُحاوِلُونَ انْتِشارَها بَيْنَ العَرَبِ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا يَرُوجُ عِنْدَهم سِوى أنْ يَقُولُوا: إنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتُّبِعَتْ في بَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ، وهُنالِكَ أخْبارٌ في أسْبابِ النُّزُولِ تُثِيرُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ: فَرُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى اتِّباعِ دِينِهِ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ قالُوا: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ» فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ المُخاطَبُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ النَّصارى كالخِطابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ورُوِيَ: أنَّهُ تَنازَعَتِ اليَهُودُ ونَصارى نَجْرانَ بِالمَدِينَةِ، عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ، فادَّعى كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ دُونَ الآخَرِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، مِن يَهُودَ ونَصارى.
ولَعَلَّ اخْتِلافَ المُخاطَبِينَ هو الدّاعِي لِتَكْرِيرِ الخِطابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ يَكُونُ عَلى حَسَبِ الرِّوايَةِ الأُولى مَنعًا لِقَوْلِهِمْ: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، المَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ هو دِينَ إبْراهِيمَ. وتَفْصِيلُ هَذا المَنعِ: إنَّكم لا قِبَلَ لَكم بِمَعْرِفَةِ دِينِ إبْراهِيمَ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ الإسْلامَ زادَ فِيما جاءَ بِهِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَإنَّكم لا مُسْتَنَدَ لَكم في عَمَلِكم بِأُمُورِ الدِّينِ إلّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وهُما قَدْ نَزَلا مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ، فَمِن أيْنَ يُعْلَمُ ما كانَتْ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ حَتّى يُعْلَمَ المَزِيدُ عَلَيْها، وذِكْرُ التَّوْراةِ عَلى هَذا لِأنَّها أصْلُ الإنْجِيلِ. ويَكُونُ عَلى حَسَبِ الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ نَفْيًا لِدَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ مِنهُما أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ؛ بِأنَّ دِينَ اليَهُودِ هو التَّوْراةُ، ودِينَ النَّصارى هو الإنْجِيلُ، وكِلاهُما نَزَلَ
صفحة ٢٧٢
بَعْدَ إبْراهِيمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيعَةً لَهُ. قالَ الفَخْرُ: يَعْنِي ولَمْ يُصَرَّحْ في أحَدِ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ بِأنَّهُ مُطابِقٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى هَذا نَشْرٌ بَعْدَ اللَّفِّ: لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ شَمِلَ الفَرِيقَيْنِ، فَذِكْرُ التَّوْراةِ لِإبْطالِ قَوْلِ اليَهُودِ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لِإبْطالِ قَوْلِ النَّصارى، وذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُنا لِقَصْدِ جَمْعِ الفَرِيقَيْنِ في التَّخْطِئَةِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هُمُ النَّصارى الَّذِينَ مَساقُ الكَلامِ مَعَهم.
والأظْهَرُ عِنْدِي في تَأْلِيفِ المُحاجَّةِ يَنْتَظِمُ مِن مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَيُبْطِلُ بِذَلِكَ دَعْواهم أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ودَعْواهم أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ويُثْبِتُ عَلَيْهِمْ أنَّ الإسْلامَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ: وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَهم في الدِّينِ مُنْحَصِرٌ فِيهِما، وهُما نَزَلا بَعْدَ إبْراهِيمَ فَلا جائِزَ أنْ يَكُونا عَيْنَ صُحُفِ إبْراهِيمَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ يُبْطِلُ قَوْلَهم: إنَّ الإسْلامَ زادَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ لَمْ يَرِدْ فِيهِما التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وهَذا هو الفارِقُ بَيْنَ انْتِسابِ الإسْلامِ إلى إبْراهِيمَ وانْتِسابِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ إلَيْهِ، فَلا يَقُولُونَ وكَيْفَ يُدَّعى أنَّ الإسْلامَ دِينُ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن بَعْدِهِ.
وقَوْلُهُ واللَّهُ يَعْلَمُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أنْبَأ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا بِالإسْلامِ دِينِ إبْراهِيمَ وهو أعْلَمُ مِنكم بِذَلِكَ، ولَمْ يَسْبِقْ أنِ امْتَنَّ عَلَيْكم بِمِثْلِ ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأنْبَأ بِذَلِكَ أرَدْتُمْ أنْ تَنْتَحِلُوا هَذِهِ المَزِيَّةَ، واسْتَيْقَظْتُمْ لِذَلِكَ حَسَدًا عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَنَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعْذِرَةٌ في أنْ يَقُولُوا: إنَّ مَجِيءَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ لَنا ولَكم؛ فَإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بَعْدَ إبْراهِيمَ، ولَوْلا انْتِظامُ الدَّلِيلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا لَكانَ مُشْتَرَكَ الإلْزامِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ فَلِمَ تُحاجُّونَ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى الغَلَطِ.
صفحة ٢٧٣
وقَدْ أعْرَضَ في هَذا الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ عَنْ إبْطالِ المُنافاةِ بَيْنَ الزِّيادَةِ الواقِعَةِ في الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ، وبَيْنَ وصْفِ الإسْلامِ بِأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ: لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم مِن صِحَّةِ النَّظَرِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ زِيادَةِ الفُرُوعِ، واتِّحادِ الأُصُولِ، وأنَّ مُساواةَ الدِّينَيْنِ مَنظُورٌ فِيها إلى اتِّحادِ أُصُولِهِما سَنُبَيِّنُها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] فاكْتُفِيَ في المُحاجَّةِ بِإبْطالِ مُسْتَنَدِهِمْ في قَوْلِهِمْ: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ، عَلى طَرِيقَةِ المَنعِ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] عَلى طَرِيقَةِ الدَّعْوى بِناءً عَلى أنَّ انْقِطاعَ المُعْتَرِضِ كافٍ في اتِّجاهِ دَعْوى المُسْتَدِلِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: هاأنْتُمْ بِإثْباتِ ألْفِ ها وبِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ أنْتُمْ، وقَرَأهُ قالُونُ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الألِفِ وتَسْهِيلِ هَمْزَةِ ”أنْتُمْ“ وقَرَأهُ ورْشٌ بِحَذْفِ ألِفِ ”ها“ وبِتَسْهِيلِ هَمْزَةِ ”أنْتُمْ“ وبِإبْدالِها ألِفًا أيْضًا مَعَ المَدِّ، وقَرَأهُ قُنْبُلٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ دُونَ ألِفٍ.
ووَقَعَتْ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ المَسْئُولُ عَنْهُ هو سَبَبَ المُحاجَّةِ فَما صَدَّقَ ”ما“ عِلَّةٌ مِنَ العِلَلِ مَجْهُولَةٌ، أيْ سَبَبُ المُحاجَّةِ مَجْهُولٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ لِأنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ، فَلا يُعْلَمُ، فالِاسْتِفْهامُ عَنْهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ولَيْسَ عَيْنَهُ.
وحُذِفَتْ ألِفُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ فِيها إذا وقَعَتْ مَجْرُورَةً بِحَرْفٍ نَحْوَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] وقَوْلِ ابْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ عاتِقِي
والألِفاتُ الَّتِي تُكْتَبُ في حُرُوفِ الجَرِّ عَلى صُورَةِ الياءِ. إذا جُرَّ بِواحِدٍ مِن تِلْكَ الحُرُوفِ (ما) هَذِهِ يَكْتُبُونَ الألِفاتِ عَلى صُورَةِ الألِفِ: لِأنَّ ”ما“ صارَتْ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ فَأشْبَهَتْ جُزْءَ الكَلِمَةِ فَصارَتِ الألِفاتُ كالَّتِي في أواسِطِ الكَلِماتِ.
صفحة ٢٧٤
وقَوْلُهُ: في إبْراهِيمَ مَعْناهُ في شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ هُنا دِينُهُ، فَهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِ الذّاتِ يَتَعَيَّنُ مِنَ المَقامِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(ها) مِن قَوْلِهِ هَأنْتُمْ تَنْبِيهٌ، وأصْلُ الكَلامِ أنْتُمْ حاجَجْتُمْ، وإنَّما يَجِيءُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في مَحَلِّ التَّعَجُّبِ والتَّنْكِيرِ والتَّنْبِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ يُؤَكَّدُ غالِبًا بِاسْمِ إشارَةٍ بَعْدَهُ، فَيُقالُ هَأنَذا، وهَأنْتُمْ أُولاءِ أوْ هَؤُلاءِ.
وحاجَجْتُمْ خَبَرُ (أنْتُمْ) ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ حاجَجْتُمْ حالًا هي مَحَلُّ التَّعْجِيبِ بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ: فَلِمَ تُحاجُّونَ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ إنْكارِيٌّ، فَمَعْناهُ: فَلا تُحاجُّونَ.
وسَيَأْتِي بَيانُ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَأنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَكْمِيلٌ لِلْحُجَّةِ أيْ أنَّ القُرْآنَ الَّذِي هو مِن عِنْدِ اللَّهِ أثْبَتَ أنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وأنْتُمْ لَمْ تَهْتَدُوا لِذَلِكَ لِأنَّكم لا تَعْلَمُونَ، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
3:67Page 58
مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧
Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .
نَتِيجَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ إذْ قَدْ تَحَصْحَصَ مِنَ الحُجَّةِ الماضِيَةِ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ غَيْرُ الحَنِيفِيَّةِ، وأنَّ مُوسى وعِيسى، عَلَيْهِما السَّلامُ، لَمْ يُخْبِرا بِأنَّهُما عَلى الحَنِيفِيَّةِ، فَأنْتَجَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ عَلى حالِ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ؛ إذْ لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ عَنْ مُوسى ولا عِيسى، عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهَذا سَنَدُهُ خُلُوُّ كُتُبِهِمْ عَنِ ادِّعاءِ ذَلِكَ. وكَيْفَ تَكُونُ اليَهُودِيَّةُ أوِ النَّصْرانِيَّةُ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ مَعَ خُلُوِّها مِن فَرِيضَةِ الحَجِّ، وقَدْ جاءَ الإسْلامُ بِذِكْرِ فَرْضِهِ لِمَن تَمَكَّنَ مِنهُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالَ أهْلُ المِلَلِ قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: فَحُجَّهم يا مُحَمَّدُ وأنْزَلَ
صفحة ٢٧٥
اللَّهُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ فَحَجَّ المُسْلِمُونَ وقَعَدَ الكُفّارُ» . ثُمَّ تَمَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأبْطَلَتْ دَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ.
والحَنِيفُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أفادَ الِاسْتِدْراكَ بَعْدَ نَفْيِ الضِّدِّ حَصْرًا لِحالِ إبْراهِيمَ فِيما يُوافِقُ أُصُولَ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ حَنِيفًا بِقَوْلِهِ مُسْلِمًا لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ ولا يُؤْمِنُونَ بِالإسْلامِ، فَأعْلَمَهم أنَّ الإسْلامَ هو الحَنِيفِيَّةُ، وقالَ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَفى عَنْ إبْراهِيمَ مُوافَقَةَ اليَهُودِيَّةِ، ومُوافَقَةَ النَّصْرانِيَّةِ، ومُوافَقَةَ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَثَبَتَتْ مُوافَقَتُهُ الإسْلامَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في مَواضِعَ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وأنَّهُ كانَ حَنِيفًا، وأنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هو الَّذِي جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وكُلُّ ذَلِكَ لا يُبْقِي شَكًّا في أنَّ الإسْلامَ هو إسْلامُ إبْراهِيمَ.
وقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الأُصُولَ الدّاخِلَةَ تَحْتَ مَعْنى ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] فَلْنَفْرِضْها في مَعْنى قَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَدْ جاءَ إبْراهِيمُ بِالتَّوْحِيدِ، وأعْلَنَهُ إعْلانًا لَمْ يَتْرُكْ لِلشِّرْكِ مَسْلَكًا إلى نُفُوسِ الغافِلِينَ، وأقامَ هَيْكَلًا وهو الكَعْبَةُ، أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وفَرَضَ حَجَّهُ عَلى النّاسِ ارْتِباطًا بِمَغْزاهُ، وأعْلَنَ تَمامَ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠] وأخْلَصَ القَوْلَ والعَمَلَ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ [الأنعام: ٨١] وتَطَلَّبَ الهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] ﴿وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ١٢٨] وكَسَّرَ الأصْنامَ بِيَدِهِ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]، وأظْهَرَ الِانْقِطاعَ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١]، وتَصَدّى لِلِاحْتِجاجِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وصِفاتِ اللَّهِ ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وحاجَّهُ قَوْمُهُ.
صفحة ٢٧٦
وعَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِيَيْأسَ مُشْرِكُو العَرَبِ مِن أنْ يَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وحَتّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ القَصْرَ المُسْتَفادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، حَيْثُ كانَ العَرَبُ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ لَكِنَّهم مُشْرِكُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences