Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:7–9, continued
بِما لا أعْلَمُ وجاءَ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجُلٌ إلى المَدِينَةِ مِنَ البَصْرَةِ، يُقالُ لَهُ صَبِيغُ بْنُ شَرِيكٍ أوِ ابْنُ عَسَلٍ التَّمِيمِيُّ فَجَعَلَ يَسْألُ النّاسَ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وعَنْ أشْياءَ. فَأحْضَرَهُ عُمَرُ، وضَرَبَهُ ضَرْبًا مُوجِعًا، وكَرَّرَ ذَلِكَ أيّامًا، فَقالَ: حَسْبُكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ ذَهَبَ ما كُنْتُ أجِدُ في رَأْسِي، ثُمَّ أرْجَعَهُ إلى البَصْرَةِ وكَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَمْنَعَ النّاسَ مِن مُخالَطَتِهِ. ومِنَ السَّلَفِ مَن تَأوَّلَ عِنْدَ عُرُوضِ الشُّبْهَةِ لِبَعْضِ النّاسِ، كَما فَعَلَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرْناهُ آنِفًا.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ - في (العَواصِمِ مِنَ القَواصِمِ) - مِنَ الكائِدِينَ لِلْإسْلامِ الباطِنِيَّةُ والظّاهِرِيَّةُ. قُلْتُ: أمّا الباطِنِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا مُعْظَمَ القُرْآنِ مُتَشابِهًا، وتَأوَّلُوهُ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ، وأمّا الظّاهِرِيُّونَ فَقَدْ أكْثَرُوا في مُتَشابِهِهِ، واعْتَقَدُوا سَبَبَ التَّشابُهِ واقِعًا، فالأوَّلُونَ دَخَلُوا في قَوْلِهِ: ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، والأخِيرُونَ خَرَجُوا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أوْ ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ فَخالَفُوا الخَلَفَ والسَّلَفَ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ - في العَواصِمِ -: وأصْلُ الظّاهِرِيِّينَ الخَوارِجُ الَّذِينَ قالُوا: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ، يَعْنِي أنَّهم أخَذُوا بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ، ولَمْ يَتَأوَّلُوهُ بِما هو المُرادُ مِنَ الحُكْمِ.
والمُرادُ بِالرّاسِخِينَ في العِلْمِ: الَّذِينَ تَمَكَّنُوا في عِلْمِ الكِتابِ، ومَعْرِفَةِ مَحامِلِهِ، وقامَ عِنْدَهم مِنَ الأدِلَّةِ ما أرْشَدَهم إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى، بِحَيْثُ لا تَرُوجُ عَلَيْهِمُ الشُّبَهُ. والرُّسُوخُ في كَلامِ العَرَبِ: الثَّباتُ والتَّمَكُّنُ في المَكانِ، يُقالُ: رَسَخَتِ القَدَمُ تَرْسَخُ رُسُوخًا إذا ثَبَتَتْ عِنْدَ المَشْيِ ولَمْ تَتَزَلْزَلْ، واسْتُعِيرَ الرُّسُوخُ لِكَمالِ العَقْلِ والعِلْمِ بِحَيْثُ لا تُضَلِّلُهُ الشُّبَهُ، ولا تَتَطَرَّقُهُ الأخْطاءُ غالِبًا، وشاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ. فالرّاسِخُونَ في العِلْمِ: الثّابِتُونَ فِيهِ العارِفُونَ بِدَقائِقِهِ، فَهم يُحْسِنُونَ مَواقِعَ التَّأْوِيلِ ويَعْلَمُونَهُ.
ولِذا فَقَوْلُهُ والرّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ، وفي هَذا العَطْفِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ: كَقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] وإلى هَذا التَّفْسِيرِ مالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمانَ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والشّافِعِيَّةُ، وابْنُ فَوْرَكٍ، والشَّيْخُ أحْمَدُ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا فَلَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ اسْتَأْثَرَ
صفحة ١٦٥
اللَّهُ بِعِلْمِها، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ أثْبَتَ لِلرّاسِخِينَ في العِلْمِ فَضِيلَةً، ووَصَفَهم بِالرُّسُوخِ، فَآذَنَ بِأنَّ لَهم مَزِيَّةً في فَهْمِ المُتَشابِهِ؛ لِأنَّ المُحْكَمَ يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ الكَلامَ، فَفي أيِّ شَيْءٍ رُسُوخُهم ؟ وحَكى إمامُ الحَرَمَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ في هاتِهِ الآيَةِ أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.
وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ، وإنَّ جُمْلَةَ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، ورَواهُ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ، وقالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، والكِسائِيُّ، والأخْفَشُ والفَرّاءُ، والحَنَفِيَّةُ، وإلَيْهِ مالَ فَخْرُ الدِّينِ.
ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ وصْفُهم بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ فَإنَّهُ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي أُثْبِتَ لِهَذا الفَرِيقِ، هو حُكْمٌ مِن مَعْنى العِلْمِ والفَهْمِ في المُعْضِلاتِ، وهو تَأْوِيلُ المُتَشابِهِ، عَلى أنَّ أصْلَ العَطْفِ هو عَطْفُ المُفْرَداتِ دُونَ عَطْفِ الجُمَلِ، فَيَكُونُ الرّاسِخُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ فَيَدْخُلُونَ في أنَّهم يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ. ولَوْ كانَ الرّاسِخُونَ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ خَبَرًا، لَكانَ حاصِلُ هَذا الخَبَرِ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ سائِرُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا زَيْغَ في قُلُوبِهِمْ، فَلا يَكُونُ لِتَخْصِيصِ الرّاسِخِينَ فائِدَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَسْمِيَتُهم راسِخِينَ تَقْتَضِي أنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ الجَمِيعُ وما الرُّسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، وما ذَكَرْناهُ وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا لِأحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، ولَيْسَ إبْطالًا لِمُقابِلِهِ إذْ قَدْ يُوصَفُ بِالرُّسُوخِ مَن يُفَرِّقُ بَيْنَ ما يَسْتَقِيمُ تَأْوِيلُهُ، وما لا مَطْمَعَ في تَأْوِيلِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ الرّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ.
واحْتَجَّ أصْحابُ الرَّأْيِ الثّانِي، وهو رَأْيُ الوَقْفِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ: بِأنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ والرّاسِخُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَكُونَ مُعادِلًا لِجُمْلَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: وأمّا الرّاسِخُونَ في العِلْمِ. وأجابَ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ المُعادِلَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا، بَلْ قَدْ يُحْذَفُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ١٦٦
﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ قالَ الفَخْرُ: لَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِهِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ؛ إذِ الإيمانُ بِما ظَهَرَ مَعْناهُ أمْرٌ غَيْرُ غَرِيبٍ. وسَنُجِيبُ عَنْ هَذا عِنْدَ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، وذَكَرَ الفَخْرُ حُجَجًا غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ.
ولا يَخْفى أنَّ أهْلَ القَوْلِ الأوَّلِ لا يُثْبِتُونَ مُتَشابِهًا غَيْرَ ما خَفِيَ المُرادُ مِنهُ، وأنَّ خَفاءَ المُرادِ مُتَفاوِتٌ، وأنَّ أهْلَ القَوْلِ الثّانِي يُثْبِتُونَ مُتَشابِهًا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهو أيْضًا مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ مِنهُ ما يَقْبَلُ تَأْوِيلاتٍ قَرِيبَةً، وهو مِمّا يَنْبَغِي ألّا يُعَدَّ مِنَ المُتَشابِهِ في اصْطِلاحِهِمْ، لَكِنَّ صَنِيعَهم في الإمْساكِ عَنْ تَأْوِيلِ آياتٍ كَثِيرَةٍ سَهْلٍ تَأْوِيلُها مِثْلَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] دَلَّ عَلى أنَّهم يَسُدُّونَ بابَ التَّأْوِيلِ في المُتَشابِهِ، قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ إنَّ تَأْوِيلَ ما يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ - عَلى الِاسْتِيفاءِ - إلّا اللَّهُ تَعالى، فَمَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الرّاسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ، فَإنَّما أرادَ هَذا النَّوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللَّهَ وصَفَ الرّاسِخِينَ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ عَلى الكَمالِ.
وعَلى الِاخْتِلافِ في مَحْمَلِ العَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ انْبَنى اخْتِلافٌ بَيْنَ عُلَماءِ الأُمَّةِ في تَأْوِيلِ ما كانَ مُتَشابِهًا مِن آياتِ القُرْآنِ، ومِن صِحاحِ الأخْبارِ، عَنِ النَّبِيءِ، ﷺ .
فَكانَ رَأْيُ فَرِيقٍ مِنهُمُ الإيمانَ بِها، عَلى إبْهامِها وإجْمالِها، وتَفْوِيضَ العِلْمِ بِكُنْهِ المُرادِ مِنها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ طَرِيقَةُ سَلَفِ عُلَمائِنا، قَبْلَ ظُهُورِ شُكُوكِ المُلْحِدِينَ أوِ المُتَعَلِّمِينَ، وذَلِكَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وبَعْضِ عَصْرِ تابِعِيهِمْ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ، ويَقُولُونَ: طَرِيقَةُ السَّلَفِ أسْلَمُ، أيْ أشَدُّ سَلامَةً لَهم مِن أنْ يَتَأوَّلُوا تَأْوِيلاتٍ لا يُدْرى مَدى ما تُفْضِي إلَيْهِ مِن أُمُورٍ لا تَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى ولا تَتَّسِقُ مَعَ ما شَرَعَهُ لِلنّاسِ مِنَ الشَّرائِعِ، مَعَ ما رَأوْا مِنِ اقْتِناعِ أهْلِ عَصْرِهِمْ بِطَرِيقَتِهِمْ، وانْصِرافِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ في طَلَبِ التَّأْوِيلِ.
وكانَ رَأْيُ جُمْهُورِ مَن جاءَ بَعْدَ عَصْرِ السَّلَفِ تَأْوِيلَها بِمَعانٍ مِن طَرائِقِ اسْتِعْمالِ الكَلامِ العَرَبِيِّ البَلِيغِ مِن مَجازٍ، واسْتِعارَةٍ، وتَمْثِيلٍ، مَعَ وُجُودِ الدّاعِي إلى التَّأْوِيلِ، وهو تَعَطُّشُ العُلَماءِ الَّذِينَ اعْتادُوا التَّفَكُّرَ والنَّظَرَ وفَهْمَ الجَمْعِ بَيْنَ أدِلَّةِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِطَرِيقَةِ الخَلَفِ، ويَقُولُونَ: طَرِيقَةُ الخَلَفِ أعْلَمُ، أيْ أنْسَبُ بِقَواعِدِ
صفحة ١٦٧
العِلْمِ وأقْوى في تَحْصِيلِ العِلْمِ لِجِدالِ المُلْحِدِينَ، والمَقْنَعِ لِمَن يَتَطَلَّبُونَ الحَقائِقَ مِنَ المُتَعَلِّمِينَ، وقَدْ يَصِفُونَها بِأنَّها أحْكَمُ أيْ أشَدُّ إحْكامًا؛ لِأنَّها تُقْنِعُ أصْحابَ الأغْراضِ كُلَّهم. وقَدْ وقَعَ هَذانِ الوَصْفانِ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ وعُلَماءِ الأُصُولِ، ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْيِينِ أوَّلِ مَن صَدَرَ عَنْهُ، وقَدْ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - في العَقِيدَةِ الحَمَوِيَّةِ - إلى رَدِّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ ولَمْ يَنْسُبْهُما إلى قائِلٍ. والمَوْصُوفُ بِأسْلَمَ وبِأعْلَمَ الطَّرِيقَةُ لا أهْلُها؛ فَإنَّ أهْلَ الطَّرِيقَتَيْنِ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ، ومِمَّنْ سَلِمُوا في دِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ.
ولَيْسَ في وصْفِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأنَّها أعْلَمُ أوْ أحْكَمُ، غَضاضَةٌ مِنَ الطَّرِيقَةِ الأُولى؛ لِأنَّ العُصُورَ الَّذِينَ دَرَجُوا عَلى الطَّرِيقَةِ الأُولى فِيهِمْ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِمْ مَحامِلُها بِسَبَبِ ذَوْقِهِمُ العَرَبِيِّ، وهَدْيِهِمُ النَّبَوِيِّ، وفِيهِمْ مَن لا يُعِيرُ البَحْثَ عَنْها جانِبًا مِن هِمَّتِهِ، مِثْلَ سائِرِ العامَّةِ. فَلا جَرَمَ كانَ طَيُّ البَحْثِ عَنْ تَفْصِيلِها أسْلَمَ لِلْعُمُومِ، وكانَ تَفْصِيلُها بَعْدَ ذَلِكَ أعْلَمَ لِمَن جاءَ بَعْدَهم، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُؤَوِّلُوها بِهِ لَأوْسَعُوا لِلْمُتَطَلِّعِينَ إلى بَيانِها مَجالًا لِلشَّكِّ أوِ الإلْحادِ أوْ ضِيقِ الصَّدْرِ في الِاعْتِقادِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّأْوِيلَ مِنهُ ما هو واضِحٌ بَيِّنٌ، فَصَرْفُ اللَّفْظِ المُتَشابِهِ عَنْ ظاهِرِهِ إلى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ يُعادِلُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْهِ المَشْهُورَيْنِ لِأجْلِ كَثْرَةِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في المَعْنى غَيْرِ الظّاهِرِ مِنهُ. فَهَذا القِسْمُ مِنَ التَّأْوِيلِ حَقِيقٌ بِألّا يُسَمّى تَأْوِيلًا، ولَيْسَ أحَدُ مَحْمَلَيْهِ بِأقْوى مِنَ الآخَرِ إلّا أنَّ أحَدَهُما أسْبَقُ في الوَضْعِ مِنَ الآخَرِ، والمَحْمَلانِ مُتَساوِيانِ في الِاسْتِعْمالِ ولَيْسَ سَبْقُ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ بِمُقْتَضٍ تَرْجِيحَ ذَلِكَ المَعْنى، فَكَمْ مِن إطْلاقٍ مَجازِيٍّ لِلَفْظٍ هو أسْبَقُ إلى الأفْهامِ مِن إطْلاقِهِ الحَقِيقِيِّ. ولَيْسَ قَوْلُهم في عِلْمِ الأُصُولِ بِأنَّ الحَقِيقَةَ أرْجَحُ مِنَ المَجازِ بِمَقْبُولٍ عَلى عُمُومِهِ.
وتَسْمِيَةُ هَذا النَّوْعِ بِالمُتَشابِهِ لَيْسَتْ مُرادَةً في الآيَةِ. وعَدُّهُ مِنَ المُتَشابِهِ جُمُودٌ.
ومِنَ التَّأْوِيلِ ما ظاهِرُ مَعْنى اللَّفْظِ فِيهِ أشْهَرُ مِن مَعْنى تَأْوِيلِهِ ولَكِنَّ القَرائِنَ أوِ الأدِلَّةَ أوْجَبَتْ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِ مَعْناهُ. فَهَذا حَقِيقٌ بِأنْ يُعَدَّ مِنَ المُتَشابِهِ.
ثُمَّ إنَّ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ في مِثْلِهِ قَدْ يَتَيَسَّرُ بِمَعْنًى مُسْتَقِيمٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ المُرادُ إذا جَرى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما هو مِن مُسْتَعْمَلاتِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ مِثْلَ الأيْدِي والأعْيُنِ في
صفحة ١٦٨
قَوْلِهِ: ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] فَمَن أخَذُوا مِن مِثْلِهِ أنَّ لِلَّهِ أعْيُنًا لا يُعْرَفُ كُنْهُها، أوْ لَهُ يَدًا لَيْسَتْ كَأيْدِينا، فَقَدْ زادُوا في قُوَّةِ الِاشْتِباهِ.
ومِنهُ ما يُعْتَبَرُ تَأْوِيلُهُ احْتِمالًا وتَجْوِيزًا بِأنْ يَكُونَ الصَّرْفُ عَنِ الظّاهِرِ مُتَعَيِّنًا. وأمّا حَمْلُهُ عَلى ما أوَّلُوهُ بِهِ فَعَلى وجْهِ الِاحْتِمالِ والمِثالِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] فَمِثْلُ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِهِ ولا يَدَّعِي أحَدٌ أنَّ ما أوَّلَهُ بِهِ هو المُرادُ مِنهُ ولَكِنَّهُ وجْهٌ تابِعٌ لِإمْكانِ التَّأْوِيلِ، وهَذا النَّوْعُ أشَدُّ مَواقِعِ التَّشابُهِ والتَّأْوِيلِ.
وقَدِ اسْتَبانَ لَكَ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ: أنَّ نَظْمَ الآيَةِ جاءَ عَلى أبْلَغِ ما يُعَبَّرُ بِهِ في مَقامٍ يَسَعُ طائِفَتَيْنِ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ في مُخْتَلِفِ العُصُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ حالٌ مِنَ الرّاسِخُونَ أيْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ في هَذِهِ الحالَةِ والمَعْنى عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القَوْلِ الكِنايَةَ عَنِ الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُعْتَقِدِ أنْ يَقُولَ مُعْتَقَدَهُ، أيْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولا يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمْ شَكٌّ مِن جِهَةِ وُقُوعِ المُتَشابِهِ حَتّى يَقُولُوا: لِماذا لَمْ يَجِئِ الكَلامُ كُلُّهُ واضِحًا، ويَتَطَرَّقُهم مِن ذَلِكَ إلى الرِّيبَةِ في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ . ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ: يَقُولُونَ لِغَيْرِهِمْ، أيْ مَن لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ الرُّسُوخِ مِن عامَّةِ المُسْلِمِينَ، الَّذِينَ لا قِبَلَ لَهم بِإدْراكِ تَأْوِيلِهِ، لِيُعَلِّمُوهُمُ الوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِ الإيمانِ، وعَدَمَ التَّطَلُّعِ إلى ما لَيْسَ بِالإمْكانِ، وهَذا يَقْرُبُ مِمّا قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ: إنَّ المُجْتَهِدَ لا يَلْزَمُهُ بَيانُ مُدْرَكِهِ لِلْعامِّيِّ، إذا سَألَهُ عَنْ مَأْخَذِ الحُكْمِ، إذا كانَ المُدْرَكُ خَفِيًّا. وبِهَذا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنِ احْتِجاجِ الفَخْرِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِتَرْجِيحِ الوَقْفِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ.
وعَلى قَوْلِ المُتَقَدِّمِينَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ”يَقُولُونَ“ خَبَرًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ آمَنّا بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ لَمْ نَفْهَمْ مَعْناهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ. وهو عَلى الوَجْهَيْنِ بَيانٌ لِمَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ فَلِذَلِكَ قُطِعَتِ الجُمْلَةُ. أيْ كُلٌّ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.
صفحة ١٦٩
وزِيدَتْ كَلِمَةُ ”عِنْدَ“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ”مِن“ هُنا لِلِابْتِداءِ الحَقِيقِيِّ دُونَ المَجازِيِّ، أيْ هو مُنَزَّلٌ مِن وحْيِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِهِ، ولَيْسَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] .
وجُمْلَةُ ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ تَذْيِيلٌ، لَيْسَ مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ، مَسُوقٌ مَساقَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ في اهْتِدائِهِمْ إلى صَحِيحِ الفَهْمِ.
والألْبابُ: العُقُولُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
3:8–9Page 50
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨
[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩
Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
دُعاءٌ عُلِّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ: لِأنَّ المَوْقِعَ المَحْكِيَّ مَوْقِعُ عِبْرَةٍ ومَثارٍ لِهَواجِسِ الخَوْفِ مِن سُوءِ المَصِيرِ إلى حالِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَما هم إلّا مِن عُقَلاءِ البَشَرِ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرّاسِخِينَ، في الإنْسانِيَّةِ، ولا في سَلامَةِ العُقُولِ والمَشاعِرِ، فَما كانَ ضَلالُهم إلّا مِن حِرْمانِهِمُ التَّوْفِيقَ، واللُّطْفَ، ووَسائِلَ الِاهْتِداءِ.
وقَدْ عُلِمَ مِن تَعْقِيبِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] الآياتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما قُصِدَ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّ مِنهُ مُحْكَمًا ومِنهُ مُتَشابِهًا - إيقاظَ الأُمَّةِ إلى ذَلِكَ لِتَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في تَدَبُّرِ كِتابِها: تَحْذِيرًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ، الَّذِي أوْقَعَ الأُمَمَ في كَثِيرٍ مِنهُ وُجُودُ المُتَشابِهاتِ في كُتُبِها، وتَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِنِ اتِّباعِ البَوارِقِ الباطِلَةِ مِثْلَ ما وقَعَ فِيهِ بَعْضُ العَرَبِ مِنَ الرِّدَّةِ والعِصْيانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّدَيُّنَ بِالدِّينِ إنَّما كانَ لِأجْلِ وُجُودِ الرَّسُولِ بَيْنَهم، ولِذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ يَدْعُو بِهَذِهِ الآيَةِ في صَلاتِهِ مُدَّةَ ارْتِدادِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، فَفي المُوَطَّأِ، عَنِ الصُّنابِحِيِّ: أنَّهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ
صفحة ١٧٠
وراءَهُ المَغْرِبَ فَقامَ في الثّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنهُ حَتّى إنَّ ثِيابِي لَتَكادُ تَمَسُّ ثِيابَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وهَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآيَةَ.
فَزَيْغُ القَلْبِ يَتَسَبَّبُ عَنْ عَوارِضَ تَعْرِضُ لِلْعَقْلِ مِن خَلَلٍ في ذاتِهِ، أوْ دَواعٍ مِنَ الخُلْطَةِ أوِ الشَّهْوَةِ، أوْ ضَعْفِ الإرادَةِ، تَحَوَّلُ بِالنَّفْسِ عَنِ الفَضائِلِ المُتَحَلِّيَةِ بِها إلى رَذائِلَ كانَتْ تَهْجِسُ بِالنَّفْسِ فَتَذُودُها النَّفْسُ عَنْها بِما اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ مِن تَعالِيمِ الخَيْرِ المُسَمّاةِ بِالهُدى، ولا يَدْرِي المُؤْمِنُ، ولا العاقِلُ، ولا الحَكِيمُ، ولا المُهَذَّبُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُلُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الشَّقاءِ، وكَذَلِكَ لا يَدْرِي الشَّقِيُّ، ولا المُنْهَمِكُ، الأفِنُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُفُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الإقْلاعِ عَمّا هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِن تَغَيُّرِ خَلْقٍ، أوْ خُلُقٍ، أوْ تَبَدُّلِ خَلِيطٍ، قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] ولِذا كانَ دَأْبُ القُرْآنِ قَرْنَ الثَّناءِ بِالتَّحْذِيرِ، والبِشارَةِ بِالإنْذارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ تَحْقِيقٌ لِلدَّعْوَةِ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ؛ إذْ أسْنَدُوا الهُدى إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ كَرَمًا مِنهُ، ولا يَرْجِعُ الكَرِيمُ في عَطِيَّتِهِ، وقَدِ اسْتَعاذَ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطاءِ.
و ”إذْ“: اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي مُتَصَرِّفٌ، وهي هُنا مُتَصَرِّفَةٌ تَصَرُّفًا قَلِيلًا؛ لِأنَّها لَمّا أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ كانَتْ في مَعْنى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَنصُوبَةٍ كانَتْ فِيها شائِبَةُ تَصَرُّفٍ، كَما هي في يَوْمَئِذٍ وحِينَئِذٍ، أيْ بَعْدَ زَمَنِ هِدايَتِكَ إيّانا.
وقَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ طَلَبُوا أثَرَ الدَّوامِ عَلى الهُدى وهو الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَنعَ دَواعِي الزَّيْغِ والشَّرِّ. وجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ تَيْسِيرَ أسْبابِها وتَكْوِينَ مُهَيِّئاتِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الإنْسانُ مُعَرَّضًا لِنُزُولِ المَصائِبِ والشُّرُورِ في كُلِّ لَمْحَةٍ؛ فَإنَّهُ مَحْفُوفٌ بِمَوْجُوداتٍ كَثِيرَةٍ، حَيَّةٍ وغَيْرِ حَيَّةٍ، هو تِلْقاءَها في غايَةِ الضَّعْفِ، لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ بِهِ بِإيقاظِ عَقْلِهِ لِاتِّقاءِ الحَوادِثِ، وبِإرْشادِهِ لِاجْتِنابِ أفْعالِ الشُّرُورِ المُهْلِكَةِ، وبِإلْهامِهِ إلى ما فِيهِ نَفْعُهُ، وبِجَعْلِ تِلْكَ القُوى الغالِبَةِ لَهُ قُوى عَمْياءَ لا تَهْتَدِي سَبِيلًا إلى قَصْدِهِ، ولا تُصادِفُهُ إلّا عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] ومِن أجْلى مَظاهِرِ اللُّطْفِ أحْوالُ الِاضْطِرارِ والِالتِجاءِ وقَدْ كُنْتُ قُلْتُ كَلِمَةَ ”اللُّطْفُ عِنْدَ الِاضْطِرارِ“ .
صفحة ١٧١
والقَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ لِلْمُبالَغَةِ، لِأجْلِ كَمالِ الصِّفَةِ فِيهِ تَعالى؛ لِأنَّ هِباتِ النّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِما أفاضَ اللَّهُ مِنَ الخَيْراتِ شَيْءٌ لا يُعْبَأُ بِهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ بِـ ”إنَّ“ وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وبِطَرِيقِ القَصْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اسْتَحْضَرُوا عِنْدَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْها، وهو يَوْمُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ سَبَبًا لِلْفَوْزِ الأبَدِيِّ، فَأعْقَبُوا بِذِكْرِ هَذا اليَوْمِ دُعاءَهم عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، كَأنَّهم قالُوا: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، وخاصَّةً يَوْمَ تَجَمُّعِ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] . عَلى ما في تَذَكُّرِ يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ المُناسَبَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ الغُواةِ والمُهْتَدِينَ، والعُلَماءِ الرّاسِخِينَ.
ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ لا رَيْبَ فِيهِ جَدِيرًا بِالوُقُوعِ، فالمُرادُ نَفْيُ الرَّيْبِ في وُقُوعِهِ. ونَفَوْهُ عَلى طَرِيقَةِ نَفْيِ الجِنْسِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِارْتِيابِ المُرْتابِينَ، هَذا إذا جَعَلْتَ ”فِيهِ“ خَبَرًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ صِفَةً لِرَيْبٍ وتَجْعَلَ الخَبَرَ مَحْذُوفًا عَلى طَرِيقَةِ ”لا“ النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: عِنْدَنا، أوْ لَنا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الرَّيْبِ أيْ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، فَلا يُخْلِفُ ذَلِكَ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ خَبَرَهُ، والمِيعادُ هُنا اسْمُ مَكانٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences